رواية غرام الفصل الثالث3والرابع4 بقلم شيماء السيد


 رواية غرام

" الفصل الثالث "والرابع

بقلم شيماء السيد

"صباحك ضحكة بتسكر ساعاتي الجايه من يومي "




كانت تصور مقطع فيديو لقهوتها على انغام الموسيقى في 




شرفة منزلهم لتشاركه على احد مواقع التواصل الاجتماعي، 



نظرت لساعة هاتفها لتجد    انها قاربت التاسعة، نهضت سريعا 



لتختار ملابسها المكونه من تنورة زيتونية اللون و قميص 




خريفي ذهبي اللون و وشاح خليط بينهما يبرز جمال عيناها و 



حذاء رياضي ليسهل عملها و اختارت لزينتها ملمع شفاه هادئ اللون.. فقط 



حملت حقيبتها على ظهرها بحماس البدايات، فاليوم اول ايام عملها

و اثناء غلقها للباب خرجت جارتهم لتمتعض شفتاها و هي تنظر 



لعين المرأه الفضولية التي بادرت بالحديث

- صباح الخير يا غرام، على فين العزم

- ‏صباح النور، عندي شغل



و اجتازتها مسرعة و هي تنزل من على الدرج لتسمعها و هي تهتف

- طب استني قوليلي شغل ايه

و ضحكت بداخلها فأم ابتسام لن تتغير




وقفت أمام بناية منزلهم تتنفس بعمق، تهدئ من روعها لعل خوفها يهدأ 




كانت تكتسب الشجاعة كلما خطت خطوة، فالصيدلية قريبة



و تذكرت بالأمس رد فعله على وجودها، عاملها بلطف بالغ، و 

دعاها للجلوس، طلب لها عصير المانجو دون سؤالها، و اخذ 



يقرأ ملفها بتمعن، و تمعنت هي بالنظر لوجهه، فهي لم تره من 

يوم خطبتها السابقة، و مازالت نظرة عيناه لها تربكها، فعندما 


خلع نظارته و وضعها على مكتبه وجدها تنظر له بشرود ففرقع 



اصابعه حتى استفاقت من شرودها لتحمر وجنتاها و هي 


تشيح بوجهها، ليبارك لها على القبول بالعمل و انهم بإنتظارها غدا


افاقت من شرودها عندما وصلت للصيدلية، ألقت السلام على الفتاتين و اتخذت مقعدا جانبيا 

- يا هيام اهدي مش كده، هيبان عليكي

- ‏انتي مش شايفة ازاي عاملها امبارح

قالتها بحنق و هي ترمقها بحقد لتجيبها سناء بهدوء

- ‏ما البنت قالت انه يعرفها عشان صاحبه اخته

- ‏ما دي المشكلة...

و قاطع استرسالها قدومه، رأت لمعه عيناه عندما نظر للجالسة في مقعدها الجانبي و ألقى    عليها تحيته الهادئة بنبره مهلكه و من ثم تقدم منهم و ألقى تحيته ليدخل مكتبه بهدوء لتقول هيام بغيرة واضحه

- شايفه بيبصلها ازاي يا سناء

و قاطع استرسالها دخول احد الشبان الذي نظر للجالسة بإعجاب لتقف قبالته و هو يعطيها ورقة الادوية التي ناظرتها بحيره فهي لم تدرس المكان 

و همت سناء بالذهاب إليها لتوقفها يد الاخرى و هي تقول بتشفي

- خلينا نشوف هتعمل ايه

و كانت هي هناك تقف بوجه محمر اثر ارتباكها و نظرات ذاك الشاب الذي اخبرته و هي تنظر للأرفف الكثيرة

- ثواني و هجيبهم لحضرتك


و راقب هو الوضع من خلف زجاج غرفته بغضب ليهتف سريعا

- سناء 

لتذهب مهروله لغرفته ليهتف بغضب واضح

- لسه أول يوم شغل و متعرفش حاجه و حضراتكم واقفين من غير ما تساعدوها ممكن اعرف بتعملوا ايه 


و على اثر صوته العالي سمعته هيام لتزداد نيرانها اشتعالا و هي ترى سناء التي هرولت لنجده سندريلا التي شكرتها حينما رحل الشاب

- شكرا بجد، انا لسه معرفش حاجه، ممكن تبدأي تشرحيلي النظام

لتومئ سناء بإبتسامتها المعتاده 

- اه طبعا

و بدأت بسرد المعلومات و خلفها غرام التي تدون ما تقوله بحماس غريب و هي تطالع غرفته الزجاجية بإمتنان


و في موعد الانصراف 

اخبرها و هو يمر من امامها 

- يلا عشان اوصلك

- ‏مفي...




