رواية ندبات الشيطان الفصل الثالث عشر13بقلم ساره عاصم



رواية "ندبات الشيطان"

الفصل الثالث عشر "



رفيق روح 1"

وكأن الحياة تبتسم بعدما أشبعتك آلاماً مُبرحة , كأنها تُكفر عن ذنوبها تجاهك والتي هدمت بآمالك المرجوة ,تُقدم إليك هدية تصالح على شكل شخصٍ إذا فكرت الدنيا فقط أن يلمس الحُزن قلبك .. أطاح بها بعيداً

.........

لم يتحدثا منذُ فترة كبير , منذ أن كانوا فى المزرعة لينشغل رائد بمرضه الشديد وكنان في خطبته الذى قاربت على أن تُعقد 

نظراته اللائمة تكاد تخترق ذلك الواقف بثقة يضع يده في جيب بنطاله وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة مُتأسفه بسبب ما أخطأ به في حق صديقه 

-وماله ما كنت تتجوز من غير ما تقولى ! , ولا أقولك ابقى تعالى البيت زرنى انت والعيال !!

حاول كنان كتم ضحكته على جمله رائد الأخيرة لكنه فشل فانسلت ببطئ ليحاول استعادة جديته وهو يقترب من رائد الذى استشاطَ غضباً منه

- أنا آسف صدقنى مكنتش مرتب

رفعَ رائد حاجبيه بتعجُب وهو يهتف بسخرية واضحة عاقداً ذراعيه لصدره

-في ايه يا شرقاوى , انت مبتخطيش خطوة غير لما تكون عامل حسابها

شردَ قليلاً ذاك اليوم الذى فقدَ فيه عقله وتولى قلبه مُهمة أفعاله!

-والله لو قلتلك انى فعلاً مكنتش عامل حساب الخطوبة ولا كده خالص مش هتصدقنى

نظرَ رائد لعيناه ليلتمع الصدق بهما , ليتنهد رائد ببطئ ويتقدم كنان لإحتضانه قائلاً بصدق

-متزعلش منى , المرادى فعلاً مكنتش مرتب لأى حاجة 

بادلة رائد العناق ليقول بنبرة هادئة 

-عارف والله , بس بعد ما ده حصل إيه تفكيرك دلوقتى؟

- مش عارف

أردفَ بقله حيلة وهو يهز كتفيه كأنه لا يعرف , وبالفعل هو كذلك بعدما سمعَ صوتها في الهاتف ورأى نظرتها التي كانت تحثه على الإقتراب شيئاً فشيئاً , لم يرد أن يذهب مجهودها لإبهاره أن يذهب هباءاً ومن الناحية الأخرى حاول إرضاء قلبه !

انفجرَ رائد من الضحك حالما سمعَ من كنان أن يحاول إرضاء قلبه , ليتوقف بعد فترة وهو يجاهد لذلك

-قلبك؟؟ من امتى يعنى 

ثم صارت عيناه أكثر حدثة وكلامه أصبحَ أكثر جدية

-انت اتهبلت .. انت داخل العيلة دى ليه من الأول؟

-معرفش إيه اللى حصل ؟!

هتفَ كنان بعصبية وهو يُشيح بيده بعيداً , ليعطي ظهره لرائد حتى لا يقرأ ما بعيناه , يتخفى حتى لا تفضحه مُقلتاه التي صرحت قبلاً بعشق تلك البندقية التي أثرته !

-اوعى يا كنان اوعى ؟؟

وقفَ رائد قبالته ووضع يده على كتفه قائلاً بنبرة مُحذره وعينان يجوبهما القلق

ليخفض الأخر رأسه دليلاً على حدوث ما كان يخشاه

-حبيتها ؟

سأل رائد بتوجس وهو يهزه برفق , ليجيبه الأخر بعدما رفعَ عيناه الغائر بينهما الحُزن والفائض بين ثناياها العشق

-اتعلقت بيها

تركه رائد وهو يستوعب ما قاله .. كيف ؟! أحبها تلك النظرة التي بعينى كنان هي نفس النظرة التي بعينى زوجته " إيمى " نظرة حُب مشوبه بتعلق يتأجج داخلها احتياج ومشاعر مدفونة تود الصُراخ بها!

ليست قضيته الآن ليركز فقط  على ما أصاب ذلك ال... عاشق!

