رواية ندبات الشيطان
الفصل الثالث والعشرون
"خروج عن النمط"
لا تكمن الحياة في طور الراحة دائمًا او التشارس فقط!
هي مزيجًا بينهما يجعلك تعيش حلاوتها ومرها بدون أن تلتفت لهؤلاء الذين يحاولون جعل الحياة باهتة من حولك !
لا تلتفت وامضِ في طريقك ...
.............
-منة ... منة
أردفَ أدهم وهو يتنفس بصعوبة بعدما ركضَ مسافة كبيرة منذ أن رأها حتي تلك المنطقة التي توقفت فيها أخيرًا
انحني وهو يلتقط أنفاسه العالية , ووضعَ يده علي كتفها بعفوية لكنّها أزالتها سريعًا ونظرت له ببرود فاعتدل لوقفته وظل ينظر إليها بعتابٍ حتي تحدثت هي ونظرتها سقيعًا يلتف حوله
- نعم !
- نعم!
هتفَ بتعجُب وهو يحملق بها بشدة , ثم ازدردَ ريقه ومسح علي وجهه ببطئ قبل أن يتحدث بسخرية
-نعم الله عليكِ بنادي من امتي أنا
رمقته باستخفاف قبل أن تسير في طريقها مُتجاهله إياه بعدما رمت كلمتها باقتضابٍ تام
-مسمعتش
زفرَ بضيق قبل أن يلحق بها ثم توقفَ أمامها مانعًا إياها بأن تخطو خطوة أخري ...فردَ ذراعيه في الهواء وتوقفَ أمامها مما جعلها ترفع عينيها وهي تنظر له بحده ثم ما لبثت إلا أن خفضت أنظارها أرضًا مُتحاشية عيناه التي وقعت في غرامها يومًا!!
ماذا تفعل وهو يحاصرها من كل جانبٍ , لم ترد رؤيته من الأساس حاليًا مازالت بصدمتها منذ يوم الخطبة .. حينها عرفت أن الوعود يُمكن أن تُحنث , والحُب ليس دائم , والوفاء لم يعدْ موجودًا
-منة بصيلي
سمعته بوضوح, لكنها لم ترفع عينيها من الأرض إلا حينما تدخل هو ورفعَ وجهها ليجد دموعًا مُتحجرة تقف حائًلا بين البكاء والكبرياء !!
ألم يضرب بكبريائها عرضَ الحائط منذ أن فكر فقط في خطبة أخري !
الرجال ليسوا فقط بارعين في اختطاف قلبك وامتلاكه , بل هم أكثر براعة في جعلك تصدقين سراب عشقهم !
-أنا عايزة أروح
هتفت بجمود لكنه لم يتركها , ظلَ ينظر لعينها , وبعدها أمسكَ بيدها وهتفَ بهدوء
-تعاي نتكلم واحنا ماشيين
أزاحت يدها من يده ثم أردفت بصوتٍ مخنوق كأنها علي وشك البكاء وهي تنظر لعيناه بغضب
-ده كان زمان لما كنا بنقرر كل حاجة مع بعض , إنما دلوقتي معتقدش ده بقي ينفع
تركته وذهبت رغم أن بداخلها العديد من الكلمات كانت تود أن تصرخ بها في وجهه , لكنَّ الوضع لم يعد كما اعتادت , عالمها الخاص الذي صنعته معه تلاشي بلحظة واحدة وكل هذا بتفكيره الأناني !
.........
بقي هو يحاول أن يجد طريقة لإعادتها من جديد لكنه كل مرة يُفكر بشئٍ ما يفشل , يبدو أنه كان علي خطأ , فمنذ أن قررَ قراره الغبيّ بتسرُع وهو نادمٌ أشد الندم بعدما عرف أنه لن يستطيع الابتعاد عنها ....
يستحق ما يتكالب عليه من ندمٍ الآن !
..........................
