رواية المطلقه
الفصل الثاني عشر13
بقلم حكاوي مسائية
الأمثال القديمة ،قيلت في ظروف معينة من الماضي ،ولكنها ماتزال تعبر ،للأسف،عن حاضر مهما حاولنا سيبقى صورة عن الماضي دخلت معمل فوتوشوب.
عاد هشام ،بشهادة الدكتوراه في الهندسة ،فخر ماما ،بل نفس نظرة الفخر كانت بعيني عمي وزوجته .
استقبال بالاحضان والدموع ،دموعنا كلنا على الغائبين ،جدي وبابا .فرحتهما به كانت لتبلغ عنان السماء .
بعد ان اعطى لنفسه أياما ليستريح ،اخذ شهادته وسافر يبحث عن عمل بمؤهلاته ،وكلنا ندعو له بالتوفيق ،يكفينا فراقا وبعدا ،يجب ان نلم ما بقي من هذه الأسرة ،ونضم بعضنا ،فعددنا لا يكاد يعد على أصابع اليد الواحدة .
ولكنه عاد خائب الأمل
-كيف لم تجد عملا هنا وقد عرضت عليك مناصب بأوروبا ،منها التدريس بالجامعة .
-يا ماما ،بأوروبا العمل بالمؤهل ،وهنا مجموعة عائلات دخلت الصالون وأغلقت الباب.
فهمنا أن المؤهل غير كاف يجب ان يجد مدخلا آخر ،وهشام رغم صغر سنه ،ورغم انه عاش بعيدا عن أسرته ،يحافظ جدا على دينه ،ويرفض أن يقدم مقابلا غير مؤهلاته العلمية ،أما إن يكون لنا وسيط او صديق بين الذين وضعوا أيديهم على البلد ،أو نعطي مبلغا مهما لأحدهم ،وهذا مرفوض بقوة .
بعد شهور ،مكث خلالها هشام ببيتنا بالمزرعة ،جدد فيها نظام السقي وطوره ،كما طور نظام العناية بالمواشي، ونظام الحلب ،بعد هذه الشهور التي وهبها للضيعتين جهز حقيبته واستعد للعودة حيث يُعترف بعلمه ومجهوده.
كنا ثلاثتنا على العشاء ،لما فاجأنا برغبته بالاقتران بفتاة
-متى موعد سفرك ؟
-ليس قبل يومين ماما ،ولكنني قبل السفر عندي طلب ارجو ان توافقي عليه .
-قل بني ،اتحتاج مبلغا معينا ام ماذا ؟
-اريدك ان تخطبي لي .
-ومن سعيدة الحظ ؟
-وصال ،مهندسة ايضا ،من تازة.
-ياااه،سيري يا دجاجة لتازة.
نظرنا انا وهشام الى بعضنا بعدم فهم وترقب ،ضحكت ماما واشارت بيدها
-هذه حكاية من التراث ،حكتها لي جدتكم لما جاءت تخطبني.
-انت لست من تازة ماما .
-بلى،كيف لم تلاحظا انني لا اهل لي هنا إلا اخي بعد المرحومة امي .
-نعم ،وكذلك اهل بابا .
-اهل بابا من الشمال ،من جبال الريف ،جاء جدكم مهاجرا ايام الاستعمار ،هرب بعد ان نفذ عملية ضد الإسبان،والتحق هنا بحركة مقاومة الفرنسيين .
-ولماذا لم تسألوا عن اهلكم ؟
-جدك له أخ وحيد ،عبد السلام ،استشهد قبله وماتت امه قهرا عليه ،بينما مات ابوه بالمعتقل ،ولهذا نفذ عملية قتل بها العديد من الجنود الاسبان والفرنسيين بناد للضباط بطنجة، وهرب .
-وانت ،ياماما ،اليس لك اخوال اواعمام.
-لي ،اعمام ،قبيلة من الاعمام ،بعد وفاة والدي حكموا ألا تتزوج امي غريبا حفاظا على الإرث ،ولكنها تمردت وتزوجت اب خالكما،فهو اخي من أمي فقط ،وابوه كان غريبا عن قبيلتنا،أرادوا ان يأخذوني منها ،فهربت بي هي وزوجها الى هنا ،فتبرأ منها إخوتها، وانا لم أسأل عن أعمامي لأنهم فضلوا إرثي من أبي عني .
-ألم يبحثوا عنك ؟
-لو بحثوا لكنت الآن بتازة متزوجة بابن أحدهم .
-ما هذا الإرث الذي يفرق الأهل ؟
-الأرض ،الأرض اغلى من الأهل .
