CMP: AIE: رواية نفق الجحيم الفصل الاول والثاني بقلم ريناد يوسف
أخر الاخبار

رواية نفق الجحيم الفصل الاول والثاني بقلم ريناد يوسف

رواية نفق الجحيم 

الفصل الاول والثاني 

بقلم ريناد يوسف

قاعده فمكانها المفضل علي كرسي فالبلكونه بتاعة بيتها واللي عتطل على شارع رئيسي كبير.. مايله بجزعها علي السور الحديد بتاع البلكونه وعتتفرج عالناس اللي رايحه وجايه.. وتشوف البياعين المتجولين وهما عينادوا علي بضايعهم المتنوعه.. وعينها رايحه وجايه مع العربيات اللي معتتقطعش ابداً من الشارع.. كل دا عتراقبه كل يوم من ساعة مااتنقلت للمكان دا وبتحس بنفس عدم الانتماء ونفس الغربه فوسط المجتمع اللي لغاية النهاردة متعودتش عليه ولا علي وجودها فيه. 

مع أنها بقالها سنين طويله عايشه فيه،وعتحاول بكافة الطرق التاقلم والانصهار فيه

لكن للاسف كل محاولاتها كانت نتايجها الفشل.. لان روحها هي اللي رافضه التأقلم.. روحها اللي لساها هناك ساكنه في المكان اللي كبرت واترعرعت فيه. 

غمضت عيونها واتبسمت براحه وحنين مع نسمة هوا هبت علي وشها، فكرتها بنسايم الهوا اللي كانت عتداعب روحها هناك.. لكن طبعاً مع اختلاف النقاء والروايح اللي حملاها النسايم.. واللي مختلفه كل الاختلاف.

بدأت تسافر بالذاكره وتجوب اودية الذكريات السحيقه وتطوي السنين طي. وتضرب بجناحات الحنين فضا المسافات البعيده.. وأخيراً وقفت علي حدود بلدها الحبيبه.. وشافت اشجار المانجه العاليه واشجار التين العتيقه، 

وشافت روحها عتتنطط من شجره للتانيه كيف القرود وتقطف من طرحهم كل اللى تشتهيه عيونها وتطيب عليه نفسها. وتضحك من قلبها وتسرق لحظات سعادة معدوده رغم أنوف الجميع. 


فضلت هناك لحد ماقلبها وعقلها وروحها استكانوا وحست براحة جميله عتسري جواها، كأنها راحت رحله تهدي فيها اعصابها..لكن اللحظات الجميله دايماً عمرها قصير. 

فتحت عيونها ببطئ علي صوت نفير عربية متواصل كان صاحبها عيحث اللي قدامه انه يتحرك قوام ويفتحله الطريق، عاودت من رحلتها البعيده، ورجعت تتامل الشارع مره تانيه وتراقب الناس اللي كيف النمل رايحين جايين شايلين قوتهم ومونة بيوتهم من غير تعب ولا كلل وتسأل حالها:

ياتري كل واحد فيكم ايه نوع الهم اللي شايله فقلبه وماشي بيه واللي يشوفه من بعيد يقول عليه خالي.. ماهي من واقع خبرتها في الدنيا طول ال٥٣ سنه اللي عاشتهم فيها.. أن مفيش حد عايش علي وشها مش شايل هم ولا عنده مشاكل.. مع اختلاف النوع والحجم طبعاً، بس الاكيد.. أن الكل تعبان. 

واثناء ماهي غرقانه بفكرها وتفكيرها في الناس قطع شرودها صوت عتعشقه وتعشق سماعه.. صوات قطرات المطر وهي عتنزل من السما. 

بصت لفوق وضمت حواجبها بغرابه وهي واعيه السما اتلبدت فجأة بالغيوم.. كيف وميته متعرفش.. مع ان في بداية قعدتها كانت فيه شمس خفيفه في المكان وبدالها ان اليوم هيكون مشمس ودافي.. لكن سبحانه مغير الاحوال. 


طلعت تليفونها من جيب البالطوا بتاعها وبصت فيه، وشهقت وهي شايفه الساعه بقت كام واكتشفت ان الوقت سرقها كالعادة وهي فقعدة تأملها اليوميه. 


هبت من قعدتها واقفة وهي عتهمس لنفسها:

والله لو ماعاودوا ولقوا الوكل جاهز لهيخلوا يومك اسود من قرن الخروب ياحزينه.. وابقي لما يسألوكي معملتيش وكل ليه قوليلهم سرقني الوكت واني قاعده في السهرايه عشان متخلصيش من لسان اصغر قرد فيهم. 

كانت عتهرول وهي عتهمس لروحها بالكلام دا، موقفتش غير فنص مطبخها قدام التلاجه.. ففتحتها وطلعت منها المكونات اللازمه للطبخه اللي هتطبخها، واكيد حرصت انها تكون وجبه سريعه عشان تلحق تخلصها قبل رجوع عيالها من مدارسهم، اللي عيرجعوا بوشهم عالوكل زي مايكونوا معاودين من حرب ضاريه خاضوها لطلب العلم. 


معدتش غير ساعه وحده وكانت واقفه قدام الاكل اللي عملته وهي راضيه تمام الرضى عنه، واتنفست بارتياح بعد ماخلصت مهمتها، وعاودت بعدها وهي مرتاحة البال قعدت قبال البلكونه بتاعتها مره تانيه عشان تتمتع بأكتر الاجواء حباً لقلبها.. اجواء الشتا والمطر ونسايم الهوا الباردة، اللي بدات تداعب ستاير البيت 

وتزحف بهدوء وتلفلف جسمها النحيل، بس كالعادة السقعه مش عتاثر غير علي اطرافها اللي عيتجمدوا طول الشتا وكأنهم مش من باقي جسمها.. ضمت اديها لبعض وبدأت تنفخ فيهم عشان تحس بشوية دفى فيهم وتحس ان فيهم حياة،وبرضوا مع ذلك هتفضل عاشقه للشتا والمطر حتي لو اتجمدت من السقعه. 


بعدت اديها عن وشها وبدات تفركهم ببعض عشان يتولد الدفي فيهم، وفجأة وقفت اللي بتعمله وهي عتتامل الجرح العميق اللي فيدها، واللي برغم إنه شفى كلياً،، الا انه لساه سايب اثر واضح علي ايدها وجوا روحها وقلبها، والاثر دا استحاله ينمحي مهما عدت عليه السنين. 


ضمت يدها قوام عشان تخبي الاثر قبل ماتهاجمها الذكريات المرتبطه بيه.. وقد ايه هي شاطره فإخفاء الندوب والجروح والتظاهر بالقوه وانها بخير مهما كان اللي فيها واللي عتحس بيه. 

قامت ودخلت جوا اوضتها بعد ماقفلت البلكونه..وقعدت فوق سريرها تتامل ندبة يدها من جديد من بعد مانجحت الذكريات السيئه فإنها تهاجم عقلها وعيونها، وبدات تسأل روحها السؤال المعتاد..أي ذنب عملته عشان اتعاقب عليه بالقسوة دي وعقابه يسيب الاثر دا علي جسمي..أيه اللي عملته فحياتي كلها عشان تسير علي النحو اللي سارت عليه؟ أيه اللي زرعته عشان احصد منه كل الظلم اللي شوفته فحياتي؟ 

فجاوبت نفسها بنفسها:

ماارتكبتيش ذنوب، وكل اللي شوفته فحياتي وسألت روحي عيحصلي باي ذنب كانت الإجابه بتاعته واضحه وضوح الشمس.. لأني اتخلقت في بيئة ذكورية بحته.. حيث الراجل هو الآمر الناهي، الحاكم والجلاد.. هو الملك اللي بيده قلائد الحكم وجميع النساء اللي في محيطه سبايا وجوارى"

اتنهدت بوجع وقلة حيله، ورفرفت برموشها عشان تطرد دمعة هددت بالنزول..لان ديه مش وقت البكا..هي متعودة ان كل حاجه ليها وقت وميعاد.. حتي الحزن والدموع.. ودول بالتحديد خصت بيهم جوف الليل عشان محدش يسمع انينها ولا يشوف ضعفها اللي اتعلمت انها متبينهوش غير بينها وبين نفسها، ولا تخلي حد يحسه حتي اقرب الناس ليها. 

دارت بعيونها في الاوضه شويه وبعدها هربت من كل افكارها وذكرياتها للحاجه الوحيده اللي عترتاح فيها وتحس انها الوسيله الوحيده لتضييع شعورها بالوحده اللي متأصل جواها برغم كل الضجيج اللي حواليها"تليفونها" 

فتحته وفضلت تقلب فيه وتتنقل بين برامج الشوشيال المختلفه.. لغاية مااستقرت في الاخر على اقربهم لقلبها واللي مستعده تقضي عليه ساعات من غير ماتحس بنفسها..وهو برنامج "الواتباد" 

وابتدت تكمل في الروايه اللي بدأتها أمبارح ومقرتش منها غير المقدمه.. واللي جذبها ليها الأسم.. قرت منها فصل والتاني والتالت واتوقفت مقدرتش تكمل قراية من صدمتها فمحتوى الرواية! 