-أخر الشهر !!, ازاي ده سلمي لسه ميتة ؟ وعايزني أكتب كتابي وأعمل فرح ... استحالة طبعًا
هتفت أسيل علي الهاتف بضجر وهي تستمع لكنان علي الطرف الأخر ويبدو أن النقاش مُحتدًا بينهما
-لا والله ما ابن عمك خطب الأسبوع اللي فات ومحدش أتكلم
سكتت لوهله ثم امتصت غضبها وأردفت بهدوء
-مليش دعوة بأدهم , أنا ليا دعوة بنفسي دي أختي يا كنان
هدرَ بحدة وكلماته اللاذعة مازالت تترد بأذنيها كأنها لم تكن علي وعي مما سمعت
-خلاص براحتك , ابقي استني بقي كمان سنة ولا اتنين عشان نتجوز , وكل ده عشان سيادتك مش راضية نكتب الكتاب علي الأقل أخر الشهر ....كملي الخطوبة دي مع نفسك بقي
لم تنبس ببنت شفه لوهله , كلاهما صامت صوت الأنفاس تُسمع فقط من خلال الهاتف !
-سلام
قالتها بصوتٍ مبحوح وأغلقت الهاتف سريعًا ورمته علي الهاتف وظلت تنظر للفراغ أمامها , شعرت بشئٍ ساخن علي وجهها لتدرك أخيرًا أنها تبكي
ظلت تبكي لوقتٍ طويل حتي أنها لم تُلاحظ غفوتها أثناء البُكاء وبجانبها الهاتف تُضئ الشاشة باسمه لكنه موضوعٌ علي وضع الصامت !!
...
استيقظت علي صوت والدتها وهي تزجرها بخفه
-بت يا أسيل قومي , خطيبك بيرن من الصُبح !
فتحت عيناها بصعوبة تحاول فهم ما تقوله والدتها
-في ايه يا ماما !
وضعت والدتها الهاتف أمامها لتتفقد الأربعين مُكالمة لم ترد عليها ! , شحبَ وجهها فقد ظنت أن شيئًا ما قد حدث له
أردفت آمال وهي تخرج من الغُرفة بضجر
-قارفانا انتِ وهو من ساعة ما اتخطبتوا يختي , يكونش حفيد اليزابيث وانتِ ديانا
ابتسمت علي كلمات والدتها قبل أن تنظر للهاتف بتوجس وكادت أن تهاتفه إلا أنه رن بنغمته المُخصصة له فقط ويُضئ باسمه الذي خصصته
تنحنحت قليلًا قبل أن تضغط زر الإيجاب
-أأ
لم تجد فُرصة للرد فقط انهال عليها بالكلمات لدرجة أنها لم تأخذ فرصة لتسمع ما يقوله
-أخيرًا رديتي , انتِ كنتِ فين ومبترديش ليه .. طب انتِ كويسة ولا ايه , أنا مكنش قصدي أزعلك أنا كنت متعصب عشان عندنا مخزن اتحرق في تركيا والمرادي بجد
ازدردت ريقها بتوتر قبل أن تهتف بقلق
-طب وعملت ايه وحجم الخساير الموجودة
-للأسف مقدرناش نسيطر علي كل الحريقة بس عدت علي خير محدش اتضرر والجزء مكنش كبير أوي
زفرت بإرتياح قبل أن تستطرد بقلق من الحديث
-طيب الحمد لله ..
لحظة صمتٍ بينهما , لا يعرف ماذا يقول وهي لا تمتلك الشجاعة الكافية لإنهاء المُكالمة بعدما اطمأنت علي حاله ! قلبها يُخبرها بأن تظل معه حتي لو ما سيُسمع هو صوت الأنفاس فقط !
-متزعليش ..
لا تعرف كيف لكلمة منه أن تُعدل مزاجها هكذا تُخرجها من طور حُزنها وتقتلع بُصيلات شقاءها من كلماته اللاذعة !
كيف لحُبه أن يفعل بها مالم يستطع أحد فعله !!
