رواية ندبات الشيطان
الفصل الثاني والعشرون
" ندبات تغزو القلب "
كل ذلك الآلم يخصني وحدي , تلك الندبات الكامنة داخل صدري تغزو قلبي في كل مرةٍ أراه تشعرني أنني خسرت المعركة للمرة الثانية وفاز هو... لا مجال للاستسلام في لعبتنا لأن الخاسر حينها سيعيش بذنبٍ ينهش ما تبقي له من مشاعر باقي السنين
....................
أجري عِدة مُكالماتٍ هاتفيه حتي عرف مكانها , فبالتأكيد الخاطف لا يعرف بمراقبه كنان له ومعرفة جميع تحركاته .. حقًا أحمق من ظن أنه انتصر في نصف المعركة شرسة , يتقاتل فيها اثنان بينهما ثأر قديم !!
تقطيبه حاجبيه , وسحابته الُرمادية أصبحت أغمق وأعتم من ذي قبل , عروقه البارزة وقبضته المطوية أرهبت جميع من حوله فعيناه لا تري سوي الشرار الذي اشتعل بسبب حماقة أحدهم
-اتأكدتوا انها هناك في مخزن الملابس
أتاه الرد الأخر فلم يلبث أن أدار مُحرك سيارته والتي أصدرت صوتًا جراء احتكاكها بالأرض , وصل للمكان المنشود دخل لمكانها بعدما أعطي أوامر لرجاله بألا يلمسوها وتظل مكانها حتي يأتي هو
ما ان دخلَ ووجدها أمامه حتي زفرَ بارتياح وهو يراها كما هي لم يحدث لها شيء , فقط عيناها متورمتان من كثرة دموعها التي لم تمل منها وسكبت منها الكثير ما ان رأته وارتمت بأحضانه تستمد منه الأمان
ألم يحدث هذا بسببه , هل كانت ستتعرض لخطر لولا أنها لم تكن طرفًا وسطيًا بينهم!
الجد والحبيب .. كلاهما يتشاجران علي امبراطورية واسعة وهي تبقي بالمُنتصف لا يسعها سوي أن تحتمي بمن تظن أنه الكنف !
أحكم قبضته القوية حول خصرها ثم حملها برفق
نحو السيارة بعدما رمقَ المكان بنظرة تقزز وابتعد عنه بعدما اشعل النيران خلفه بالملابس الموجودة
........................
لا ينبغي لك العبث مع الشياطين , أو الاعتقاد أنك ملكتهم ! , فهم يسيطرون علي عقلك لدرجة عدم ادراكك لما تفعله إلا بعد أن تحاوطك النيران !
كانت بجانبه تعاني من صعوبة التنفس , صدرها يعلو ويهبط جراء شهيقها وزفيرها السريع وهو يختلس النظرات إليها من حينٍ لأخر ليطمئن علي حالتها , يقود بسرعة ليصل للمشفى .
وبينما هي تفتح عينيها بصعوبة أمسكت يده وهزت رأسها بالنفي قبل أن تغيب عن الوعي
زاد من سرعة سيارته وهو يُقسم بأنه لن يدع تلك الفعلة تمر علي خير .. صبرًا .
...........
أفاقت هي علي والدتها تتفحص وجهها بجانب والدها الذي هرولَ مُسرعًا ما إن فتحت عينيها يكفيه ما حدث لسلمي
-انتِ كويسة يا حبيبتي ,قادرة تتكلمي ؟
هزت أسيل رأسها بالإيجاب علي كلام والدتها واعتدلت بجلستها ودلكت عيناها قبل أن تُبصر غرفة المشفي المحجوزة بها , وسرعان ما تذكرت ما حدث!.. ويداهمها الشك أن تلك الحادثة من طرف .... جدها
تجهمَ وجهها وعقدت بين حاجبيها إلي أن انتبهت لصوته الذي لمس قلبها
-ايه الأخبار دلوقتي ؟
تولت آمال الحديث وهي تربت علي كتف أسيل بحنو
-لسه صاحية أهي , هنادي للدكتور الأول يجي يشوفها
كاد كنان أن يقترب من أسيل إلا أن قاطعه صوت إيهاب وهو يهتف بصوتٍ ضعيف
-كنان عايزك ثواني برا
ألقي عليها نظرة قبل أن يخرج وتجاهل عدم رغبتها بأن يُخبر والدها بما حدث .. لكنه عزمَ علي ذلك منذ أن تأكد من شكوكه.
