رواية تزوجت مـدمـنا الفصل السابع والعشرون 27 بقلم نوران شعبان

  


رواية تزوجت مـدمـنا

الفصل السابع والعشرون 27

بقلم نوران شعبان


بدأت بفتح عينيها تدريجيا، لتتصادم بوجه كريم المبتسم بهدوء .. 

فغرت ثغرها مصدومة،، و الشهقة بصوت مبحوح .. 

عندما رأته أمامها فعلا في الغرفة، دون شعر رأس نهائيا .! " اصلع تماما " .. 

" ك..ككريم ،!!! " 

-: اششش،، مش عايز ولا كلمة .! ارتاحي .! 

هكذا همس بكلماته، بمنتهى الهدوء و النعومة .. 

و لازالت حياه تحت تأثير الصدمة،، 

أكمل بابتسامة صغيرة تحمل في طياتها الألم و الحزن 

-: لاقيتك مش عايزاني أشاركك همومك ووجعك،، بس مقدرتش أقف ساكت اتفرج عليكي و حالتك بتسوء يوم عن التاني. ! 

-: إنت ازاي..؟ ازاي جيت هنا.؟! انت عرفت اني تعبانة ازاي اكيد دكتور شريف قالك. ! 

هتفت بها حياه دون تصديق، و قد خرج صوتها متحشرجا مبحوح .. 

عاتبها كريم و ملامحه تزداد خشونة شئ ف شئ 

-: انا مش محتاج حد يقولي،، انت قبل ما تتعبي انا بحس بضعف تعبك. ! 

و لما بتتألمي انا بتألم ألف مرة من جوايا ..! 

مش هعاتبك ولا الومك انك أنانية، أنانية أيوة .. كون إنك انفردتي بتعبك لوحدك دي أنانية .! 

انا لما كنت تعبان مكنش جنبي غيرك ! كنت عكازي الي بتنسد عليه، كنت الدوا الي بخده علشان يشفيني.! 

ورغم كدة محبتنيش اردلك جزء صغير من الي عملتيه معايا.؟؟!! 

حاولت حياه الحديث و لكن قاطعها بنظرة واحدة .. 

أردف بصوت عاد للحنية و الهدوء، و ملامحه باتت راسخة كما سابقا 

-: مش عايزك تتكلمي، مش عايزك تدافعي عن نفسك .. 

انا جنبك.! هكونلك الهوا الي بتتنفسيه زي ما كنت ليا الكون بحاله.! 

و أوعدك مش هسيبك ابدا..! 

ابدا يا .. يا وحوي .! 

أردف بصوت عاد للحنية و الهدوء، و ملامحه باتت راسخة كما سابقا 

-: مش عايزك تتكلمي، مش عايزك تدافعي عن نفسك .. 

انا جنبك.! هكونلك الهوا الي بتتنفسيه زي ما كنتِ ليا الكون بحاله.! 

و أوعدك مش هسيبك ابدا..! 

ابدا يا .. يا وحوي .! 

لم تجد حياه درباً للفرار منه و من كلماته التي تصدح بداخلها مراراً .. 

أشاحت بوجهها للجهة الأخرى و هى تجاهد لتمنع دموعها من السقوط .. 

خانتها عبراتها و تدحرجت على وجنتيها الشبه خالية من الدماء،،

رفع وجهها له ليفغر شفاه مصدوماً وهو يرى انسياب الدموع من مقلتيها السودوين .. 

" للدرجة دي وجودي هنا ضايقك.؟! " 

اومأت مسرعة بالنفى، و عبراتها تتصارع واحدة تلو الأخرى بالسقوط.. 

تحدثت وسط شهقات بكائها 

-: انا مش زعلانة علشان جيت،، انا بس كن.. مكنتش عايزاك تشوفني و انا كدة.! 

يتألم بداخله ما يكفي لإنهيار أمة، لن يستطع كبح مشاعره و آلامه لمدة طويلة.. فإذ هى تتألم قيراط يصله الألم فدان .. 

خرج صوته مبحوح، و حمداً لله أنه خرج من الأصل .. 