-مش زعلانة
نطقتها بصدق , وكأن قلبها هو من يتحدث , سعادتها الغامرة فقط أنه لم يتركها حزينة وقتًا طويلاً .. كان شعورًا كافيًا عندها
بالتأكيد هو لم يكتفي بذلك الرد ! وأعاد السؤال مرة أخري ليجد نفس الرد متبوعًا بكلمتها المُعتادة
" مبعرفش أزعل منك يا كنان "
ليس ذنبها أنه عرف خبرًا كهذا أثناء مُحادثتهم , ولا يعتقد أنه وزرٌ عليها أنها حفيدة قاتل أبيه وجده !!
لو علمت والدته لما وافقت علي تلك الزيجة أبدًا !
..............
-وبعدين ؟.
-ولا قابلين !
قامت لتسير مُبتعدة عنه بعدما نظرت إليه ببرود لتقطع نقاشهم الذي يبدو أنه سيحتد
أمسكَ يدها وهو يحاول كتم ضحكته بصعوبة , هو يتمالك نفسه الآن فذلك الوقت هو وقت بقاءهم معًا !
- استني يا إيمي إحنا لسه مخلصناش كلام
رمقته من وق كتفها قبل أن تجلس مرة أخري وهي تلعن حظها العثر بصوتٍ عالٍ ليسمعه
-صبرني يارب علي البلاء ده
أشار لنفسه بصدمة وهتفَ غير مُصدقًا
-أنا بلاء ؟
تمالكت نفسها في أول الأمر , ثم ما ان تعمقت في الحديث حتي بدأت تنساب العبرات علي وجهها .. كأنها تُخرج ما يكمُن بصدرها
-هو انت فاكر ان البلاء ده ان حد يموت أو انك ميبقاش معاك فلوس بس ؟ البلاء ده ممكن يكون حد بتحبه ومش موجود جنبك عشان هو مش عايز يكون جنبك , البلاء ممكن يكون شك بين اتنين بيحبوا بعض عشان مفروض عليهم يبقوا كده ... انك متعرفش تنام عشان قلقان تصحي تلاقي حياتك متغيرة كُليًا ومش بأيدك ... البلاء هو حُبي ليك !
لم يجد ما يفعله هو الأخر سوي أنه احتضنها بحُبٍ واضح وهو يُكرر كلمة واحدة
- آسف
كان في تلك اللحظة أضعف من أن يعترف حتي بالهزيمة , فأدمعت عيناه ليشعر أولَ مرةٍ انه مُهدد بمن يُحب , سيفقد من تحتمله وتحتمل تقلبات قلبه !
ابتعدَ عنها ومسح عبراتها التي أغرقت وجهها بالكامل ثم اقتنصَ وجهها بين كفيه وهمس بأملٍ ظهر في حمراوتي عينه .
- المرادي بجد مش هسيبك , هتبقي انتِ ملاذي الأول والأخير ... هبقي فعًلا البلاء بس اللي حباه في حياتك !
..........
-خير يا وش المصايب
نطقَ عبد العظيم بلهفة داخلية لم تظهر في نبرة صوته المحكومة بعظمته , يدق بعصاه أرضًا ويرمق الواقف أمامه بنظرات تحذير
ليهتف من أمامه بنبرة انتصار
-تم يا حج !
-اقعد يا ناصر !
جلس أمامه ناصر ينتظر منه مدحًا أو إطراءًا علي مجهوده
-هو انت فاكر اني لسه مستني جنابك عشان تيجي تقولي إنه تم , أنا عارف إنه تم من ساعة أول شظية ولعت في المخزن !
طأطأ ناصر رأسه أرضًا ليتسطرد عبد العظيم حديثه المُتكبر
- قُصره , أنا عايز دلوقتي معلومات عنه في مصر , شوية الورق دول مبقوش ينفعوا
- تمام أنا هكلف كل الرجالة , وأخر الإسبوع هيبقي عندك كل حاجة عنه
أشار بيديه أن ينصرف كعادته , وبدأ يُفكر في انتصاراته التي ستتابع !
حتمًا ما يحدث هو أكبر من حرب , ما يحدث هو حرب النفوس .. ودمار الود ودماء ستتناثر قريبًا ... حتمًا سيحدث ما لا يتوقعه أحدهم !!