دي مش بس اتصدمت دي حست بالاختناق من اللي قرته.. واللي كان خيالي مليون في الميه ولا يمت للواقع بأي صله.. جايز لو الموضوع ميمسهاش هي شخصياً ولا عاشت احداثه وهي اكتر وحده في العالم متاكده ومستعده تقسم أن الواقع غير اللي انكتب في الروايه.. جايز كان عدى ومر على عقلها مرور الكرام.. لكن الموضوع دا هو محور حياتها واللي عاشت تعاني منه طول عمرها.. وحرمها من حياة طبيعيه منذ نعومة اظافرها كيف ماعيقولوا.. واللي هو موضوع "الاغتصاب" 

وكد ايه ضحكت بوجع وهي عتقرا ان البطل حب البطله بعد مااغتصبها واللي دخلها فنوبة ضحك كانت على وشك انها توقف قلبها.. أن البطله هي كمان بدأت تبادله نفس المشاعر وانها حبته بعد كل اللي عمله فيها. 

حزفت الروايه من المكتبه وابتدت تتصفح الروايات اللي على الموقع وللصدفه قابلتها كذا روايه تحمل نفس الاسم ونفس المعنى.. وعشان كانت مهتمه تدور مابينهم على حاجه معينه بين سطورهم حملتهم كلهم على التطبيق..

وبدأت تدور فيهم كيف المظلوم اللي عيدور على حقيقه من سطرين وسط كومة كلام.. وللأسف طلع فالاخر كله كلام فاضي. 

حزفت كل الروايات اللي حملتها وقررت اني مش هقرا اي روايه تحمل الاسم دا مره تانيه.. لكنها في المقابل اتولدت جواها رغبه ملحه بانها تعرف الكل الوجه الاخر لعملة الاغتصاب. 


وبدون تفكير دخلت لصفحة كاتبه قريتلها كذا روايه واسلوبها عجبني وكان يشدني لدرجة إني ممكن اخلص روايه من رواياتها فيوم واحد أو اتنين بالكتير مهما كانت طويله..الكاتبه دي بالذات كنت حاسه بألفه غريبه ناحيتها مش عارفه ايه سرها.. 

دخلتلها علي الخاص.. وبدأت حديتي معاها كالآتي:

-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

آسفه على تطفلى.. عارفه انك متعرفنيش.

- وممكن مترديش علي رسالتي من الاساس.

- بس مش عارفه ليه انتي الوحيده اللي حبيت إني اقولها كل اللي جوايا واحكيلها حكايتي وقصة حياتي وحياة ناس تانيين.. واتمني إنك انتي بالذات اللي تكتبيها.

- مش عارفه ليه حاسه إنها هتطلع من تحت يدك انتي كيف ماحوصلت بالظبط وهتعرفي توصفي كل احساس مريت بيه وتخلي الناس تحسه بالمظبوط.

- اني عقولك اكده عشان سبق وحسيت بكل كلمه كتبتيها فرواياتك اللي قريتهالك.. وإحساسك كان عيمس قلبي.

عموماً لو حالفني الحظ وشفتي رسايلي.. فآني حابه إنك تكتبي حكايتي عشان البنات الصغيرين يقروها ويتعظوا ويشوفوا الدنيا بشكلها الصحيح، والصوره المقلوبه لقصص الاغتصاب و الحب تتعدل فعيونهم ويشوفوها واضحه وضوح الشمس..انتي صعيديه وهتفهمي كل عاداتنا وتقاليدنا ومش هحتاج اشرحلك كل كلمه اقولها. 


القصه بدأت في قريه من قري الصعيد، ولكن قبل الحدث الكبير اللي عتدور حواليه كل احداث القصه.. فيه تفاصيل كتيره عرفتها عن لسان اصحابها ذات نفسهم لازمن تعرفيها فلاول.. خليني احكيلك من البدايه خالص.. 

ضغطت علي زر الارسال بعد ما انهت كتابة رسالتها، وبصت للفراغ وهي عتحاول تحدد تبتدي منين الحكايه. 

من اول الحادثه ولا من المرحله اللي قبلها؟ 


وقررت أخيراً أنها تبدأ من البداية خالص.. من بداية الامر.. وتوصف للكاتبة تفاصيل صغيره، هي متأكدة انها هتفرق جداً معاها


غمضت عيونها وراحت تبحث جوا عقلها عن بداية الخيط اللي هتبدأ من عنده.. وفتحت عيونها بعد ثواني وابتدت تكتب بعد ماعرفت هتبدأ من فين بالظبط..وحكت الحكايه من مكان ماابتدت. 

**************

- شام.. انتي ياقزينه روحتي وين؟ يابوي منك ياشام ومن جلعك وتنطيطك..والله مانتي نافعه.

بسيمه.. بسيمه.. خدي اختك وشوفو العجين خَمر ولا لسه وإن كان خمر هاتوهولي قدام الفرن علي ماأجيب الحطب والقش واحميها. 


أما شام فكانت واقفه فوق سطح البيت المسقوف بأفلاج النخل وجريده وعفت عليه السنين لغاية مااتهالك ويادوب قادر يشيل نفسه.. وعماله تتمايل شمال ويمين بقدها المياس..

وتدور تحت حبات المطر فاردة دراعاتها للمطر بمحبه كيف حبيبه عتستقبل حبيبها بعد غياب،

رافعة وشها لفوق عتتلقىَ المطر فوقه كقبل مشتاق. 

وتضحك مع كل قطره وصوت ضحكتها يقتل صوت السكوت. 


وبمجرد ماسمعت أمها صوت ضحكتها وعرفت موطرحها صرخت عليها بعلو صوتها:

انتي يامجذوبه.. انزلي ياقزينه وبطلي الجنان بتاعك ديه، الناس تقول عليكي ايه وانتي طولك طول النخل وعقلك عقل صخل!

انزلي هتوقعي علينا سقف البيت اللي ساترنا وحامينا..انزلي ياشام السقف دايب لحاله ممتحملش. 


وكالعادة كلام الأم ولا أثر في شام وفضلت زي ماهي تلف وتدور وتستمتع بالمطر والجو اللي عتعشقه عشق.. 

بالعكس دا كلام امها خلاها تزيد في الضحك وترفرف أكتر بجناحاتها كيف فراشه حره طليقه.. 


وعلي صوت ضحكتها اتفتح شباك اخضر وطل منه اللي خلي الفراشه تبطل حوم وتقف خجلانه ميتحركلهاش ساكن.


ومع إبتسامته الجميله وبصته المتفحصه ليها واللي خلت شام حست انها الشمس اللي قشعت كل الغيوم.. اتسمرت شام اكتر كيف ماتكون عيونه ربطتها بخيط خفي.. 


وما هي الا دقايق معدودة قضتها الفراشة وهي مقيدة برباط الخجل، ومن بعدها بدأت تستعيد حركتها وتتحرر ضحكتها من تاني، وترجع ترفرف بجناحاتها مرة تانيه تحت انظاره المستمتعه بفراشته الجميله والوانها اللي تخطف عيون الناظر. 


كانت صاحبة بشره بيضه كيف الحليب وعيون وساع عسليات يشبهوا لون الشمس وكت الشروق وجسد ممشوق وضفيرتين كيف سنابل القمح متدليه من تحت ربطة راسها وعيتمايلوا شمال ويمين مع اقل حركه تتحركها.. 


ومن بين جنونها واستمتاعها بالاجواء والمطره اللي عتعشقها، وحبات اللؤلؤ النازله من السما تغسل روحها قبل بدنها.. وتحسسها بإنتعاش عيفضل معاها من العام للعام، وتتجدد إبتسامتها كل ماتتذكر اللحظات دي.. 


اتوقفت عن الدوران وهي عتسمع الصفاره العاليه اللي معتقدرش ابداً تتجاهل صاحبها.. فهرولت لسور البيت واتسندت عليه في انتظار قدومه من بعيد، وأهي شافت مقدمته الضخمه لاحت في الافق من بعيد.. فضحكت بسعاده وابتدت تشاورله بأديها التنين وتتنطط بفرحه.. 

ومكانش اكتر من مجرد قطر لنقل المسافرين.. واللي وقعت في غرامه من أول مره عدي فيها قدامها علي خط السكه اللي اتعمل قدام دارهم مباشرة ميفصلهمش عنه غير الشارع.. واللي باتت تعرف مواعيده من خلال تغيير مواضع الشمس عالحيطان، وتستناه بلهفه وشوق. 

وكد أيه كانت جواها رغبه وأمنيه أنها تركب جواه وتشوف شكله من الداخل وتبص عالدنيا من شباكه.. 


ولكنها خابره زين إنها أمنيه صعب تتحقق.. دا إن مكانتش مستحيله.. اصلهم ملهمش قرايب فأي بلد تانيه.. ولا حد فيوم من اهلها وقرايبها غادر البلد وهملها.. فبالتالي محداهاش سبب تركب القطر علشانه

قرب القطر عالبيت، وبمجرد مابقي قصاد البيت.. فضلت شام تتنطط وتشاور بأديها للقطر فإبتدا سواق القطر أو المساعد بتاعه يزمر بصفارة القطر كذا مره متتاليين عيرد علي مشاورتها ليه.. بالظبط كيف مايكون عيردلها التحيه.. فضحكت شام بفرحه وفضلت تشاور للقطر لغاية ماإختفي عن عنيها.. 


