
رواية علي غير موعد الفصل السادس6 بقلم هنأ محمد
-ألو... مين معايا؟
جاءها من الطرف الآخر صوت رجل، يحمل نبرة سخرية خفيفة وضحكة:
-مين معايا إيه ربنا يهديكِ يا ليان! أنتِ فين وكل ده نايمة؟!
-سليم؟! أنت جبت رقمي منين ؟
-لا مفيش... أصل أنا شخص مهووس وبراقبك زي ما أنتِ بتقولي دايماً، فجبته بطريقتي الخاصة عادي جداً. المهم أنتِ بتعملي إيه ولا فين لحد دلوقتي؟ أنتِ نسيتي إن وراكي شغل ولا إيه يا بنتي؟!
اتسعت عينا ليان، لتدرك أن الوقت قد تجاوز الساعة التاسعة صباحاً :
-ينهار أبيض! هو النهاردة مش إجازة رسمية؟! طب أعمل إيه دلوقتي؟! مستر خالد هيرفدني وهيمسح بيا بلاط الشركة!
رد سليم بنبرة هادئة:
-البسي بسرعة بس وهاجي آخدك يلا.. قدامي عشر دقائق بالضبط وأكون تحت عمارة بيتكم.
-تيجي فين بس يا سليم؟! لا لا مفيش داعي تتعب نفسك، أنا هلبس في ثانية وهنزل أركب مواصلات أو آخد تاكسي أو...
قاطعها سليم باهتمام جاد:
-بس بس! اجهزي بس من غير كلام كتير عشان آخدك معايا، لأن بالمرة بالمرة عايزك تشوفي حد كده
اهتمت ليان وسألته باستغراب:
-مين الحد ده؟ حد من الشركة ولا اهلك ولا جومانا ولا مين كده
تنهد سليم وقال بنبرة مبتسمة:
-يا ستي متشغليش دماغك بالتفاصيل دلوقتي...فوقي كده والبسي! يلا سلام، هاجي ألاقيكِ جاهزة .
******
أغلق سليم الخط في وجهها فوراً دون أن يمنحها حتى ثانية واحدة للاعتراض أو الرفض. استيقظت ليان من فراشها وبدأت تتحرك في الغرفة وهي تبحث عن ثيابها و بسرعة ارتدت ثيابها
******
بعد أقل من ربع ساعة، كان سليم يقف أمام باب شقة ليان في الدور الثالث. عدّل ياقة قميصه هدوء، ثم رفع يده وطرق الباب بطرقات هادئه
فتحت له الأم حنان وهي ترتدي مريلة المطبخ وفيما إن وقعت عينها على وجه سليم المبتسم وظهرت على وجهها علامات الترحيب الحرارة:
-يا أهلاً يا سليم يا حبيبي! خطوة عزيزة والله... تعال تعال ادخل، واقف على الباب ليه؟!
ابتسم سليم باحترام ووقف عند العتبة قائلًا:
-صباح الخير يا مدام حنان، بعتذر جداً لو جيت في وقت مش مناسب أو أزعجتكم، بس جيت آخد ليان عشان متأخرين على شغل الشركة
دخل سليم إلى الصالون بخطوات متزنة، ليجد الأب مصطفى يرتدي نظارة القراءة ويطالع جريدته رفع الأب رأسه ورحب به :
-أهلاً يا سليم يا ابني... تعال اقعد اتفضل، حنان اعملي كوباية شاي مظبوطة لسليم هنا!
رد سليم وهو يجلس على الأريكة :
-لا يا عمي مصطفى والله مالوش لزوم التعب ده بس ليان تجهز
ابتسم العم مصطفى، وخلع نظارة القراءة ببطء ووضعها على الطاولة الزجاجية أمامه. نظر إلى سليم بنظرة تفحص ثم قال بنبرة هادئة ومباشرة كشفت عن رغبته في فهم سليم :
-سليم... أنت شاب ممتاز وابن ناس ومحترم، وأنا من امبارح وأنا ملاحظ اهتمامك بليان وخوفك عليها ... قول لي بصراحة وبينّا كرجالة يا ابني، أنت بتحب ليان؟
صمت سليم لثانية واحدة، وشعر بثقل السؤال لكنه لم يتردد وقال بصوت جاد، صادق:
-بصراحة يا عمي... اه، أنا بحبها جداً. وشاريكهم وشاريها، وناوي أتقدم لحضرتك رسمي أول ما هي بس تدي الفرصة
وفي تلك اللحظة بالضبط، خرجت ليان من غرفتها
ودخلت الصالة بسرعة وهي تعدل حقيبة يدها على كتفها قائله:
-أنا جاهزة يلا يا سليم بسرعة عشان...
