
رواية بهجت
" الفصل الثاني "
بقلم ساره عاصم
الكاتبة تكتب في كافة الانحاء وكل المواضيع
كتبت على يومياتها بموقع التواصل الاجتماعي الشهر، ولا تنفك
تلك الفتاة عن إثارة الشُبهات حولها وتضييق الخناق الذي
سيجتز رقبتها مرة !
مرتها الأولى كانت الصيف الماضي حينما نشرت مقالاً يدعم
مجتمع الميم " المثلية" ، ويومها تلقت أهوالاً من التعليقات ،
بعضهما معارض والأخر سأكتبها على استحياءٍ " مؤيد "
تلك القضية التي يزعمون أنها جينية رغم عدم ثبوت جين
وراثي مُختص في تحويل الميول !!
هل كانت قضية تدعمها منظمة أم أن انتفاضة العالم لأجلهم
كانت من باب الحريـة والتي تستقطب المزيد من الأناس
العاديين تحت هذا البند !
أغلقت الهاتف سريعًا ولم تمنح فرصة لنفسها لترى التعليقات
والتي ستنقسم بالتأكيد وهي ليست مُهتمة بذلك
المهم أن يحصد منشورها عددًا كبيرًا من الإعجابات والتعليقات
حتى لو أثارت قضيـة دعمها مُنافي لدينها
-"يلا خلّيهم يهروا وينكتوا في نفسهم كده وأنا في الأخر اللي بكسب "
فتحت محفظتها الصغيرة لتتقوس شفتيها في ضيق وهي
ترمق بعض الجنهيات السابحة في فراغ الجيوب
-"دول يادوبك يغدوني ويعشوني ..يلا"
فتحت النافذة ونادت على ولد من الأولاد الذين يلعبون الكـرة ،
ثم ناولته النقود
-"واد يا علي هاتلي كيسين أندومي من عند البقال وخدلك جنية "
امتعضَ الفتى الصغير وهو يرمق النقود بحنق
-"جنية هيعمل إيه ، أنا عايز خمسة جنية "
"إذا كان أنا محلتيش غيرهم ياولا .. ها هتروح وتاخد الجنية
ولا أروح أنا وأوفره ؟"
-"خلاص ماشي"
وبقلة حيلة مشى الفتى للبائع بينما ابتسمت هي بانتصار ،
وعلى حين غُرة وجدت قطة صغيـرة سودا تقف أمام محل
الميكانيكي على غير هدى
وإذ بها تتفاجأ بالرجل يأخذ بعضًا من المسامير ويلقيها في
وجه القطة التي بقت مُرابطة أمام باب المحل !
لم يجد بُداً إلا وهو يضربها بيد المفك والتي آلمت القطة ،
حيثُ تشنجَ جسدها وهربت سريعًا لكنها لم تصدر مواء ككل القطط!
-"خدي يا بهجة ، وعمو ممدوح بيقولك روحي عشان تصفي
الحساب اللي عليكِ عشان وصل ل..."
زجرت الفتى الصغير بعنف مُقاطعة إياه وهي تضع اصبعها على
فمها في إشارة لجعله يتوقف عن الكلام
-"اشش إخرس يا ولا متعليش صوتك "
ثم اقتربت منه مُبتلعه ريقها بتوجس
-"هو قالك عليّا كام ؟"
-"خمسين جنيـة"
زوت ما بين حاجبيها في ضيق وتأففت ناظرة للفتى
-"خلاص غور "
-"غورة تشيلك يا ...بهجت"
قالها الفتى وهو يعدو مُبتعدًا عنها بعد أن أثار غيظها والذي
جعلَ ملامح وجهها تتجعد وتزأر غاضبة
-"أه يابن ال.. هات الجنية يلا يابن يُسرية "
زفرت بضيقٍ سافر ثم أغلقت النافذة والتي ظلَ زجاجها مكسور ...
رمقت غرفتها -المرتبة بعنايـة شديدة – بشك قبل أن تتجه
لركن المطبخ تصنع لها ما تأكله
فهي منذ الأمس لم تذق سوى الشطيرة والتي لا تتذكر طعمها
كل ما في حلقها هو طعم دماءٍ صدئ
شعرت بأنفاسها تتثاقل وجفنيها يغلقان دون إرادتها ، وعلى بُعدٍ
ليس بقليل هناك قطة سوداء تحدق بها بأعين صفراء
تمسكت بالموقد أمامها وبدلاً من أن تستند على الصاج استندت
على الإناء ذي الماء المغلي ليقع علي الأرض بعدما أحرق يدها
والقطة مازالت تُحدق بها دون إصدار أي مواء
تُغلق عينيها مرة فترى القطة ثم تعاود فتحهما فلا ترى شيئًا
القطة تقترب منها لترى عينيها تتوهجان
وفي النهاية استسلمت ...فلم تشعر بشيء سوى الظلام الذي
اقتنصها كفريسة وابتلعها داخله
..........