-جدي مقاوم حارب الاسبان والفرنسيين ،ولا أجد عملا في بلد حارب لأجلها وعاش غريبا وحيدا .
-نعم يا أخي ،وتجد الذين دخلوا الصالون واغلقوه عليهم ليستفيدوا بالمناصب العليا ،لم يحمل احدهم ولو رسالة بين المقاومين .
-سأقول لكما سرا ،بحكم عملي بالمحافظة، جدكم اخذ المزرعة الصغيرة خمسة هكتارات هبة ملكية بعد الاستقلال ،واشترى باقي الأراضي بمجهوده الخاص ،من جيران هم أيضا اخذوها هبة ملكية ،ولكنني اعرف أسماء عائلات كبيرة سبب غناها ثمن مقاومين، باعهم الجد للمستعمر.
-كيف يا ماما ؟
-تصور يا هشام ،فلاح ابن فلاح ،يأتي مستعمر يأخذ حصاد أرضه ،ماذا سيفعل ؟
-سينضم للمقاومة طبعا .
-وقد كان ،ولكن بين المقاومين خائن طماع يبيعه ويأخذ أرضه ثمنا له .لذلك ترى احفاده لهم مزرعة غرب المدينة ،وأخرى شرقها ،وارض دخلت تجهيز المباني ،وأخرى على الطريق السريع ،لو كانت ارضا موروثة ابا عن جد الجد لكانت بموقع واحد حيث نسبهم وأصلهم.
-كنت اعرف زميلا بالثانوية ،أصلهم من أقصى الشرق ،وكما تقولين يا ماما عندهم مزارع وأراضي عديدة ومتفرقة .
-هذا ليس دليلا على انهم كما قلت من نسل خائن ،قد يكون جده كحال جدك ولكنه اشترى اراض في اماكن مختلفة .
-لا علينا ،مايحز في نفسي حبي لبلدي واضطراري ان أعيش بعيدا عنها .
-ينطبق عليكم مثل حكاية الثور .
-احكي لنا ماما ،حكايات جدتي ممتعة .
-في القديم ،كان يسير او يحكم كل قرية جماعة منهم شيوخ ذوي حكمة ،ورجال من علية القوم ،وكان للقرية ثور شهير ،يدر عليهم ارباحا كلما اخذته قبيلة اخرى لتلقيح ابقارها ،وفي يوم شتاء قاس ،هجم سيل على القرية ،وجرف الثور الى النهر ،صاحت الجماعة في الشباب
-الثور ،الثور ،أنقذوا الثور .
قذف الشباب انفسهم في النهر الهادر ،غرق منهم من غرق ،واستطاعت نخبة من أمهر السباحين إنقاذ الثور ،ولكن الجماعة الحاكمة ارتأت أن الثور قد يضيع او يموت بسبب سيول أخرى ،فالأحسن ذبحه ،وقد فعلوا ،واقتسموا لحمه بينهم ،وشكروا الشباب بمديح وتصفيق .
-ههههه،تماما ،والفاهم يفهم .
-المهم الآن متى سنخطب لك وموعد سفرك بعد يومين .
-إن كنت موافقة ،آخذ موعدا مع ابيها ،وأؤجل سفري .
-موافقة ،وسأخبر عمك وزوجته .
تقرر الموعد بعد يومين ،واجتمعنا ببيتنا لنرتب للخطوبة، هدايا للعروس ووالديها ،باقة الورد الكبيرة ....
كانت مريم تساعدنا وبعينيها حزن كبير ،اخذتها من يدها الى غرفتي
-ما بك مريم ؟لا تحزني حبيبتي ،كل هذه شكليات المهم هو سعادة القلب .
-لست حزينة على هذا ،ولكن ...
-ولكن ماذا ؟صارحيني فقد أساعدك .
-لا أريد أن اسافر معكم ،تازة قريبة من تطوان،سيزيد شوقي لوالدي بقرب لا يطفئ نار بعدي عنهما .
ضممتها الى صدري
-حبيبتي ،لا تحزني ،سأفعل المستحيل لتريهما قريبا .
مساء ،وانا وحدي ،اتصلت بحنان .
-مساء الخير حنون.
-حبيبتي حورية ،عاش من سمع صوتك ،والله اشتقنا لك .
-وانا والله ،كيف حالكن جميعا .
-كلنا بخير ،وكلما كلمت واحدة منا تخبرنا وتبلغنا سلامك .