ضربَ كفيه ببعضهما وأغلق عيناه لوهله ثم أردفَ بنبرة تساؤل

-وبعدين

قطبَ كنان حاجبيه بإستغراب وهو يتفحص صديقه الذى يبدو كأنه فقدَ عقله

-بعدين إيه ؟؟

- هتسيبها امتى ؟

اتسعت عينا كنان بغضبٍ لكن شابَه بعض القلق وهو يهدر

-مش هسيبها طبعاً

زفرَ رائد بتثاقل , ثم نظرَ إليه مرة أخرى يحاول سبر أغواره , لكنه في النهاية هتفَ بلا مُبالاه

-تمام ,بس لما يحصل حاجة متجيش تندم!

-واندم ليه ؟؟

كانت نبرته متوجسه أكثر منها تساؤليه , ليجيب ذلك الذى التوت شفتاه بسخرية

- لأ ولا حاجة , لما تحصل حرب ما بين العلتين وحُبكم يبقى في خطر وتحاول تتخلى عن حاجة من الإتنين هتبقى تعرف الندم شكله إيه

ثم استطردَ بنبرة مُتألمة وعيناه يجوبهما الحسرة 

-متحطش نفسك في موقف اختيار .. لأنه وحش أوى 

تركه بعدما أنهى جُملته دون سماع أي ردٍ منه , وكنان في عالمٍ أخر حتى سمعَ غلق الباب من خلفه ليغمض عيناه ويضم قبضه التي جعلت عروق ساعده تبدأ في الظهور وما كان منه إلا أن قذفَ بالمزهرية لتتهشم فور أن احتكت بالأرض ليراقبها وهى تتحطم لأجزاء صغيرة كروحه التي تفتت بكلام رائد الأخير , وخروج الورد الاصطناعى منه كخروجه عن المألوف ونزع قناع قوته والظهور بوجهه الحقيقى !

الصبر لا يأتي عند الشدائ فقط الصبر مُتآصل داخلنا حتى ما إذا شعرَ الإنسان بما يضطرب له القلب ويجعله يختلج بين الضلوع غلفه بهاله باردة تمنع أي مُقترب من المساس به!

.................

ما بين ندبات الدهر الأسبق ونكبات المُستقبل المجهول , العُنصر المفقود هنا هو دراما الحدث وفُقدان الشغف , تخيل أن تقضى عُمرك كله تحاول العثور على ثغره تداوى ندباتك التي تركت أثراً غائراً بروحك وجسدك .. لا تجد!

ليس لأن إيمانك بالنجاةٍ ضعيف , بل أن قدرك مرهون بشجاعتك إما الخلاص والنجاة بالثورة .. أو الكتمان والعيش بالذل الأعظم

لو كان بينما حُبٌ لغفرت , ولو كان هناك وداً لقَبِلت , بل براءه قلبٍ وآمالٍ انكدرت , وإقبالاً لحياة فقدت!

هذا ما شعرت به وهى تستند على رُخام المطبخ تحاول الثبات والوقوف على  قدميها لتعد الطعام  لمن أراد أن يتزود منه دون سؤاله عن عدم اتزان جسدها ولا رعشه يديها وهى تمسك بالطبق , لكن الحق ليس عليه لطالما كان كذلك منذ أن تزوجته يأمر فقط وهى تنفذ!

أليس من السُخرية أن يكون أسمك لا يُشبه حياتك!

فهى حياة لطالما اعتقدت أن معيشتها تشبهها وأنها ستكون حياةً وردية يتخللها بضع المشاكل التي تستظيع حلّها بكلمةٍ طيبة أو بأسلوبٍ مُنمق 

بل حدثَ العكس أصبحت الحياة جحيماً أسودًا لا يعرف لمنفذِ الهواءِ طريقاً

سقطت مُغشيهً عليها بعدما جاهدت لتخرج من المطبخ  تحمل بيدها الطعام ليدوى صوت ارتطام الصينية -التي كانت تمسكها- بالأرض 

حاول أن يمسك عصاته ويهرع لرؤية ما حدث بعدما نادى كثيراً ولم يأتهِ الرد , ليرن الجرس على أحفادة وأولاده الذين هرعوا من صياحة من هول ما رأى

ماذا لو استفقت ووجدت نفسك في الجنة ؟ كم من السعادةٍ ستشعر وكيف ستتقبل الأمر إذا أصبحت تعيش في نعيمها المُباح !

جنةٌ ليس فيها بُغضاً أو كراهية بل مودة وتسامح ودت لو أنها في الدنيا!