قاطعها بحزم

- مستنيكي في العربية 

و خرج لتخرج خلفه بعدما ألقت السلام عليهم لتشتعل نيران هيام اكثر و تهتف بغل

- شايفه يا سناء

- ‏بصراحه هو موعدكيش بحاجه انتي اللي بتوهمي نفسك بأوهام مش هتتحقق، انتي قدامه من سنة تقريبا مبيعاملكيش احسن مني حتى، انا شايفة انه معجب بيها اه و الكلام ده اكيد من زمان، فأنتي شيلي موضوعه من دماغك عشان ترتاحي او انقلي لشيفت بالليل عشان تبعدي

قالتها سناء بحزم و من ثم تركتها و رحلت و ظلت هي جالسة حتى اتي بديلها لمناوبه المساء ليسألها بإستغراب

- مالك يا هيام

- ‏بص يا أمير انا محتاجه منك خدمة بس هتنفذهالي في الوقت اللي اقولك عليه

و إلتمعت عيناها بمكر 


و في سيارته كانت منكمشه على نفسها في مقعدها المجاور ليبدأ بالحديث






- بصي يا غرام

و تحشرج صوته دون ارادته عند نطق اسمها ليتنحنح مكملا

- انتي مش غريبة، لو عايزة   اي مساعدة او اي حاجه قوليلي، زي موقف النهارده كان ممكن تقولي لحد من الدكاترة يساعدك

- ‏اصل انا اتكسفت اطلب منهم

- مش مبرر، فضلتي واقفة قدام الولد و 

و ابتلع ريقه ليكمل

- اعرفي النظام قبل ما سناء تمشي و اعتقد انك بدأتي تعرفي حاجات النهارده

لتومئ برأسها و تجد ان السيارة قد توقفت امام منزلها ليقول

- وصلنا بسرعة، سلميلي على طنط زهرة 

فخرجت مسرعة و هي تودعه بيدها لتدخل البناية خاصتهم و ينطلق هو بسيارته و كانت أعين احدهم تراقبهم بجنون


- انتي و كامل اخوات اه، بس ميصحش يوصلك 

قالتها امها عندما اخبرتها غرام عن يومها و توصيل كامل لها

- مكنش عندي فرصة اعترض

- ‏ليه معندكيش شخصية

لتظهر علامات الضيق على وجه غرام لتستدرك امها الحديث و هي تجلس امامها في غرفتها








- انا عيزاكي تكوني جامدة و قوية، تاخدي من الدنيا اللي انتي عيزاه مش اللي الدنيا تديهولك و تسكتي على كده و......

و لم تكمل جملتها فلقد وصلها صوت الجرس الذي يرن بجنون متزامنا مع طرق عنيف على باب منزلهم 

لتستقيم امها بسرعة و هي خلفها لتفتح للطارق الذي لم يكن سوى.. مروان


- حبيتي بسرعة كده

قالها بصوت حاد غير متزن و هو يناظرها من خلف امها، لتخرج ام ابتسام من الشقة المقابله، لتفسح زهرة يدها ليدخل بينما تقول لام ابتسام و عيناها الفضولية

- عن اذنك يا ام ابتسام

و اغلقت الباب سريعا لتلتفت لذاك الذي يناظر ابنتها بغضب مترنحا لتقف امامه و هي تهتف بغضب

- انت اتجننت، عايز ايه ما خلاص كل واحد راح لحاله 

و من ثم تحكمت بصوتها العالي و هي تتذكر ام ابتسام

- مش عايزين فضايح

- ‏بنتك السبب 

و ناظر غرام ليخاطبها 

- بتعاقبيني؟

- ‏اعاقبك على ايه يا مجنون انت، انت خلاص مبقتش في حياتي و مش فارق معايا، معرفش حبيتك ازاي