توقفت ليان حين لاحظت الصمت الرهيب بين أبيها وسليم. نظرت إلى الاثنين بشك وريبة وقالت:
-في إيه؟ أنتوا بتبصوا لبعض كده ليه؟! وهو بابا قالك ايه يا سليم ؟
ابتسم الأب مصطفى ووقف قائلًا وهو يربت على كتف سليم:
-مفيش يا حبيبتي، دي حوارات رجاله بينّا.. يلا توكلوا على الله عشان متتأخروش على أكل شغلكم، وطمنا عليك يا سليم لما توصلوا.
رد سليم بابتسامة :
-حاضر يا عمي
نزلا إلى الشارع ، وركبت ليان السيارة بجانبه في المقعد الأمامي وهي ترمقه بنظرات ريبه وقالت :
-سليم... أخلص وقول لي، كنتوا بتقولوا إيه جوة؟ وأبويا ضايقك طيب ؟
ابتسم سليم وهو يشغل محرك السيارة وينطلق بها دون أن يلتفت إليها:
-حوارات رجالة يا دكتورة، كان بيقولي علي خططي للمستقبل مالكيش دعوة أنتِ بيها دلوقتي!
تكتفت ليان ونظرت له بغيظ:
-يا سلام؟! مليش دعوه ؟ ما علينا مش مهتمه... مين بقى الشخص المهم اللي قلت لي عايزني أشوفه
وبسببه محدد ميعاد؟
تجاهل سليم سؤالها وواصل القيادة :
-حوار مهم ، لما نوصل للمكان هتعرفي كل حاجة بنفسك ومن غير ما أسرد لك التفاصيل.
انفجرت ليان بقلق:
-سليم! جاوبني بجد ، مين الشخص ده؟! وهل لينا علاقة بالشغل المسلسل الجديد ولا حاجة شخصية من بلاويك؟
التفت سليم إليها لثانية ليرد بابتسامة مستفزة قائلًا:
-ليان... اسكتي شوية وركزي في الطريق وخلي النهار يعدي على خير بدل ما...
وفي لحظة خرجت سيارة نقل بضائع صغيرة فجأة وبسرعة :
اتسعت عينا ليان وصرخت بأعلى صوتها وهي تشير للأمام:
-سليييييم حاسب !!
ضغط سليم على دواسة الفرامل بكل قوته حتى أصدرت الإطارات صفيراً حاداً، وخبط في عامود اناره :
توقفت السيارة تماماً، وساد صمت قصير التفتت ليان لسليم بذهول :
- إيه يا أخي!! أنت أهبل ولا أعمى ولا مش بتشوف؟! مش قلت لك زفت ركز في الطريق وفتّح عينيك؟! إيه الغباوة والتخلف ده يا سليم! كنا هنروح في داهية النهاردة بسبب استهتارك ده!
لم يستطع سليم كبح نفسه أمام هيئتها، وبدأ يضحك على شكلها وهي تشتمه بانهيار وتعدل حجابها المائل :
- يا بنتي أهدى صلّي على النبي! والله العظيم خبطة بسيطة جداً وما فيهاش أي حاجة!
-بتضحك ؟! اضحك اضحك! السيارة اتخبطت الاكصدام بتاعها اتخلع من قدام اصلاً!
نزل سليم من السيارة وهو ما زال يضحك ليتحقق من مكان الخبطة، فوجده خلع تماما :
-العربية دي مش هتمشي بينا خطوة واحدة كمان غير لما اصلحها ... يلا يا دكتورة ننزل ناخد مواصلات عشان الشغل والميعاد!