فتحت عينها بصعوبه بالغة لتنطق بصوتٍ 

واهن

-متخافوش عليا أنا كويسة

تراه بينهم , بين الحشد الذى تدخلَ لإنقاذها بين من  ستخرج من الدنيا بهم , بين من  تجمعهم خصالٍ منه ودت لو قطعتها بمقصٍ الملابس الذى منعها من استخدامه بعدما رفض حُبها للحياكة وباع الحياكة الخاصة بها

أغمضت عيناها مرة أخرى وهى تسمع أصواتهم حولها لكنها غير قادرةٌ على الكلام , تجاهد ليخرج بصعوبة من فمها

حتى شعرت شيماء بحاجتها للنوم فأردفت لها بتساؤل قلق

-تحبى تنامى يا ماما شوية

أماءت بضعف وعيناها مازالت مُغلقتين وهى تحاول الإنفصال عن العالم الخارجي مرة أخرى مُتأهبه للقاء تلك الجنة في أحلامها !

.....................

حسناً لنتفق على أن رفيق الروح ينتشلك من العالم بأسره ويصنع عالماً خاصاً لكما فقط , عالمٌ لا تحكمه البغضاء واستبداء الر أي , أو يترأسها الظُلم والحب الخاطئ

فقط السلام الذى يعم أرجاء العالم الذى يحاوطهما فقط!

-عايز أشوفك

كانت نبرته هادئة أشبه بها للتمتمه ,مُنتظراً ردها الذى تأخر لوهله

-ليه في حاجة ولا إيه ؟

كان سؤالها عفوياً ليتنحنح كنان قائلاً بجدية وبصوتٍ آجش

-مفيش حاجة مُهمة يعنى

-بمعنى؟!

-هتقابلينى؟

-هشوف

-هتقابلينى ؟

-مش عارفة

-هتقابلينى 

-خلاص خلاص تمام هقابلك 

ظل يراوغها حتى أخبرته بنفاذ صبرٍ أنها ستقابله لتنسل ابتسامة على شفتيه جراء حديثها اطفولى الغاضب !

يتخيل شكل ملامحها الغاضب وتقطيبه جبينها وعقده حاجبيها وكيف أنها تزم شفيها بخطٍ مُستقيم مجرد التّخيُل جعله يبتسم بخفه 

-تمام مستنيكى قدام البيت!!

-ايييييه؟؟؟!

صرخت بهلع وهى تجرى تجاه الشرفه لتجده مُستنداً على سيارته والهاتف بعيداً عن أذنه , لكنه رغم كل ذلك يبتسم !!

دخلت سريعاً ولا تعرف كيف ارتدت ملابسها المُنمقه وصففت شعرها بعناية وحددت بندقيتاها بلونٍ أسود لتبدو بحالة أكثر إشراقاً عما كانت عليه قبل قليل 

-انت مجنون ؟؟ ثم انت جيت هنا ليه

أردفت وهى تسير اتجاهه ولا تتوقف عن الحديث , وربما هذا خففَ من حدة ما شعرت به أثناء ما أخبرها أنه يريد أن يلتقى بها 

-ثم  انت عرفت منين انى هوافق أجر معاك

-قلبى قالى !

جملته أطاحت بما كانت ستتفوه به لتصمت وهى تنزل سبابتها التي كانت تتحرم مع كل جمله تتفوه بها , ليكسو وجنتيها الحمرة الخفيفة جراء خجلها

قالها وبدون أي مقدماتٍ أو اعذار فقط عيناه أخبرتها بصدق حديثه وقد صدقت!

كانت تشعر بارتباكٍ شديد ففوق ارتباكها أنها تجلس بجانبة داخل السيارة وحديثه قبل قليل إلا أنها تريد أن تسأله سؤالاً ألحَ عليها بشدة لذا تنحنحت قبل أن تهتف وهى تفرك يدها بتوتر 

-احم احم , هو انت قُلت لبابا إيه؟

نظرَ لها مُستفهماً , لتستطرد هي باضطرابٍ أكثر 

-أصل يعنى لما اتصلت قولتله انى ه..

قاطعها مُتذكراً ومازالت عيناه على الطريق وابتسامة فاترة ارتسمت على فمه

-أه افتكرت , أكيد من قبل ما أطلب منك حاجة زى دى خدت الإذن من والدك

أماءت بابتسامة خفيفة ثم وجهت عيناها للأمام وهى تشعر في نفسها شعوراً غريباً , ليس اطمئناناً ولا خوف ... بل هو شعور لم تستطع تفسيره .. احساساً بين الحيرة والضيــاع !