و ناظرته بإشمئزاز ليردف مترنحا و هو يقترب منها لتقف امها امامه 

- انا بحبك، انتي ليا، ليا انا و بس

و سقط ارضا لتصرخ بجزع لتقول امها بهدوء و هي تسحب هاتفها

- متخافيش، اكيد شارب حاجه 

و بحثت في قائمة الاسماء لتضغط زر الاتصال 


و بعد نصف ساعة

- استاذ فؤاد، انا مش عايزة فضايح و زي ما دخلنا بالمعروف خرجنا بالمعروف ليه ابنك يجيلنا تاني و يعلي صوته وسط الجيران و فوق ده كله شارب

قالتها بتوبيخ لوالده الذي حضر سريعا ليرى مصيبة ابنه الجديدة ليقول بمهادنه و هو يناظر النائم اسفل قدمه

- انا اسف بالنيابة عنه و مش هيتكرر تاني 

- ‏و لو اتكرر محدش يلومني على اللي هعمله، ممكن صورة في وضعه ده 

قالتها بخبث ليقاطعها بحزم




- مش هيحصل تاني قولتلك 

و من ثم حضر احد رجاله الواقفين على الباب ليساعده في وقوف ابنه ليودعهم بإقتضاب و من ثم اغلقت هي الباب خلفه بعنف 


- بتعملي ايه يا ماما

قالتها ابتسام لامها التي تقف خلف باب شقتهم الموارب لتجيبها بهدوء

- اسكتي، عايزة اعرف ايه اللي بيحصل

لتتحدث ابتسام بعصبية و صوت عالي

- لو سمحتي اقفلي الباب و الله اللي بتعمليه ده حرام 

لتغلق امها الباب بعصبية و تتحدث سريعا لتداري حرجها 

- مكلمتيش محسن 

لتجيبها بعدم اكتراث

- بكلمه مبيردش 

- ما هقول ايه انتي نكدية و مش هتسكتي غير لما يطفش من وشك

- يارب اللهم آمين

و قالتها سرا كي لا تسمعها امها 





و في المساء وقف فؤاد أمام ابنه في غرفته ليتحدث بلهجته الصارمه

- حجزتلك تذكرة مفتوحة و اختار البلد اللي تحبها، هتمشي من هنا بعيد عن البنت دي

و هم مروان لمقاطعته ليهتف الاخر بحزم 

- انا مش هبني كل ده عشان بتصرفاتك الطايشة و لعب العيال بتاعك يتهد، الانتخابات على الابواب و مش عايز كلام كتير، حضر شنطتك 

و تركه مغادرا للغرفة، و بداخل ابنه اختلط عجزه مع قهره و ازداد يقينه بعدم عودتها لذلك سيتركها لمصيرها


و بعد عده أيام كانت غرام تقف مع لمياء في مطبخ منزلهم

- جالك البيت بجد

قالتها لمياء بصدمة لترد عليها غرام و هي تخلط الفراولة في الخلاط الكهربائي

- ‏اه و الله زي ما بقولك كده و ماما اتصرفت و مشوفتوش من يومها، الحمد لله اني خلصت منه بجد

- بصراحه مستغربة الجرأه دي

- ‏تقريبا كان شارب حاجه 

قالتها غرام و هي تصب   العصير الذي اخذته لمياء و سارت امامها لشرفة بيتها حيث مكانهم المعتاد لتغير لمياء مجرى الحديث و هي تبتسم بخبث

- و ايه اخبار الشغل بقا

فأجابتها غرام و قد غفلت عن نظرتها 

- ‏الحمد لله كويس، اتعلمت حاجات كتير طبعا و سناء سابت الشغل عشان فرحها، بس البنت التانية دي مبتحبنيش تقريبا 