ومدام هانم كيف حالها ؟
-أحسن بكثير ،وتدعو لك ،مازلنا نجتمع ونذكرك حبيبتي .
-حنان ،امازال معك رقم هاتف ام مريم ؟
-نعم ،الهاتف الذي اشتريناه لها لنتصل بها خلسة عن المجرم
-نعم ،هو ذاك ،اتصلي بها ،وقولي لها ان تحاول السفر هي وزوجها الى تازة غدا أو بعد غد .
-لماذا ،هل من جديد ؟
-سأكون بالرباط نهاية الأسبوع ،ونجتمع كلنا لأحكي لكن الجديد .
-حاضر ،سأبلغك جواب ام مريم .
حرصت ألا أقول لمريم ،حتى إن لم انجح فيما أريد لا يخيب أملها، وإن نجحت كانت مفاجأة سارة .
استعملنا سيارتين ،سيارة عمي رباعية الدفع حيث زوجته وماما ومريم والهدايا ،وسيارتي التي يسوقها هشام وانا معه .
على جنبات الطريق رغم وعورتها مناظر من الجنة ، فأغلبها في الجبال ،واية جبال ،انها الأطلس الحاني.ثم هضاب حيث يلتحم مع جبال الريف الأبية.
اشجار الأرز ،والسرو، والبلوط ،منابع سواقي تتجمع لتكون انهارا ،وصخور كأنها الشموخ بعينه.
وصلنا مشارف المدينة الجبلية البيضاء ،اخبر هشام وصال برسالة على الهاتف ،وارسلت له موقع البيت حتى لا نتوه ،وصلنا بداية شارعهم وفاجأنا الاستقبال الكريم .
امام البيت أربعة رجال بالزي المغربي الابيض ،رحبوا بنا لندخل بيتا عتيقا جميلا ،استقبلتنا برواق مدخله نسوة بمرشات فضية تزخ علينا بماء الزهر ،وزغاريد تتخلل الصلاة على الرسول الكريم .
طبعا ،فوصال ابلغتهم موافقتها على الزواج ،وطالما انه رجل لا تشوبه شائبة ،فالاب لا يمانع.
بالصالون المغربي الأصيل ،نجلس حول موائد الحلويات والشاي ،رن هاتفي
-الو ،السلام عليكم .
-وعليكم السلام يا ابنتي ،انت حورية ؟
-نعم ،وانت ام مريم ؟
-نعم ،انا في تازة كما قالت لي حنان ،وهي من اعطتني رقم هاتفك ،اين ألقاك؟
-ابقي مكانك بالمحطة ،سآتي إليك، على سيارة سوداء ،وانا بجلباب اخضر وشال ابيض ،لا تتحركي حتى اتصل بك .
استأذنت لأذهب اليها .
-اعتذر منكم ،سيدة من العائلة وصلت الآن وعلي ان اقلها من المحطة .
-من تكون ؟
-خالتي ام مريم يا ماما .
-نعم نعم اذهبي إليها، نعتذر يا ام وصال ،ولكنها تعيش بتطوان وفرحت لهشام .
-اهلا بها ،ومرحبا .
في المحطة الكبيرة ،ناس كثر ،جلت بعيني باحثة وتوقفت عند امرأة تبدو حائرة وخائفة، فاتصلت بها ،رن هاتفها فأجابت بسرعة ،انا قادمة نحوك ،رأيتني ؟
-نعم نعم .
ظهرت الفرحة بعينيها وصوتها ،عانقتها مسلمة كأنني أعرفها منذ زمن ،وأخذت يدها
-واين ابو مريم .
-قال ان نحذر جواسيس فارس حولنا ،وتسللت من بيت جارتي بالزقاق الذي خلفنا .
اعرف انا تشابك الاسطح في الأحياء القديمة ،كما تتشابك علاقات ساكنيها، وتعاونهم مع بعض .
-كأنك لم تخرجي من البيت .
-نعم ،وعمك ابو مريم ،سيخرج ويدخل كأنني موجودة .
-هل اتصل بكم فارس؟
-زارنا ،كانت حالته مزرية ،هزل كثيرا ،يبدو انه مريض ،قال أنه مستعد ان يتزوجها ،وانه يحبها ،ومستعد لكل طلباتنا ،ولكننا لم نصدقه
-قد يكون صادقا .
-ابو مريم ،قال انها حيلة لنقول له عن مكانها ،فيأخذها عنوة ،ويأخذ منها ابنتها لزوجته .
