رواية ندبات الشيطان
الفصل العاشر "
بقلم ساره عاصم
خطأ قلب "
لعل مُعظم الأخطاء تُغتفر وتُقبل توبتها إلا خطيئة قلبٍ تسببَ في تعاسة الروح للأبد , ورغم كل شيء نستمر في تلك الخطيئة عمداً حتى نفيق على صدمةٍ يهتز لها ذلك المُخادع الذى أعلن الحُب للشخص الخطأ !
..........................
كان يقف قبالته والشرار مُتقداً بعينيه يحاول أن يستوعب ما قيل للتو , تحالف !! بينه وبين فرداً من عائلة الشيخ!! حتماً جُنَّ .. أو ربما يُدب شيئاً عظيماً
ازدردَ ريقه بمجرد التفكير بالأمر وترك الرد لوالدته التي ما إن سمعت جُملته هبت واقفه ورمقته بنظرات حاده بينما هو يقف بثبات كأنه كان يعلم حدوث تلك الثورة عليه !
-ايه ؟؟ انت بتقول ايه يا كنان انت أكيد معملتش كده صح !
كانت كلماتها غير مُصدقه لما قاله ,بينما هو أدارظهره إليهم حتى يمنع النقاش بقرارٍ اتخذه ولن يُثنى عنه أبداً
-لا صح يا ماما .. وأنا عارف أنا بعمل إيه .
أمسكت ذراعه وأدارته حتى يكون مُقابلاً لها وأردفت بعدم تصديق وهى تنظر لعيناه الخاويتين من المشاعر
-مينفعش دول بالذات مينفعش , لو ناسى اللى حصل ا..
قاطع كلامها بإشارة من يده وهو يُكمل ما ستقوله لكن بقوة ناظراً لناصر الذى كان يقلب نظره بينهم بتوتر
- مش ناسى يا ماما مش ناسى ... ومش هسيبهم وعشان كده أرجوكِ متضغطيش عليا أكتر من كده
كانت عيناها بدأت تُحرر دموعها المكتومة وقد وجدت أن ناصر يُتابع حديثهم فأرادت بتر ما كانت ستتفوه به أمامه وأثرت الصمت لتهتف لكنان بتوجس
-أنا خايفه عليك بس مش أكتر
ورمقته بنظره فهمها على الفور وأقفل ذلك الحديث وهو يُطمئنها مُقبلاً يداها بحُب
-متخافيش عليا
نظرت له مرة أخيرة قبل أن تصعد لغرفتها ليلحق بها ناصر تاركين كنان في بهو المنزل ينظر لذاك الظل الذى يسير أمامه ... لطالما دائماً كان ظل الذى يعمل معهم يدافع عنهم ويُدارى خيبتهم إذا انكشفوا
لم يكن ظلاً لوالدته !
ولا ظلاً له
بل كان عدواً جاء لمنزلهم عنوه حتى يستطيع التجسس براحة !
لو كان يعلم .. لو لم تقع والدته في فخ الزواج به لكان يتصرف بحريه أكثر في انتقامه الذى بات على وشك البدء !
لكنه سيبعده أطول فترة مُمكنه خارج البلاد حتى يتسنى له اللعب بحرية
..............
-خالو خالو ..
أردفت سلمى بمرح وهى تدخل للشقة السفلية تبحث عن طائف الذى خرج من غرفته على صوتها مُتأففاً
-ميت مرة أقولك أنا عمك أخو أبوكِ مش خالك
-المثل بيقول الخال والد وأنا قررت أنك تبقى خالى
هتفت بضحك وهى تجلس على طاولة الإفطار وهى تجذبه من يده ليجلس بجانبها
-عايزة إيه يا مصيبة
أسبلت جفنيها بهيامٍ زائف وحركت أهدابها بحركة تمثيليه وهى تحاول تقريب الأطباق منه
-انت شكلك هفتان ولازم تتغذى
أفلت ذراعها من يده وهو يراقب تعابير وجهها المُصطنعه ليضيق عيناه بحذر وهو يحاول معرفه سبب تملقها
-هااا .. قولى عايزة إيه من غير لف ولا دوران
-تعجبنى
اعتدلت بجلستها بعدما كانت مُقابله لجانب وجهه
- رحلة ..
-رحلة!
