رواية روح متنقلة الفصل الثانى عشر12 بقلم ليلي مظلوم

رواية 🌹روح متنقلة🌹

الجزء الثاني عشر ..


-لقد اشتقت إليك يا عزيزتي… سبعة أشهر مضت ولم ألمس هاتين اليدين الناعمتين ..أحبك يا صغيرتي ..


وكابرت تالين على إظهار دموعها الفرحة بعودة أمها من جهة ..ودموع توترها من جهة    أخرى ..وهمست لأمها: أنا لست مرتاحة هنا ..أشعر بالخوف.. 


-حسنا سأحاول أن أسوي الأمر مع والدك ..


ثم نظرت إلى فؤاد بطريقة غريبة ..وترددت في أن تمد يدها لتصافحه ..ولكنه قام هو     بهذه المهمة ..وشعرت بالإحراج ..وأمسك يدها بنعومة وحنان ...ثم ضغط  عليها وتحسسها جيدا  ..وهو يقول: حمدالله على سلامتك ..ألم تعجبك بلاد الإغتراب ..؟


وحاولت أن تسحب يدها بهدوء ..ولكنه منعها من ذلك حيث سجنها بين كفيه ..وقالت هي: رحم الله أخاك ..وأرجو أن تكون خاتمة الأحزان ..


-شكرا لك ..أطال الله في عمرك ..ولا يمكن للأحزان أن تختم مهمتها في هذا العالم ..


وظل ينظر إليها ويبثها شوقه ببريق عينيه … إلى أن شدها إليه وحاول احتضانها ..فدفعته 

عنها بطريقة لبقة ..ثم جلست على الأريكة ..وأشعلت سيجارها هي أيضا ..وقالت: 

-لقد جئت إلى هنا لأقوم بالواجب ..وبعدها آخذ تالين كي تبقى في منزلي في هذه الفترة ..لا تناسبها هذه الأجواء ..


-لا ..أنا آسف ..ليس لك بها إلا السبت والأحد ..وبعد أربع سنوات ستقرر هي مصيرها بنفسها ..ربما تسكن معك ..وربما معي ..وربما مع شخص آخر من يدري ..


-معك؟؟!!!!!!!


-نعم!! 


-وهل ترضى السيدة سارة بهذا ؟؟


-لو كنت أرى أن الأمر يناسب تالين لما توانيت عن أخذها لتعيش معي ..ولكننا في

 منزل غريب ..وأخ سارة الأصغر يسكن معنا بعد وفاة أمه ..ولا مجال لطرده ..فهل تموت الإنسانية يا سيدة هيندا ..؟


-لا… لا تموت ..ماذا عن تالين الآن ..أصبح المنزل كئيبا جدا هنا ..وهذا لا يناسب صحتها 

الجسدية والنفسية ..وأظن

 أنها أصبحت في صف يخول لها الذهاب إلى المدينة فما الحل برأيك ؟؟إن أعطيتني إياها ورضيت هي بذلك ..ستكون بأمان معي ..


-لا… لا يمكن هذا ..سأتدبر أمري !!لا تقلقي…

 

كانت تالين تستمع إلى الحوار بشوق ونهم وخوف ..وتمنت لو أن والدها يسمح لها الذهاب

 إلى منزل أمها ..وربما السفر معها عندما تقرر ذلك ..فهي تهوى السفر ..تريد أن ترى وطنا غير هذا الوطن الذي رفضها عند لحظة ولادتها ..فهل يتحقق حلمها ؟؟


وعلى ما يبدو أن ذلك اليوم هو يوم المفاجآت ..ها هي أم فؤاد الحقيقية تظهر على الساحة.. ليفاجأ الجميع بحضورها ..وتقول تالين :أليست هذه جدتي ؟؟


نظر إليها فؤاد معاتبا إياها على إهمالها له في أيام الطفولة ..ولم يدرك أنه ارتكب خطأها ولكن بشكل أفظع ..ها هو التاريخ يعيد نفسه بطريقة

 أقسى وأقسى ..اقتربت منه الأم بخطوات متثاقلة ..وكان متسمرا  في مكانه متفاجئا 

من رؤيتها بعد كل تلك السنين ..احتضنته دون أن يحرك ساكنا.. وهي تقول: سامحني يا فؤاد

 ..سامحني ..لأنني أنجبتك إلى هذه الحياة ولم أهيئ لك الظروف المناسبة ..أنا حقا آسفة ..!!