كانت صُدف مُقدرة !
ووحدها الظروف كانت سهمًا انطلقَ ليرشق في جذع الشجرة ،
ولم يكن الأخير فالجُعبة كانت مُمتلئة وما يلبث أن ينقص منها
واحدًا حتى يتجدد آخر داخلها ...
فتلك نار الانتقام لا تهدأ بل تتجدد حتى تقضي على صاحبها
صوت طرقات عاليـة جعلتها تستيقظ من إغماءها ، نظرت
حولها لتجد أنها على سريرها ولا أثار لأي شيء على الموقد !
نظرت ليدها التي من المفترض أن تكون محروقة لتجدها
سليمة ، لقد شُفيت تمامًا ولم يبقى سوى أثرٍ بُني يذكرها بتلك الحادثة
قطبت حاجبيها بدهشة وآلاف الأسئلة تضرب عقلها بلا هوادة
قطعَ تفكيرها فيما حدث صوت الباب مـرة أخرى لتنهض
بتكاسل تفتحه لتصطدم بوجهٍ ملائكي
إن كان يقال لها بهجت بسبب مظهرها الفوضوي والمشعث
فالتي أمامها بالتأكيد حسناء !
-"أهلاً أنا ملك جارتك في الشقة اللي قدامك ، حبيت أتعرف عليكِ"
حدجت الواقفة أمامها بتفحص شديد ، عينان زرقاوان تُنافسان
بحر المالديف بنقائه ، ذات بشرة بيضاء توازي الصوء ...
بالتأكيد سيكون اسمها ملك وليس هي !
-"تشرفت بيكِ أنا بهجة !"
قاطعتها ملك مُبتسمة بلطف
-"أيوة عارفاكِ ... ماجي اللي بتكتب قصص على الفيس صح ؟"
شحبَ وجه بهجة فجأة وانسحبت منه الدماء وهي ترى أن سرها انكشف
-"عرفتِ منين أنا داخلة باسم مُستعار "
وبصوتها الغنّاء أجابت ملك بدبلوماسية
-" بحب أجمع المعلومات عن الكاتبات اللي بحبهم ، متقلقيش
مش هقول لحد كلنا بنضطر نلجأ للكذب "
كانت واضحة وصريحة إلى أبعد حد ، ابتسمت بهجة قبل أن
تُفسح لها المجال لتدخل بعدما راقَ لها الحديث رغم توجسها الطفيف
-
"طيب اتفضلي يا ملك ميصحش تقفي على الباب كده ..
اقلعي الجزمة وادخلي "
نظرت ملك لقدمها بابتسامة جزلة لتقول بنبرة مُغايرة لطبيعتها الناعمة
-"مـرة تانية أكون عاملة حسابي "
عادَ الخوف يطرق قلب بهجة بعنف فما إن رأت ابتسامتها
ونبرتها الجامدة نوعًا ما حتى انتابتها مشاعر مختلطة .. الفزع .. الراحة ... الترقب !!
-"عن إذنك بقى يا حبيبتي همشي وهجيلك وقت تاني "
استأذنت ملك وقد عاد صوتها الرقيق بينما لم تجد بهجة بُدًا
سوى أن تومئ برأسها وتدخل مرة أخرى للداخل
...........
عشية اليوم ..
تفقدت هاتفها المليء بالرسائل والتعليقات وللحق أنها كانت
تتوقع تلك الثورة ، لكن بعد أن حصدَ منشورها عشرة آلاف
إعجاب وأربعة آلاف تعليق لم تستطع أن تكبح فرحتها حتى
وإن كانت مبنية على سخط !
تفقدت تعليقات المعارضين الكُثر وهي تبتسم ، تعلم في قرارة
نفسها أن ما تفعله يُعبر نفاقًا مع الله
فهي تمشي مع التيار ، تؤيد الدارج حتى لو خالف شريعتها ومبادئها
"مش بتدعميهم ! ربنا يحشرك معاهم يارب "
"يارب تموتي وإنتِ على الكفر ده وابقي أيديهم في النار بقى يا روحي "
وجاءَ تعليقٌ آخر قاسيًا
"كلاب السوشيال ميديا ، عبيد الفلوس اللي بيروجوا لأفكار
غلط وتجمع فئة كبيرة من الشباب عشان يمشوا مع التيار ،
تفتكري حسابك عند ربنا هيبقى إيه وانتِ بتأيدي كبائر الذنوب ؟!