-ممكن ،كل شيء ممكن .تعالي ،قد وصلنا ،انت من العائلة ،فلا تظهري غير ذلك ،وتماسكي حتى نذهب إلى شقة اجرناها لنقضي بها يومين .
دخلت معي ،عيناها تبحث عن وجه واحد بين الوجوه ،وجه حبيب اشتاقت له الروح قبل القلب تعمدت ان الفت انتباهها.
-ماما رحمة ،هاقد وصلت خالتي ام مريم .
قامت زوجة عمي تعانقها وتهمس بأذنها ،بجانبي أم حورية ،والشاب هو هشام .
-اهلا يا أختي ،ام حورية اشتقت لك ،وانت يا هشام صرت رجلا .
وأخيرا ضمت ابنتها ،تحبس دموعها ،فسحت لها زوجة عمي مكانا بجانب فلذة كبدها .وكلما رأت العيون غافلة عنها تضمها إليها بشوق.
استدعتنا ام العروس الى حجرة أخرى، صالون أصغر ،لأن الرجال سيدخلون للاتفاق على كل شيء .
بعد قليل جاء صبي ليستدعي أمي بصفتها أم العريس ومن حقها ان تعرف على ماذا يتفقون .
فاجأها سؤال اب العروس
-قال الحاج صالح انك من أصول تازوية، من أي العائلات انت .
لاحظت نظرته المتفحصة .
-انا من عائلة *****والدي يرحمه الله هو احمد بن الحاج حمودة .
-وكيف وصلتم إلى مدينتكم واستقررتم بها ،أكان أبوك موظفا حكوميا.
لم تغفل عن نظراتهم الى بعض وانتظارهم المترقب لجوابها
-والدي توفاه الله الى رحمته وانا طفلة ،لا أذكره للأسف ،وأمي تزوجت من رجل آخر واخذتني معها
-أيعقل ان تكون امك هي زينب ابنة الحاج الراضي .
-هي بعينها .كيف عرفت ؟
وقفوا جميعا ،حتى ان عمي وهشام وقفا متأهبين.
-انت ،انت ابنة ابن عمي .منذ رأيتك رأيت صورة أبيك ،كم تشبهينه يا ابنتي.
قالها رجل آخر ،اكبر سنا ،وتقدم اليها فاردا ذراعيه .
-تعالي يا ابنتي ،كم بحثنا عنك وعن أمك ،ولكن بحثنا لم يتعد المدن والقرى القريبة ،ما ظننا انها ستبتعد بك كل هذه المسافة .
قبل جبينها فأجهشت في البكاء .
-خشيت ان تأخذوني منها .
-الحق أننا كنا سنفعل .
ثم قال ضاحكا .
-كانت تحكمنا عادات ،نساءنا لا تتزوج إلا منا ،وبناتنا لا يربيهن الغريب .
-اليس الموضوع موضوع الإرث والأرض .
-الإرث له جانب ايضا ،ولكننا كنا سنشتري منها نصيبها في ارث ابيك ،بينما تعيشين وسطنا وتأخذين إرثك لما تكبرين .
تحدث عمي .
-زوجة اخي ،اغناها الله بمال زوجها ،ووظيفتها.
-عوضها الله العوض الحسن ،ولكن هذا لا ينفي ان لها إرثا عندنا لابد ان تأخذه .
تحدث احد اعمام العروس
-كنا نخشى ان يموت الكبار ،ويضيع نصيبك ونتحمل وزره .
-وانا اقول لكم نصيبي هدية مني للعروسين ،مبارك عليهما .يكفيني أن حبيبتي وصال كانت اسما على مسمى وسببا في وصالي مع اهلي وأصلي .
-وصال ستذهب مع زوجها ،اما انت فلك بيت وأهل لن تقطعي الصلة معهم ،وواجب علينا ان نصل الرحم مع اخينا فيك انت .
سعادة امي فاقت الوصف ،ولم تدرِ ان دموعها خالطت ضحكتها وأعمامها يحضنونها، بينما اكتفى أبنائهم بمصافحتها ،فأهل تازة معروفون بتشبتهم بالدين وتعاليمه.
قال الجد ،وهو عم جدي
-مادمنا اهل وهشام ابننا ،فلا شروط لنا ،والعرس علينا .
رفع عمي صوته .
-وانا ليس لي ابن غير هشام ولا اقبل بأقل من عرس وجهاز ومهر لزوجته من مال ابيه.والعرس بقصره ولا جدال .
يبدو ان المنافسة ستحتد حول من الأحق من الأسرتين في هشام ،وتعالت اصوات الشباب منهم ،الى ان ختم الجد قائلا .
