
يا لهوي عليا! مين بيرن دلوقتي بس؟!"
-رفعت الهاتف وردت وهي تحاول التقاط أنفاسها:
"الو يا ماما.. أيوا يا حبيبتي، عاملة إيه؟"
-أنتِ فين يا ليان؟!" (جاءها صوت أمها غاضباً فجأة).
-أنا في التاكسي أهو يا ماما، رايحة المقابلة!" (قالتها ليان وهي تمسك حقيبتها بيد، وتثبت الهاتف على أذنها باليد الأخرى).
-شغل إيه ده كمان؟! أنتِ اترفدتِ من الأولاني؟!"
-يا ماما اسمعيني بس، والله حصل خلاف بسيط وهما الغلطانين مش أنا!"
-أنتِ إيه يا بنتي، فاكرة نفسك ملاك مش بتغلطي؟! عموماً أنا عرفت السبب يا واطية.. بقى أنا أجيب لك شغل من معارفي، تقومي شاتمة المدير ومنزلة بوست تهزيق له؟! أنتِ اتجننتِ؟!"
-ما أعمل إيه بس! أنا فعلاً خرجت عن شعوري وقتها..."
-شعور إيه يا اللي هشد في شعري بسببك! على الله متتقبليش في الشغلانة دي كمان.. يلا في داهية من غير سلام!
تأففت ليان وأغلقت الهاتف:
"أوففف.. ماشي يا ماما، سلام."
******
صلت ليان إلى مقر الشركة، وكانت البناية ضخمة للغاية والجميع يتجول بملابس أنيقة ومظهر راقٍ تماماً كما تخيلت. أسرعت نحو المصعد قبل أن يغلق الباب وقالت :
-ثانية واحدة حضرتك!
-اتفضلي (قالها الشاب الواقف بالداخل دون أن يكلّف نفسه عناء النظر إليها).
-دخلت ليان و ادخلت هاتفها في حقيبتها وقالت :
"الدور العاشر."
-نظر إليها الشاب بجمود ولم يبدِ أي رد فعل، فاكتفى بالقول:ماشي
-هو إيه اللي ماشي؟ دوس على العاشر، أنا طالعة العاشر!
-أنتِ عايزة تعملي مشكلة وخلاص؟ ما قلت ماشي! أنا كمان طالع العاشر، واتنيلت دوست عليه!"
-صدمت ليان من عصبيته وطريقته الهجومية فقالت:
طيب براحة، مكنتش اعرف! وبعدين إيه الطريقة دي؟!
-رد الشاب ببرود حاد:معلش
-ارتفع صوت ليان بغضب:انت بجد مش طبيعي، أنا جيت جنبك؟!"
-لا، هو الحقيقة إن...
لم يكمل جملته، إذ انقطع التيار الكهربائي فجأة واهتز المصعد بقوة قبل أن يتوقف تماماً وانقطعت الإضاءة.
-تنفس الشاب بصعوبة وقال بسخرية:شفتي؟! اتفضلي اهو فصل خالص مفيش دور عاشر ولا غيره شكل يومنا مطول مع بعض !
-احترم نفسك زي ما أنا محترماك! إيه قلة الذوق دي؟!"
-اسكتي شوية بقى ... علي ما نلاقي حل
-ما أنا لو كنت شايفاك في الضلمة دي بس... اصبر عليا لما نطلع، والله لنروح القسم على طريقتك دي!
ماشي
*****
بعد مرور نصف ساعة من الانتظار و الصمت ، شعرت ليان بالإرهاق فجلست على أرضية المصعد وقالت:
اتفضل حضرتك اقعد انت كمان.
-شكراً، مش عايز.
-تنهدت ليان ثم قالت بنبرة أهدأ:
أنا آسفة لحضرتك.. بس أنت خرجتني عن شعوري، ودي مقابلة شغل ليا ومتوترة زي ما أنت عارف اي حد بيتوتر
-طب ما أنا كمان دي أول مقابلة شغل ليا هنا، بس عادي.. الموضوع مش مستاهل توتر.
-ماشي، سبنالك الهدوء !
-تصدقي إنك بجحة؟ دخلتي الأسانسير بالعافية، وبتتكلمي ببجاحة، وفوق كل ده متضايقة!
-صمتت ليان لدقيقتين ولم ترد، فقال الشاب في الظلام:
أنتِ متِ ولا إيه؟
-لا، اصل هرد أقولك إيه يعني؟ عامة ربنا يوفقك ويوفقني.
-مش لما نخرج من الأسانسير الزفت ده الأول؟
أخرجت ليان من حقيبتها مروحة يدوية صغيرة تعمل بالبطارية وشغلتها لتهوية وجهها، فرد الشاب باستغراب:
-إيه الصوت ده؟
-مروحة صغيرة بحتفظ بيها للحالات دي."
-يعني معاكي الزفتة دي وساكتة؟
-أومال المفروض أعمل إيه؟"
-أنا بسيح من الحر... لو سمحتِ ممكن آخدها شوية؟"
-آه، يعني أسلوبك اتظبطت لما عرفت إن في مصلحة! عموماً اتفضل أهي بس هاخدها كمان شويه
-شكراً لحضرتك.. وبعتذر أنا كمان على طريقتي ... مش برتاح في الاماكن المقفوله
-لا عادي، أنا مسامحة كدة كدة لأن أنا كمان غلطت.
جلس الشاب على الأرض محاولاً تحريك قدمه للارتكاز بعيدا عنها ، وفي الظلام اصطدمت قدمه بقدم ليان فتعثر وجلس بسرعة لترتطم يده بوجهها بالخطأ!