-: و إيه يعني.؟! انا كمان كدة .! 

قال جملته الأخيرة وهو يشاور بسبابته لفروة رأسه،، التي لم يبقى فيها شعرة واحدة حتى .. أصبح اصلع تماما .. 

أردف مستائل " ممكن تسيبيني بسببه.؟! " 

عصرت جفونها لتسيل دموعها اكثر، 

فتحتهما بعد ثوان لتهمس بحسرة 

-: ليه .. ليه عملت كدة.؟! 

إقترب كريم منها كثيرا متعدي المسافة الأولى ،، أصبح لا يرى شيئا سوى القمرين بعينها .. 

رغم مرضها و شحوب وجہها و بشرتها، رغم جفاف ثغرها ووقوع شعرها .. 

ألا ان عيناها مازالتا جميلتين مبهجتين .. 

-: ردي علیّ، ممکن تسیبینی عشان کدۃ ؟ 

تنهدت حياه بعمق، تبعتها تمسح دموعها بكف يدها .. 

هتفت بعدها بهدوء 

-: لأ .. 

قبض كريم على كفها بحنية ورقة،، ليهتف بعتاب 

-: طيب ليه افتكرتي اني ممكن اسيبك عشان كدة.؟! 

سارعت حياه للدفاع عن نفسها و تبرير سبب اخفائها خبر مرضها عليه .. 

-: انا مخبتش عليك الموضوع عشان خايفة تسيبني.! انا عارفة انك بتحبني .. و انك مش هتسيبني مهما حصل .. 

رد عليها بابتسامة حب، تلاشت بهدوء ليتسائل 

-: امال ليه خبيتي علیّ الموضوع .؟! 

-: معرفش،، مكنتش عايزة حد يعرف بده ابدا .. كنت عايزة أخوض المرحلة دي لوحدي .. 

كانت تتحدث شاردة أمامها، فاقت من شرودها و قد تذكرت شئ 

-: صحيح.!! عرفت ازاي اني هنا.؟! 

إبتسم ثانية مجيب 

-: قولتلك ان قبل ما تحسي بذرة تعب انا بحس بضِعف تعبك .! من الاول و انا عارف و ساكت، مستني تيجي منك أحسن.! 

بس انت غبية،، بدل ما تيجي تقوليلي قررتي متتعالجيش اصلا .! 

و طبعا عشان حضرتك شايفة ان ده من سلامتي انا.! ياستي كان ربنا يخدني احسن من انك تعملي كدة في نفسك. ! 

 

تأففت حياه بضيق و لامته بعتاب


-: اوف بس متقولش كدة بقى يا كريم.! 

انا آسفة،، عارفة إني غلطت بس انا اتعب لوحدي أرحم 100 مرة من انك تتعب معايا .! انا عارفة ان الموضوع مش سهل عليك ابدا، خصوصا ان والدتك اتوفت بنفس المرض ده عشان كدة خبيت عليك .. 

صمتت لثوان تتأمل تغيير ملامحه للخوف و الحزن معا رغم محاولاته لاخفائها، لمست وجنته بسبابتها برقة لتردف بحنان 

-: بس انا كان عندي ثقة كبيرة اني هعدي المرحلة دي و ارجعلك احسن من الأول .! طول الوقت و انا واثقة ان ربنا هيختارلي الأحسن يا كريم ..!! 

التوي كريم برأسه ليقبل كفها بحب و شهوة، يطبع عدد لا نهائي من القبلات الحنونة .. فشل في السيطرة على مشاعره ليهب راميا بدنه العملاق داخل اعناقها الضئيلة لكن العميقة .. 

يستنشق عبيرها الذي صار اوكسجينه، 

يرتشف من قطرات احتوائها ، و خمر حبها يلهُبه عشقاً مسطولاً .! 

احتوته ببدنها الذي تناقص الضِعف بعد مرضها، تربت على رأسه الاصلع بكفها المرتعش .. 

و هل من حديث يصف مشاعرهما في ذاك الوقت.؟! 