-سنقيم حفل الحناء عندنا ،وتزف العروس ،ونرافقها لنحضر العرس ونعرف مكان ابنتنا حتى نزورها ولا نقطع صلتها .
-وهو كذلك ،يبقى ان نحدد التاريخ .
تحدث هشام .
-سنحدد انا ووصال التاريخ ،حسب ظروف عملنا .
-على بركة الله ،نقرأ الفاتحة .
زغاريد تعالت وزادت لما علمت النساء من تكون ام العريس ،عناق ودموع ،وسؤال عن جدتي .وتاريخ حياة ماما ،كانهم يريدون اختزال عمر في سويعات .
اردنا الاستئذان
-الى أين يا ابنتي
-لقد اجرنا شقة ،نريد ان نرى المدينة .وسنبقى هنا يومين او ثلاثة.
-اجرتم شقة وانتم اغراب ،اما وانتم منا ،فبيت ابن عمي الذي هو بيتك موجود ،ستبيتون هنا الليلة ،ريثما يجهز لكم غدا .
طبعا لا جدال ،فبيت الجد يسع الكل ،ثم انه على الطراز القديم ،يقسم الى مضيفة حيث يستقبل الرجال ،والبيت الكبير حيث تعيش الأسرة وتستقبل النساء .
بعد العشاء ،كنا نتسامر، فضحكت زوجة عمي قائلة
-ايييه ،سيري يا دجاجة لتازة .
-ماما رحمة ،ما حكاية هذا المثل ،اسمعه للمرة الثانية منذ قال هشام انه سيخطب من تازة .
-معناه في حكايته ،في القديم ،طرق زائر ليل باب بيت بناحيتنا ،فتح وسأل الطارق من يكون ،فقال
-ضيف الله
-مرحبا بضيف الله .
ولم يكن ببيته الا دجاجة ،ذبحها لعشاء الضيف ،ولما أكرمه، وأصبح الصبح بأمر الله ،وهم الضيف ان يغادر ،سأله
-من اي بلاد الله انت .
فاجاب انه من تازة .فأطرق وقال
-ايييه سيري يا دجاجة لتازة .
ظنا منه انه لن يزور تلك البلاد البعيدة ابدا ،ودارت الايام ،وشاء الله ان يصل بتجارته الى تازة ،وفي السوق كانت امرأة لعوب ،بمساعدة رجلين تتصيد تاجرا غريبا لتبتزه ،فإذا بها تشد على خناقه وتصيح
-اخيرا وجدتك ،اشهدوا يا رجال هذا الرجل زوجي ولي منه أربعة اطفال تركنا واختفى سنينا وانا اعمل واكد لنعيش .
وجاء من معها ليشهدوا على صحة كلامها ،وصاحبنا يقسم انه لم يرها من قبل ،فإذا برجل يهمس له
-قل انك زوجها ،وانك كنت سجينا ببلد اخر ،وجئت اليوم باحثا عنها وعن أولادك ،وتريد الرجوع إلى بيتك ،ولا تخف ،انا معك .
فعل صاحبنا كما قال له ،وشهد له انه يعرفه وقد كان سجينا فعلا ،وهو اليوم يريد أولاده وزوجته وبيته .فأسقط في يد المرأة وأصبحت هي من تبحث عن مخرج وهو ممسك بمعصمها ،فجاءها الغريب
-كم تدفعين ،لنتركك ،ولا نفضحك
ودفعت له ما أراد ،واختفت ،فنظر الي الرجل
-من انت ،ولماذا ساعدتني
-انا ضيف الله ،وقد ذبحت لي دجاجتك التي كنت تملك ،وظننت انك لن تزور تازة ،ونسيت انك أطعمت ضيف الله ،والله لابد ان يرد لك الضيافة .وبقي المثل سائرا عن شيء مستحيل الحدوث او بعيد المنال .
-كما هو شأن ماما ،من كان ليظن ان هشام لن يحب من دون الفتيات غير ابنة ابن عم ماما .
-انت الآن تخطبين فتاة انت عمتها .
-الحمد لله ،ان رزقك من تناديك عمتي غير العقربة سلمى .
ضحكت ماما وزوجة عمي
-انت وسلمى بينكما برزخ لا تلتقيان.
-والله يا ماما رحمة كنت احبها وأريدها اختا لي ،ولكنها تربت على الحسد والحقد ،فاليوم لا أحبها ولا اكرهها ،اريدها فقط بعيدة عني.