واول ماإختفي القطر برقت عنيها بخوف بمجرد ماإنتبهت للي عيملته، والغلطه الشنيعه اللي غلطتها.. لانها سبق وعطت وعد للي واقف وراها في الشباك أنها مش هتعمل إكده مره تانيه؛ لأن مشاورتها لسواق لقطر عتخلي نار الغيره تشعلل في قلبه وكذا مره يقولها إن الحركه دي عتدايقه، ومهما حلفتله قبل سابق إنها عتشاور للقطر ذات نفسه مش لسواق القطر معيصدقهاش.. فأضطرت إنها توعده وعد كداب هي عارفه زين إنها مهتنفذهوش ولا هتقدر تلتزم بيه.. انها مهتشاورش للقطر مره تانيه.. واهي خانت الوعد قبال عينه بمجرد ماشافت صاحبها العملاق ابو وش حديد ومقدرتش متستقبلهوش بحفاوه وفرحه كيف كل مره. 

لفت شام بشويش وهي عتمطق فريقها اللي جف من خوفها وهي عتستعد لمواجهة براكين صابر الثايره اللي هتكون علي هيئة شتايم ونظرات غاضبه..

لكن اللي كانت تتوقعه محصلش؛ لانها ملقتش صابر واقف في الشباك من الأساس، ولا لقت الشباك مفتوح اصلاً، فعرفت إن غضبه عدي مجرد العتاب وعرفت إن عقابه النوبادي هيعدي مرحلة الشتايم ومجرد الزعل لانه اتوكد إنها معتجيبش معاها اي نتيجه. 

قضت بعدها كام دقيقه وهي قاعده تحت المطر ساكنه وعتحاول تخمن ياتري أيه هيكون نوع عقاب صابر ليها النوبادي.. هل هيكون خصام؟

ولا ممكن يوصل العقاب للضرب.. ماهو عصبي وهي خابره إنه لما يتعصب قوي معيشوفش قدامه.. والخوف ليكون العقاب اشد واقوي وهو قلع جدور المحبه اللي ليها فقلبه. 

قطع السكون بتاعها والتفكير حس ابوها حبيب قلبها وهي عينادم عليها.

فنست صابر وزعله وخوفها منيه.. وهبت واقفه ونزلت علي السلم بسرعه عشان ترد علي حبيب روحها. 

وابوها شافها نازله بسرعه عالسلم المبلول من مية المطره وابتدا يزعق عليها ويحذرها بخوف، ويقولها تتمهل في النزول عشان رجليها متزلقش في الطين وتقع.

لكن شام مكنتش سامعاله واستمرت تنزل بسرعه لغاية ماكملت السلم واترمت فحضن أبوها الدافى.. وهو ضمها بحنانه المعتاد وإبتدا يمسد عليها ويتحسس خلجاتها المبلوله وهمسلها معاتب:

مش عقولك ياواش ياواش ياشام وانتي نازله، مش خايفه رجلك تزلق وتنكسر كفاله الشر وساعتها تقعدي شهور في الجباير محبوسه،، بذمتك تتحملي التجبير انتي وتقدري ماتتنططيش كيف فرقع لوز!! 

وكمل عتابه ليها وهو حاسس بجسمها اللي بقي كيف قالب التلج من مية المطره فشهر طوبه :


إكده ياشام كلك بقيتي تلُجى ميه فالشتا ديه،، يابتي خافي علي روحك وعلي صحتك هبابه احسن تعيي انتي مش صغيره. 


بعدت شام عن حضنه ودارت حوالين نفسها دوره كامله وهي عتقوله:


آني مبرداناشي يابوي اني عحب الشتا والمطر،، عحب ريحة الطين وريحة الهوا المتحمل بريحة الأرض والزرع،، عحب الريحه اللي تخلي الروح تنتعش وتفرح داي.. 

وقبل مايرد عليها أبوها سبقته أمها في الرد وهي طالعه من جوا الحوش وشايله حزمة حطب بين أديها وصرخت فشام:

عشان حلوفه معتحسيش، وبصت لعبد الصمد اللي إتبلت خلجاته من حضنته لشام وصرخت فيه بنفس الصوت الغاضب:

إكده ياعبصمد تبل خلجاتك انت كمان فعز الشتا ديه! 

طيب شام وبصمنالها بالعشره انها مجنونه وناقصه عقل، إنت عاد ياكبير ياعاقل تعمل إكده ليه؟ 

إتبسم الأب وهو عيتطلع لشام بفخر كأنه عيقولها إنه عاشق بته وعاجبه جنانها.. وعارف إنها وارثه الجنان ديه منيه هو.. عشان في صباه كان مجنون ومتهور زيها إكده بالظبط.. وعشان إكده ممستغربش عمايلها ولا عيلومها عليها. 


ولكنه سكت ومرضيش يقول أي كلمه من اللي عتدور فخُلجه عشان ميجيبش لروحه الكلام من دهب مرته، ويواجه نوبة غضب منها ممكن توصل لانها تكسر حزمة الحطب اللي فيدها علي دماغه.. وديه لانه خابر هي متغاظه من شام وفطفطتها وجنانها وعصبيتها وعندها..ودايماً تقولهاله فوشه.. إن كل طبع عفش فشام ورثته منه هو وهو السبب فيه، وأنه فرحان بيها وعيحبها ويميزها عن باقية إخواتها للسبب ديه.. وغير الطبع كمان شام ورثت منيه جمال الشكل.. لان عبد الصمد يعتبر أوسم سكان القريه بلا منافس والكل عيشهد بحلاته وملامحه المخطوطه خط ومرسومه كيف لوحه جميله ميشبعش منها اللي يبصلها. 


وبرغم إن عبصمد فضل ساكت الا إن سكوته ديه مأخفاش عن دهب مرته اللي عيدور فخُلجه.. عشان هي عتقدر تقراه وتقرا افكاره وكل اللي عيدور جواه من قبل حتي ماينطق ومن غير مايتحدت.. فهزت راسها بقلة حيله وبعدت من قدام البت وابوها ومنطقتش بكلمه وحده عشان خابره زين إن الكلام مع التنين دول بالذات ضايع في الهوا وممنوش أي فايده.. 

لكنها فضلت تبرطم مع نفسها بإن جلع عبد الصمد لبته هو اللي خارب طبعها، وإنها مش هيتصلح حالها غير لما تتجوز وتروح لبيت جوزها وتبعد عن أبوها ودلاله الزايد وجلعه الماسخ ليها.


وبمجرد ما وصلت حدا الفرن رمت حزمة الحطب من طول دراعها قدام مَحمى الفرن وإبتدت تولع النار جوا الفرن عشان تسخن مسافة مالعجين يخمر. 


وفي الأثناء دي طلعو اتنين بنات من أوضه من اوض البيت، وهما حاملين ماجور العجين بين أديهم.. وإتقدموا بيه وحطوه جار الفرن وغطوه وهملوه عشان يكمل خُمره في دفى اللهيب.. وبعدوا هما التنين عن لسان اللهب لكنهم قعدوا قريبين من الفرن مستأنسين بالدفى اللي طالع منها. 


دهب : بسيمه هاتي الطُراحه والبشكور، وأنتي يابشاير هاتي الفوده وأغسليها وغيري ميتها.. 


ردوا البتين في حس واحد : 

حاضر يمه..وإتحركوا قوام ينفذوا أوامر أمهم بدون تأخير.. وشويه وسخنت الفرن وبدأو البتين وحده في تقريص العيش على الطراريح والتانيه تفرد وتحط لامها عالمطرحه وامهم تدخل العيش الفرن وتكمل سواه. 

أما شام فكانت قاعده علي مسافه منهم وإبتدت تمشط شعرها من مية المطر بعد مابدلت خلجاتها وجابت لابوها هو كمان غيار جديد غير الخلجات اللي بلتهمله ودخل عشان يبدل.. وشويه وطلع الاب من الاوضه وهو مبدل وقعد جار شام، وسألها وهو عيتطلع لأمها وإخواتها اللي عيخبزوا:

مش ناويه تتعلميلك حاجه من شغل البيت تنفعك زي اخواتك البنات اكده ياشام؟ 


قوليلي لما تتجوزي وتروحي لبيت اهل جوزك ويقولولك قومي اخبزي ولا اطبخي هتقوليلهم ايه وكتها،، ولا تطلعينا بسواد الوش قدامهم وانتي خيبانه ويقولولك مكنتيش فبيت ناسه عياكلوا ويطبخوا كانوا علموكي! 


بصتله شام واتبسمت وهي عتقوله: 

هتعلم يابوي وهشرفك متخافش لساه الوكت بدري علي الحديت ديه اني لساتني صغار. 

ولأول مره شام تشوف إعتراض ابوها علي شى تقوله او تعمله وهو عيهز راسه يمين وشمال برفض ويرد عليها: 


له ياشام مانتيش صغار،، انتي حداكي ١٨ سنه واللي كدك فاتحين بيوت ومخلفين عيل وتنين كمان،، ولو كنت تَبعت خُطابك كان زمانك زيهم اكده قاعده فبيت جوزك دلوك وعيالك عيتنططوا حواليكي،، بس عشان انتي متجلعه مرضيتش اتعجل فجوازك واخليكي تتحملي مسئولية البيوت بدري، وقولت اسيبك تشبعي جلع فبيت ابوكي، والجواز والبيوت والمسئوليه قاعدين ولاحقين عليهم. 