-ايه اللي حصل .. عايزك تحكيلي بالتفصيل
شددَ علي حروف كلماته الأخيرة , وعضلات وجهه انقبضت ونبرته ما بين التوعد والقلق!
سردَ له كنان تفاصيل ما حدث لأسيل ولم يدّخر شيئًا لم يُخبره به
-بس تعرف تفكير سليم برده من والدك , انه يخطفها ويهددني بيها عشان أسيبه فـ حاله , بس ملحقش بقي أنا كنت أسرع منه!
نظرَ إيهاب أرضًا من تلك الكلمات التي تُعتبر إهانة , لكنّ حيرته الأن هي التي سيطرت علي تفكيره ماذا يفعل بحق
ابنته , ووالده ... والده الذي يعلم كُليًا أنه فعل ذلك ليعيده لصوابه ويعود للعمل معه , ومن الناحية الأخرى ابتزاز كنان ليتراجع عما خططَ له !
-بس تعرف أنا حاسس بالذنب لأن اللي حصلها ده بسببي !
نظرَ له إيهاب وخرج من شروده الصامت , وهتفَ بسخرية وعيناه ازدات قتامة
- مش ذنبك لوحدك , هو عمل كده لما عرف اني مش هشتغل معا هتاني , فحب يعمل معايا حركة قرصه الودن دي عشان أرجع ..
وضعَ كنان يده تحت ذقنه بتفكير قبل ان ينطق بحذر
-وانت ناوي تعمل ايه؟
أردفَ إيهاب قبل أن يسير مُبتعدًا عنه
-دي بقي تخصني أنا
لحقه كنان بالحديث قائلًا
-متكلموش دلوقتي عشان هو مش هيكون فاق من صدمة المخزن التاني
تسمرَ مكانه لوهله ثم التفت كُليًا وو يعقد حاجبيه بتساؤل
-تاني ؟؟
وضعَ كنان يده بجيبه وتحدث بأنفــته المعهودة
-مخزن الملابس اللي موجود هنا , اتحرق
أماءَ إيهاب ثم سار بطريقه مُبتعدًا عن كنان الذي ابتسمَ بانتصار قبل أن يدلف لغرفة أسيل مرة أخري..
تلقته هي بلهفه تسأله عما حدث
-ايه اتكلمتو ف ايه ؟
تجاهلَ هو سؤالها واقتربَ منها بابتسامة والتقطَ الورد الموضوع بالقرب منها وقربه إليها وهو يهتف بمرواغه
-ألف سلامة عليكِ يا حبيبتي
أبعدت الورد بحدة وزفرت بضيق ثم هتفت بحدة
-شيل الزفت من هنا دلوقتي , وقولي اتكلمتو ف ايه
أبعد الورد عنها قائلاً بنبرة هادئة
-خلاص مفيش ورد تاني , لما تتعبي هاجي بأيدي فاضية
اغتاظت من ردة فعله الباردة وحاولت أن تقذفه بالوسادة التي بجانبها إلا أن التقطها سريعًا قبل أن تُصيب وجهه
-بقي كده , جايبلك ورد وعمال أدلع فيكِ ده يبقي جزاتي ؟؟
أشاحت بوجهها عنه في ضيق , وما لبث إلا أن اقتربَ منها وقبّلَ يدها ارضاءً لها بعدما أثارَحفيظتها
-اتكلمنا عن اللي حصل بس
قاطعته بعدما عادت إليها لهفتها للإستماع لحديثه
-قولتله مين اللي عمل كده
نظرَ لعينيها لثوانٍ , يري إجابة النفي تحتل مُقلتيها لكنه خيّبَ أمالها حينما أجابَ بالإيجاب
- أيوه قلتله ... كل حاجة ؟
قطبت جبينها وأردفت بضيق بالغ , لكنه طفولي
-ليه قولتله ليه , انت عارف ومتأكد اني مكنتش عايزاه يعرف
خرجَ عن بروده وتحدث بجدية تلك المرة وهو يعقد حاجبيه هو الأخر , وسحابتيه تزداد قتامة كليالِ شتاءٍ عاصفة
-لازم يعرف , والكل لازم يعرف حقيقته بس مش دلوقتي, وصدقيني لو كان حصلك حاجة مكنتش هسيبه ...