تفرقنا لننام ،وكنت مع مريم وأمها بحجرة وحدنا ،رفضت مريم ان تنام إلا بحضن امها ،وسمحت زوجة عمي ان تنام غالية معنا ،فتمددت ام مريم بين ابنتها وحفيدتها، وغلبني النوم على صوت مريم الهامس ،تحكي لأمها عن كل مامر بها ،والدموع تتعانق على خديهما .
خرجنا بعد إفطار دسم من شاي وفطائر وزبدة وزيتون وزيت زيتون وبيض بالخليع (لحم مقدر يطبخ في الشحم وزيت الزيتون، بالملح والثوم وبذور الكزبرة ).
خرجنا نتجول في المدينة ،وتفرقنا، وحدها مريم وأمها رفضتا الخروج وتعللتا بالصغيرة .
كنت مع هشام ،بينما عمي مع زوجته وماما ،تعبنا فجلسنا على شرفة مقهى.
المنظر جميل جدا ،امامنا حديقة تفنن عمال البلدية في العناية بها ،والشرفة تحيطها أصص كبيرة من النباتات والأزهار .وبعيدا تقف هامة جبل شامخة كأنها تحرس المدينة .
طلبنا براد شاي لاثنين ،فإذا برجل يظهر انه في اوائل الأربعينات، يجلس ويقول .
-بل ثلاثة .
-من تكون لتتطفل علينا .
مددت يدي أضعها على يد هشام واحثه على السكوت ،عرفت الرجل من وصف مريم ،هو كما قالت بالضبط لولا بعض شعيرات بيضاء تفرقت على لحيته وذوائبه.
رجل اقل ما يقال عنه انه وسيم ،ابتسم قائلا .
-يبدو انك عرفتني
-لاياسيدي لا أعرفك ،ولكننا ننأى عن الفضائح .
-كيف نعرفك ونحن نزور هذه المدينة لأول مرة .
-وانا لم أقل انني ابن تازة ،ولكن اختك تعرف من أكون .
-انا أؤكد لك انني لا أعرفك،ولكن لاباس من تكون يا سيد؟
-انا فارس ،زوج مريم .
اجاب وهو ينظر الي متفحصا ،ينتظر ردة فعلي عن إجابته ،ولكنني اعددت نفسي لهذا منذ جر الكرسي ليجلس .
-مريم من ؟
-أرجوك اسمعيني ،لقد تتبع رجلي ام مريم ،وعرفني انها هنا ،وانا رأيتك من قبل بالمستشفى ،وعرفتك الآن .
-رأيتني بالمستشفى ،وامرأة ما انت تراقبها جاءت الى هنا ،وياللصدفة وانا ازور مدينة لم ازرها من قبل ،وانت الآن تقول انني اعرف مريم تلك .
-بل انا متأكد ،واطمئني، لا اريد ان تعود مريم ،اخاف ان تقتل هي وابني ،انا فقط اريد ان يسجل ابني باسمي .
تكلم وهو يضع ورقتين على الطاولة .
-خذي ،هذا عقد زواجي من مريم ،وهذه ورقة طلاقها
ثم وضع دفتر الحالة المدنية .
-وهذا دفتري ،كل ما أريده منك ان تسجلي ابني عليه ،وتحتفظ به مريم ،انا لا احتاجه .
لم امد يدي لأي وثيقة ،وكنت انظر اليه وهو يحاول ان يستشف اثرا لكلامه علي ،بينما اسند هشام ظهره على الكرسي ،ينظر إلى منافسة النظرات بيننا مبتسما .
-ارجوك آنسة ،هذا رقم هاتفي الخاص ،سأذهب الآن لأنني انا أيضا مراقب .
وقف ،واحنى رأسه قليلا وهو يقول
-لا اطمع في لقاء ،ولهذا سأقول وداعا .
التفت الى هشام
-برافو حورية ،وجهك كانه من جليد ،مهما قال لا تتحرك فيك شعرة ،ونظرتك جامدة .
-كنت اعلم انه لن يهدأ حتى يصل إليها .مما حكت لي مريم عنه شككت انه أحبها ،وانت رأيت مدى جمالها ،ولما طاف المستشفيات بحثا عنها مرة اقول انه يريد اخذ ابنتها فقط ،ومرة يزيد اعتقادي ان بحثه عنها هو جنون عاشق مشتاق .
-وماذا ستفعلين الآن ؟
-مريم لم تعد وحيدة ولا ابنة رجل فقير لا حول له ولا قوة ،هي الآن ابنتنا في حمى عمي ،واليوم في حمى أصهارك، سنأخذ هذه الأوراق ،واستشير عمي .