لكن بذياداكي اكده عاد ياشام مهنضيعوش العمر في اللعب والتنطيط،، من النهاردة تتقربي لخدمة البيت والبهايم مع امك واخواتك البنات،، وفي خلال ٦ شهور تاجي تقفي قدامي إهنه وانتي متعلمه الطبخ والنفخ والخبز والحلب وتديني التمام وتقوليلي.. آني بقيت جاهزه يابوي. 


بعدت شام المشط عن شعرها وإتطلعت لابوها وهي حاسه بإستغراب من كلامه ديه وسألته بحيره:


جاهزه لأيه بالظبط يابوي، وأشمعنا بعد ٦ شهور بالذات! 


فتبسم الأب ومال عليها لغاية ما اصبح وشه جار ودنها وهمسلها بصوت فرحان:


عشان بعد ٦ شهور هيكون جوازك يانن العين وبكرية القلب. 

قالها ومسك خصله من شعرها وبعد وشه وهو عيتأمل خيوط الدهب المتجسده فشعرها وكمل:

الفوله جالها كيالها، وسبيكة الدهب المكنونه جالها الجواهرجي بتاعها اللي عارف قيمتها زين وهيقدر غلاها.. 


خلص جملته وبص لعيونها العسليه المفتوحين علي آخرهم من الصدمه عشان يشوف تأثير الكلام عليهم.. وإتبسم وهو شايف حركة نن عينها اللي عيتحركوا بلا هواده، ودي حركة دايماً شام عتعملها لما تخاف من شى لدرجة الرعب.. فكمل كلامه بسرعه عشان يهدي خوفها اللي خابر زين هو نابع من أيه:


متخافيش ياشام دا صابر مش حد غريب


شام بمجرد ما سمعت الاسم حست بقشعريرة عتسري بطول عمودها الفقري وأن ضربات قلبها أختلفت وتيرتها واتبعترت دقاتها بعشوائيه.. ونكست عنيها للأرض بخجل وعطت المجال لأبوها عشان يكمل حديته فواصل الاب:


صابر واد جلال صاحبي وأخوي اللي عارفه وعارف اخلاقه وطباعه زين،، وخابر انه الانسب ليكي من بين كل الخلايق.. الواد عاشقك ياشام من صغر سنه ومن سنين كل هبابه يفتح معاي موضوع خطبتك واني أأجل واقوله لسه بدري، 

ومن خوفه احسن حد ياخدك منه مكانش يغيب حاجه و يعاود يفتح الموضوع من تاني واني اطمنه فكل مره انك ليه ومش لغيره..وخصوصي واني خابر ان قلبك انتي كمان ميال يابت عبصمد. 

بس النهارده واني داخل البيت من هبابه لقيته اعترض طريقي ووقف قبال يتنفض كيف الملبوس وقالي،، بص ياعم عبصمد هما ٦ شهور هصبرهم علي شام وبعد اكده هتجوزها.. عشان لا آني حداي موانع ولا انتوا يبقي ايه لزوم التأخير عاد؟! 


واني بصراحه استحيت أأجل اكتر وقولتله آمين،، والدهب والمشيه بعد سبوع من النهارده، والجواز بعد الست شهور،، وعشان اكده عقولك اوعاكي ياشام تقصري رقبة ابوكي فبيوت الناس الغريبه وتخليهم يقولوا بت عبصمد ناقصه ربايه وناقصه علام.. عايزك دايماً فعيون الكل كامله مكمله يابتي، واياكي فيوم تندميني علي جلعي ليكي. 


هزت شام دماغها لأبوها بموافقه وطاعه وقامت من جاره ورمحت علي أوضتها دخلتها وردت الباب وراها؛ عشان تتخبي من ابوها وتداري خجلها اللي بان علي وشها وخلاه اشتعل من شدة الخجل..ودي أول نوبه شام تحس بالخجل قدام أبوها.


وكيف متخجلش وابوها عيحدتها فموضوع جوازها ومهما كانت درجة قربها منه الا إن الخجل والمستحى في الموقف دا بالذات ساد وسيطر علي كل ذره فكيانها. 

وبمجرد ماقفلت شام باب أوضتها علي حالها فضلت تدور حوالين روحها بفرحه.. وليه لا واللي عتعشقه وتتمناه من صغرها إتقدم لخطبتها وخلاص هتكونله وليفه وأم لعياله ومفيش حاجه هتفرقهم من إهنه وطالع..

ووقفت عن الدوران فجاة وهي عتقول لحالها:

طيب وعمل أيه فزعله مني؟ 

آني خابره إنه واخد علي خاطره مني بالقوي.. ولازمن اراضيه وأطيب خاطره.. أصل مفيش خطبه عتتم بين اتنين متخاصمين. 


وفضلت هبابه قاعده فأوضتها تفكر، وبعدها هبت واقفه وطلعت من أوضتها بعد ماخدت ربطة راسها وحطتها فوق دماغها وطلعت تهرول لبره البيت بعد مابصت علي ابوها ملقتهوش، فقالت لامها إنها رايحه البندق تقعد مع صاحباتها البنات كيف كل يوم.. 

وطلعت جري من غير ماتاخد حتي الموافقه من إمها ولا تستني ردها حتي.. ورمحت عالبنات اللي عيتجمعوا كل عصريه في" البندق"المكان الواسع ديه اللي علي اطراف البلد وهو أشبه بساحة حرب واسعه وإتسمي بالبندق عشان فيه مدفع قديم عيضروب في رمضان ويعلن عن ميعاد إفطار الصايمين. 

وكالعادة دهب الأم متملكش من أمر شام حق الرفض لخروجها، فشام واخده موافقه مسبقه من أبوها إنها تطلع لوين ماتريد، وكت ماتحب مادام الخروج والرجوع قبل أذان العشا وفوكت ونسة اهل البلد اللي كلهم حراس لعرض بعض، وكلهم راعيين لبنتتة البلد..

وكل البنات في البلد كانت تطلع كيف ماهي عايزه بس بمشورة الاهل ولو اترفض الطلوع تقعد.. إنما حريه كامله كيف اللي حدا شام دي.. للحق مكانش حد واخدها.. ولا حتي إخواتها البنات اللي كانت أمهم هي اللي متوليه زمام امرهم، وكانت دايماً تقول لابوهم بكفايه عليك شام خربت اخلاقها هملني آني اربي دول بمعرفتي. 


طلعت شام من بيتهم ووقفت علي مسافه من البيت وهي شايفه معدات ضخمه لونها اصفر أول نوبه تشوف حاجه زيها واقفين قرب خط السكه الحديد.. واتعجبت لانها من مفيش كانت فوق السطح ومكانش فيه حاجه كيف دي! ففضلت واقفه تسأل حالها ياتري أيه المكن ديه وعيعمل أيه؟ واتلفتت حواليها لعلها تلاقي حد تسأله ويقولها أيه الحاجات دي وواقفه إهنه ليه؟ 

لكنها ملقتش.. فهمت تواصل المشي.. لكنها وقفت موطرحها أول ماسمعت حسه اللي خلاها جفلت عشان لساها ماسحه بعنيها المكان كله مكانلوش وجود كأنه ظهر من العدم! 

فدارت عليه ووقفت قصاده وهمسلها بصوت غاضب مجاوب من غير مايسمع السؤال:


معدات حفر، عارف فضولك عياكل فقلبك دلوك عشان تعرفي دول ايه وجايين اهنه ليه.. سكت ثواني وهو عيتفحصها بعيون عيتطاير منها الشرر وكمل:

وعشان ترتاحي اكتر،، هيحفروا نفق تحت الارض يوصل الناحيه الغربيه بالناحية الشرقيه من البلد، عشان اللي يحب يعبر للجيهه التانيه ميمشيش كل المسافه اللي عنمشوها داي لغاية مانوصلوا للمزلقان. 


وكمان عشان الحوادث اللي عتوحصول لما الناس تعدي شريط القطر ومتاخدش بالها لقربه وياخدهم فوشه زي مافيش. 


واتنهد وبعدها كمل معاتب : 


واديكي عرفتي كل حاجه، روحي يلا مكان ماانتي رايحه، ولا خليكي واقفه شاوري لعمال الحفر وخليهم يشاورولك كيف ماعتشاوري لسواقين القطورات. 


إتبسمت شام وهي شايفه الغيره طاغيه علي عيون صابر وكلامه وردت عليه بدلال وهي عتمسك طرف ربطتها وتلعب بيه بين صوابعها :

اخص عليك ياصابر.. سواقين ايه اللي عشاورلهم اني عشاور للقطر مش للسواقين والله، وقولتهالك قبل سابق. بس إنت ظالم وعتحب ترمي حبايبك بتهم باطله. 

