روايه هي من علمتني الحب الفصل الخامس5بقلم داليا السيد


روايه هي من علمتني الحب
 الفصل الخامس5
بقلم داليا السيد

 
صفعة
ضمها إليه بقسوة ووحشية لم تتخيلها وهي تتراجع أمامه وتحاول أن تبعده عنها دون فائدة وهو يحاول أن يقبلها ويقطع فستانها وقد اختنقت من قربه الصارخ دون أن تنجح في إبعاده وذهبت أنفاسها وهي ترتد إلى الخلف أمام قوته ولكنهم لم ينتبها إلى الحائط الذي دفعها إليه بقوة لترتطم به وباللوحة




 الثقيلة المعلقة لتهتز بمكانها وتسقط على رأسها بقوة فصرخت منها وشعرت بدوار يصيبها وظلام يحيطها فارتخى جسدها بين يديه وشعر بها تتساقط على الأرض فأدرك ما أصابها 
بسقوطها توقف عما كان يفعله بها وتراجع عن قراره بأخذها بتلك الطريقة بعد أن أثارت غضبه؟ ركع بجوارها وهي مغمضة العيون ولاحظ ملامحها الرقيقة وتساءل هل هي حقا مثل كل النساء الذين عرفهم؟ ولو كانت فلماذا رفضته وقاومته بتلك الطريقة؟ 
استعاد نفسه وكطبيب سابق منعته الظروف القاسية من ممارسة مهنته حملها وعاد بها إلى الفراش وبدأ في إفاقتها وما زال يبحث داخله عن إجابات للعديد من الأسئلة أولها هل سيبقي عليها حقا زوجة له!؟ 
شعرت أخيرا بالهواء ينساب داخل صدرها فعاد إليها وعيها ولكن بصداع قوي يدق رأسها حتى فتحت عيونها وشعرت بضمادات حول رأسها لتراه أمامها وقد جلس بقميصه النصف مفتوح وملامحه التى لا تمنحها أي شيء فتذكرت ما كان وتراجعت بقوة بالفراش مبتعدة عنه وهي تصرخ وتضم يداها لصدرها لتتأكد من ستر نفسها
“ابتعد عني أيها الوحش، ابتعد عني أنت لا يمكن أن تكون إنسان"
وقبل أن يتحدث فتح الباب لترى الدكتور يقف بملابس النوم على باب الغرفة وهو يقول بقوة "أميرة ماذا بك؟ ما الذي يحدث هنا؟" 
وقف وهو يتراجع وتقدم العجوز منها وقال بلهفة "أميرة ماذا بك وما هذه الضمادات؟ ماذا فعلت بها؟ أيها القاسي ذا القلب المتحجر" 
لم تدرك سر قسوة الأب والابن تجاه بعضهم البعض ولم تكن على استعداد لزيادة النار المشتعلة بينهما، ابتعد هو وأشعل سيجارة ولكنه التفت إليها بقوة عندما قالت "لا شيء يا دكتور، لقد اصطدم رأسي باللوحة وجرحت رأسي والأستاذ أمجد أسعفني وكنت أتألم من الجرح؟" 
حدق بها بقوة وهو يندهش مما قالت والتقي بنظراتها التي تسبح بالأخضر الهادئ ولم يجد ما يقوله فتحرك بقوة لخارج الغرفة إلى غرفته وتبعه والده بنظراته الحزينة وعاد إليها وجلس أمامها وقال 
“هو من فعل بك ذلك؟"
سالت الدموع من عيونها ولم تنظر إليه وهي تهز رأسها بالنفي ربما يصدق كذبها فأمسك يدها وقال "هو ليس بتلك القسوة التي يبدو عليها، بداخله إنسان آخر أنا السبب في اختفائه" 
رفعت عيونها إليه فعاد وقال "لم أضعك بطريقه صدقيني فقط كنت أفكر بآدم وتعرفين الباقي فسامحيني على ما حدث، وسامحيه فلا ذنب له فيما وصل إليه" 
****
دخل غرفة جدته القديمة وصفق الباب خلفه بقوة الغضب الذي بداخله من كل ما يحدث حوله متصلا بالذكريات المؤلمة لماضي لا يريد أن يتذكره لأب قاسي لم يبدي أي اهتمام لابنه الذي أحضره للدنيا ليعاني من قسوته ثم قسوة الأيام التي لطمته كثيرا
تأمل جدران الغرفة وكل ما بها وقد ظل كل شيء على حاله، سقط على المقعد وتراجع به وهو يسند رأسه علي ظهر المقعد ليرى نفسه، ذلك الطفل الصغير الذي يجلس منزويا بركن غرفته لا يجد من يحنو عليه أو يلعب معه وحتى سن الرابعة كانت المربيات تتبادل عليه وهو يرى تلك الأم وهي خارجة لتلك الحفلات الليلية ولا يراها عندما تعود مع الفجر، أنجبته غصبا ولم تكن تريده ألقته دون أي رعاية أو اهتمام ففقد حنان الأم والتمسه لدى الأب ولكن لم يختلف الحال فالأب كره الأم بسبب إهمالها وبالتالي فقد شغفه بأي شيء منها وأولهم ابنها ونسى أنه ابنه هو الآخر جزء منه وتجاهل الطفل تماما ورماه خلف غضبه منها ومن أفعالها وكأنه كان يعاقبها بقسوته على ابنه، وكم كان يتألم عندما يجد الإهمال وعدم المبالاة به من والده الذي كان يحبه ويتمنى أن ينال اهتمامه وكلما كبر زاد شغفه بوالده وظن أنه بتفوقه بالدراسة سيحظى بفخره فيسرع إليه ليخبره بنجاحه وتفوقه ولكن نفس الكلمة هي التي يسمعها كل مرة بلا معنى "مبروك" 
انحنى بمقعده ووضع رأسه بين يده عله يوقف سيل الذكريات ولكن هيهات فقد هب الفيضان ولن يوقفه شيء لتظهر عيون جدته النور الوحيد بحياته من أنقذته من الضياع وتولت أمر تربيته بحنان وحب لتحاول أن تمنحه ما فقده من والديه، ولكن تأبى الأيام إلا أن تمنحه الألم عندما ماتت تلك المرأة الوحيدة التي منحته كل شيء وتذكر يوم عرف بموتها وهو بالخامسة عشر من عمره عندما أسرع لغرفتها بالمشفى ليرى جسدها الممد على





