رواية 🌹روح متنقلة🌹
الجزء السادس ..
فأمسكها من يدها ..وأخذها إلى غرفة أخرى عنوة… ليتحدث إليها وحدها ..وعندما حاول والدها التدخل وطرد فؤاد من المنزل قالت له :لا تقلق ..لن تؤثر كلمات الكون كله بقراري ..وعلى فؤاد أن يعرف هذا !!دعنا نتكلم وحدنا يا أبي ..
واحترم الاب الغاضب رغبة ابنته موقنا بقرارها ..وقفت هيندا وجها لوجه أمام زوجها الذي قال لها بلهجة يشوبها اللوم والعتاب :هل حقا تريدين الإنفصال عني ..؟
-حقا!!!
-وهل الأمر يستحق كل هذا ..أخبريني برجل واحد لم يعرف امرأة أخرى غير زوجته ؟؟!!
-ما هذه السخافة ؟؟!!جئت لتبرر فعلتك وكأن شيئا لم يكن ..هلا احترمت مشاعري قليلا .؟؟
-أنا أحترمك أنت ومشاعرك وكل شيء يخصك ..لا تدمري عشنا الجميل الذي بنيناه معا ..
فأطرقت هيندا رأسها أرضا ..وفكرت للحظات غابت عن المكان والزمان ..وظن فؤاد أنها ستسامحه ..وستعود معه إلى المنزل وكأن شيئا لم يكن ..ولكن
ليس هذا ما قد حصل ..وفاجأته بهيندا الجديدة وقالت له بنبرة قاسية :دعنا ننفضل لا يمكنني أن أنسى الليالي التي قضيتها مع دموعي ..وأنت
أين كنت ..كنت في سرير تلك الحقيرة تمطرها بالغزل ..لا يمكنني أن أتجاهل ذلك المشهد أبدا ..
فاقترب منها أكثر وأكثر وحاول أن يمسك يدها عله يفرغ ما في قلبها من شحنات سلبية ..لكنها أفلتت يدها وأدارت ظهرها وهي تقول: لا تحاول أن تسترضيني بهذه الطريقة ..اليوم أنا لست هيندا التي تعرفها ..
فقال بلهجة حزينة حانية :أرجوك ..أرجوك دعينا نرحل من هنا ..وأعدك ..
فقاطعته بقسوة :لا تعدني يا فؤاد !!!فوعودك ستتلاشى مع الهواء.. أنتم الرجال كاذبون ..لماذا لم أرَ منك كل هذا الاهتمام والخوف عندما كنت بحاجته في يوم من الأيام..
من يريد أن يغير من نفسه أو أفعاله حقا لا تكفيه لقلقة اللسان والندم الآني ..كل ذلك يتلاشى
ويذهب بعيدا حسب المزاج النفسي لصاحب العهد ..فقد تبرم وثيقة في لحظة ما وأنت فرح تجعلك تندم عندما تكون حزينا ..وإن أبرمتها وأنت في لحظة غضب قد تندم طوال
عمرك ..لذلك تجنب الوعود ..واترك كل شيئ على سجيته ..يكفي أن تكون صادقا في لحظتك الآنية ..والصدق ليّن يتماهى مع حالتك السيكولوجية ..
وفجأة تحول الحنون الذي يتوسل إلى زوجته بالعودة ..إلى أسد مزمجر يهدد ويتوعد ..حيث ترجل بسرعة إلى الناحية التي كانت تنظر إليها هيندا
واقترب منها بسرعة البرق ثم أمسكها من ذقنها بقوة ..وأمكسها من قلبها بحقارة ..قائلا: لن أنفصل عنك إلا أذا وقعت
أصابعك الصغيرة الجميلة هذه على ورقة التنازل عن حق الحضانة وعن حقوقك الشرعية أيضا ..فكري جيدا حريتك مقابل هذا ..وأنا أنتظر منك جوابا ..