فلانت ملامحه وهو شايف دلالها الواضح وقالها بعتب مُحب:

وهو القطر عيضربلك من حاله صفاره لما عتشاوريله ياشام، ولا عيشوفك بكشفاته من بعيد؟ وكمل بنبرة صوت واطيه اقرب للهمس وهو عيتطلع لإبتسامتها اللي نقلته من موطرحه لعالم تاني:


عتتلوني عليا يابت عبصمد اكمنك عارفه اللي ليكي فالقلب؟ 


فأتصنعت شام الزعل ودورت وشها للناحيه التانيه وكان الدور عليها في العتب النوبادي:

آني ياصابر عتلون! كتر خيرك ياواد عم جلال.. طيب يلا غادرني قبل ماتشوف باقي الواني اللي عتلون بيها،، اصل الظاهر انك واعيني كيف الحرابي كل دقيقه بلون.. 

قالتها و اطلقت الريح لرجليها وبعدت عنه وزادت سرعتها وهي سامعاه عينادم بإسمها وهي مرداش ولا معبراه، وكانه لا سمع لمن ينادى.. وفدقايق كانت مبعده عنه مسافه كبيره وكأنها مهره جامحه عتمشي علي اربع قوايم.. فرفع نبرة صوته عشان توصل لمسامعها :


علي راحتك ياشام،، علي راحتك خالص، كلها ٦ شهور واكسرلك جناحاتك اللي عترفرفي وتفري بيهم مني دول،، واعرف مااعلمك الادب من أول وجديد. 


كل شَى بالصبر حلوا يابت عمي عبصمد.. 


خلص كلامه واتوكد إنها سمعته لما دارت وشها عليه وكشرتله عن اسنانها في حركه منها عشان تغيظه، ولكن حركتها دي كل اللي عملته بصابر، إنها خلته يضحك بخفه 

علي الطفله المتخبايه جوا جسد الأنثي اللي عيتمايل قدامه ومخلي قلبه عيتمايل معاه بدون إدراك.. كما يتمايل السكران الغايب عن وعيه.. وأتمني من كل قلبه أن الست شهور اللي عيفصلوه عن السعادة يمروا فلمح البصر عشان يأسر غزالته فعرينه ويحجبها عن عيون كل البشر ويحتفظ بيها لنفسه ولقلبه وعيونه هو وبس.. 

نفق الجحيم

البارت الثاني 2


فضل صابر على نفس وقفته مراقب غزالته بعيون عاشق، وقلب متيم، وعقل مغيب في عشقها كشارب الخمر.. له دا اقوي من شارب الخمر كمان، فشارب الخمر يصحوا بعد غفوته، أما العاشق فيبقي طول الوقت سكراناً. 

كان يتنهد التنهيدة ورا التانيه وهو واعيها عتبعد عن عيونه وحده وحده، ومع كل خطوه تخطيها وتبعد عنه بذيادة، ويشوف النسيم يلاطف اطراف شالها الحرير، ويخليهم يطيروا في الهوا كيف جناحين فراشه عتستعد للطيران.. تزيد نار شوقه ليها مابين ضلوعه، ويتوعد ليها بينه وبين روحه.. ان بس ينقضوا الست شهور..هياخد فراشته ويحبسها فبستان قلبه ويقفل عليها جميع المنافذ ويقفل البيبان بأقفال المحبه..ويأسرها بين حجرات قلبه الاربعه ويداريها من عيون الكل. 


أما شام فكانت ماشيه في طريقها ولكن عيونها متعلقة بالوحوش الصفرا الضخمه، ودب الرعب في قلبها ورجفت أوصالها لما وصلت قصادهم وبقت في مواجهتهم، واتهيألها للحظة أنهم مخلوقات حقيقية، او هما وحوش الحكايات التي كانت تحكيهالها أمها هي واخواتها وهما صغيرين قبل النوم.. وكان الوحش الاضخم بينهم ليه اسنان مدببة وطويله، والاقل منه له لسان حلزوني، والاصغر من الكبير واخد نفس شكله بس بأسنان أقل، وكانه طفله الصغير! 

فمدت الخطاوي وهرولت هروله عشان تمشي من قبالهم وهي معتقده انهم هيهاجموها في أي لحظه. 


وصلت الساحه وإبتسمت  وهي شايفه بوضوح حنه اخت صابر صديقتها المقربه وتؤام روحها، وباقي البنات صحابهم قاعدين على جزع نخلة اعتادوا أنهم يقعدوا عليها دايماً،

وبمجرد ما رفعت شام يدها في الهوا وشاورتلهم.. الكل شاورولها بفرحه ورحبوا بيها بحفاوه كيف ماعيعملوا اول مايشوفوها فكل مره.. وديه لأن شام ليها فقلوب الكل محبه مخليهاهم يحسوا مع طلتها كأنها هلال العيد طل عليهم.. ودا لأنها عمرها مازعلت حد بكلمه ولا كان اسلوبها فظ ولا فيها خصله عفشه فطبعها تخلي حد ينفر منها.


اتقدمت شام ووصلت حدا البنات وقعدت جارهم وبدأت كلامها عن المطر اللي غرق الارض كلها وفرحتها بيه وعن الشتا وجماله وحبها ليه..وفآخر كلامها بلغتهم بخبر خطوبة صابر ليها.. وكأنه سابت الخبر للآخر عشان يكون مسك الختام. 

وبس قالت شام الخبر.. كل البنات هللت بفرحه وباركولها والكل نطق فنفس واحد:

اخيرااااً ياشاااام!! 

وقامت حنه اخت صابر من موطرحها وراحت على شام وحضنتها وهي عتعمل صوت ملوش اي علاقه بالزغاريت وعامله حالها عتزغرت والكل ضحك عليها.. خلصت زغروتتها المزعومه وبعدها همست لشام فودنها:

وآخيراَ بلح الشام هيتلم على عنب اليمن تحت سقف واحد ونار عشق اخوي هتنطفي وشوقه يخمد ويبطل سهر الليالي.. وحتي انتي هيرتاح قلبك المتلاع عليه ياحزينه. 

ضحكت شام بخفه واحمرت خدودها واتلونت بلون الكسوف وهي عتسمع كلام حنه..وللاسف متقدرش تنكر حاجه منه ولا تكدب قدامها وقدام الكل أن قلبها متلاع بحب صابر لحفظ ماء وشها حتي.. 

وديه لأنها خابره إن الكل عارف باللي فقلبها لصابر وفقلب صابر ليها من زمان بدري. 


****************


أما في مكان تاني.. وتحديداً في بلد تبعد عن بلد شام حوالي تلات ساعات بالعربيه في بيت كبير مبني علي مايقارب القيراطين وحواليه جنينه كبيره مزروعه على حوالي ٢٠ فدان ارض، والجنينه بالبيت عيفصلهم عن باقي البلد سور عالي ب٣ بوابات واحده رئيسيه واتنين فرعيين واللي يشوف السور وتصميمه يقول أنه اتعمل عشان يعزل البيت والجنينه عن باقي العالم.

وكأنه مملكه خاصه معزوله عن باقي البلاد.

وصاحب المملكه دي كان اسمه "توفيق" 


او المقاول زي مالكل كان مسميه؛ ودا لانه عيملك معدات تقيله وعيتعامل بيها مع الحكومه في المشاريع اللى عتحتاج  المعدات دي فتنفيذها ، وآخر مشروع حكومي إتعاقد عليه هو حفر نفق مشاه تحت خط السكه الحديد في قرية الملايحه، ودي تبقي قرية شام وعيلتها . 


أما البيت من الداخل فكان مبنى بطريقة تقليديه علي طراز أغلب بيوت البلد في الوقت دا. 

، ولكن الاختلاف كان في مساحة البيت الكبيره، فهو يعتبر اكبر بيوت القريه والقري المجاوره كمان.. حيث أنه متقسم لغرف وكل غرفة بحمام صغير خاص بيها، وعدد الغرف في الدور العلوي كانت اكتر من الدور الارضي.. وتقريباً اوض الارضي نص أوض الدور العلوي؛ 

ودا لان باقي المساحه بتاعة الدور الأرضى كانت متاخده في الحوش الواسع اللي فنص البيت، ومطبخ اتبنى على حوالي ٢٠ متر مربع فى آخر البيت.. وكان المطبخ نصه مسقوف ونصه من غير سقف عشان يصرف دخان الكوانين المبنيه فيه.. واللي عيتم عليها طبخ الوكل. 

أما نص المطبخ التاني فكان فيه براميل بلاستيك وحديد بمختلف الاحجام ودا عشان يتشال فيها كل خزين الموطبخ من دقيق وعيش وتوابل وبقوليات؛  للحفاظ علي الخزين من التلف و الفيران والحشرات. 

وكمان جار البراميل كان فيه نمليه خشب كبيره ببيبان طوليه متقسمه لأدراج وواخده تقسيمة دولاب الهدوم تقريباً.. ودي كانت مهمتها حفظ العيش المخبوز والوكل المطبوخ اللي ممكن يتعرض للسم من التعابين والحشرات السامه اللي كانوا دايماً يلاقوا منهم في البيت وفي المطبخ تحديداً، ودا بسبب الجنينه اللي حوالين البيت واللي من الطبيعي انها تكون مسكن لجميع انواع الحشرات. 


وكانت تقسيمة الدور الارضي كالتالى :

غرفتين واسعين غرفه من داخل غرفه وليهم حمامهم الخاص ودول كانوا استثناء دوناً عن الغرف كلها لانهم مخدع الجد كارم والجده عديله أبو وام توفيق..وكمان الاوضتين دول يعتبروا هما الملجأ والملاذ الآمن المفتوح دايماً لكل افراد العيله، الصغير قبل الكبير وطول الوكت وكمان ديوان لفض المنازعات والمشاكل الصغيره بين الاخوات والسلايف وولاد العم كبيراً وصغيراً. 