 الفراش دون حركة وبحث عن عيونها التي كانت تمتلئ بالحب والحنان ولكنها كانت مغلقة، ساكنة ولا حياة بها رفع ذراعيها كي تحيطه بها كالعادة ولكنها سقطت على الفراش باردة كالثلج، ناداها بصوت متألم ربما تعطف عليه وتعود ولكنها لم تفعل فأدرك أنها رحلت وتركته 
عاد للوحدة من جديد وربما كان الآن أفضل من الطفل البائس الوحيد وأكمل نجاحه ودخل الكلية وظن أنه وجد المرأة التي تستحق قلبه وحبه وستمنحه ما فقده ليصطدم بالحقيقة المرة فبمجرد انتهاء الدراسة وتخرجه بأسابيع قليلة أدرك سوء اختياره وصدم بحبه وكاد يقتلها عندما عرف أنها تزوجت غيره  وتدمر كل جميل بحياته وانخرط بطريق الدمار مع أصدقاء السوء وصائدي اليأس حتى كاد يتخذ الإدمان صديق لولا أن صدمه موت أمه وأفاق عبد الرحمن من غيبوبة الحياة لينتشل ابنه من الضياع ولأول مرة يسمع لأبيه الذي جعله يسافر ليكمل علاجه بالخارج وهناك تمسك بالبقاء ولم يمانع عبد الرحمن، وانخرط بكل صور اللهو لفترة حتى عاد لنفسه وشارك صديق لوالده فترة ثم استقل بنفسه وأنشأ شركة لتصنيع المستلزمات الطبية ونجح ومنها كون امبراطورية هائلة تصدر كل الأدوات والمستلزمات الطبية والأدوية لكل مكان حتى أنه أنشأ مستشفيات باسمه بأماكن كثير ولم يوقفه عن العمل شيء فقد دفعه غضبه من كل شيء إلى طريق العمل ليحقق نجاح باهر وأصبح اسم أمجد مرتضى اسم ترتج له كل الآذان وبعد خمس سنوات من رحيله تعرف على فتاة مصرية سافرت مع والدها للعمل هناك ولأنه وقتها كان يتلاعب بالنساء فقد فعل معها ولكنها أخبرته بأمر الحمل وانهارت أمامه وأخبرته بحبها له فما كان منه إلا أن تزوجها وما هي إلا أسابيع قليلة حتى عرف حقيقتها فقط اسم أمجد مرتضى ما كانت تريده ورأى صورة أخرى لأمه فدبت الصراعات بينهما وأدرك فسادها فكاد يحطمها لولا أنها فرت منه إلى مصر ولم يعرف عنها شيء ولم يرغب بأن يعرف إلا عندما أبلغه عبد الرحمن أن زوجته ماتت وهي تلد ابنه وأن أهلها تركوا الطفل له ليقوم برعايته ولم تتحرك مشاعر الأبوة لديه فمن أين له بها وهو لم يعرفها أصلا، فتركه لعبد الرحمن ليفعل ولا يذكر أنه رآه سوى مرة منذ سنتان عندما أتى به عبد الرحمن لندن ومع ذلك خلت من داخله المشاعر، نهض ووقف أمام النافذة وهو