التزما الصمت تماما، لإن الصمت في حرم الحب حب. ! 

~~~~ 

الوقت يمر ،، 

يلاحقه تدهور حالة حياه أكثر فأكثر .. 

أصبح وزنها ک" الريشة " ، خفيفة تلقي بها الرياح يمينا و يسارا .. 

لولا وجود " الجاذبية الأرضية " لسطعت الريشة في الأفق البعيد مجهولة المصير .. 

هكذا إذا .! 

تتمثل " الجاذبية الأرضية " في " كريم الراجي" الذي بات ک" ظل " حياه تماماً .. 

يلازمها أينما كانت و أينما وُجدت،، 

يبث داخلها روح الطمأنينة .. و بالطبع كلما وجد الظل فهذا دليل على وجود شمس ساطعة تشرق دوماً بنورها الوهّاج، تفرق على البشر حرارتها الناعمة الدفيئة لتنبههم صائحة 

" انا الشمس. ! خلقني الله و كلفني بإنارة الأرض دائماً،، كما جعلني بقدرته عزّ وجل قادرة على تدفئتها من وقت شروقي حتى وقت غروبي .. 

فهل من خلقني بتلك القدرة عاجز على ان يحقق امانٍ ضئيلة لبشر هيّأ لهم كل شئون حياتهم على أكمل وجه.؟! " 

~~~~ 

~~~~ 

ابتسامة نبعت من القلب لتتصنّم على ثغرها بخفة، و تحاول بأقصى جهد إخفاء تعابير الآلام الواغِز قلبها ..

 

أتأكت على جفنيها تعتصرهما بشدة لمنع دموع الامها من الهطول بغزارة كغزارة مطر نابع من سحابة شتوية سوداء تظِل مدينة بأكملها ..

اشاحت بوجهها بعيدا عن زاوية عينيه العسليتين اللتين يرمقاها بنظرات تحمل في طيّها كل المعاني و كثير من المشاعر ..


سمعت صوت المقعد الحديدي يزأر لاحتكاكه بأرضية المشفى السيراميكية، 

لتشعر بعدها بلفحة هواء دافئة تصطدم بلوح وجهها الثلجي .. 

و قبلة صادقة خفيفة ترسو على جبهتها البيضاء و قد غمرتها عروق دمائها البارزة .. 

" هروح اشوف حاجة و راجعلك، مش هتأخر " 

و كانت دقات حذائه اللامع على أرضية السيراميك آخر صوت يدخل آذانها، قبل ان تفر دموعها منسدلة على وجنتيها كمطر صيفي غزير آت بعد جفاف قاس .. 

~~~~ 

يسير بعنف بين المارة متخبطا و دافعا لأي شخص يجده اماما يعوقه عن استكمال وجهته .. 

عبر بوابة المشفى الرئيسية و بالكاد تحمله قدماه، و ترشده عيناه المنغمسة في طيار الدموع و الزغللة بصعوبة نحو سيارته المصفوفة في ركن ما .. 

ركبها فورا محتمياً بها كأنها بيت دافئ وسط مدينة ثلجية تغلفها البرودة من كل جانب .. 

أطلق لدموعه العنان، فانهمرت تبلّل شعر ذقنه الفوضوي و الطويل نسبيا .. 

في الأصل تبكي العينان شفقة.! شفقة على قهر القلب و قلة حيلته. ! 

يبكي بطفولة لم يعهدها من قبل، يشعر بالحسرة و الضياع .. نصفه الآخر ترقد في المشفى على الفراش الطبيّ و التحاليل و الأسلاك الطبية تأخذ مسارها لجسمها الضئيل المستكن كمَن لا حياه تدُب في اوصاله ! وهو ضعيف فاقد الحول و الطول، يشعر بآلامها المتخفي في قناع الإبتسامة التي تتظاهر بها دوماً ولا يستطع بقيام شئ .. 

حتى يخشى ضمها لاعناقه فتنكسر ضلوعها بين ذراعيه من شدة نحولها .! 

تمر جميع أحداثه معها منذ بداية رؤيته لها حتى اللحظة امام عينيه كشريط سينمائي .. 