ثم أفلت يده وغادر المكان غاضبا دون أن ينبس ببنت شفة ..أما هيندا فشعرت بحرارة تسري في أعضاء جسدها ..فهي ليست قادرة على العيش بعيدا عن ابنتها ...وطبعا ليست غريزة الأمومة. وحدها هي السبب ..فهي تتطلع إلى المستقبل البعيد عندما تأتي إليها ابنتها معاتبة :لماذا تركتني يا أمي ..لا سامحك الله ..
كان هذا المشهد يرن في مخيلتها كالصاعقة ..ودخل أهلها إلى الغرفة ليرياها في حالة يرثى لها ..حيث تبدلت أحوالها وتبددت قوتها وهي تتمتم ;لا أريد أن أعيش بعيدا عن تالين ..لقد توعّدني أنه سيأخدها مني ..
-لن يستطيع ذلك فالحضانة من حقك !!
-هل نسيت يا أبي أنه محام بارع وله سلطته أمام القضاء..
ففكر الأب للحظات ...ثم أصدر الحكم المحتوم ..:لن تعودي إلى ذلك المنزل مهما حدث وأنا سأتولى أمور الطلاق ..لا تخافي يا حبيبتي فأنا إلى جانبك..
كانت تلك الكلمات كمسكن لآلام هيندا التي هرعت إلى ابنتها وبدأت تلاعبها وتحضنها بقوة قائلة :لن يسرقوك مني يا حبيبة قلبي .
.
تلك الطفلة الصغيرة قد يخطر إلى بال أحدهم أنها لا تفهم ما يجري حولها وخصوصا عندما سمعت الصراخ الذي جرى بين جدها وأبيها ..ولكنها كانت تحفظ المشهد جيدا وتخبؤه في لاوعيها ..وتطبعه في ذاكرتها ..وقد بدت عليها علامات النبوغ وهي في مثل هذه السن الصغيرة ..وبدلا من توجيه هذا الإبداع إلى ممارسة هواية ما ..كان يتوجه إلى المشاحنات والأجواء المنفرة ..
واستمر النزاع بين فؤاد وهيندا من أجل الإنفصال إلى أن قدمت هيندا دعوى طلاق إلى المحكمة مع والدها ..وفي اليوم الذي كانت تنتظر فيه إصدار الحكم ..وكانت قد أوكلت والدها في الأمر طبعا ..طلب منها والدها أن تبقى في المنزل وتهتم بتالين واعدا إياها أنه سيعود بورقة طلاقها ..وأصر على بقائها في المنزل ..ورضخت الأخيرة إلى هذا الطلب ..وفي المحكمة قدم كل مدعٍ ما لديه من معطيات ..كان فؤاد يرفض الطلاق بشدة ..وبعد القيل والقال ..
وافق أخيرا بشرط تعجيزي وهي أن تتنازل هيندا عن حق الحضانة ..وبما أنه يعرف الثغرات القانونية والعاطفية..كان يوقن أن هيندا لن ترضى بهذا الشرط ..فابنتها أغلى من أي شيء
على قلبها ..وفكر والد هيندا مليا بالأمر ..وتذكر دموع ابنته ..وحالتها الصعبة ..وقال لنفسه: قد تبكي لعدة أيام على فراق ابنتها ..ولكنها ستبكي العمر كله لو بقيت إلى جانب ذلك الظالم..
فقال للقاضي: قد ننتازل عن حق الحضانة ..ولكن من حق ابنتي أن ترى ابنتها ليوم
أو يومين من كل أسبوع ..
فقال المحامي البارع بتحد واضح :يوم واحد هذا يكفيها ..!
فهز الأب رأسه موافقا ..وطُلب منه أن يوقع ورقة التنازل… واعترض فؤاد :على
هيندا أن توقع بدلا عنك هذا قرارها وحدها..
فأجابه :أنت في بلد تخطت فيه القوانين الإنسانية كل حدود ثم تأتي لتعترض على توقيع
سخيف أيها المحامي النزيه..