 يتساءل لم لا يشعر بالأبوة ولا بالبنوة؟ 
فاض قلبه من كثرة الذكريات القاسية وشعر بألم بصدره فاندهش وتساءل هل هو يتألم الآن حقا لتلك الذكريات؟ هل ما زالت لديه مشاعر داخل قلبه؟ أم أن تلك العيون أخرجت آخر ما لديه من المشاعر؟ 
****
“هذه هي قصة أمجد ابني يا أميرة، قصتنا جميعا وأخطاءنا التي تمر أمامنا لتجعلنا ندرك كم الندم الذي نعاني منه الآن فكلنا شاركنا في صنع قسوته وهو الوحيد البريء مما هو فيه، أنا أكبر سبب فأنا من حرمته من حناني وعاقبته بدون سبب وللأسف أدركت خطئي بعد فوات الأوان وهو بالطبع يحملني مسؤولية كل شيء وأنا لا أبرئ نفسي وأدرك أني فقدت ابني للأبد فهو لم ولن يسامحني"
شدت على يد الرجل وقالت "بالنهاية أنت والده وهو بحاجة إليك، فقط عليك ألا تيأس وبالحب كل شيء يمكن مداواته" 
نهض وقال "صعب يا ابنتي إنها رواسب ثلاث وثلاثين عاما من عمره ولن ينساها بسهولة، كفاك الآن حديث وهيا لتنامي فأنت تعبت كثيرا اليوم ويكفي جرح رأسك" 
لم ترد وتحرك الرجل ولكنه عاد وقال "هل يمكنك الاستمرار مع رجل مثله وإكمال حياتك معه كزوجة؟" 
تأملته وقد كانت تسأل نفسها نفس السؤال ولكنها قالت "ولو فعلت فهل سيقبلني هو وبحياته امرأتان دمرا كل صورة جميلة لأي امرأة يا دكتور؟" 
تأملها بعيون ذابلة ثم هز رأسه وهمس بيأس "معك حق" 
وتحرك خارجا بصمت وهي زائغة العيون تفكر بذلك الرجل الذي بدا وحشا أمامها ولكن عندما عرفت حقيقته أدركت أن داخله طفل بائس حزين ووحيد وليتها تخرج ذلك الطفل وتمنحه بعض مما افتقد من الحنان.. 
بالطبع نامت دون أن تشعر، بالصباح استيقظت مبكرا والصداع ما زال يلاحقها فنهضت وهي تشعر بثقل الفستان فلم تعرف ماذا تفعل ولكن عندما فتحت الدولاب وجدت بعض الملابس التي لا تعرف صاحبتها فانتقت ما ناسبها واغتسلت وارتدت ما وجدت وللأسف لم تجد طرحة مناسبة فعادت للطرحة البيضاء وأزالت الضمادة الكبيرة من على جرحها ووضعت واحدة صغيرة ثم وضعت الطرحة على شعرها بلا سبب رغم أن البيت ليس به سوى حماها وربما ما زال ذلك الرجل زوجها موجود.. 
خرجت بعد أن صلت فرضها ونزلت للأسفل واتجهت للمطبخ لتجد أمينة التي ابتسمت لها وقالت "صباح الخير يا مدام، ألف مبروك الزواج" 




احمر وجهها وقالت "شكرا أمينة هل أساعدك؟" 
تراجعت المرأة وقالت "بالطبع لا، سيدة البيت لا تفعل شيء ونحن هنا، تفضلي حضرتك نصف ساعة ويجهز الإفطار" 
هزت رأسها وتحركت إلى الخارج ولم تشأ إيقاظ آدم أو الدكتور فتحركت إلى الفراندة التي كانت تحب الجلوس بها مع آدم وإطعام العصافير سويا، توقفت أمام العصافير وهي تداعبها بهدوء ثم تحركت لتستنشق عبير الصباح المنعش فأغمضت عيونها وضمت ذراعيها أمام صدرها وأخذت نفس عميق وهي تفكر بأهلها وكيف حالهم بدونها وتألم قلبها لذكر أحمد و.. 
اشتمت رائحة السجائر ففتحت عيونها والتفتت حولها لتراه جالسا بنفس ملابس الأمس بنفس حالته وقد بدت عيونه تعلن عن عدم النوم، ارتبكت من وجوده وزادت حرارة جسدها فاستوعبت نفسها واستدارت لتدخل لولا أن قال وهو ينهض متجها إليها فأوقفها 
“إلى أين؟"
كانت نبرته هادئة ولم تجرؤ على النظر إليه وهي تجيب "أتابع إعداد الإفطار" 
كان قد وقف أمامها وسد طريقها بقامته العالية وجسده العريض الذي لم تدركه بالأمس وسمعته يقول "لم تزعجني فتاة من قبل مثلما فعلت أنت" 
رفعت عيونها التي أراد رؤيتها إليه وأدرك أن تلك العيون ستكون سبب ألمه مرات كثيرة قادمة، قالت "فتاة؟ بالتأكيد أنا لم أقصد إزعاجك فأنا لا أعرفك أصلا" 
ضاقت عيونه وهو يتأمل طرحتها التي لم تخلعها وقال "نعم نسيت أن الدكتور هو من كان عليه النية، ألا تجديني أفضل؟ كنت بالأمس" 
قاطعته بحدة وهي ترفع تلك العيون إليه "كنت بالأمس تظن أني فتاة من أولئك الذين تعرفهم بالشوارع يمكنك أن تقضي معها وقتا ممتعا وتمنحها ما يعوضها من مالك ولكنك