أما باقي غرف البيت والدور العلوي بالذات  فساكن فأوضتين منهم كانوا قبال بعض توفيق ومرته وأخوه نعيم ومرته. 

وباقي الاوض كان فيهم صفوت واد توفيق الكبير ومرته ورده بت عمه نعيم وولادهم التنين، وسَلام واد نعيم البكري ومرته نعمه بت عمه توفيق وولدهم الصغير اللي لساه مولود جديد، وبدور بت نعيم بت البنوت كانت قاعده معاهم فأوضه فنفس الدور، ..وكمان معروف واد نعيم ومرته فكريه بت عمه توفيق ودي كانت حامل لانهم متجوزين بقالهم يادوب كام شهر. 


أما عزت وكرار ولاد توفيق العُذاب كانوا ساكنين في الدور الارضي، 


وكان البيت أشبه بقبيله صغيره من الاولاد الصغار والكبار وقائد القبيله دي وراعيها هو توفيق؛ بما ان هو اللي عيصرف من شغله علي البيت كله باللي فيه.. وكلمته مسموعه وتمشي عالكبير قبل الصغير حريم ورجاله، اما اخوه نعيم فكان شغلته الدعبسه عالمناقصات بتاعة الحكومه والشمشمه علي المشاريع الكبيره اللي ينفع توفيق اخوه يدخل فيها فمعداته وتحصيل دفعات فلوس المشاريع من الحكومه وتقبيض العمال. 


وفيوم كيف باقي الأيام الجد كارم ومرته عديله قاعدين كيف عادتهم عالدكه فوش باب البيت المفتوح عالجنينه يتسامروا، ودخل عليهم توفيق من البوابه بخطواته الغاضبه وملامحه اللي متبشرش بالخير ووصل لغاية الدكه اللي قاعدين عليها أبوه وأمه وقعد جارهم، بعد مارمى عليهم السلام وسألهم علي صحتهم، 

وبعدها بص لمرته حوريه اللي كانت واقفه علي باب الموطبخ عتبصله بخوف وبعيون ماليها الغضب سألها:

ولدك المجلع فين ياحوريه؟ 

اتلجلجت حوريه وهي عترد عليه لانها متوكده إن كرار عمل مصيبه جديده من شكل أبوه وعصبيته:

- مما ممعرفاشي ياتوفيق، ماانت خابر إنه معيقوليش رايح وين ولا جاى منين ولا حد عيعرف موطرحه. 


توفيق خد نفس جامد ونفخه وهو عيدب عكازته في الارض كذا مره ورا بعض؛ وحركته داي معناها إنه عينذر بقدوم عاصفه هوجاء من غضب عارم وطبعاً الكل عارف مين سببه.

فبصت حوريه لحماتها عديله والتنين بلعوا ريقهم بخوف ومحدش كانت حداه الجراءه يسأل توفيق فيه أيه ولا ينطق فاللحظه داي غير أبوه كارم اللي قاله:

روق ياتوفيق وكل نايبه عتبتدي كبيره وتصغر.. وقول ايه النايبه اللي هببها كرار النوبادي. 

رد عليه ولده توفيق بصوت عالي ونبره عتوصف كمية القهر اللي جواه:

وآني هفضل اتحمل نوايب المكفي ديه لحدت ميته يابوي.. آني خلاص تعبت وفاض بيا.. يعني اني ربيت راجلين جوزت منهم واحد والتاني طوع يميني وماشي فى ضلى، وبتين كبرتهم وجوزتهم محسيتش بيهم،وياجي الزفت ديه علي آخر الزمن يمرمطني ويجريني وراه كيف المجذوب ارَقِع واداوى فاللي يخربه مع الناس.. الهي ربنا ياخده البعيد ويريحني منه ومن قرفه. 

واهنه صرخت الام والجده سوا:

بعد الشر.. الشر بره وبعيد.. وكملت حوريه بزعل واضح.. واااه ياتوفيق.. عتدعي علي ولدك بالموت؟ حرام عليك ديه لحمك ودمك ولساه صغير ميفهمش وكل اللي عيعمله ديه طيش شباب وهيكبر ويعقل.. ديه كل عمره ٢٠ سنه ولساه مشافش من الدنيا حاجه. 

توفيق: ماهو ديه اكبر سبب لدعايا عليه.. عشان من وهو عيل صغير وكل يوم يجيبلي نصيبه شكل بس يطلع الشارع.. كيف الفروج معيطلع من عشته نضيف ويعاودلها بالوسخ على رجليه،

وياريته بعد مايعمل المشكله ولا يبدأ العركه عيواجه ويعلم على اللى قباله.. الا عيتخبي كيف الفار ويخلي أبو دراع هو اللي يتصدي لمشاكله ويدافع عنه ويرفع عنيه الأذى وياخده بداله.

عقولك ايه ياحوريه غوري من قبالي وقفلي علي سيرة ولدك الني ديه وقندليلي فنجان قهوة اتسممه، حاكم راسي بقت كيف الطبل من كتر الغيظ وحاسس مخى نَمل من عمايل ولدك..غوري.

اتحركت حوريه من قباله قوام ومن غير نص كلمه وجريت علي الموطبخ عشان تنفذ الامر اللي لو إتأخرت في تنفيذه هي خابره زين إن كل غضب توفيق جوزها من ولده كرار هينصب عليها هي. 


فضل توفيق ينفخ بغيظ وغلب وأمه وأبوه يهدوا فيه.. لغاية مابص للبوابه اللي إتفتحت ودخل منها أتنين ولده كرار.. والتاني ("قطب " الشهير بأبو دراع.. شاب طويل طول ملفت قوى البنيه مفتول العضلات بشرته قمحيه ملامحه حادة عنده ٢٥ سنه ودا يكون واد أجيره وصاحبه مخلوف) واللي ساكن هو وابوه فبيت صغير مبني على اول الجنينه بتاعه البيت ورا بوابة السور طوالي، 

وهو وأبوه المسئولين عن رعاية الارض والجنينه اللي حوالين البيت  وقطف محصولها وبيعه وتسليم تمنه لتوفيق.

أما أمه فاتوفت من كام سنه ومن بعدها أبوه مخلوف رفض الجواز وفضل عايش مع ولده ابو دراع لحالهم..

ونظراً لإخلاص مخلوف  وطيب اخلاقه وأمانته توفيق كان مآمنه علي كل حاجه أرضه ومحصوله وحراسة معداته.. وحتي علي أهل بيته في غيابه هو واخوه وعيالهم طول النهار بره البيت فأشغالهم. 


كرار اول ماوعي أبوه قاعد والغضب متجلى علي ملامحه اتأكد ان أبوه عرف بعركته مع واد العمدة.. وقف موطرحه وبصله بخوف، وبص لابو دراع وبلع ريقه وهو عيترجاه بعنيه إنه ميهملهوش.. وكيف كل مره ابو دراع طمنه بحركه من عنيه إنه مهيخليش حد يأذيه.. ومسكه من دراعه واتقدم بيه علي جوه ووقفوا قبال توفيق، ورمي أبو دراع السلام ع الكل وبص لتوفيق وخصه بالكلام:

شوف ياعم الحج عشان الظاهر إنك دريت بالعركه.. كرار مغلطش وواد العمده هو اللي بدا الغلط والمجاكره.. وإحنا رجال واللي يغلط فينا منهملهوش من غير مانعرفوه غلطه حتي لو كان مين وواد مين. 

بصله توفيق وبص ليده اللي لساه دم واد العمده عليها مغسلهوش وقاله :

ياابو دراع قولتلك الف مره متتدخلهوش فمشاكل وتطيح فمخاليق ربنا عشانه.. ديه واد لئيم واللي عياجي فوشك يغلط فيه مره من غير سبب.. آني متوكد إن الزفت ديه عيكون غلطان فيه الف مره وهما لحالهم، ومخلي روحه واصله لطرف مناخيره، فياجي الشقي يبظم بكلمه علي كرار من غيظه ولا يحاول يرد كرامته ويبقي رمي روحه في الهلاك معاك. 

قولتلك الف مره آني وابوك واهل البلد والدنيا كلها.. متخليش دراعك سلاح للظالم لكن إنت مفيش فايده فيك.. متعافي بقوتك علي الناس ومخلي البجم ديه طايح في الخلايق علي حس دراعك، وكل يوم عداواته مع الناس عتكتر لما مبقاش حد طايقه.. ولا طايقك إنت كمان. 


رد عليه أبو دراع وهو عيرفع قبضة ايده وعيبص للدم اللي عالق فيها:

واني قولتها قبل سابق ليك ولابوي ولاهل البلد وللدنيا بحالها.. إني مههملش اخوي يتهان ولا حد يمس طرف توبه طول ماني عايش وعتنفس هوا ربنا.. آني وكرار خاوينا بعض بالدم، وعاهدنا بعض علي الاخلاص ونصرة بعض على الدنيا كلها. 


رد عليها توفيق بغضب:

يعنى هتفضل طول عمرك تنصرة في الظلم وتسانده حتي في الباطل يابو دراع.. يعني مفيش فايدة لاي حديت معاك؟

ياولدي إنت مش عتفيده إكده بالعكس إنت عتضره وتضر حالك معاه.. وآني بصراحه مبقتش ملاحق علي مشاكلكم.. ولازمن تكون للزفت ديه وقفه. 


وفي اللحظه دي رد عليه عزت ولده الوسطاني اللي كان واقف على باب أوضته وسامع حديت ابوه:

وهو ديه اللي عقولهولك من زمان يابوي.. كرار فاع قوي وديه عشان قاعد فاضي لا شغله ولا مشغله وربايته في الشغل .


فرد عليه ابوه توفيق مأيد: الظاهر ان كلامك هو عين العقل ياعزت..كرار صوح مش متربي وحان وكت الربايه ولو ربايته في الشغل يبقي آن أوانه خلاص.. وعليا الطلاق من امه بالتلاته لو مانزل كرار الشغل من بكره لاكون راميه هو وامه اللي فسدته داي في الشارع، واخليهم يستجدوا اللقمه كيف كلاب السكك، ويبقي يخلي الجلع وقلة الحيا ينفعوه وينفعوها.. بقي آني ولدي يبص لعرض الناس ياناس.. آني أقف بسواد الوش قبال العمده واطاطي راسي اللي عمري ماطاطيتها قدام حد واني عاخد حديت فجنابي كيف عيل صغير عامل عمله! 

أني العمدة يقولي أنت حابس عرضك وطالق كلابك علي عرض غيرك! 

اني يتقال عليا اني مربي كلاب.. عارف لما حد يقول لحد أن ولده كلب معناها ايه ..معناها ان الكلب معيخلفهوش غير كلب ياعويل.. افرح ياكرار انت وامك بدال ماترفع راس ابوك بأدبك واخلاقك وربايتك خليته كلب وسط الخلايق. 


خلص كلامه وضرب الارض بعكازه وقام واتحرك على بره ومردش على أسف كرار ولا توسلاته ليه بانه يسامحه. 

طلع وسابله البيت كله عشان مش طايق يبص فوشه ولا يشوف خلقته..ونبه علي عزت بس أمه تخلص عمايل القهوة يجيبهاله على الجنينه حدا بيت مخلوف. 


وبمجرد ماتوفيق طلع من البيت كرار هجم على عزت ومسكه من خلجاته  وهمسله وهو صاكك على اسنانه بغضب:


اظن الفرحه مش سايعاك فاللحظه دي ياعزت. يارب تكون مبسوط دلوك ونفسيتك مرتاحه! 

رد عليه عزت بإبتسامة انتصار ونظرة زهو: 

مبسوط ومرتاااااح فوق ماتتصور.. يلا عاد ياخي بكفياك جلع واتفطم من باط امك وانزل اشتغل وأشقي كيف الرجال اللي أنت محسوب عليهم.

خلص جملته ونفض ادين كرار من خلجاته واتحرك من قدامه قوام ودخل الموطبخ ورا أمه بحجة فنجان القهوة اللي هياخده لأبوه؛ عشان عارف أن كرار فاللحظه دي عامل كيف بركان غضب عيفور وهيحرق أي حد قدامه..

وانه النوبادي وبعد حلفان ابوه مش هيقدر يتملص من نزوله للشغل كيف كل مره، وأنه قُضى الأمر وخلاص. وكمان هرب من نظرات ابو دراع ليه اللي هتحرقه وهو واقف فموطرحه من زعله علي كرار. 


أما كرار فأتحرك قوام على أوضته فتح الباب بعنف وقفله بعنف أكبر.. وقعد على سريره يتأفف من عمايل اخوه عزت ومن حكم أبوه اللي صدر النوبادي بأثر غير رجعي. 

أما أبو دراع فساب البيت وطلع يتحدت مع عمه توفيق شويه ويحاول يمتص غضبه من ناحية كرار ويقنعه أن كرار مغلطش النوبادي، وأن كل اللي حوصول مع واد العمده مجرد سوء تفاهم وسوء فهم مش أكتر.

راحله وهو حاسس أن مهمته النوبادي فإقناعه صعبه ومش هتجدي بأي نفع؛ وخصوصاً وهو رايح يقنعه بحاجه هو نفسه مش مقتنع بيها وعارف إنها كدب.. لكنه شايف أن دا حق الصاحب على صاحبه، وهو سيد من يعرف اصول الصداقه وسيد من يوفى حقوقها. 


وبينما كرار كان فأوضته نايم علي سريره وحاطط اديه تحت راسه وباصص للسقف وحاسس بظلم بين وقع عليه النهاردة بحلفان ابوه عليه النوبادي عشان ينزله الشغل غصب وحاطط كل الذنب عند عزت اخوه. 

باب الأوضه اتفتح بشويش ودخلت عليه أمه حوريه بخطوات بطيئه، وبمجرد ماوقفت قدامه همستله بمحبه:

كرار ياولدى.. أني خابره انك محروق من كلام ابوك وواخد على خاطرك منيه.. بس ياولدي اوعاك النوبادي تقف فوشه ولا تعارضه عشان متخسرهوش وتخسر محبته ليك للأبد.. خده علي كد عقله وانزل الشغل وشويه واتحجج بأي حجه وسيب الشغل وقوله هشتغل في الارض، وان شغل الحفر مش جاى على هواك..أبوك حلف النوبادي وانت عارف انه طول ماحلف معيرجعش فحلفانه والحلفان بتاع ابوك لا عمره عيكون لغو ولا عتكونله رجعه فيه ولا يصومله كفارة.. خلاص ياولدي النوبادي الأمر نفذ ولا اني ولا انت ولا أي حد فيده تبديله..

وبالله عليك ماتزعل روحك ياحبيبي ولا تنقهر معتحملش اشوفك في الحاله داي ياقلب امك.

زفر كرار بقلة حيله وهز دماغه لامه بالموافقه وشال يده من تحت راسه وفرك وشه بيها وهو عيحاول يتخلص من شعوره بالضيق وهمسلها بتعب:

حضريلي الوكل طيب على مااقوم اتحمم واعملي حساب ابو دراع هياكل معاى.. وهاتيلي بستلة ميه حاميه علي الحمام أو خلي وحده من خواتي البنات توديها علي مااطلعلي غيار نضيف غير ديه. 


ردت عليه حورية: آني اللي هجيبلك الميه خواتك البنات مفاضيينش كفايه عليهم خدمة رجالتهم.

كرار: طيب يلا عشان الحق ابو دراع قبل مايتغدي مع ابوه نواشف. 

برطمت حوريه بغضب:

- يادي ابو دراع وسيرته.

قاطعها كرار بعصبيه: أمااااه.. الا ابو دراع.. قولتلك الف مره اياكي تبينيله او تبينيلي انك مقابلاهوش؛ انتي خابره آني عحبه كد ايه، وخابره زين ان اللي عحبه معتحملش عليه الهوا.. متخلينيش ازعل منك يمه.. كله الا حبايب كرار يام كرار.. يلا روحي اعملي اللي قولتلك عليه وخلي وحده من بناتك تجيبلي شوية ميه اتندح بيهم. 


كظمت حورية غيظها وهملت الأوضه وطلعت منها وهي عتبرطم فى سرها بكل عبارات السب والشتايم على أبو دراع وحتى أبوه مخلوف؛ لأن التنين دول دوناً عن غيرهم ليهم حدا جوزها وولدها منزله ومكانه ومحبه هي ذات نفسها متملكش زيهم، ولا حتي نصهم فى قلب جوزها وولدها..

فالأب مخلوف مستولي علي عقل وقلب جوزها.. وولده ماشي على نفس نهجه وواكل بعقل وقلب ولدها كرار حلاوة ومعيمشيش خطوه وحده من غير مايكون معاه ورجلهم علي رجل بعض، 

وراميه ذنب سوء اخلاق كرار كله على ابو دراع، وان هو اكبر سبب في فساد اخلاق ولدها.. 

منين جابت الافتراض دا واستندت فيه على أيه متعرفش ولا حد يعرف.. بس هو دا اللي طول الوكت فدماغها ومقتنعه بيه تمام الاقتناع. 

راحت على الموطبخ ودورت علي كانون لساه جمره موهوج وحطت عليه الوكل عشان تسخنه لكرار. 

وغرفت من آذان الميه الفاير وملت بستلة (اناء المونيوم خاص بحفظ المياة) وودتها لكرار علي الحمام اللي فأوضته. 


أما كرار فدخل واتحمم قوام قوام  وطلع ينادي ابو دراع عشان يتغدى معاه، 

وبمجرد ماطلع من بوابة البيت واتلفت حواليه شاف ابو دراع متشعلق فوق برميل وعيقلم فشجرة مانجه من الشجر اللي زارعه بيده من سنتين. 

نادى عليه بعلوا حسه وقاله:

ابو دراع.. امي زمانها حضرت الوكل لو عايز تاكل انزل وتعالا قوام عشان اني مهستناكش. 

خلص كلامه ولف يعاود للبيت وقبل مارجله تخطي عتبة البيت ابو دراع كان سابقه وداخل قبل منيه. 