في المساء ،ببيت جدي لأمي ،الذي خصص لنا ،أخبرتهم بما كان ،اخذ عمي مني الورقتين والدفتر (دفتر الحالة المدنية ،دفتر حكومي باسم الاب ،وكلما ازداد له ولد سجل على صفحة بتاريخ ميلاده واسم أمه ،وهو التسجيل الذي يخوله الانتساب الى والده )
-هل يمكننا أن نسجل غالية دون وجود ابيها .
-نعم مادام عقد الزواج معنا وتاريخ الطلاق بعد تاريخ ولادتها .
-ماذا سنفعل معه يا عمي ؟يجب ان يعرف انه رزق ببنت ،وقد يرغب في رؤيتها .
غدا بعد الغذاء،تبقون ببيت جدك ،واعتذر منهم لأعود الى هنا واهاتفه ليأتي الي ،يجب ان أراه، لأعرف نواياه .
-سأكون معك عمي .
-وانا أيضا.
-غدا نخرج بحجة تسوق هدايا ،ونأتي الى هنا ،بينما تبقى النساء مع أصهارك.
وكذلك كان ،بمجرد ان رن هاتفه اجاب بسرعة ،تفاجأ بصوت رجل .
-انا انتظرك بهذا العنوان .
-من انت ،ولم لا نلتقي بمقهى او مطعم .
-لأنني افضل ان ألقاك ببيتي ،اما من أكون فإذا جئت ستعلم .
بعد أقل من نصف ساعة كان يطرق الباب بالمطرقة الأثرية النحاسية المعلقة عليه .
-تأخرت عليكم ،اعذروني ،كان يجب ان اتوه عمن يراقبني .
-انت تراقب الناس ،وآخرون يراقبونك، ماهذه العيشة والتوتر ؟
-لابد أن مريم عرفتكم من أكون وطبيعة عملي .
-تفضل اجلس ،وعليك ان تحكي لنا الحكاية من منظورك انت .
-اولا ،اريد ان اعرف من تكونون ،او على الاقل أساميكم.
-هذه ابنتي حورية ،وهذا ولدي هشام ،وانت ،من تكون ؟
-انا ،فارس زوج مريم ،اما حكايتي فهي كما حكت لكم مريم ،الفرق الوحيد والذي تجهله، هو أنني أحببتها وعقدت عليها قبل ان تحمل مني ،الغرض كان ان تنجب لي ولدا او اكثر انسبهم لزوجتي العقيم ،ولكنني أحببتها، وعقدت عليها ،والخبر وصل الى حماي ،والذي هو رئيسي ،فإن كنت انا البارون فهو الامبراطور ،هربت مريم ،وقد كنت أبحث عنها لاحميها منه ،ويئست من إيجادها او ادعيت ذلك ،وحتى ترتاح ابنته امرني ان أطلقها ،وابحث عن أخرى لتنفيذ رغبة ابنته في ان يكون لها اولاد .
سألته بلهفة
-وهل فعلت؟هل أسرت ضحية أخرى ؟
-بعد مريم ،لا ،طلقت زوجتي ،واعيش وحيدا ،انا الآن اعيش على مدخراتي لأنني لا أستطيع أن اعمل ،فحماي، يضيق علي ،ولهذا يراقبني حتى يفسد علي اية صفقة ،وقد يبلغ عني فأمسك متلبسا.
-وماذا تريد من مريم ؟
-لاشيء ،رغم انني احبها لن أقترب منها ،أخشى أن يقتلها انتقاما مني وجبرا لخاطر ابنته ،فقط اريد ان يسجل ابني باسمي ،وان تسامحني .
-ابنتك ،مريم انجبت غالية .
-وهل تعيش هنا ؟
-لا ،نحن هنا ضيوف لا غير .
تحدث بلهفة
-ارجوكم ،اريد ان اراها وارى ابنتي ،مرة واحدة .
-لايمكن ،رغم كل ما قلت لا نثق بك .سمعنا انك زرت والديها وعرضت ان تتزوجها ،كيف و انت تقول انك عقدت عليها ؟
-لو قبلا كنت ساخبرهما بكل شيء ،يكفيني أن اعرف اين هي وازورها من حين لآخر كزوج وأب ،ولكن حماي علم بالأمر وأجبرني على تطليقها،واعتبر المولود من حق ابنته ،ولهذا أخاف عليهما ،وأفضل ان يبقيا مختفيتين.
جثى على ركبتيه امام عمي .