ما يضحك فعلا أيها السادة هو أن الأولاد الذين ينتقدون تربية أهلهم ومعاملتهم إياهم ..يقومون بترجمة ما حفظوه مع أولادهم ليعد التاريخ نفسه ..فقلما تجد أشخاصا قد تعلموا من غلطة أهلهم ..وكأن التاريخ 

أخذ على عاتقه الإنتقام ..إنه ليس التاريخ ..إنها الفكرة عن الحياة التي نشأ وترعرع 

فيها ..فإن لم يغير الشخص أفكاره لا يمكن أن يغير حياته ..الحياة برمتها عبارة عن أفكار ولا تحتاج إلا لفلترة ..وسيكون كل شيئ على ما يرام ..


كانت تالين وأمها تراقبان المشهد.. ولو كان بالإمكان احتضان الأم بدل ابنها لفعلتا ..إلا فؤاد عادت إليه ذكرياته ..ها هي أمه تتركه لتتزوج رجلا آخر غير

 والده دون أن تسأل عنه.. ووالده تركه معه في المنزل ولم يفعل كما فعل هو مع تالين ..فكانت زوجة والده هي أمه الحقيقية 

..وبالرغم من معاملتها العادية ..إلا أنها كانت تفضل أبناءها الحقيقيين كسائر الأمهات 

..ولم ينقم عليها فؤاد ..فهذا شيئ طبيعي ..وعندما أصبح في سن المراهقة حاولت أمه التقرب إليه بعد وفاة زوجها الذي كان يرفض وجوده أساسا ..

ولكن هيهات كيف سيسامحها بعد أن طرده زوجها مرات عديدة من منزله ..وهي لم تفعل شيئا ..والقدر انتقم منها حتى لا تنجب أطفالا آخرين ..أو هذا ما كان يظنه فؤاد ولم يعلم أن زوج 

أمه عقيم ..ولماذا ذلك الأخير لم. يعتبره كولدا له ..بالطبع لأنه ينتقم من حرمانه من الأولاد ..وكان سيئ الطبع مع الجميع وليس فقط مع ابن زوجته ..


لا زالت كلمات الأم الحزينة تتناثر في الهواء: سامحني يا فؤاد ..سامحني ..

ففكر للحظات وهو ينظر إلى ابنته وطليقته ..وقرر أن يسامح أمه فجأة ..ولكن لغاية في نفس فؤاد ..هو لايستطيع أخذ ابنته لتعيش معه .ولا يستطيع

 أن. يبقيها في هذا المنزل البائس ..والأهم أنه يستحيل أن يتركها لأمها ..فأفضل حل أن تذهب لتعيش تالين مع جدتها ..فقال بمشاعر باردة :سامحك الله يا أمي ..


-حقا ؟؟!


-حقا!! 


-أين هي زوجة أبيك ؟؟


-لقد ذهبت إلى المشفى بسبب حزنها الشديد ..وربما تصبح مشلولة ..


-شلل المشاعر أصعب وأدهى ياولدي صدقني ..فعندما علمت بأمر الحادثة خطرت إلى بالي ..ولم أستطع أن أبقى بعيدا ..وأنا أحسد زوجة أبيك لأنها فقدت ابنا كان إلى جوارها دوما وليس مثلي ..


فتجاهل كلماتها ..ونادى: تالين ..تالين… جهزي أغراضك كي تذهبي مع جدتك !!

                 الجزء الثالث عشر من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

 

تعليقات



<>