رددَ كلمتها بتساؤل لتستكمل الكلام الذى بدأته , وقد بدأ يفهم ما يدور حول الموضوع حتى استطردت هي
-في رحلة الجامعة هتطلعها وأنا عايزه أطلع
-أيوه يعنى أعملك إيه يعنى أطلع معاكى ؟
تأففت بضجر وهى تحاول أن تحافظ على هدوءها
-لا تقنع بابا اروح معاهم وكده
رفعَ حاجبيه بإزدراء وهو يطالع تعابير وجهها الراجيه
-اممممم , ماشى هحاول
قبلته من وجنته قبل أن تقوم مُسرعة وهى تهتف بفرح
-حبيبى والله
ضرب كفيه ببعض وهو ينظر لها وهى ترحل
-مجنونة دى ولا إيه مفكرانى بلعب معاها في الشارع
ثم عاد للطعام أمامه يأكل بشهيه حتى أتى عبد العظيم الذى جلسَ على رأس الطاولة مُلقياً السلام ليجيبه طائف بخفوت وهو يلوك الطعام
-مش ناوى تيجى معايا مرة بقى
أردفَ عبد العظيم بعتاب محاولاً جذب انتباهه
-لأ طول منا بعيد عن الأسرار اللى بينك وبين إيهاب فأنا كده كويس
هز عبد العظيم رأسه بإعتراض , غير راضياً عن أسلوب طائف فأردفَ بحدة محاولاً إثارة عاطفته
-دى حاجات تخص العيلة ولازم تبقى عارفها
نظرَ لها طائف بإمتعاض وبرأسه تدور الأسئلة التي أيقظت كيانه المدفون منذُ سنواتٍ بيد الذى يجلس أمامه
إذا وافق على الذهاب معهم سيعرف فقط ما يريدون أن يعرف سيكون فقط أداة بيدهم , يتحكمون فيما يصل إليه من المعلومات الخفيه , أما إذا راقبهم من بعيد فسيعرف كل شئٍ حولهم .. ما يخططون وما يصنعون
فحكاية أنهم فقط يمتلكون أرضاً مُستأجره في الأسكندرية يتابعون أعمالها لم يصدقها عقله لذا هتفَ قاطعاً بعد تفكيرٍ طويل
-أنا مرتاح كده
قام من على الطاولة قبل أن يشبع لينهى ذلك الحديث العقيم الذى لا يفيد بشئٍ سوى أنه يكون موضع الشك والريبة في نفس طائف !
-طول ما انت بعيد عن عينى هفضل قلقان منك!
أردفَ عبد العظيم وهو يدق بعصاته أرضاً , الغضب بين ضلوعه .. ولعله كان قلقاً سيؤرق حياته !!
.................
كانوا يقفون بالمطبخ وعلامات السعادة بادية على بعضهم , فاليوم عزيمة عائلة كنان المكونة من ثلاث أفرادٍ فقط يُقام لها مثل كل هذا الطعام الوفير !!
كعاده حياة في أي مناسبة .. نظافة البيت , طعامٌ وفير , فراش الأرضيه الذى يخرج في المناسبات يتم فرشه على الأرض ويجب أن تكون المشرفه على كل شيء حتى لو مريضة!
-ايه ده يا جماعة هو في عزومة ولا إيه ؟
أردفت منة بتساؤل وهى ترى زحام المطبخ والجميع يعمل بدأب
-أه يا منة ستك عازمة ناس انهارده وطبعاً انتِ عارفة التقاليد المُعتاده عند ستك
تأففت آمال وهى تقطع السلطة , بينما كانت حسناء وشيماء يقومان بعمل الرقاق "الراعى الرسمي في عزائم حياة" , أما حياة فتولت عمل البشاميل الذى ستضعه بعد قليل على المعكرونه
دغدغت الرائحة أنفها فأثرت الإبتعاد حتى ينتهوا من عمل الطعام لتأخذ نصيبها
خرجت مُبتعده من المطبخ لتصادف حمزه الذى أتى للتو من الخارج , لتهتف بمرح وهى تقترب منه
-ايه ده انت كمان معزوم ... ده العزومه صغرت أوى
كاد أن يضربها على رأسها هاتفاً بإستياء مُصطنع
-بس يا ساقعة .. هو أنا باكل أكلك
ابتعدت هي سريعاً قبل أن تطولها يده , وأخرجت لسانها لهُ وهتفت بمراوغه وهى تهز كتفيها بقله حيله
-أه بتاكل أكلى .. أو العكس أيها أقرب!
ضحكَ كلاهما ثم جلسا على الأريكة المُقابلة للتلفاز,ليمسك حمزه جهاز التحكم .
رمقته منه بجانب عينيها وهى تهتف
-هات الريموت
-لأ
-هاته!
-لأ
-في ايه بتتخانقوا ليه
أتت إيمى على صوتهم العالى لتجدهم يتنازعون بشأن جهاز التحكم !
-يا أطفال !
-هاى هاى كابتن
نظرت لهم إيمى بصدمة فهى ترى الطفولة في أبهى صورها ولم يعيدها للإنتباهها سوى صوت صغيرتها الذى دوى عالياً من الضحك !