- ‏ليه يعني

سألتها لمياء بإستغراب لتجيبها غرام 

- ‏معرفش بتبصلي نظرات مش كويسة و خصوصا لما كامل يكلمني 

- ‏يمكن معجبة و لا حاجه

قالتها لمياء بينما تدقق النظر في وجهها لتجيبها غرام ببراءه

- ‏لا ما كامل مش مهتم بيها اصلا 


و سمعا بعد جملتها تلك صوت رنين الجرس 

- اكيد ده كامل 

و ذهبت لتفتح الباب بينما اعتدلت غرام في جلستها لتسأله لمياء بحنق

- لازم يعني اقوم افتح الباب ما انت معاك المفتاح 

و كان الصوت يصلها لتسمع اجابته

- يا بنتي مش معاكي صاحبتك لازم انبهك اني موجود 

و من ثم دخل الشرفة لتحيتها

- النهاردة اجازة و دماغك مروق انتي 

ابتسمت لترد ببعض الشقاوة التي قلَّما تظهر 

- قولتلك لو عايز مساعدة معنديش مانع اتنازل و اساعدك 

ليشاكسها بدوره قائلا

- مستغنيين عن خدمات حضرتك

- ‏ماشي يا دكتور شكرا

و اندمجا مع بعضهما في الحديث حتى نسيا تلك التي تراقبهم بسعادة، خاصًة و هو يرتشف   مشروب الفراولة من صنع يد حبيبته.


و مرت الأيام سريعا، كانت تكتسب الخبرات، تدون الجديد، حتى ان جميع العملاء شهدوا بإجتهادها، صغيرته تكبر أمام عيناه و رغم ضيقه من نظرات البعض إلا انه يعرف اخلاقها، يغار و لكن لا يشك، فغرام هي نصفه الاخر


- محسن، اخيرا ظهرت 

قالتها ابتسام بإمتعاض و هي تراه واقفا امامها بعد غياب شهر 

و ابتعدت ليدخل و من ثم همت بإغلاق الباب لتوقفها يده

- استني، اتفضل يا استاذ سالم 

و من ثم دخل احد الرجال بحقيبة يده، و قد تزامن مع دخوله خروج امها لهم لتهتف بترحيب 

- اتفضلوا البيت بيتكم

ليضحك محسن ضحكته السمجه قائلا بخبث

- ما هو بيتي فعلا يا ام ابتسام 

و لم تفهم معني الجملة حتى جلسوا جميعا فبادر بالقول

- استاذ سالم المحامي





- ‏اهلا و سهلا، خير

قالتها صباح بتوجس ليجيبها محسن 

- انا عايزكم تفضوا شقتي من الكراكيب بتاعتكم دي عشان أستلمها 

لتهتف ام ابتسام بإستنكار

- شقتك!!

ليجيبها بتشفي واضعا ساق فوق الاخرى

اه يا ام ابتسام انتي ناسيه انك كتبتيها بإسمي عشان تجيلي فواتير الميه و الكهربا  بإسمي، الدنيا غداره 

و كان هذا اخر ما سمعته امها قبل ان تسقط ارضا


" الفصل الرابع " 


- البقاء لله

قالتها اخر المعزيات لها 

ربتت غرام على يدها لتستفيق من شرودها الدائم، فقالت للمرأه كلمات غير مفهومة، نظرت حولها لتجد المقاعد خالية، و غرام بجوارها تواسيها بصمت، لتخرج ام غرام من المطبخ و في يدها كأس حليب لتجلس جوارها و هي تربت على ظهرها برفق و تحدثها بنبره حنون

- اشربي يا حبيبتي انتي بقالك يومين مبتاكليش حاجه، ربنا يرحمها 

اخذت منها الكأس بصمت و ارتشفت بعضا منه لتغلبها دموعها كالعاده

لتبكي بحرقة

امها اخر ما لها في الدنيا

الان هي يتيمة بحق

رغم مساوئها..تبقى بالنهاية امها 

لتغلب غرام دمعتها فتتركهم و تذهب لغرفتها 

و تبقى زهرة بجوارها، تحتضنها بصمت حتى هدأت رجفتها لتسحبها من يدها و هي تدخلها لغرفة الضيوف الاضافية التي اصبحت تسكنها


و في اليوم التالي 

ذهبت غرام للصيدلية، رأها متشحة بالأسود، عيناها حزينتان و يتحجر بهما الدمع، ألقى تحيتة المقتضبة عليها هي و هيام التي تترصدهم بعينها 

و بعد ساعة طلبها، وقفت امام مكتبه ببعض الخجل 

- اقعدي يا غرام

قالها بحنان لتجلس امامه و هي تشبك اصابع يديها في بعضهم لتبدأ بالحديث

- انا اسفه عشان غيابي بس..

قاطعها بإشارة من يده

- لمياء قالتلي، البقاء لله، ربنا يرحمها 

دمعت عيناها دون ارادتها ليسألها بشفقة

- كنتي بتحبيها

- ‏لأ، بس بنتها صعبانة عليا و كل شويه افكر في ماما و ان ممكن تروح مني بسهولة كده، انا مليش حد غيرها

اعطاها منديلا ورقيا و هو يختلس النظر لهيام التي اخفضت عيناها سريعا عن مراقبتهم ليشيح بوجهه عنها في ضيق بينما يردف للماثلة امامه

- طب اهدي، متعيطيش، ده قضاء و قدر، ربنا مبيحملناش فوق طاقتنا، بلاش تفكير سلبي 

اومأت برأسها في طاعة، رأها كطفلة صغيرة تمسح وجنتاها المكتنزتان برقه، انفها محمر بجاذبية تخصها، رفعت عيناها إليه لتتقابل مع عيناه الحنونتان، تنهدت دون ارادتها، ارتبكت حدقتاها و نهضت سريعا لتستأذن و تخرج

و هيام تغلي و تزبد

تلك الفتاة حتما ستضيع منها كامل 

لذلك ابتسمت بخبث لتبدأ خطتها 


طرقت هيام على باب مكتبه بخفه

و استأذنته في اجازة مفتوحة لانها ستسافر بلدتهم لبعض الوقت، و يمكنها احضار بديل، وافقها بشرط حضور البديل سريعا

 

و قد كان ففي اليوم التالي وقف امامه البديل ليعرفه بنفسه

- أمير الانصاري

- ‏اهلا بيك يا دكتور أمير، اتفضل

جلس ليشرح له كامل نظام الصيدلية، و على الرغم من هدوء الرجل امامه و لكن نظراته لغرام لم تكن تعجبه، بل انه تعجب انه ذكر و قد كان يتوقعها انثى 

خرج امام نظراته ليلقي تحية هادئة على غرام، ردتها ببعض العجب و هي تراه يجلس امام حاسوب هيام ليجيب نظراتها

- هيام اخدت اجازة و انا هنا بديل

اومأت بصمت لتعود لعملها و دون ارادتها انحدرت حدقتاها ناحية الغرفة الزجاجية لتتلاقى اعينهما لتشيح بوجهها سريعا بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة


- ابتسام، محسن بعت النهارده واحد عشان عايز الشقة فاضية في اسرع وقت

قالتها زهرة لتلعن الاخرى محسن بداخلها لتلتفت إليها و هي تجيبها بتحشرج

- حاضر، هحاو...

قاطعتها زهرة بحنان و هي توقفها من جلستها 

- روحي انتي هاتي الحاجات الخاصه، لبس مثلا او حاجه خاصه بيكم، و انا كلمت عمك عبدو هيشوفلنا اوضه فاضية ننقل فيها الحاجات 

دمعت عيناها تأثرا و احتضنت زهرة بصمت لتربت الاخرى على كتفها مشجعة


حالما دخلت شقتهم السابقة، قابلتها رائحة امها، رغما عنها نظرت لذاك المكان الذي وقعت فيه، هنا زهقت انفاسها، ازمة قلبية، رحلت اثرها سريعا و كأنها لم تطق فكرة حياتها دون رجل حتى و ان كان محسن 

دخلت للغرف سريعا، احضرت ما ارادته و شملت المنزل كله بنظرة قبل ان تفتح بابه و تخرج

و حالما فتحت الباب وجدته امامها و كأنه ينتظرها

محسن

نظر لها تلك النظرة التي تمقتها من اعلاها لاسفلها

- انا شايف انك احلويتي زيادة، ما تيجي نرجع الميه لمجاريها يا عروسة 

و دون ارادتها ارتفعت يدها لتصفعة

صفعة 

و ثانية 

و من صدمته صمت حتى استفاق ليكيل لها لكمه قوية تأوهت على اثرها، خرجت زهرة و نزل بعض الجيران، و وابل من السباب انهال على رأسها، حتى انه طعن في شرفها و لكنها لم تهتم، لقد بردت نيران قلبها عندما صفعته 