ركنَ السيارة بمكانٍ مُناسب ثم أيقظَ تلك الغافلة من شرودها وترجلَ من السيارة وفتحَ بابها ليجدها تنظر باستغراب وعيناها تدوران بالمكان الذى جاءا إليه ؟

-هايبر !! 

نطقت بتعجُب ليبتسم دون حديث ويلتقط يدها تجاه المدخل بينما هي تسير خلفه بصمتٍ تام

-لما بزهق باجى هنا

قالَ وهو ينتقى عربة مشتريات ويتجول بها في ركنٍ من الأركان ومن الواضح أنه مخصص لأدوات المطبخ

بينما هي سارت خلفه سريعاً حتى تواكب تقدمه وهى تريد أن تستفهم 

-بتيجى الهايبر عشان تفك عن نفسك !

فكرت قليلاً ثم استكملت بفرح

-تصدق فكرة حلوة برده , الأكل مريح للأعصاب برده 


ضحكَ علي حديثها بينما يبعثر شعرها , لتنظر له بعمق قبل مقلاه وتفحصها بعناية لتنظر إلى ما في يده قائلة بتساؤل

-بتعرف تطبخ ؟

أماءَ بمعنى "نعم" لتزم شفتيها باستقامة ثم سارت خلفه وقد وصلا لقسم الطعام لتجد أنه لم يضع شيئًا في العربة سوى بعض مناشف المطبخ 

كانت قد تعبت من السير وهو يسير ببطئ وبمللٍ شديد للغاية ليجعلها تشعر بالتعب في ساقيها

-أنا تعبت من كتر اللف وانت مشترتش غير شوية المناديل دول .. هنفضل نلف كتير

نظرَ لها وأشار بمعنى "صبراً" ثم سارَ في طريقه كالعاده ليمر بعضًا من الوقت ومازال العربة تحمل المناشف فقط لذا وقفت أمام العربة تسد طريقه قائلة بنبرة مُتعبه

-أناتعبت من اللف وانت مش بتتكلم و..

انسلت منها شهقة وهى تراه يحملها ليضعها بالعربة , ظلت عده ثوانٍ غير مستوعبة ما حدث لتجد أنه بدأ السير بالفعل !

لا تعرف ماذا تغير لكن انقلبَ الجو من حولها فجأة وصار يشاكسها ويرمى الأشياء عليها وينطلق بها بسرعة وهى تضحك بسعادة على أفعاله المتهورة 

وهو لم يكن أقلُ منها سعادة فمن كان يتصور أنه سيترك يوماً لا يعمل به لينطلق في تلك النزهة الصاخبة التي تملأها ضحكاتها ومشاكسته العفوية , وأنه سيتشرى كنزة تُماثل كنزة فتاة حتى فقط يكونا متشابهين بالملبس ويرتدياها سوياً!!

من كان يدرى أنه سيتحول هكذا ومِن مَن ....!

رفيق الروح يجعلك تنسى ما عايشته وما تفكر به من سوء فقط لأنه يؤمن بك وما بداخلك ,تنسيا مع بعضكما كل السيئات التي تغلف حياتكما فقط لأنكما تريدا أن تحظيا بعضًا طيباً من الوقت 

-كان جميل أوى بجد , شكراً يا كنان أنا استمتعت جداً

أردفت اسيل وهى تقف أمام بوابة المنزل وهى تنظر إليه بابتسامة صافية تحمل ذلك الكيس الذى خصصه لها من مرح اليوم

-أنا اللى انبسطت صدقينى .. يوم زى ده مبيتكررش كتير , تصبحى على خير

هتفَ مُبادلاً إياها الابتسام ثم رحل ليركب سيارته وينطلق بعد أن تأكد من صعودها , بينما هي عصفَ التفكير بذهنها كيف لشخصيته أن تتبدل وكيف لوالدها أن يوافق

أسئلة لن يُجيب عليها سوى كنان وأرادت ألا تُفسد بها اليوم لكن غداً ستخبره بما يعتمل بصدرها حتى تتمكن من فهم الأمور!

وما كان الأمر إلا أن رفيقى روحٍ أرادا اللقاء لكن الحياة لم تعطيهما فرصة ..

                    الفصل الرابع عشر من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا


تعليقات



<>