بعدما أخذها حمزه من يدها ليستقرا أخيراً على برنامج أطفال ليشاهده ثلاثتهم !
انشغلت منه بهاتفها الذى دق , لتهرع إيمى لحمزه بلهفه
-ولا ولا .. هي العقربة جوا؟
انتفضَ حمزة على صوتها الخفيض ليقول مُضيقاً عينه
-تقريباً جوا سمعت صوتها وهى بتأمر بتنفخ كعادتها
ضيقت عيناها هي الأخرى بحركة درامية وهمست قائله
-طيب خلى رؤى معاك لحد ما أشوف كده
سارت على أطراف أصابعها واقتربت من المطبخ وأخذت تحاول النظر من الشباك التابع للمطبخ لتجدها تقف ترمق من تقف بجانبها بضيق سافر
لتجر أذيال الخيبه إلى حمزة وهى تحاول البكاء
-واقفه جوا
-استلقى وعدك بقى
ضربته بخفه على ذراعه ليصيح بها قائلاً بإنتقام
-رام عليك يا إيمى يا مفترية
- إيمى انتى جيتى يا حبيبتى
هتفت حياة بسعادة من الداخل لتكون ضربتها تلك المرة أقولى لحمزه الذى أفشى وجودها لتضطر للدخول لمطبخ للمساعدة رغم أنها لم ترد الإلتقاء بآمال التي تُعدل كل شيء تقوم به
هي الأن على وشك الدخول في أحداثٍ عصيبه !
.........................
لم يضطرب القلب ويختلج بين الضلوع رغم أن ثائره ليس بموجود ؟
لو ينشغل قلبها عن التفكير به دقائق فقط لارتاحت من الآرق الذى أصاب جفونها وأبقاها ساهره غير ليلة !
اندهشت من التجتمُع العائلى المُبكر فاليوم هو الثلاثاء ! ولم يبدو على الجميع السعادة فور أن دخلت لمنزل جدتها !
حتماً ما يدور ببالها منذُ أيامٍ سيتحقق , اليوم هو اليوم الذى سيتقدم كنان لخطبتها رسمياً
دقَ قلبها فرحاً مُعلناً عن احتفاله بنصرٍ جديد , فاليوم ستفوز بمن آثارَ قلبها وجعله ينبض عشقاً بعدما أضحى كتله لحمٍ لا تُسمن ولا تُغنى من جوعٍ !!
تجهزت في الأعلى وارتدت بنطالاً من اللون الأبيض تعلوه كنزه زرقاء من الشيفون , ويحتل أرزق كنزتها ورداً أبيضاً مُصمماً عليها ليكون مثل التيوليب من عند الذراع.
زينت شفتيها بلونٍ كرزى لامع مع , وسحبت خطاً رفيعاً من الأيلينر فوق عينها .. ليبدو منظرها رائعاً عدما ستعدت ليومها المُميز الذى ستتغير حياتها من بعده
نزلت من أعلى لتجد والدته وزوجها يدخلون أولاً بينما هو يقف بالخلف حالما تنتهى فترة السلام بين حياة ووالدته!
رفعَ رأسه بضجر ليرى أنشودته المُختارة بعنايه من قِبل القدر
فاتنه بعيناه رغم أنها بسيطة
ملامحُ هادئة وأهدابٍ طويلة
وبين كل النساء هي من بينهم .. الجميلة!
ظلَ نظره مُعلقاً عليها حتى كست الحُمره وجهها بلونٍ طبيعى
دلفت للمنزل خلفه مُباشرة لتبدأ دقات قلبها في التسارع !!
جلسوا على المائدة مُقسمين إلى رجالٍ ونساء .
لتمتعض من عدم رؤيته يفصلها عنه باب أحمق أرادت أن تكسر مقبضه
بينما هو افتُتِن بها تلك المرة , لم تكن كعادتها عنيدة , غاضبة ,طفولية بل كانت هادئة تشع بالحياة الذى افتقدها منذُ زمن بملامح أنثويه بحته !
كانت تلك لحظتها التي تأنقت من أجلها حينما أخبرهم والدها أنه سيعلن خبراً مُهماً لتتأهب هي ودقات قلبها تتسارع كأنها في سباقٍ للجرى
-أنا عندى خبر مُهم وده اللى اتجمعنا كلنا علشانة
أكمل حديثه وهو يشير نحو كنان الذى ابتسمَ بزهو
-بنعلن شراكتنا العظيمة مع كنان الشرقاوى !
وقعَ الخبر عليها كوقع الصاعقة فلم تُحرك جفناً ولم تنبس ببنت شفه ..بينما اتسعت ابتسامته المُنتصرة وكأنه كان يعرف بما تفكر فيه !