ادخلتها زهرة لشقتها امام ناظريه و امام نظرات الجميع بصقت في وجهه لتغلق خلفها الباب، و نالها بعض السباب 

لتسمع نشيج ابتسام الخفيض لتربت على كتفها بأسى

- خلاص يا بوسي، راح لحاله الحمد لله انه نجاكي منه

- ‏كنت عارفه انه كده، بس هي اللي اصرت 

لم تضغط عليها زهرة بل ضمتها لاحضانها و ربتت على ظهرها بسكون و تحدثت هي

- كان هو اول عريس يجيلي، امي ما صدقت تخلص من الحمل التقيل بتاعي رغم اني كنت بشتغل و الله بس هي محبتش كده، وافقت بسرعة و مع الوقت محسن اغراها بالفلوس، قالها ما تكتبيلي الشقة بإسمي عشان الفواتير و في الاول و الاخر انا جوز بنتك، كتبتهاله و وقفتني عن الشغل لانه كان بيبعتلنا فلوس كل شهر عشان يغريها اكتر، و اهو ماتت بحسرتها 

و انفجرت في البكاء و من ثم اكملت

- مكانتش بتحبني، كانت بتتمنى انها تخلف ولد عشان يقف جمبها

- ‏متقوليش كده، اهدي يا ابتسام 

و ربتت على كتفها مره ثانية 

و دخلت غرام من الباب على ذاك المشهد الذي استفز الطفلة الغيور بداخلها، ألقت التحية بهدوء و جلست امامهم لتسأل امها

- هو محسن عمل حاجه و لا ايه اصل سمعت الجيران بيتكلموا

- ‏انا اسفه بجد لكل اللي حصل، اسفه، انا هحاول اشو...

قالتها ابتسام و هي تعتدل في جلستها تاركه دفئ زهرة التي قاطعتها بصرامه

- ده بيتك يا ابتسام متقوليش كده، و انتي و غرام اخوات، يلا دخلي الحاجات اللي جبتيها اوضتك

اومأت بطاعه و تحركت بحاجياتها لترمقها غرام بإشفاق و تلاقت عيناها بعين امها التي ناظرتها بعتاب و لسانها يخبرها

- ‏تعالي جمبي

جلست جوارها تفرك يديها ببعضهما مثلما كانت تفعل في طفولتها

- غيرانة

- ‏اه

نطقتها دون مواربه لتناظرها زهرة بضحكة مشرقة فغرام لن تتغير مهما كبرت، و سألتها لتغير مجرى الحديث

- عامله ايه في الشغل

- ‏الحمد لله كويسة

- ‏و كامل

لم يخفى على امها توتر عيناها و ارتباكها الذي اعتراها

- كويس 

قالتها بسرعة لتقف و هي تخبرها 

- هروح اشوف ابتسام

و هربت


- وحشتني يا يوسف، وحشتني يا حبيبي 

قالتها لمياء امام قبره

يوسف حب عمرها، زميل دراستها، و زوجها 

اخرجت سلسال رفيع من رقبتها ينتهي بخاتم زواجها منه، عقد قرانهم و بعدها بيومين جاءها خبر رحيلة في احدى الحوادث و تعيش حتى الان على الذكرى

- انا وعدتك اني مش هقلع دبلتك صح، موجودة دايما معايا يا حبيبي، بيقولولي انسي يا لمياء، انساك ازاي و انت لسه عايش جوايا، انا محتاجاك يا حبيبي، سبتني ليه يا يوسف، انا مش قادرة اعيش من غيرك

و بدأت في البكاء حتى اتاها صوت نحنحه جانبية لتنظر بتوجس فتجد احد الشيوخ الذي غض بصره عنها و حدثها

- لمؤاخذه يا بنتي انا سمعت كلامك من غير قصد، بس اللي بتعمليه ده مينفعش، اصبري و احتسبي و ادعيله احسن من اللي بتعمليه في نفسك ده و ارضي باللي ربنا كتبهولك 

و مضى الرجل امامها في طريقة 

شكرته فهمهم ببعض الكلمات

كفكفت دمعها سريعا و هي تضع بعض الصبار امام قبره و تلقي عليه نظرة اخيرة قبل ذهابها 


- ايه الاخبار يا أمير

كان هذا صوت هيام الذي يسأله في الهاتف فنظر امامه ليجد غرام المنشغلة كالعاده و رد بهمس

- مبتبلش ريقي بأي حاجه، ساكتة طول الوقت حتى مش لاقي اي حوار افتحه

- ‏و انا اللي قولت انت اللي هتجيب خلاصه الموضوع و تعلقها

قالتها ببعض السخرية ليرد بتهكم

- متتريقيش يا حلوة ما انتي اللي معرفتيش تجيبي رجل الراجل من الاول 

و رأى احد الزبائن قادمين فأغلق معها سريعا دون سماعها ليلتفت له فتركه الرجل ذاهبا لغرام التى انكمشت على نفسها من هيئته

- صباح الخير يا ابله، عايز العلاج ده

و فرك رأسه بعصبية فأخذت منه الورقة لتجده نوعا من أدوية الجدول غير المصرح بتناولها دون استشارة طبيب

- طب ممكن الروشتة بتاعه الدكتور

- نسيتها، ما الدوا اسمه اهو

قالها سريعا و مازال يفرك رأسه بسرعة و عيناه الحمراوتان تتابعان تفاصيلها 

فدارت ببصرها حوله لتجد أمير واقفا خلف الرجل و قبل ان يسحب الرجل مديته من جيبه الخلفي طوقه أمير من الخلف ليخبرها سريعا

- اتصلي بالبوليس

- خلاص سيبني و انا همشي سيبني

و حاول الرجل فك قيد يده و لكن دون جدى

حضرت الشرطة سريعا من القسم القريب و حرروا محضرا بالواقعة 

و حالما حضرا من قسم الشرطة قابلتهم نظرات كامل العصبية فسألها بغضب

- كنتوا فين 

ارتبكت دون ارادتها امام عصبيته ليسرد عليه أمير ما حدث، فشكره بكلمات مقتضبة و دخل لغرفته


- شكرا بجد معرفش من غيرك كان ممكن يحصلي ايه

- ‏متقوليش كده يا غرام انتي زي اختي

اللهم بارك على الشهامة، قالها بداخله ساخرا و هو يستمع للحديث الدائر بينهما فمنذ حضر و هي تنصبه كبطل، ليته لم يذهب لذاك الاجتماع و بقى هنا 

استجمع اعصابه المنفلتة و خرج لها قائلا

- سناء فرحها كمان يومين و عزمتك، هي متعرفش بيتك بس بعتتلي جواب بإسمك 

- ‏طب و انا

سأله امير بمرح ليرد عليه بإقتضاب و نظرة ذات مغزى

- ممكن تسأل هيام 

- اكيد انت معزوم لأنك بتشتغل هنا

قالتها غرام لتخفف من حده كامل فقد اسفقت على الرجل ليرد أمير بمرحه المعتاد

- و لو متعزمتش اعزم نفسي

لتبتسم له غرام بينما رمقه كامل بنظرة غامضة و هو يتفتت من الغيظ 


و بعد يومان كان ينتظرها اسفل بنايتها واقفا خارج سيارته حتى رأها تخرج كأميرة بفستان متعدد الطبقات ينساب على جسدها بنعومة، و حجاب انيق يغطي شعرها، زينة متقنة تبرز جمال وجهها، و حذاء بكعب عالي زاد طولها بعض الشيء 

و ازدادت نبضات قلبها و هي تراه في تلك البذلة السوداء، و للحظ كانت رابطة عنقه لون فستانها 

غضت بصرها سريعا و هي تسأل نفسها هل كان وسيما هكذا دائما

وصلت لتقف امامه ببعض الخجل ففتح لها باب المقعد المجاور له لتسأله و هي تتفحص السيارة

- هي لمياء مجتش

- ‏لأ، قالت انها تعبانة و مجتش

اومأت بصمت و هي تتوعدها سرا فما ينقصها هو التواجد معه، بينما شكر هو اخته سرا 

اتخذ مقعده امام عجلة القيادة و فتح المذياع ليبدد الصمت بينهما 

" وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني

ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني "

- بتحبي عمرو دياب

- ‏يعني 

و كلماتها مقتضبة حيث انها رومانسية بإفراط و اجواء السيارة تلعب لها على الوتر الحساس 

- طب بتحبي مين 

- ‏كاظم 

- ‏و انا كمان

قالها ناظرا لعينيها بعمق و بدأت موسيقى جديدة في الانسياب لمسامعها

"قولي أحبك كي تزيد وسامتي فبغير حبكٍ لا أكون جميلاً

 قولي أحبك كي تصير أصابعي وتصبح جبهتي قنديلاً

 الآن قوليها قوليها ولا تترددي "

- و الله ابغي اقولها لكن استحي

قالتها سرا لنفسها و من ثم ابتسمت لتسمع صوت رنين هاتفها فأخفض الموسيقى حتى تحدثت مع والدتها و اغلقت ليلفهما الصمت حتى وصلا لباب القاعة


- عقبالك 

قالها و هما يدخلان القاعة لتناظرة بتعجب

- عقبالك انت كمان 

عندما تناظرة بتلك النظرة يشعر بالأسر 

و قطع نظراتهم صوت أمير

- اخيرا، انا زهقت نن القعدة لوحدي

و كز الاخر على اسنانه بغيظ بينما بادلته هي تحية رقيقة 

وصلوا لإحدى الطاولات الجانبية التي كانت تضم هيام و بعض الزملاء و بعد التحية وجه له صديقة تساؤلا بشأنها فرد أمير بسرعة

- دي الدكتورة غرام، بتشتغل معايا في الصيدلية

- ‏اهلا وسهلا

شعرت بالحرج رغما عنها فهي لم تعتد هذا الاختلاط و خاصه انها لا تعرف احد سوى.. كامل

كامل الذي تراه الان ضاحكا على احدى طرائف هيام السمجة، فليضحك، ليس من شأنها 

بينما استغل أمير الموقف ليقرب نفسه منها و هو يحدثها بمرح فتبادلت معه الحديث بمرح مشابه تخفي به توترها


جاءت فقرة الرقص الزوجي لتتحدث هيام ببعض الميوعة

- ما تيجي نرقص يا دكتور

شحب وجه غرام من جرأتها لتناظره سريعا، بينما ركز هو انظاره عليها و قبل ان يتحدث قال أمير

- تعالي نرقص يا غرام

لتشتغل عيناه بغضب بينما احمرت وجنتاها بخجل من الموقف ككل فقال لهم بإبتسامة مصطنعه

- عندنا الراجل مبيرقصش غير مع مراته

و نظر لساعته و وجه حديثه إليها

- مش كفاية كده و لا تحبي تقعدي شويه كمان 

- ‏لا كفايه

قالتها سريعا ليقفا و هما يودعان الجميع و قبل تحركه قال لهيام

- ترجعي الشغل من بكره كفايه اجازة لحد هنا، و كل واحد يرجع مكانه

و قال جملته الاخيرة بمغزى واضح و عيناه على أمير

باركا للعروسين و سارت امامه بينما طوقها هو من خلفها دون ان يمسها حتى لا يحتك بها احدهم


و في طريق عودتهم كان الصمت يلفهما و بداخل كل منهم الكثير من الاسئلة 

و لكنه قاطع افكارها بقوله 

- انا شايف ان أمير 

- ‏ماله

قالتها ببعض الهجوم و مازالت متأثرة بنظرات هيام إليه، و التي لن تنكر انها كانت مغرية في ذاك الثوب 

ارتفع حاجباه بتعجب من هجومها الغير معتاد

- اقصد واخد عليكي 

- ‏طب ما هيام واخده عليك

قالتها دون تفكير حتى انها صمتت و جحظت عيناها بصدمة، بينما زينت وجهه افضل الابتسامات، سعادة رجل حصل على افضل انجازاته ليخبرها مباشرةً بقلب سعيد

- بصي بقا انا بحبك و عايز اتجوزك 

                الفصل الخامس من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا


تعليقات



<>