-مواصلات؟! بقى جايبني بعربيتك من البيت عشان تهزقني وتعمل حادثة، وفي الآخر تركبني ميكروباص في حر النهار والشمس دي؟!
رد سليم وهو يغلق العربية بالمفتاح:
-معلش يا دكتورة... يلا بينا بس نلحق الميكروباص اللي قادم هناك ده!
شاركت ليان سليم رحلة المواصلات الصعبة، حيث ركبا ميكروباص يتجه لنفس المنطقة. جلست ليان بجوار الشباك تتذمر بصوت خفيض وسليم بجانب السائق
بعد حوالي ربع ساعه داخل الميكروباص، نزلا أخيراً أمام أحد الكافيهات الهادئة والراقية الواقعة في شارع جانبي بعيداً عن صخب الشارع الرئيسي
عدلت ليان ملابسها وهي تخرج :
-هو إحنا نازلين الكافيه ده ليه؟ الشغل والشركة مش هنا يا سليم، أنت جايبني فين بالظبط؟
رد سليم وهو يدفع الباب الزجاجي للكافيه:
-ادخلي بس يا ليان وأنتِ هتعرفي... الشخص اللي مستنينا قاعد جوة
أشار سليم لطاولة هادئة تقبع في زاوية الكافيه التفتت ليان بنظرها لتقف فجأة في مكانها مصدومه ...
كانت تجلس على تلك الطاولة فتاة أنيقة، تردي ملابس مرتبة وتتصفح هاتفها بتوتر. وما إن رأتهما يقتربان حتى وقفت بسرعة وهي تبتلع ريقها
تراجعت ليان خطوة كاملة للوراء وقالت بصوت هادئ مكتوم وهي تنظر لسليم بذهول:
-سليم! أنت اتجننت رسمياً بتهبب إيه؟
جايبني هنا ليه وموقفني معاها ليه تاني ؟! أنا ماشية يغور الشغل !
-ليان أرجوكِ... اسمعيها بس لخمس دقائق بالضبط. هي اللي طلبت تشوفك وتعتذر لك شخصياً، وأنا عايز كل اللي بينّا يتصلح قدام عينيكِ عشان تصفى لي.
نظرت ليان لدنيا التي اقتربت منهما بخطوات متردده وكانت علامات الندم والإحراج واضحة تماماً على ملامح وجهها. قاطعت دنيا الصمت الثقيل وقالت:
-ليان... أرجوكِ اسمعي كلامي. أنا جيت النهاردة مخصوص وطلبت من سليم يجمعنا عشان أعتذر لك عن المهزلة والتصرف اللي عملته معاكي في الكافيه
توقفت ليان مكانها، ونظرت للفتاة بذهول، ثم جلست على الكرسي وجلس سليم ودنيا أمامهما على الطاولة
تابعت دنيا وهي تنظر في عيني ليان بثبات :
-أنا فعلاً أسفة جداً يا ليان... أنا اتصرفت بغباء وانفعال شديد، واندفعت لما عرفت إن سليم متمسك بفسخ الخطوبة ورافض يكمل. افتكرت إنك أنتِ السبب المباشر أو إنك خطفتيه مني زي ما بعض القرايب قالوا لي... بس سليم لما اتكلم معايا وفهمني كل حاجة
-بس تصرفك ده وانتي ضربتيني قدام الناس في الكافيه يا دنيا... أنا ماليش أي ذنب في مشاكلكم ولا في قرار سليم وانا لو وحده بتاعه مشاكل كنت مسكت فيكي وضربتك بالظبط
-عارفة والله العظيم وعارفة إني ظلمتك وجيت عليكي... سليم متكلمش عنك غير بكل احترام وتقدير كزميلة شاطرة في الشغل، وأنا اصلاً... أنا وسليم مكنّاش بنحب بعض من الأول خالص. كانت خطوبة مفروضة علينا، وأنا كمان كنت مرتبطة بمشاعر مع ابن خالتي ومش قادرة آخد خطوة المواجهة مع أهلي ومع سليم
التفتت دنيا لسليم وابتسمت ابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان:
-سليم كان أشجع مني بكثير، وهو اللي أخذ القرار ونهى المهزلة دي عشان محدش فينا يظلم التاني أو نعيش في كذبة. أنا أسفة يا ليان من كل قلبي، حقك عليا... ياريت تسامحيني وتفتحي صفحة جديدة
-حصل خير يا دنيا... أنا مقدرة إنك جيتي تعتذري، المهم إن الحقيقة وضحت وأنا مسامحاكي ومفيش في قلبي حاجة ناحيتك.