-مكنش هيقدر يعمل حاجة , أنا حفيدته
انتفضَ من علي الفراش سريعًا وصوته بدأ يعلو , وعروق رقبته البارزة كانت كافية لإظهار أنه غاضب
-أنا أتوقع منه أي حاجة ,اللي يقتل مرة يقتل مية !
صمتت وشعرت بأنه علي وشك الانفجار اذا تفوهت بكلمة أخري حولَ هذا الموضوع الذي يجر المخاطر شيئًا فشيئًا حتي أصبحَ من يتدخل علي مشارف الوقوع في جُعبة الشيطان !!
أمسكت يده برفق وسحبته ليجلس أمامها مرة أخري علي السرير وبهدوءٍ بالغ هتفت
-فين الورد اللي انت جبته ؟
رفعَ حاجبه الأيمن بسخرية , وأردفَ بنبرة عتاب مُزيفة
-مش كان من شوية " شيل الزفت ده من هنا"
ابتسمت حتي ضاقت عينيها ثم التقطت الورد وملأت أنفها برائحته العبقة قبل أن تتحدث بحُب
-تسلملي يارب , دايمًا عارف ذوقي ؟!
ابتسامته الصافية كانت خير ردٍ علي كلماتها المُنمقة , ليبتعد عنها بعد أن دخلَ الطبيب ووالدتها ليفحصها .
-مفيش حاجة , هو بس جالها هبوط في الدورة الدموية واحنا علقنالها محاليل أول ما يخلص تقدر تمشي أنا كتبتلها علي خروج
-شُكرًا يا دوكتور
-العفو
لحقَ كنان بالطبيب بينما بقيت آمال مع أسيل وحدهما .
رمقتها والدتها بنظرات استفهام لتقترب منها بحذر
-ايه اللي حصل يا أسيل ؟
حاولت أن تحافظ علي ثباتها النفسي , وأردفت بنبرة عادية
-مفيش يا ماما , لما خرجنا بس شربت قهوة ونيسكافية ورا بعض .. وانتِ عارفة الأنيميا اللي عندي
تحولت نظرة آمال من الشك إلي الحنو والاشفاق وهي تهتف بقلق
-طب يا حبيبتي بطلي شُرب المنبهات دي عشان الأنيميا اللي عندك , ربنا يشفيكِ يارب
-يارب يا ماما تسلميلي يارب
زفرت بارتياح بعد أن تخلصت من شك أمها وفضلت ألا يعرف أحد بما حدث سوي ثلاثتهم هي وكنان ووالدها علي أن يحدث أمرُ أخر !
..........................
مرَّ اسبوعٌ علي بقاء أسيل في المشفي ومعرفة عبد العظيم حجم خسائره المادية والأسرية فهو خسر اثنين من عائلته " أسيل وإيهاب " من ظلا تحت كنفه منذ زمن , وللحق أن أسيل كان تُكن له بعضًا من الكره سابقًا لما كان يقترفه في حق جدتها
...
يا من تركت القلب خاويًا ورحلت مُتعمدًا ... أبصر لما ستلقاه فغدًا تأتي إليَّ قاصدًا
.......
رمقته بازدراء قبل أن تتوجه ناحيته وتُسلم علي من تجلس بجانبه تنظر لها بحقدٍ هي الأخرى ,,
-مبروك يا حبيبتي , ربنا يتمم علي خير
ابتسمت ولاء ابتسامة صفراء قبل ان تهتف بغير نفس
-عقبالك
أجابت منة هي الأخرى بابتسامة مُتحديه قبل أن تتجاوز أدهم الذي قامَ ليصافحها , ويمد يده بثقة وعندما تجاهلته التقطت ولاء يده بين يديها وأردفت بصوتٍ عالي لتسمعها منة
- حلو الدبلة صح , انا اللي مختاراها
أومئ برأسه وهو يعرف جيدًا ما تفعله ولاء ليختلس النظر لتلك التي فقدت من وزنها وبشرتها الكثير في أخر تلك الأيام , أيفرح لأنه نجحَ في ابعادها عنه , أم يحزن لرؤية خيبة الظن بعينيها؟؟
ذهبت لتجلس بعيدًاً ليلحق بها مازن ... كان مجلسهما علي مرمي بصر أدهم الذي ظلَ موجهًا بصره إليهم يحاول أن يفهم عما يتحدثا , وكأنه يشغله !!