هو حضرتك متعرفيش إن المثليـة دي ذنب كبير ، وهتتحاسبي
على الكلام ده يا كبيرة يا متعلمة ..و الله شكلك لا متعلمة ولا
نيلة ... الأشكال دي أكيد خدت العلم من الزبالة"
استفزتها السيدة التي كتبت التعليق ، ثارت نفسها وتأجج
صدرها بالغيظ المشحون بالحقد .. كلمة أخرى وكانت ستسبها
بأقذع الألفاظ لكنها كبحت خروج غضبها وقامت بحظرها بعد
أن ردت عليها بسخرية
"تعرفي لو واحد من الاتنين اللي ذكرتيهم دول شاف تعليقك
اللي انتِ شايفة انه نصيحة ممكن يعند ويكمل في اللي بيعمله
.. ياتقولي خيرًا يا تتكتمي خالص !"
الحُجة الدائمة ، رغم أن كلام السيدة كان قاسيًا هو الأخر ولا
ينبغي أن تتحدث بمثل تلك الطريقة العنيفة ففي النهاية الأمر
متروك لها ، الله من سيحاسبها
وإن كانت ستقدم النصيحة فليبقى الأمر بطريقة أفضل
ودائمًا ما يجد هؤلاء الناس ما يؤهلهم للهجوم دائمًا فتتخذ
أنت وضعية الدفاع وهذا ما يصبون إليه ..
أما بالنسبة للمؤيدين فهم مُقتنعين بالحريـة والديموقراطية
طالما أنها لا تؤذي فلما لا نعيش بسلام ونتقبل بعضنا البعض !
حسنًا العيش بسلام يُمكن أن يتحقق ، لكـن أن أتقبل ميولك
هذا من شأني .. يمكنك تقبله كما تشاء لكن أنا لا أفعل !
...........
تركت المناقشات التي لا تُسمن ولا تغني من جوع وعادت
تجلس على فراشها تسترجع ما حدث البارحة حينما سقط
الإناء على يدها
هي لا تجد شيء يدل على الحادثة ، وقد بدأت في الاعتقاد أنها تتوهم
أنفاسها بدأت تتعالى ،وجسدها يختض بقوة .. عينيها أصبحت
مُرعبة لتخلو من البياض .. فقط لون أسود شفاف ..
القطة تقف أمامها ترمقها ببرود وهي جالسة تبتسم بشر
القطة تقترب منها بينما تضحك بعلو
ومضات خفيـّة تلوح بعقلها وهي جالسة
رجل يدخل إلى محله
والقطة على أعتاب الباب
يُخرج أدواته ويفردها على خرقة بالية برفٍ عالٍ
والقطة تقترب منه
يرى عطلاً في الباب الذي انسدلَ بقوة محدثًا ضجيج
والقطة تقف أمامه
يقترب من زر الإضاءة التي انطفأت لتنبعث منه شرارة بين
الأسلاك مُحدثة صوت فرقعة قوية
والقطة تلوح بذيلها مستندة على الرف
تراجع للوراء مصطدمًا بالرف لتنزلق الأدوات الحديدية .. مفك
، ومفتاح صليبة وسكين صغير
جرحت السكين رقبته جرحًا عميقًا ليجعله شاخصًا بصره
يشهق بصعوبة كأنما نُحر بسكينٍ ثلم !
ظلَ بضع دقائق والقطة تتهادى بمشيها وتختال ذيلها الأسود كلون جسدها كله
اقتربت حتى وقفت على معدته وبثانية كانت اظافرها تخمش
ملابسه حتى قطعتها ، استمرت تنهش في لحمه حتى بدأت
أعضاء جهازه الهضمي بالظهور ..
أصدرت مواءً مخيفًا قبل أن تقبض بأسنانها على احشائها تلتهما
وبجانبها هالة من السواد كأنها تراب تراقبها باستمتاع ..
استوحشَ عينا الكائن الأسود ثم بثانية كان المفك الذي على
شفا الوقوع يخترق قلبه بقوة ليُنهي حياة هذا الميكانيكي
لقد مات مذبوحًا ، دون أحشائه وأداة معدنية رُشقت بقلبه
......
اقتربت ملك من بهجة النائمة وقد تقوست شفتيها بابتسامة قاسية
"كله علشانك يا بهجة ... وعشان ماما ترتاح في قبرها "