ابتسمت دنيا براحة شديدة، ثم رفعت حقيبتها ونظرت لسليم وقالت وهي تقف:
-شكراً يا ليان... وشكراً يا سليم إنك جمعتنا وأتاحت لي الفرصة دي. استأذن أنا بقى عشان عندي مواعيد.
رد سليم باحترام:
-شكراً يا دنيا... بالتوفيق ليكِ في حياتك القادمة.
******
-ها يا ست ليان... صدقتِ دلوقتي إني مش كذاب ولا بلعب ولا بتاع حركات رخيصة زي ما كنتِ بتقولي؟
-ماشي يا سليم... برافو عليك موقف يحسب لك، بس ده برضو ما يمنعش إنك شخص مستفز، وعملت حادثة بوظت بيها العربية وخرّبت لي يومي وركبتني ميكروباص
- ده أنا جايبك مواصلات ومصالحك ومخلي الأكس بنفسها تعتذر لك ... ولسه زعلانة برضو؟!
-اه زعلانة! ويلا بينا على الشغل بقى بسرعة عشان مستر خالد هيطردنا بجد المرة دي لو اتأخرنا أكتر من كده!
وقف سليم وهو يبتسم بثقة ويعدل ياقته:
-ماشي يا دكتورة... يلا بينا للشركة، بس المرة دي اتكلمي انتي مع مستر خالد عشان المواصلات والحادثة و الإصلاح النفسي اللي عملتوا ليكي!
-نعم ؟! اتكلم ايه في ايه يا سليم
-انتي اللي تتكلمي مع مستر خالد وتخليه يهدأ مننا لأننا اتأخرنا
- ... ماشي
الفصل السابع من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا
-ألو... مين معايا؟
جاءها من الطرف الآخر صوت رجل، يحمل نبرة سخرية خفيفة وضحكة:
-مين معايا إيه ربنا يهديكِ يا ليان! أنتِ فين وكل ده نايمة؟!
-سليم؟! أنت جبت رقمي منين ؟
-لا مفيش... أصل أنا شخص مهووس وبراقبك زي ما أنتِ بتقولي دايماً، فجبته بطريقتي الخاصة عادي جداً. المهم أنتِ بتعملي إيه ولا فين لحد دلوقتي؟ أنتِ نسيتي إن وراكي شغل ولا إيه يا بنتي؟!
اتسعت عينا ليان، لتدرك أن الوقت قد تجاوز الساعة التاسعة صباحاً :
-ينهار أبيض! هو النهاردة مش إجازة رسمية؟! طب أعمل إيه دلوقتي؟! مستر خالد هيرفدني وهيمسح بيا بلاط الشركة!
رد سليم بنبرة هادئة:
-البسي بسرعة بس وهاجي آخدك يلا.. قدامي عشر دقائق بالضبط وأكون تحت عمارة بيتكم.
-تيجي فين بس يا سليم؟! لا لا مفيش داعي تتعب نفسك، أنا هلبس في ثانية وهنزل أركب مواصلات أو آخد تاكسي أو...
قاطعها سليم باهتمام جاد:
-بس بس! اجهزي بس من غير كلام كتير عشان آخدك معايا، لأن بالمرة بالمرة عايزك تشوفي حد كده
اهتمت ليان وسألته باستغراب:
-مين الحد ده؟ حد من الشركة ولا اهلك ولا جومانا ولا مين كده
تنهد سليم وقال بنبرة مبتسمة:
-يا ستي متشغليش دماغك بالتفاصيل دلوقتي...فوقي كده والبسي! يلا سلام، هاجي ألاقيكِ جاهزة .