ضحك كرار وهو واعي لهفة ابو دراع عالوكل الباينه فسرعة خطاوى رجليه، ودخل وراه وراحوا على اوضة كرار وقعدوا يستنوا الوكل. 

وفي الوكت دا دخل ابو دراع حمام اوضة كرار واتشطف فيه بباقي الميه السخنه اللي فاضله منيه في البستله من تراب الشجر وغسل اديه استعداداً للوكل.

وشويه ودخلت ام كرار شايله صينيه عليها كل الاصناف اللي عيحبها ولدها الغالي، وحطتها علي الطربيزه وطلعت بعد مابصت لابو دراع بنظرة كره هو عارفها زين ومتعود عليها، ومعيعملهاش اي قيمه. 

وهو أول واحد بدأ بالأكل ومد يده عاللي في الصينيه قبل كرار ولدها وخد احسن واعفى حمامه كمان..كنه عيعاندها ويغيظها ويزود كرهها ليه.

طلعت حوريه وهي عتبرطم وتشتم فابو دراع وتتمني لو إنه يختفي من حياة ولدها.. متأكدة ان كل الامور وكتها هتكون تمام. 


اما كرار وابو دراع اثناء اندماجهم في الوكل.. مره وحده ابو دراع رفع راسه لما لمح طيفها معدي من قدام باب الأوضه، واللي كنه طاقه واتفتحتله على الجنه. 

اتوقفت كل حواسه واتسمرت عيونه عليها وهي معديه قباله ولمعت عيونه بنظرة تمني وهو واعي بدر البدور معدية من قدام باب الأوضه.. أهم واكبر أمنياته، ومحور دعواته، اللي لو إتحققت فلتذهب بعدها كل الامنيات للجحيم، فلا الحوجه للاماني من بعدها. 


أما كرار فرفع وشه لما لاحظ ان ابو دراع اتوقف عن الوكل. ولما شافه باصص فين زفر بديقه وقاله بنهرة :


متحكي مع عمي ياابو دراع وتريح قلبك وعنيك اللي راحو من كتر المراقبه من بعيد لبعيد دول.. وبعدين أني ممتحملكش تبص لعرضي ياخي! ومهما كان قربنا من بعض أني عشوفها تقيله إنك تاكل بت عمي بعنيك إكده قدامي..والله لولا ماانك صاحبي واخوي كنت شبعتك كتل كل مااشوفك تتطلعلها. 

ابتسم ابو دراع ورد عليه بتهكم: شوفوا مين اللي عيتحدت عاد.. ومادام عارفها عتوجع وتحرق قوي إكده هتستحلها ليه لنفسك وتاكل بنات الناس بعيونك ليه ودايما موقع روحك في المشاكل ومركب نفسك الغلط؟! 

عالأقل أني غرضي شريف وعيني مش نكسه ولا قصدي بعرضك حاجه عفشه ياسي كرار. 


رد عليه كرار قوام:

وهو ديه اللي مصبرني ومسكتني عليك لحد دلوك.. بس برضك لازمن تحط للوضع ديه حد وتشوفله آخر، وتخلي ابوك يخطبلك بدور من عمي وتتجوزها وتريح عنيك اللي بظوا من موطرحهم من كتر البصبصه طول السنين الفاتت.. وكمان عشان تريحني آني ياخي. 

غمض ابو دراع عيونه وزفر بقلة حيله ومردش على كرار لكنه همس لنفسه:

الامر مش بالسهوله اللي انت مفكرها دي ياكرار..عمك ولا عياله عمرهم معيشوفوني ولا يشوفوا ابوي بعينك وعين ابوك ياكرار 

والظاهر ان بدور هتفضل حسره فقلبي وعيوني لآخر العمر، وأمنيه مستحيل تتحقق مهما طالت سنين التمني.


وكمل وكله قوام قوام وطلع من البيت وهو عيصارع روحه المتلهفه لشى عارف زين أنها مهتطولهوش، وخصوصي بعد تلميحات سلام اخو بدور ليه قبل سابق كذا مره فكذا مناسبه إنه مش كد المقام.. وغير إكده نعيم ابوه وابو بدور اللي مش شايفه ولا عيعامله غير على اساس إنه أجير فأرضهم وكلاف لبهايمهم وبواب علي بيتهم لا أكتر ولا أقل. 

ومن سنين وابو دراع عيحاول فكل يوم أنه يقنع قلبه يقطع حبال الود، لكن القلب فأمور المحبه اكبر عاصي وأشد عنيد.


عاود أبو دراع تاني للي كان عيعمله وعاود لقص فروع أشجار المانجه، اللي السنادي فرحته متتوصفش بيهم وهو شايف الشجر بانت عليه بشاير الخير، وطرحه اصبح وشيك وأبو دراع متأمل ان السنادي تظهر شماريخ طرحه.

أما كرار فأتمدد شويه ففرشته وحاول ينام، لكن صورة بت العمده اللي شافها النهارده بالصدفه وجمالها اللي زلزل كيانه مرضياش تروح من قبال عنيه.. واللي اخوها متحملش بصاته ليها وهي معديه بالكارته هي وامها، ومسك فيه، ولولا وجود ابو دراع معاه وحاشه عنه  كان زمانه مسففه التراب. 


قام كرار من فرشته علي صوت أخوه عزت وهو عيتجادل مع أمه وفتح الباب وطلع وسمعه بوضوح وهو عيقولها:

أيوه يمه ارتحت، والمفروض انتي كمان تكوني مرتاحه زيي.. أصل بصراحه أني واخواتي مش هنقعدوا طول عمرنا نشقوا، وولدك كرار نايم في البيت كيف الحريم، ويتصرف عليه من شقانا وتعبنا.. مش احنا نقعدوا فعز الصهج وطهابيج الحر والسموم راكبين الحديد المولع من حرارة الشمس وجسمنا يكب في العرق كب وروحنا تبقي رهقانه رهق.. ولا فعز الشتا يلفح فينا الهوا وادينا ورجلينا تكون متلجه ومقادرينش نتحكموا فأطرافها وهو نايم جارك اهنه في الضل والدفى، ووقت مايعوز ايوتها حاجه لو لبن العصفور يحضرله فالتوا واللحظه وبدون تعب ولا جهد ومتتقابلش طلباته غير بالسمع والطاعه.


عزت:كان عيتكلم بعصبيه لدرجة أن حسه كان عالي وفيه هجوم واضح على امه وعيتكلم بحرقه طالعه من نص قلبه، وكرار شاف منظره وهجم عليه ومسكه من خلجاته وبعيون حمره كيف عيون الغول قاله :

بص ياعزت..اسامحك واعديلك  فأي حاجه تخصني أو تخص اي حاجه في الدنيا.. الا انك تعلي حسك على أمي وتهينها وتتعدى عليها حتي بنبرة الصوط. 


أنت كيف تتجرأ وتزعق فيها بالشكل ديه.. إنت اتجنيت أياك.. وبعدين داري الكراهي بتاعتك هبابه ياخي مش اكده.. اصل المجاهره بالغل عيبه فحقك ياكبير ياعاقل.. وخلاص ريح هبابه وهدي نفسك.. اللي عتتردح عليه من زمان اهو حوصول، واديك وصلت لمبتغاك وابوي حلف عليا انزل الشغل معاك، يارب تكون مبسوط دلوك ونفسيتك مرتاحه.

عزت  : اول هام أسمها أُمنا.. ماهي مش امك لحالك هي، وانا يحقلي اكلمها كيف مابدي، ومش من حقك تعترض علي طريقتي معاها.. ديه بالنسبه لأول هام.. أما ثاني هام عاد.. سكت لثواني وإتطلع لوش كرار المحقون بالغضب وهمسله بإبتسامة تشفى:

أيوه ياكرار ياواد امك أني مبسوط ومرتاح فوق ماتتصور إنك نازل الشغل. يلا عاد بكفياك جلع واتفطم من باط امك وانزل اشتغل وأشقي كيف الرجال اللي أنت محسوب عليهم..يكفاك مياصه لحد اهنه.. داني واني فسنك كنت أشطر حفار فعمال ابوك.. وأنت لحد دلوك. معتعرفش تشغل المعده حتي ولا تحرك سطلها ياعويل. 

خلص حديته ونفض ادين كرار من فوق هدومه وغادر وهمل كرار بناره القايده واتمني أن النار تفضل تاكل في كِبره وعنجهيته وجلعه لما تقضي عليهم خالص، وينزل من سماه العاليه علي الارض واللي يسير عليهم كلهم من شغل وتعب ومرمطه  يسير علي دلوعة امه. ....


أما حوريه فابعد ماعزت مشي مدت يدها تمسد علي دراع كرار بحنيه وهو مسك يدها وقربها من خشمه وحبها وهو عيهمسلها:

كله الاكي ياغاليه.. أنتي اهم وحده عندي في الدنيا. 

وديه لأنه خابر زين ان امه هي جبهته القويه اللي عيتدارى وراها من هجوم الكل عليه وعيستقوى بيها على كل اللي فى البيت، ولولاها يضيع وسطهم ويتداس تحت الرجلين وميبقالهوش أي قيمه وسطهم .

           الفصل الثالث من هنا

لقراءة باقي الفصول اصغط هنا 

 لقراءة الجزء الثاني اصغط هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-