خطر في فكره أيضا كيفية معرفته لمرضها، منذ ان لاحظ تصرفاتها الغير معهودة و قصة شعرها القصيرة رغم تعلقها الشديد بطوله .! 

منذ ان رآها تبكي و تنحُب على سچاد الصلاة و عرف ان المشكلة حجمها ليس بالهَين.! 

صحيح انه لم يعرف وقتها سبب بكائها، و لكنه أصر على جعل حياتها چنة، يغمرها بحبه و حنانه، و يستغل الفرصة ليحاول رد چميلها العظيم .! 

تربص لها و دسؐ اعينه الخفية في كل مكان حتى أتوا له بالخبر،، حياه مصابة بالسرطان .! 

كان الخبر كالطعنة، تمزق فؤاده و احشائه إرباً، و كأن الماضي يعود ليعكِر صفو مزاجه .. 

لكنه لم يستسلم، لم ييأس و لم يترك عقله للإدمان مرة أخرى .. بل اخفى حزنه و آلامه و ابتلع الخبر و كنّه تماماً .. 

و اكتفى بالمعاهدة امامه و أمام ربه السميع العليم بأن يبذل قصارى جهده فقط لإسعادها .! 

و بعد ذلك،، ذهب لدكتور " شريف " عندما علم انه على خبر بمرضها .. ووقتها علم رفض حياه للعلاج بسببه .. 

فأسرع في فتح العيادة الخاصة بها، لأنه كان يعلم جيدا انها مجرد قناع ستتظلل به و تهرب منه فيه، كما عاد لعمله سريعا حتى يترك لها المساحة و الحرية في اتخاذ قرارها رغم عدم اكتمال علاج قدمه .. 

و بالفعل،، بدأت حياه أولى مراحل .. 

كان يذهب دائما للمشفى وقت علاجها، يتخبى وراء الجدار حتى لا تراه .. 

كان يتمنى ان يكون جانبها طوال الوقت و لكن فضل ان يترك لها مساحة من الحرية .. 

حتى طفحَ الكيل، يرى آلامها يزداد يوماً بعد يوم .. فشل في كبح مشاعره ليظهر أمامها في المشفى و يخبرها من الآن فصاعداً لن يتركها ابداً .. ابداً .! 

افاقه من شروده دمعته الساقطة على ظاهر كفه .. 

نظر لكفه و شرد بعدها بعيداً .. 

و سؤال واحد تردد في خلده بصدى الصوت .. 

" ماذا لو تُوفَت حياه.؟؟! " 

شعر باختناق جليّ يلتف حول عنقه كقيود من حديد كبلت أنفاسه تماماّ .. 

شهق بأسى و أغلق جفونه بيأس مستندا برأسه على مقعد السيارة .. 

ظل هكذا لبضع دقائق تتلقفه المشاعر من كل اتجاه .. 

حتى رنّ في خلده ما أراح قلبه و زال همه، سمع صوت الآذان العذب يتخلل لمسامعه فيزيح أكوام الحزن المتراكمة .. 

صوت عذب يطرب حتى الأصم .. 

مسح على وجهه بتنهيدة عميقة كأنه يطرد من ذاكرته كل شئ يزعجه، و ترجل من السيارة فوراً وهو يتتبع صوت الآذان حتى وصل لمقصده .. وصل أمام باب المسجد، خلع نعليه ليدلف الي المسجد و يتوضأ و مع كل قطرة ماء تلمس بشرته يدعو الله أن يحفظ له حياه، و يديمها سالمة فرحة لا يمس الحزن فؤادها و لا يعرف المرض مسارا إليها .. 

انهى صلاته ليتذكر ان وضع حياه يزداد سوءا و ارتباكا، و ان هذا المؤشر ليس بصالحها تماما .. 

رفع كفاه آخذاً وضع الدعاء .. ليهمس سراً لكن بصدق و حرارة 

" يا صانع المعچزات، أرني قدرتك في تحقيق ما اتمنى .! "



تعليقات



<>