 بالتأكيد اليوم أدركت أني لست كذلك" 
أعجبه كلامها وقوتها فابتسم بسخرية وقال "صح، نصف كلامك صح ولكن النصف الآخر لا فاليوم ما زلت أعتقد نفس الاعتقاد لكن أنا فقدت رغبتي بنفس الفتاة لأنها لا تليق بي لأن من آخذهم لفراشي لا يكونون بهذا المستوى" 
ارتجف قلبها واحمر وجهها من وقاحته وإهانته فقالت بغضب "أنت، أنت" 
لم تذهب ابتسامته الساخرة وقال "أنا رجل سافل وحقير وقليل التربية، للأسف نعم هذا هو زوجك الذي لن يمكنك الحلم بسواه ولا تظني أن ما فعلتيه أمس أمام عبد الرحمن سيكون نقطة بصفك، ولا كان عليك فعله فهو يعلم جيدا من أنا، أنا أفهم أمثالك جيدا وإزعاجك لي بتصرفاتك وكلامك ومظهرك هذا سيكون عليك التحكم به هل تفهمين؟" 
ظلت تواجه نظراته الساخرة وهي تحاول ألا تبدي ضعفها أمامه فقالت "من الواضح أن كل ما بي مزعج لك بل من الواضح أن كل شيء بحياتك مزعج ولا مجال للهدوء بها"
ضاقت عيونه أكثر وهو ينحني عليها بقامته ليصل لوجهها ويقول "وماذا تعرفين أنتِ عن حياتي لتتحدثي عنها؟ اعرفي حدودك معي يا فتاة ولا تتجاوزيها فأنتِ لن ترقي أبدا لمرتبة تؤهلك للتدخل فيما لا يخصك ولا تفكري بأن تفعلي وإلا تعرفين النتيجة أو، العقاب" 
تراجعت وهو يشير لجرح رأسها ويذكرها بالأمس فشحب وجهها أكثر ولاح الخوف لحظة بعيونها فاتسعت ابتسامته وقال "أحب ذلك الخوف بعيونك فهذا يعني أنك عرفت من هو أمجد مرتضى وأصبح الخوف مني ما يميزك" 
غضبت من غروره ولم تتحمل فقالت بقوة "ولكنك مخطئ يا سيد فأنت أيضا لا تعرفني فأنا لا أخاف إلا الله وما فعلته بالأمس لا يوصف إلا بوصف واحد وأنت تعرفه جيدا ولو تكرر فهذا يؤكد كلامي" 
أمسكها بقوة من ذراعها وجذبها تجاهه حتى كادت تصطدم بجسده ولكنها تماسكت وقاومت قوته وهو يوجه نظرات غاضبه لعيونها ويقول “من الجيد أنكِ أدركتِ أني وحش ولا يهمني ما أدهسه بطريقي من حشرات لا تقوى على مقاومتي ولن تكوني أفضل منهم لأني سأدهسك بأول فرصة كلما أثرت غضبي بكلامك"
أبعدت ذراعها من قبضته وقالت بغضب مماثل "وأنا أخبرتك أني لا أخاف تهديداتك ولن أتوقف فمن معه الله أقوى من العالم كله" 
حدق بها بقوة قبل أن يقول "رداء الإيمان لا يليق بك فاخلعيه ولتكوني شجاعة واعترفي بخطتك" 
قالت بشجاعة "أنا لا أدعي الإيمان يا هذا، صدق أو لا فهو شأنك وأما عن الشجاعة فأنت لم تعرفها بعد فقط لا تستخدم قوتك كرجل ش.. كرجل أمام امرأة لا تماثله قوة" 