-"آه! الله يخرب بيتك.. وشي و رجلي!" (صرخت ليان وهي تمسك خدها).
-أنا آسف بجد! والله كنت بشوف مكان أقعد فيه مش أكتر!
-تنهدت ليان ثم غيرت مجرى الحديث:
-أنا كاتبة قصص، وجيت شركة الإنتاج دي عشان كدة وانت ؟
-بجد؟! أنا كمان كاتب وجاي لنفس السبب!
-دي أول مرة الأسانسير يعطل هنا؟"
-للأسف أيوا
-انت جيت قبل كدة هنا؟
-نوعاً ما، بس مقدمتش على شغل بشكل رسمي.. أنتِ نجحتِ تبيعي فكرة فيلم أو مسلسل قبل كدة؟
-للأسف لا، عرضت قصصي على منتجين كتير بس محدش رد عليا.
-وأنا بردو.. بس في فيلم واحد في منتج عجبه ولكن شاف أن في واحد احسن مني ف اتركنت علي الرف
-بجد انت حظك وحش اوي .... إيه قصته؟
******
استمر الحديث بينهما بحماس، و زاد الشغف في كلامهما وهما يناقشان تفاصيل الكتابة والحبكات حتى نسيا ضيق المكان وحرارة الجو. وفجأة، وإضاءت الأنوار مجدداً بعد مرور ساعتين كاملتين.
انفتحت الأبواب، فنظر كل منهما للآخر بابتسامة خفيفة .
-اتشرفت بمعرفة حضرتك
(قالها الشاب وهو يخرج)
-ابتسمت ليان وردت:
وأنا كمان.. السلام عليكم
-وعليكم السلام
******
افترقوا في الممر، واتجهت ليان إلى غرفة الانتظار وهي ترتب خصلات شعرها المبعثرة وتعدل من ملابسها على عجل، محاولة إخفاء آثار الساعتين اللتين قضتهما داخل المصعد.
لم يمر سوى دقائق حتى خرجت موظفة الاستقبال وهي تنادي :
الأستاذة ليان... اتفضلي
أخذت نفسًا عميقًا، ثم طرقت الباب بخفة.
-اتفضلي.
دفعت الباب ودخلت، لتجد رجلًا في منتصف الأربعينيات يجلس خلف مكتب واسع، وأمامه مجموعة من الملفات
-رفع نظره إليها مبتسمًا وقال:الانسه ليان ؟
-أيوة، أنا.
-اتفضلي، اقعدي.
-جلست وهي تحاول إخفاء توترها، ثم وضعت ملفها أمامه.
-قرأ الرجل الأوراق وقلّبها قليلًا قبل أن يقول:
أنا قريت الملخص اللي بعتيه قبل كده... وعجبتني الفكرة، لكن حابب أسمعها منك.
-ابتلعت ليان ريقها، ثم بدأت تشرح أحداث قصتها بثقة امتزجت ببعض التوتر، بينما كان الرجل ينصت باهتمام ويدوّن بعض الملاحظات بين الحين والآخر.
وبعد دقائق، أغلق الملف ونظر إليها.
-ليه اخترتي النهاية دي؟
-سكتت للحظة، ثم قالت بثبات:
لأني مؤمنة إن النهاية مش لازم تكون سعيدة عشان تنجح... المهم تكون منطقية وتوصل إحساس للمشاهد.
-ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه وهو يدوّن ملاحظة أخيرة ... كويس
-ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يسألها:
اشتغلتي قبل كده في كتابة السيناريو؟
-اشتغلت فترة قصيرة... لكن سيبت الشغل، ومن وقتها وأنا بكتب وبحاول أطوّر نفسي.
-أغلق الرجل الملف، ثم شبك أصابعه وقال:
واضح إن عندك خيال كويس، وأسلوبك في السرد مميز... لكن لسه محتاجة خبرة في شوية تفاصيل.
انقبض قلب ليان، وشعرت أن المقابلة انتهت بالفشل.
لكن الرجل أكمل مبتسمًا:
-وعشان كده... إحنا حابين تبدأي معانا كمتدربة، ولما تثبتي نفسك، هنبدأ نشتغل على مشاريعك.
-اتسعت عيناها بدهشة وقالت : بجد !
-ابتسم الرجل وقال:
مبروك يا أستاذة ليان... نورتِ الشركة.
وقفت بسرعة وهي تكاد لا تصدق ما سمعته، ثم صافحته قائلة:
-شكرًا جدًا... ووعد مني إني مش هخيب ظنكم.
-بالتوفيق.
******
خرجت ليان من المكتب، ولم تستطع إخفاء ابتسامتها.
لكنها ما إن رفعت رأسها حتى لمحته.
كان ذلك الرجل يخرج من المكتب المقابل بخطوات هادئة، يحمل ملفه بيد، بينما ارتسمت على وجهه ملامح خيبة أمل واضحة.
تلاقت أعينهما لثوانٍ.
كادت أن تسأله هل تم قبوله ام لا ، لكنها تراجعت عندما خرجت موظفة خلفه قائلة:
-بنعتذر يا أستاذ سليم، ونتمنى نشوف أعمال حضرتك في فرصة تانية
-أومأ برأسه مبتسمًا ابتسامة باهتة.
ولا يهمك... نصيب.
ثم مر بجوار ليان، وتوقف لثانية.
-مبروك... واضح إن المقابلة مشت كويس.
-خفضت ليان ابتسامتها قليلًا وقالت بهدوء:
الحمد لله... شكرًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أكمل طريقه دون أن يقول شيئًا آخر.
ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى قطع شرودها صوت الموظفة:
-أستاذة ليان... اتفضلي علشان نبدأ إجراءات التعاقد.