******
أغلق سليم الخط في وجهها فوراً دون أن يمنحها حتى ثانية واحدة للاعتراض أو الرفض. استيقظت ليان من فراشها وبدأت تتحرك في الغرفة وهي تبحث عن ثيابها و بسرعة ارتدت ثيابها
******
بعد أقل من ربع ساعة، كان سليم يقف أمام باب شقة ليان في الدور الثالث. عدّل ياقة قميصه هدوء، ثم رفع يده وطرق الباب بطرقات هادئه
فتحت له الأم حنان وهي ترتدي مريلة المطبخ وفيما إن وقعت عينها على وجه سليم المبتسم وظهرت على وجهها علامات الترحيب الحرارة:
-يا أهلاً يا سليم يا حبيبي! خطوة عزيزة والله... تعال تعال ادخل، واقف على الباب ليه؟!
ابتسم سليم باحترام ووقف عند العتبة قائلًا:
-صباح الخير يا مدام حنان، بعتذر جداً لو جيت في وقت مش مناسب أو أزعجتكم، بس جيت آخد ليان عشان متأخرين على شغل الشركة
دخل سليم إلى الصالون بخطوات متزنة، ليجد الأب مصطفى يرتدي نظارة القراءة ويطالع جريدته رفع الأب رأسه ورحب به :
-أهلاً يا سليم يا ابني... تعال اقعد اتفضل، حنان اعملي كوباية شاي مظبوطة لسليم هنا!
رد سليم وهو يجلس على الأريكة :
-لا يا عمي مصطفى والله مالوش لزوم التعب ده بس ليان تجهز
ابتسم العم مصطفى، وخلع نظارة القراءة ببطء ووضعها على الطاولة الزجاجية أمامه. نظر إلى سليم بنظرة تفحص ثم قال بنبرة هادئة ومباشرة كشفت عن رغبته في فهم سليم :
-سليم... أنت شاب ممتاز وابن ناس ومحترم، وأنا من امبارح وأنا ملاحظ اهتمامك بليان وخوفك عليها ... قول لي بصراحة وبينّا كرجالة يا ابني، أنت بتحب ليان؟
صمت سليم لثانية واحدة، وشعر بثقل السؤال لكنه لم يتردد وقال بصوت جاد، صادق:
-بصراحة يا عمي... اه، أنا بحبها جداً. وشاريكهم وشاريها، وناوي أتقدم لحضرتك رسمي أول ما هي بس تدي الفرصة
وفي تلك اللحظة بالضبط، خرجت ليان من غرفتها
ودخلت الصالة بسرعة وهي تعدل حقيبة يدها على كتفها قائله:
-أنا جاهزة يلا يا سليم بسرعة عشان...
توقفت ليان حين لاحظت الصمت الرهيب بين أبيها وسليم. نظرت إلى الاثنين بشك وريبة وقالت:
-في إيه؟ أنتوا بتبصوا لبعض كده ليه؟! وهو بابا قالك ايه يا سليم ؟
ابتسم الأب مصطفى ووقف قائلًا وهو يربت على كتف سليم:
-مفيش يا حبيبتي، دي حوارات رجاله بينّا.. يلا توكلوا على الله عشان متتأخروش على أكل شغلكم، وطمنا عليك يا سليم لما توصلوا.
رد سليم بابتسامة :
-حاضر يا عمي
نزلا إلى الشارع ، وركبت ليان السيارة بجانبه في المقعد الأمامي وهي ترمقه بنظرات ريبه وقالت :
-سليم... أخلص وقول لي، كنتوا بتقولوا إيه جوة؟ وأبويا ضايقك طيب ؟
ابتسم سليم وهو يشغل محرك السيارة وينطلق بها دون أن يلتفت إليها:
-حوارات رجالة يا دكتورة، كان بيقولي علي خططي للمستقبل مالكيش دعوة أنتِ بيها دلوقتي!
تكتفت ليان ونظرت له بغيظ:
-يا سلام؟! مليش دعوه ؟ ما علينا مش مهتمه... مين بقى الشخص المهم اللي قلت لي عايزني أشوفه
وبسببه محدد ميعاد؟
تجاهل سليم سؤالها وواصل القيادة :
-حوار مهم ، لما نوصل للمكان هتعرفي كل حاجة بنفسك ومن غير ما أسرد لك التفاصيل.