كادت تقول شهواني ولكنها تراجعت ولكنه أدرك كلماتها فابتسم وقال "شهواني؟ نعم أنا ذلك الرجل ولكن هل تعرفين لماذا؟ لأن كل النساء لا يليق بهم إلا تلك المعاملة الشهوانية ومنحهم ما يريدون وإشباع رغبتهم هم أيضا من المال وانتظار خيانتهم وعدم مبالاتهم وكأن ما فعلته بهم أمر بسيط وسهل أنت فقط من تظن أني سأصدق تمثيليتك عن الشرف ولكن بمجرد أن تحققي هدفك وتحصلي على ما تريدين ستظهرين على حقيقتك التي لن تختلف عنهم" 
ولأنها تعرف حقيقة ماضيه ظلت لحظة تحدق بعيونه إلى أن قالت "وهل يمكنني أن أحصل على أي شيء رغما عنك؟ أظن أن بيدك أن تمنحني أو لا كل ما تريد أليس كذلك؟" 
زادت ابتسامته الساخرة وقال "والعجوز؟ ألم يمتد سحرك إليه قبل أن أنقذه منك" 
قالت بجدية "لم أفكر يوما بالإضرار به وسأظل مدينة له لآخر العمر" 
ظل ينظر بعيونها التائهة بعيونه ونبرتها التى لمس بها الصدق والتقت النظرات وكأن كلا منهم ينظر بالمرآة من تشابه عيونهم حتى قال "هذا الدور أيضا لا يليق بك التضحية ليست من سمات المرأة" 
قالت بصبر "وهل تبقى لديك للمرأة أي صفة يمكن أن أحتفظ بها لنفسي، بعيدا عن الانتهازية والغش" 
أدرك أنها ليست خصم سهل ولا تهتز من كلماته فتراجع وقال "لا أعرف للمرأة صفات أخرى، لم أقابلها ولم أراها بامرأة ولن تختلفي عنهم" 
تأنت قبل أن تقول "ولن تراها لأن بمجتمعك لن تجد إلا هؤلاء" 
وتحركت لتذهب ولكنه لم يفسح لها فعادت تنظر إليه فقال "تصدقين نفسك؟" 
ابتسمت برقة وقالت "كما تصدق أنت نفسك" 
ابتسم وقال "أحب ثقتك رغم أنك تدركين أنها في غير محلها ولكن عليك التمسك بها ربما ساعدتك في إثبات ما أعرفه عنك ونرى مدى إجادتك في تأدية دورك الحقيقي" 
أخفضت وجهها وقالت بحزن لم تظهره "سأفعل وتأكد أني سأقوم بما علي على أكمل وجه" 
ثم رفعت وجهها إليه وقالت "سأقوم بدوري الحقيقي على أكمل وجه" 
ظل يتجول داخل عيونها وهي تفعل المثل حتى تحركت هي من جواره مبتعدة إلى الداخل تاركة إياه في صمت ورأسه تمتلئ بالأفكار التي لا يعلم لماذا تندفع لرأسه بدون رحمة؟ 






كان الوقت ما زال مبكرا ولم يستيقظ آدم بعد وساعدت أمينة في إعداد المائدة ورأت الدكتور ينزل ويتجه إليهم ويقول "صباح الخير أميرة، كيف حال رأسك اليوم؟ تلائمك الملابس هي ملابس زوجتي فهي كانت بنفس قوامك وتنتقي أفضل الموديلات" 
لحق هو الآخر بهم ولم يقل أي كلمة، جلس الرجل على رأس المائدة وهو عن يمينه وهي عن يساره وعم الصمت الجميع حتى قالت "هل يمكن أن أسأل حضرتك عن ملابسي؟" 
قال الرجل "من الواضح أن السائق نساها ببيتكم فأنت رفضت الحضور قبل الزفاف، سأرسل السائق لإحضارها" 
نظرت للدكتور وقالت "هل يمكن أن أذهب معه لأطمئن على ماما؟" 






أجاب هو بحزم دون انتظار والده "لا" 
اتجهت العيون إليه بتساؤل وقالت وهي تعلم أنه يتعمد مضايقتها "هل تخبرني السبب؟"
رفع وجهه إليها وقال "أولا أنا زوجك وليس هو أي عليك بأخذ الإذن مني وليس منه" 
أبعدت وجهها لحظة ثم عادت إليه وقالت "أنا تحدثت أمامك وليس في عدم وجودك، وثانيا؟" 
عاد للطعام وقال "ليس من الجائز ذهابك لبيت أهلك بأول يوم زفاف لك، ما زلت عروسة أكملي التمثيلية على الوجه الصواب خاصة وأنكم بمكان شعبي يكثر به القيل والقال، يومين أو ثلاثة واذهبي" 
هز الدكتور رأسه وقال "أعتقد أنه على صواب يا أميرة" 
أخفضت وجهها وقالت بصوت حزين "كنت أريد الاطمئنان على ماما فهي ما زالت مريضة" 
لم يرفع وجهه وهو يقول "وأين كان ذلك المرض عندما قررت الزواج؟ كنت تعلمين أنك ستتركينها" 