-لقد اتخذت كل احتياطاتي، ومتأكد ان لا أحد يعرف مكاني ،(اخرج هاتفه مفككا الى اجزاء )لن اخرج قبل ان أراهما، نحن في حي عتيق ،سأرحل عبر الاسطح حتى لا يراني احدهم اخرج من الحي .
نظرنا الى بعضنا .
-ستبقين انت وهشام ،واذهب انا ،سأجعلها ترتدي جلبابا بالنقاب وارافقها الى هنا كأننا زوجين .
خرج عمي يقصد السوق حيث اشترى جلبابا بنقاب مغربي ،ولكنه مازال حذرا ،فألبسه ماما رحمة ،وسارت بجانبه تحمل غالية ،وتحجبها جيدا عن الأنظار ،بينما تتبعه عن بعد ماما ومريم ،كأي ام وابنتها ،فقد اخبرنا فارس انهم لم يروا مريم ولن يتعرفوا عليها مادامت بعيدة عنه .
دخل عمي ،وبعده بقليل ،مريم وماما .
-ماذا قلتم لأسرة مريم عن سبب ارتدائك الجلباب بالنقاب .
-قلت أنني أريد أن آخذ صورة تذكارية بمكان أثري مع زوجي .
ضحكنا على تبرير ماما رحمة .بينما يتقدم فارس الينا .فزعت مريم اختبأت خلف ماما ،فعمي لم يخبرها لأنه يعرف انها سترفض .
-لا تخافي يا ابنتي ،فنحن كلنا معك .
صرخت
-سيقتلكم ،سيقتلكم جميعا .
رفع يديه ودار امامها .
-انظري لا احمل سلاحا ،ولن آخذك معي ،اريد فقط ان اراك وارى ابنتي .
-اطمئني يا ابنتي انت في حمايتي .
تعالي اجلسي .
جلست زوجة عمي تحضن غالية ،فجثا امامها ينظر إلى الصغيرة بحب
-هذه ابنتي ،غاليتي .
اشار عمي لزوجته ان تناوله الصغيرة ،اخذها وتربع على الأرض يحضنها ،قبلها واخفى وجهه بعنقها يشم رائحتها ثم التفت الى مريم
-تشبهك كثيرا ،لولا لون عينيها وشعرها .
مريم خائفة لا تتكلم .
-سأبقى معكم حتى يسدل الليل ظلامه، رغم انني لن اشبع من غاليتي ولكنني ماكنت احلم بأكثر .
-خذ لها صورا .
-اخاف ان يراها احد فتصبح في خطر .
شهقت مريم ووضعت كل من ماما وماما رحمة يدها على صدرها .
-ساعطيكم رقما آخر ،ارسلوا لي صورها عليه ،رغم انني سأمسحها بعد ان أراها ،ولكنني مادمت حيا سأعطيكم إشارة ،فإذا انقطعت كفوا عن ارسال الصور .
سأله عمي .
-هل انت مهدد بالقتل .
-او السجن ،ولا اريد ان تقع صورة لغاليتي بيد من كان حماي ورئيسي.
قضى اليوم يلاعب الصغيرة ،يتمرغ هو وهشام معها على الأرض ،وكلما ضحكت ضمها اليه كأنه يريد ان يسكنها بين ضلوعه ،لم أغفل عن نظراته المسروقة الى مريم ،نظرات عاشق متيم ،لولا خوفه عليها وعلى ابنته لما تخلى عن عشقه ،ولكنه من حبه لها يدوس على قلبه ليبعدها عن الخطر .
نظرة الغيرة من هشام اختفت لما علم انه خطب ولا يعيش معنا .ورآه يلاعب الصغيرة ويقول
-تعالي الى خالك.
لتتقدم بخطواتها المترنحة اليه.
شردت وانا افكر ،لو قابلها في ظروف احسن ،تخيلته موظفا رآها وأغرم بها ،سيكونان الآن زوجين سعيدين ،فمثل هذا الحب لو ولد في بيئة سليمة لعاش يسعد قلبين عاشقين ،تخيلته بطلا من ابطال الروايات ،ينتصر على رئيسه ويضم اليه زوجته وابنته ،تخيلت وتخيلت ،لأستيقظ على صوت عمي وهو يودعه قبل ان يوجهه الى السلم المؤدي الى السطح .صعدت انا وهشام خلفة ،فضولي يدفعني ،وخوف هشام علي ،رأيناه يقفز من سطح الى آخر ،يتخطى الأسوار القصيرة بسرعة ومهارة لص ،حتى اختفى في الظلام