انفجرت ليان بقلق:
-سليم! جاوبني بجد ، مين الشخص ده؟! وهل لينا علاقة بالشغل المسلسل الجديد ولا حاجة شخصية من بلاويك؟
التفت سليم إليها لثانية ليرد بابتسامة مستفزة قائلًا:
-ليان... اسكتي شوية وركزي في الطريق وخلي النهار يعدي على خير بدل ما...
وفي لحظة خرجت سيارة نقل بضائع صغيرة فجأة وبسرعة :
اتسعت عينا ليان وصرخت بأعلى صوتها وهي تشير للأمام:
-سليييييم حاسب !!
ضغط سليم على دواسة الفرامل بكل قوته حتى أصدرت الإطارات صفيراً حاداً، وخبط في عامود اناره :
توقفت السيارة تماماً، وساد صمت قصير التفتت ليان لسليم بذهول :
- إيه يا أخي!! أنت أهبل ولا أعمى ولا مش بتشوف؟! مش قلت لك زفت ركز في الطريق وفتّح عينيك؟! إيه الغباوة والتخلف ده يا سليم! كنا هنروح في داهية النهاردة بسبب استهتارك ده!
لم يستطع سليم كبح نفسه أمام هيئتها، وبدأ يضحك على شكلها وهي تشتمه بانهيار وتعدل حجابها المائل :
- يا بنتي أهدى صلّي على النبي! والله العظيم خبطة بسيطة جداً وما فيهاش أي حاجة!
-بتضحك ؟! اضحك اضحك! السيارة اتخبطت الاكصدام بتاعها اتخلع من قدام اصلاً!
نزل سليم من السيارة وهو ما زال يضحك ليتحقق من مكان الخبطة، فوجده خلع تماما :
-العربية دي مش هتمشي بينا خطوة واحدة كمان غير لما اصلحها ... يلا يا دكتورة ننزل ناخد مواصلات عشان الشغل والميعاد!
-مواصلات؟! بقى جايبني بعربيتك من البيت عشان تهزقني وتعمل حادثة، وفي الآخر تركبني ميكروباص في حر النهار والشمس دي؟!
رد سليم وهو يغلق العربية بالمفتاح:
-معلش يا دكتورة... يلا بينا بس نلحق الميكروباص اللي قادم هناك ده!
شاركت ليان سليم رحلة المواصلات الصعبة، حيث ركبا ميكروباص يتجه لنفس المنطقة. جلست ليان بجوار الشباك تتذمر بصوت خفيض وسليم بجانب السائق
بعد حوالي ربع ساعه داخل الميكروباص، نزلا أخيراً أمام أحد الكافيهات الهادئة والراقية الواقعة في شارع جانبي بعيداً عن صخب الشارع الرئيسي
عدلت ليان ملابسها وهي تخرج :
-هو إحنا نازلين الكافيه ده ليه؟ الشغل والشركة مش هنا يا سليم، أنت جايبني فين بالظبط؟
رد سليم وهو يدفع الباب الزجاجي للكافيه:
-ادخلي بس يا ليان وأنتِ هتعرفي... الشخص اللي مستنينا قاعد جوة
أشار سليم لطاولة هادئة تقبع في زاوية الكافيه التفتت ليان بنظرها لتقف فجأة في مكانها مصدومه ...
كانت تجلس على تلك الطاولة فتاة أنيقة، تردي ملابس مرتبة وتتصفح هاتفها بتوتر. وما إن رأتهما يقتربان حتى وقفت بسرعة وهي تبتلع ريقها
تراجعت ليان خطوة كاملة للوراء وقالت بصوت هادئ مكتوم وهي تنظر لسليم بذهول:
-سليم! أنت اتجننت رسمياً بتهبب إيه؟
جايبني هنا ليه وموقفني معاها ليه تاني ؟! أنا ماشية يغور الشغل !
-ليان أرجوكِ... اسمعيها بس لخمس دقائق بالضبط. هي اللي طلبت تشوفك وتعتذر لك شخصياً، وأنا عايز كل اللي بينّا يتصلح قدام عينيكِ عشان تصفى لي.
