رواية ندبات الشيطان
الفصل السابع والعشرون "
وتلك هي الحقائق "
" مفيش اختيار تاني غير اننا نكون جنب بعض "
.............
-أنا زهقت من العيلة دي كلها والله
أردفَ بعصبية وهو يتجه لكرسيه الجلدي بعدما أنهي مُكالمته المُقتضبة مع أسيل , فقدَ أعصابه في تلك اللحظة وضرب المكتب بقبضته وصرخ هادرًا
-ربنا يستر يعدي الموضوع ده علي خير , فينك يا رائد معايا دلوقتي ؟!
استاء من عدم قدوم رائد معه بسبب توليه الأمور بمصر حتي تهدأ العداوة التي لا تنطفأ .
زفرَ بضجر قبل أن يلتقط هاتفه ويتصل بتلك السيدة الذي جعلته يهرول لتركيا بعدما علم أنها كانت تعرف جده حق المعرفة
-أنا الآن بتركيا , أخبريني أين ومتي يمكننا أن نتقابل !
أردفت علي الخط الأخر بصوتٍ يملئه الشجن والشوق , فهي لم تراه لأعوامٍ , رغم معرفتها بكل شيئٍ يحدث معه إلا أن تلك اللحظة التي ستتلمس بها وجهه ستعيد إشراقه وجهها من جديد
-سنتقابل عندي في البيت
قطبَ حاجبيه , وشعرَ بالريبة من حديثها لذا أردفَ بتمهل
-لم؟!
هتفت بترجي وأعطته العنوان سريعًا حتي لا يرفض , فهي ليست علي استعداد لتلقي رفضه الأن !
-أرجو أن تقبل ثمة أشياءٌ يجب أن تراها
تنهدَ عاليًا ثم أخبرها بموافقته لتتهلل أساريرها هاتفه بحُب
-وفقك الله بني
أغلقَ الخط وهو يُفكر بمكالمته المُبهمة التي تجمعه بتلك السيدة المجهولة !
كل شيئٍ مجهولٌ حتي حديثه أصبحَ لا يفهمه عادةً , أصبحَ يتحدث كاللصوص ومع أحقر الناس فقط ليأخذ حق ابيه وجده !
يريد عودة حياته الهادئة كما كان صغيرًا , قبل أن يحمل هم الانتقام للمات !
وعلي ذكر عودة حياته القديمة , تذكرَ تلك التي اجتاحتها نوبة غضبه منذُ قليل , فتاة كغزل البنات يعود بك لذكريات مذاقها كقطعة منه تذوب في الفم حلاوتها كحلاوة كأيام الماضي !
ضغط زر الاتصال علي اسمها المُسجل بهاتفه والمحفور بين ثنايا قلبه
انتظرَ والهاتف يدق , دائمًا ما لا يتعدي دقتين ويجد الرد حاضرًا , لكن تلك المرة انتظرَ قليلًا قبل أن تقرر هي فتح الخط
مسحت دموعها بباطن يدها وأجابت علي الهاتف ولكن بعدما نهاها عقلها عن الإجابة لكن قلبها كالعدة انتصر , وكيف لا ينتصر القلب في حضرته !!
فتحت الخط فقط لتعرف ماذا يقول , وأقسمت ألا تنطق إلا حينما يتحدث هو , وهذا ما فاجأها
-متزعليش
اندفعت تهدر به بحدة
-انت كل مرة بتقول كده وبترجع .....
-بحبك
-ايه ده وأنا كمان !
استطاع استمالة قلبها مرة أخري ويقسم أنها تبتسم الأن !
وهي علي الطرف الأخر كانت هي تبتسم علي غبائها وقلبها يدق فرحًا باهتمامه بها , كل ما تطلبه حاليًا فقط أن تبقي بجانبه
قطع هو لحظة الصمت بعدما عادت البسمة لوجهه من جديد
-عايزاني أجيبلك إيه بقي وأنا جاي !
احمرت وجنتاها خجلًا وتذكرت مكالمته السابقة لتردف بحياء
-عايزة سلامتك وترجع مجبور الخاطر بس
أجمل شيئٍ في الحُب هو الاهتمام , وأن تشعر بنصفك الأخر وتشاركه همومه قبل سعادته فالعديد سيتكفلون بأمر سعادته أما القليل من يبقي !
لم يرده إحراجها أكثر وأردفَ بنبرة عاشقة راضية
- خليها مفاجئة بقي , ربنا ميحرمنيش منك يا غزل البنات !
تفاجئت من كلمته الأخيرة وضحكت بصخب وهي تردد في سعادة
-غزل البنات ؟؟
أصابه هو الحرج وأردفَ بحزمٍ زائف
-يووه متخلنيش أندم إني بدلعك , ثم إن ده سر بينا اياكِ تقولي لحد اني بقولك كده هقتلك
ظلت ضحكاتها مُستمرة وأردفت
-لا تقلق ده وعد بينا
-والله ما خايف غير منك !
ضحكت تلك المرة بصخبٍ عالٍ وهي تضع يدها علي فمها
-قولتلك متقلقش , ويلا بقي عشان بابا بينادي
أغلقت الهاتف وهي تقفز من مكانها , فشتان بين المكالمة الأولي والثانية, تغير حالها من الحُزن لفرحة عارمة بكلمةٍ واحدة .. فقد كان علي حق يوم أسماها " غزل البنات "
الحال لم يختلف عنده وكالعادة ابتسامة عابثة انسلت علي ثغرة وقلبه يدق عاليًا فرحًا بما أتاه !
.........
تنظر إليه من بعيد وهو يتعمد عدم النظر ,ظلا علي هذا الوضع لدقائق قبل أن ينفذ صبرها وتتجه إليه وتحدثه بحدة لكن بصوتٍ خفيض بسبب عبد العظيم الذي يجلس خارج الغرفة أمامهم
-انت بقي مش هتجيبها البر ولا إيه ؟؟
اصطنعَ اللامُبالاة وأردفَ بمرواغة
-وهو أنا عملت إيه , انتِ اللي جاية تجري شكلي أهو !
اتقدَ الشرار بعينيها وأمسكته من ياقة قميصه وهتفت بعنف
-أمال إيه الكلام اللي انت قولته علي السطح من شوية ده , والله العظيم لو كنت بتكدب كنت ها..
قطعَ حديثها الثائر حينما ضيّقَ عيناه وهتفَ بثقة
-بحبك يا هبلة
أصابها الحرج من اعترافه المُفاجئ لكنها ظلت علي شراستها المعهودة وصرخت
-ايه هبلة دي , متحسن أسلوبك معايا شوية
نظر في عينيها تلك المرة وأردفَ بحنو بعيدًا عن شخصيته العنيدة
-أحلي هبلة في حياتي
احمرَ وجهها خجلًا وخرجت من الغرفة التي يجلس بها بعد محاولتها ألا يُلاحَظ عليها شيئ
ورغم أنها سعيدة باعترافه كانت نفسها تشغلها بسؤالٍ واحد " لم الآن ؟ ولم خطبة حُسبت عليه من الأساس ؟"
تلك الأسئلة ضربت عقلها بقسوة وهي ترمقه بنظرة أخيرة قبل خروجها من الغرفة لكن نظرته أذهبت بجميع ما عصف بذهنها ويقتل الشك المتولد داخلها
نظرة منه فقط جعلت قلبها يخفق بشدة كأنما قلبها ملكه!
"فمال قلبي في حضرته ؟"
...............
كانت تجلس بجنب زوجها الذي كان مشغولًا بإجراء مُكالمة مُهمة مع كنان !
-انت ازاي توافق تروح هناك ولوحدك ؟!
ردَ كنان بجدية
-بتقول هتوريني حاجات لازم أشوفها
مطَّ رائد شفتيه باستياء من موقف صديقه السلبي
-وافرض كان فخ يعني وممكن يطلع عبد العظيم هو اللي وراه في الأخر , وممكن ليه ده أكيد !!
-متسبقش الأحداث يا رائد أنا هروح وأشوف اللي هيحصل , وأنا متفائل خير إن شاء الله
زفرَ رائد بضيق وطرق علي الطاولة أمامه ثم استطردَ بهدوء عكس ضيقه
-ابقي طمني عليك لما تخرج من عندها
-حاضر متقلقش !
أغلق معه الخط وهو غير منتبه لتلك التي تجلس بجانبه , مسحَ وجهه بخفه قبل أن ينتقل لحاسوبه ليتفاجأ بها تنظر إليه بفضول
-جدو عمل إيه تاني ؟
انتفضَ حينما سمعَ صوتها لكنه عاود النظر إليها بتركيز
-إيه ده أنا نسيت إنك هنا , خضتيني يا شيخة
اغتصبت ابتسامة علي ثغرها , ثم كررت سؤالها مرة أخري ليجيب هو
-مفيش , كنان في تركيا عشان حد اتصل بيه وبيقول إنه يعرف حاجة أيام حادثة زمان !
التمعت عيناها بالدموع , ثم أردفت بحرجٍ وقلب مكلوم !
-وانتم شاكين إن الحد ده تبع جدي صح !
هزَّ رأسه بإيجاب لتزفر هي بضيق وتوجه وجهها للناحية الأخري وقد ارتعشت شفتاها قبل أن تنسل دمعة وحيدة من مُقلتيها .
أار وجهها إليه ثم قام بمسح دموعها التي بدأت تؤازر وحيدتهم !
-انتِ بتعيطي ليه دلوقتي , انتِ ملكيش ذنب !
نظرت إليه برجاء ليُجيب علي سؤالها
-هو ليه ده بيحصل ؟ , اشمعنا يبقي جدي هو اللي كده !! , ليه مبنعرفش نتهني بحياتنا شوية ؟؟
احتضنتها وود هو الأخر لو أن يجد إجابة علي سؤالها الذي فاق حد المنطق
-مفيش حاجة اسمها إشمعنا , هو ده قدرنا والاختبار اللي ربنا حطنا فيه , يا نكون قدها يا ننسحب وفي الأخر مش هنلوم إلا نفسنا !
رفعت رأسها تنظر لعيناه وتلك المرة تمنت أن تجد بهما الصدق ليطمئنها
-مش هتسبني مهما حصل !
شدد علي ضمها , وهو يهمس بجانب أذنها
-مهما حصل , هتفضلي في قلبي طول العُمر ولأخره
...............
دلفَ للمنزل بخطي مترددة بعض الشيئ فهو لا يعرف هوية تلك السيدة التي هاتفته , يبدو صوتها في مُنتصف العشرينيات فأي لقاءٍ يمكن أن يجمعه بتلك الشابة !
كان البيت ليس بقديم لكنه عتيق ! , الأثاث مصريّ بعض الشيئ حتي تقسيمة المنزل تُذكره بأيام صباه في مزرعة جده
وحينما دخل وتذكر تلك الأيام تفاجئ بها تجلس بركنٍ في صالة الاستقبال
جميلة عادتها , شعرها الأصفر وعيونها الرمادية التي ورثها منها ورونقها الذي يشع وقارًا بحضرتها
-تيتا ؟!
ظلَ مشدوهًا بما تفوه وبمن تتقدم نحوه وتحتضنه بشدة وتبكي علي كتفه
اتسعت رماديتاه وهو يتفحصها , هي حية ؟؟ والأن تُظهر نفسها في العلن ؟؟!
أدم جده وأباه ذهبَ هدرًا , انتشلها من بين أحضانه قائًلا بعنفوان
-انتِ هنا بتعملي إيه ؟؟ , ومين اللي كلمتني في التليفون !
أجابته ببكاء
-إهدي بس وأنا هفهمك
ازدادت حدته , وصار يسير كالمجنون في الحيز الذي كان يقف به
-مش ههدي غير لما تقوليلي في إيه بالظبط
ازدردت ريقها بتوتر ثم جفت دموعها بباطن يدها وانطلقت تسرد له
-زمان لما جدك كان عايش كنا بنروح نقعد عند عبد العظيم و...
ظلت تسرد وهو مُستمع وجهه يتغير تارة للغضب وتارة يهدأ وتارة أخري يعصف برماديتيه الحُزن .
لا يعرف كيف خرج من عندها علي قدمه ولم ينهار كما فعلت هي !!
صلابته المعهودة تلاشت حينما سمع حقيقة ماضية
فلاش باك
-عبد العظيم كان عينه مني , وقالي قبل كده إنه بيحبني بس أن كنت برفض أبقي معاه في أي مكان وكنت دايمًا بتحجج بأي حجة عشان منروحش عنده لكن جدك كان بيصمم لأنه صاحب عُمره
كانت تبكي وهي تسرد الماضي المؤلم والذي يحرق روحه !
أكملت بعد ارتجافه شفتيها اللانهائية
-بعدين في مرة جيت عشان اروح لجدك في المزرعة لقيته واقف قدام البيت والبيت بيولع وكان شكله مخضوض
مسك إيدي وخدني مكان بعيد وقعد يحلفلي إن مش هو اللي عمل كده وبما إني الشاهدة الوحيدة فاستغل ده ونفاني هنا لتركيا , وأنا فاقدة لابني وجوزي وعيلتي كلها
ثم اقتربت منه ووضعت يدها علي فكه وأردفت بتنهد
-وانت يا كنان , انت الوحيد اللي باقي وكان لازم تعرف كل ده
باك
مازال غير مُصدقًا كيف استطاع ذلك الحقير إبعاد جدته بعيدًا , وحدها تحترق لموت زوجها وابنها معًا , صمدت كل تلك السنين حتي تهدأ حراسة عبد العظيم لها لتستنجد في أقرب فُرصة بكنان الذي لبّي نداءها مُسرعًا
في تلك اللحظة لم يجد مفرًا سوي مُهاتفة رائد قائًلا جُملة واختفي صوته بعدها
-احجزلي أول طيارة جاية مصر , وخلي أسيل تيجي لوحدها تستقبلني ...
رغم أن الحديث أقلق رائد إلا أنه يعلم أن أسيل لن تُمس بشيئٍ سيئ
سيف العشق أقوي من رمح الانتقام
........
أنهي اجراءاته سريعًا وخرج ليجدها تقف في استقباله وعلي ثغرها ابتسامتها التي يعشقها ظل يتقدم منها حتي أصبحَ أمامها ودون سابق إنذار احتضنها بشدة وهو يُكرر بأذنها
-كل حاجة انتهت خلاص !