لم تنظر إليه هي الأخرى وقالت بنفس الحزن الذي لاحظه "كان هو سبب زواجي ولم أفكر أني سأتركها بسببه"
ظل يتناول الطعام ببرود وهو يرد "لكل شيء ثمن ولابد من أن ندفع" 
قالت وهي تنهض "نعم لابد أن ندفع، عن إذنكم" 
ثم توقفت وهي تحاول أن تكمل صورة القوة الزائفة التي اتخذتها وهي توجه كلامها له "هل يمكنك إحضار ملابسي؟" 
هز رأسه دون أن ينظر إليها فاحمر وجهها من طريقته المؤلمة فتحركت مبتعدة وإحساس بالألم والغضب والغربة يقتلها.. 
"لماذا تسيء معاملتها هكذا وأنت لا تعرفها؟" 
سأله والده باستفسار فنهض بعد أن أنهى طعامه وأشعل سيجارة وأخذ نفس عميق منها قبل أن يخرج الدخان بقوة وقال "لم أفعل، أنا فقط أحافظ على البقية المتبقية من شكلنا العام أمام من تدعي أنهم أهلها وجيرانها، كيف تخرج عروسة بصباح زفافها وتذهب لأهلها؟ هل لديك تفسير مقنع" 
نهض الأب بضيق واتجه لابنه وقال "أولا أمها مريضة والجميع يعلم ذلك، ثانيا منذ متى وأنت تهتم بالشكل العام الذي يخصنا وأنت أصلا لست معنا؟ هذا كلام تخبر به تلك الفتاة لكن أنا لا" 




نظر لوالده وقال "إذن أنا أحافظ على شكلك وشكلها العام فلا داعي للغضب ولو لم تهتم فهو قراري وأنا زوجها ومن حقي منعها مما أريد" 
تبدلت ملامح الأب وقال "أمجد كف عن عنادك وقسوتك أنت الآن تبدأ مرحلة جديدة بحياتك فلم لا تبدأ معها" 
ابتسم وقال "تقصد تلك الفتاة التي أحضرتها من الشارع وصنعت منها زوجة لي؟ لا أظن، لقد انتهت قصتها معي قبل أن تبدأ أولا أنا لست باقي لأكثر من ساعات قليلة هنا ثانيا أنت تعلم أني لست رجل زواج ولا رجل يمكن أن تخدعه فتاة مثلها غرضها الأول والأخير أموالنا وأملاكنا فلا تصورني أنا الوحش وأنتم الملائكة" 





ابتعد من أمام والده الذي استوقفه وقال "لا يا أمجد تلك الفتاة مختلفة صدقني، فقط حاول أن تراها بعين أخرى غير عيون أمجد الذي فقد الثقة بالجميع، أنا والدك الذي يريد لك السعادة وأخبرك أنها مختلفة فقط جربها، هيا يا بني دعنا نبدأ صفحة جديدة وننسى ما كان ويصبح لك بيت وزوجة وابن بحاجة لك وأب، نعم أب أيضا بحاجة لك" 






ضحك بمرارة وقال بألم لم يشعر به سواه "لا داعي لهذا الحديث لأنه لن يجدي معي نفعا لا أنا سأكون زوج صالح لأنه لا توجد زوجة صالحة أصلا ونحن الاثنان نعلم ذلك جيدا، ولا أنا ابن صالح لأنك لم تعلمني كيف أكون كما وأنني لا أصلح لأن أكون أب فمن فضلك لا تفتح ذلك الطريق فهو سد" 
وتحرك ليذهب ولكن الرجل استوقفه برجاء وقال "لا أمجد، أرجوك اسمعني، أنا أعلم أني أخطأت بحقك كثيرا ولم أجيد دور الأب ولكن من منا لا يخطئ؟ لكن أيضا هناك من يسامح ويغفر وأنا أطلب منك أن تغفر لي وتسامحني، نعم أطلبهم الآن لأنه لم يعد في العمر بقية وأنا أريد أن أكمل ما تبقى لي من عمري معك ومع أولادك لا وحدي" 





نظر للرجل بعيون ذهبت منها الحياة وقال "كنت أحلم بتلك الحياة كثيرا وأنا طفل صغير يبحث عن والده ليشاركه كل لحظات حياته، سعادة، حزن، نجاح أو حتى فشل ولكن لم أجدك بأيا منهم، دائما كنت وحدي لم أجدك بجواري بأي وقت حتى عندما أدركت أنني على حافة الهاوية وكدت أضيع بلا عودة لم تأخذني بين ذراعيك وتحميني من الفشل والضياع وإنما أبعدتني إلى أقصى مكان لتتخلص مني ومن عاري وممن يعيق حياتك ونجاحك، كل يوم كنت أتأكد أنك لا تريدني في حياتك وتعاقبني على ذنوبها هي، كلاكم لم يقدم لي إلا القسوة والوحدة فماذا تنتظر مني الآن؟ أي جديد الذي تريدني أن أبدئه ومن أين أجد لك أو لها أو لذلك الابن مكان بقلب تحجر من كثرة ما لاقى من القسوة والجفاف والاستهتار؟ أتعلم، كثيرا ما تمنيت أن أصعد لذلك الطفل الذي لا ذنب له إلا أنه ابني وأضمه لصدري وأمنحه الأمن والأمان وبعض الحنان ولكن تعرف شيء؟ لم أعرف، نعم كنت أقف أمام فراشه ولا أعرف كيف أفعل كيف أضمه لأحضاني وأجنبه الألم والحزن الذي عشته، أنت لم تعلمني يا دكتور، لم تعلمني كيف يكون حنان الأب فلا تلومني ولوم نفسك ولا تطالبني بالقرب لأنه نار تحرقني لذا أنا اخترت البعد لأني أكره ذلك البيت وتلك البلد التي لم أنال بها إلا الحزن والألم وأنا اكتفيت"
تألم الأب من كلمات ابنه وهو يشعر بألم بصدره وهو يدرك أنه هو من دمر ابنه، تحرك أمجد ليبتعد وقد ملأ الألم صدره من الذكرى ولكن الأب وضع يده على كتفه وقال
“وأنا نادم يا أمجد، صدقني نادم، ربما وقتها لم أدرك أخطائي لكن الآن تعلمت لذا أطلب السماح يا بني يكفي أني حرمت نفسي نعمة الأبوة ولكن ما زال أمامنا وقت لنعوض ما فات فلا تضيع ما تبقى لي من العمر وأنت بعيد عني"





نظر أمجد له بعيون خالية من أي مشاعر وقال "للأسف تأخرت يا دكتور، لقد برعت أنت في قتل قلبي بكل ما يحمل من مشاعر ولم أعد أعرف سوى ما أعيشه الآن، سمها قسوة، عدم رحمة ولكن هذا ما عرفته ولم أعرف سواه لأني كما أخبرتك ليس لي قلب ينبض كباقي البشر" 
ثم أطفأ السيجارة التي كادت تحرق أصابعه وتركه صاعدا إلى غرفة جدته وقد انتهى من هنا وحان موعد عودته لحياته التي كان يحياها بالخارج وليس هنا، أغلق الماء الذي انساب على جسده واستند بذراعيه على الحائط والمياه تتقطر من على وجهه وشعره ولم يفتح عيونه وهو يفكر بابنه الذي لم يعد يذكر حتى شكله وهو يعلم أن لا ذنب له بكل ما يحدث وتمنى لو استطاع أن يمنحه حب وحنان حرم هو منه ولكنه لم يجد داخله ما يمكن أن يقدمه له لأن كل ما بداخله من جميل مات واندفن مع جدته ولم يعد هناك من يمكن أن يمنحه أو يأخذ منه أي مشاعر





جفف جسده وخرج وارتدي ملابسه فرن هاتفه وأدرك أن رجاله تتعجله للذهاب فأعد حقيبته وقد أدرك أن مكانه ليس هنا وعليه بالعودة إلى حيث ينتمي
****
أبعدت وجهها عنه وهو لم ينظر حتى إليها فقط هز رأسه فتحركت إلى الأعلى والدموع تسابقها واختارت غرفة آدم لتدخلها وتغلق بابها وهي تغلق معه عيونها وتترك دموعها وتحاول أن تتمالك نفسها وتنظم أنفاسها وتتساءل هل لها قوة لمواجهة ذلك الرجل الذي أصبح قيد حول رقبتها بعقد شرعي وميثاق أمام الله وعلى سنة رسوله
تحركت لتجلس على طرف فراش آدم فشعر بها الطفل فنهض فجأة لرؤيتها وأسرع لأحضانها وهو يهتف بلغة الأطفال "أميرة، اشتقت لك جدا، أين كنت؟ لماذا تركت آدم؟" 
احتضنته بقوة وقالت "لا حبيبي أنا لم أتركك والدتي كانت مريضة والآن عدت إليك ولن أتركك نهائيا" 
ابتعد الطفل وقال "ستمضي اليوم كله معي أليس كذلك؟" 
مسحت دموعها وابتسمت وهي تقول "بل كل الأيام حبيبي أنا سأقيم بالغرفة التي بجوارك" 
هب الطفل على الفراش واقفا وقال "حقا؟ لن تذهبي لبيتك وتتركيني؟ ستنامين معي ونلعب ونشاهد الكارتون سويا؟" 
هزت رأسها وهي تدرك مدى سعادة الطفل فوجدته يعود لأحضانها بسعادة ثم تذكرت أمجد فقالت "هل رأيت والدك؟" 
ابتعد بعيون حائرة وقال "وأين أراه؟ أنه يعمل بالخارج" 
ابتسمت وقالت "ولكنه عاد بالأمس وأنت نائم هل تحب أن تراه؟" 
صمت الطفل قليلا ثم قال "لا أعلم، هل أحضر لي ألعاب؟" 
اندهشت وقالت "تعالى لنسأله" 
حملت الطفل وخرجت متحركة تجاه الأسفل ولكنها توقفت عندما وجدته يخرج من غرفة ويتحرك أمامها تجاه السلم ليلتقي بها وهي تحمل الطفل، توقفت قدماه عن الحركة وهو يرى ابنه بين ذراعيها وقد بدت ملامحه تشبهه جدا 
وقفت هي أمامه وقالت بصوت هادئ "آدم أتى ليرحب بك ألن ترحب به؟" 
انكمش الطفل بين ذراعيها على غير ما توقعت وظنت أنه سيندفع لوالده بشوق ولكن الطفل تراجع مبتعدا بينما امتلأت نظراته هو بالحيرة وهو لا يعلم بماذا يشعر؟ لم يسمع أحد خطوات عبد الرحمن وهو يصعد السلم ويقف ليتابع المشهد وكله أمل ورجاء بأن تتحرك مشاعر ابنه تجاه حفيده.. 
لم يوقف يده التي تحركت لأعلى لتلمس وجنة الطفل الذي كانت بشرته ملساء لم تعبث بها أي أحزان ولم تصيبها بأي ندبات، نظراته



 بريئة مليئة بالشفافية، أبعد الطفل وجهه عن يد والده فجعله يتساءل لماذا لا يستطيع أن يزداد خطوة تجاه ابنه ويأخذه من ذراعيها ليضمه لأحضانه ويبثه الأمان لتذهب نظرة الخوف من عيونه؟ 
أخفض يده وهو يعلم أنه لا يستطيع بل ليس لديه تلك المشاعر، فاقد الشيء لا يعطيه وما زالت جراحه من الجميع ومن الزمن مفتوحة وعميقة لم تشفى ولن تشفى
نظر إليها نظرة لم تفهمها وقال "فات الأوان" 
كاد يبتعد ولكنها قالت بقوة "لا، لم يفت أي شيء، ما زال صغيرا نبتة صالحة وعليك بأن تزرعها وترويها بأرضك، خذه بين أحضانك فهو بحاجة إليك وإلى





 حبك وحنانك" 
كانت المشاعر تتنازعه ما بين أب يتمنى ضم ابنه لصدره وبين رجل قاسي لا يعرف عن الرحمة شيء واختار القسوة لأن بها القوة فلن يضعف ولن يتنازل فلو بدأ بابنه فستتوالى التنازلات وهو لم يعتاد



 على التنازل ولن يفعل فانتزع الضعف من ذاته والشياطين تتملكه من نظراتها الآمرة ومن كل ما حدث له منذ الأمس وانتهاء بتلك اللحظة فانفجر بركان الغضب بوجهها وهو يقول بقوة





“من أنتِ لتخبريني ماذا أفعل من عدمه؟ بل من سمح لكِ بالتدخل بحياتي أصلا؟ هل صدقت أنك زوجتي حقا؟ أمجد مرتضى لا يتزوج امرأة مثلك لا ثمن لها فاعرفي من أنت ومن أنا، واعرفي أنه



 لم تولد المرأة التي تصلح لأن تكون زوجتي، أنت هنا مربية لهذا الطفل خادمة تحت قدميه وأعتقد أني سأقدر ما تقدميه جيدا بالمال أما إذا كنت تنتظرين شيء آخر كأن آخذك

 لفراشي وأمنحك ما تحلمين به فاعرفي أنه لن يكون لأنك كما أخبرتك لا ترقين لمستوى المرأة التي تصلح لي"
بالطبع دفن الطفل رأسه بعنقها من الخوف واحترق الدم بعروقها 


من إهاناته لها ولم تشعر بنفسها وهي ترفع يدها وتصفعه بقوة لا تعلم من أين أتتها وهي

 تواجه بعيون قوية وغضب يماثل نفس غضبه الذي واجها
تعليقات



<>