-هو أدهم ملقاش الا الناس دول ؟
انتبهت له منة وتساءلت باقتضاب ؟
-ليه؟ مالهم ؟
استرسل مازن في الحديث وهو ينظر إليها ويتحدث بلهفه
-يابنتي الناس دي شراشيح وكمان كانوا عمالين يتباهوا بكل حاجة عندهم ومقفليين كده ؟
تساءلت تلك المرة بضحكة وهي تولي وجهها وتركيزها له ؟
-مقفليين إزاي ؟
اسكملّ حديثه وهو يشير بيده وملامح الضيق تظهر علي وجهه
-يعني مش مفرفشين زينا كده , ده أنا جيت أهزر مع أخوها ف مرة حسيت أنه مفهمش الهزار أو مش طايقني كدا
ضحكت بملئ فمها وهي تلكزه بخفه في ذراعه ونبرتها ما بين الألم والضحك المُزيّف
-بس يا واد أدهم يزعل !
استكملَ مازن بحسرة وهو يطبق ذراعيه لصدره
-معرفش عاجبه فيها إيه ؟
نظرت منة تجاههم لتجد نظرات أدهم الحادة مصوبه نحوهم , ازدردت ريقها قبل أن تهتف لمازن
-مازن تعالي نقوم من الزحمة دي , نطلع البلكونة أو ننزل تحت
كان مازن هو الأخر مؤيدًا لفكرتها
-يلا أنا كمان اتخنقت
قاما من المجلس ومازالت عيون أدهم لا تغادرهم .. حتي دلفا للشرفة
كانت تعلم أن نظراته تحاوطها لهذا هربت من أمامه قبل أن يري دموعها المُتجمعه بمقلتيها
-انتِ هتفضلي زعلانة كتير ؟
أردفَ مازن بعتاب وهو ينظر لعينيها , ارتبكت هي اثر نظرته والتي تحاول سبر أغوارها بها
-زعلانة ازاي في جو الخطوبة ده ’ انت عايز أدهم ينفخني !
استندَ علي سور الشرفة وهو يهتف بحذر بعدما رأها تمسح دموعها التي تعلقت بأهدابها
-هو اللي خسر مش انتِ , ولازم تطلعي من اللي انتِ فيه ده بقي
ابتسمت في وجهه قبل أن تفعل مثله وتستند هي الأخرى علي الشرفة بتنهدٍ عميق
-ادعيلي يا مازن ..
حوارٌ مسموع , المُتكلم يتألم والمُستمع تجوب الحسرة قلبه علي ما فعل
في تلك اللحظة أدرك أن قيامه بأمر الخطبة كان باكرًا فهو وقع في حُب تلك الطفلة مُسبقًا
.................
" لقد كانت جميلة , لدرجة أن الأرض لم تقدر علي حملها فاحتضنتها "
تلك الكلمات التي خطتها أسيل في مذاكراتها عن اختها سلمي تصف ما ظهرَ منها للناسِ وما بطن من جمال خُلقها وجمال خَلقها
تلك التي تركت الحياة ومفاسدها والتقت بمن هو أعظم وأجل , فقط احتضنها الثري بخفة مُتملكًا محاسنها , خافيًا إياها عن البشر فوق !
خير ما فعل , فلا تتلوث بعدها من أفعالهم المُشينة , في الجانب الأخر من الدنيا هي الفائزة .. وفي الدنيا الحقيقية خاسرة بمعني الكلمة , كانت ستخسر مبادئها وطيبتها , وعفويتها .. ادخرت كل ذلك لتفوز بالجنةٍ عند ربها , وخير ما فعلت كافئها الله بختامٍ يليق بلقائه