نظرت ليان لدنيا التي اقتربت منهما بخطوات متردده وكانت علامات الندم والإحراج واضحة تماماً على ملامح وجهها. قاطعت دنيا الصمت الثقيل وقالت:
-ليان... أرجوكِ اسمعي كلامي. أنا جيت النهاردة مخصوص وطلبت من سليم يجمعنا عشان أعتذر لك عن المهزلة والتصرف اللي عملته معاكي في الكافيه
توقفت ليان مكانها، ونظرت للفتاة بذهول، ثم جلست على الكرسي وجلس سليم ودنيا أمامهما على الطاولة
تابعت دنيا وهي تنظر في عيني ليان بثبات :
-أنا فعلاً أسفة جداً يا ليان... أنا اتصرفت بغباء وانفعال شديد، واندفعت لما عرفت إن سليم متمسك بفسخ الخطوبة ورافض يكمل. افتكرت إنك أنتِ السبب المباشر أو إنك خطفتيه مني زي ما بعض القرايب قالوا لي... بس سليم لما اتكلم معايا وفهمني كل حاجة
-بس تصرفك ده وانتي ضربتيني قدام الناس في الكافيه يا دنيا... أنا ماليش أي ذنب في مشاكلكم ولا في قرار سليم وانا لو وحده بتاعه مشاكل كنت مسكت فيكي وضربتك بالظبط
-عارفة والله العظيم وعارفة إني ظلمتك وجيت عليكي... سليم متكلمش عنك غير بكل احترام وتقدير كزميلة شاطرة في الشغل، وأنا اصلاً... أنا وسليم مكنّاش بنحب بعض من الأول خالص. كانت خطوبة مفروضة علينا، وأنا كمان كنت مرتبطة بمشاعر مع ابن خالتي ومش قادرة آخد خطوة المواجهة مع أهلي ومع سليم
التفتت دنيا لسليم وابتسمت ابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان:
-سليم كان أشجع مني بكثير، وهو اللي أخذ القرار ونهى المهزلة دي عشان محدش فينا يظلم التاني أو نعيش في كذبة. أنا أسفة يا ليان من كل قلبي، حقك عليا... ياريت تسامحيني وتفتحي صفحة جديدة
-حصل خير يا دنيا... أنا مقدرة إنك جيتي تعتذري، المهم إن الحقيقة وضحت وأنا مسامحاكي ومفيش في قلبي حاجة ناحيتك.
ابتسمت دنيا براحة شديدة، ثم رفعت حقيبتها ونظرت لسليم وقالت وهي تقف:
-شكراً يا ليان... وشكراً يا سليم إنك جمعتنا وأتاحت لي الفرصة دي. استأذن أنا بقى عشان عندي مواعيد.
رد سليم باحترام:
-شكراً يا دنيا... بالتوفيق ليكِ في حياتك القادمة.
******
-ها يا ست ليان... صدقتِ دلوقتي إني مش كذاب ولا بلعب ولا بتاع حركات رخيصة زي ما كنتِ بتقولي؟
-ماشي يا سليم... برافو عليك موقف يحسب لك، بس ده برضو ما يمنعش إنك شخص مستفز، وعملت حادثة بوظت بيها العربية وخرّبت لي يومي وركبتني ميكروباص
- ده أنا جايبك مواصلات ومصالحك ومخلي الأكس بنفسها تعتذر لك ... ولسه زعلانة برضو؟!
-اه زعلانة! ويلا بينا على الشغل بقى بسرعة عشان مستر خالد هيطردنا بجد المرة دي لو اتأخرنا أكتر من كده!
وقف سليم وهو يبتسم بثقة ويعدل ياقته:
-ماشي يا دكتورة... يلا بينا للشركة، بس المرة دي اتكلمي انتي مع مستر خالد عشان المواصلات والحادثة و الإصلاح النفسي اللي عملتوا ليكي!
-نعم ؟! اتكلم ايه في ايه يا سليم
-انتي اللي تتكلمي مع مستر خالد وتخليه يهدأ مننا لأننا اتأخرنا
- ... ماشي
الفصل السابع من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا