رواية خسوف القمر الفصل التاسع9 بقلم نداء علي


 رواية خسوف القمر الفصل التاسع9 بقلم نداء علي
ولم يستمع الى القلب عندما طلبت إليه نسيانك، رجوته أن يحاول لكنه انتحب رافضاً واخبرني بأن نسيانك نهاية لمعنى الحياة.
همس إلىَ انه لازال ينبض لأجلك وانك عائد لا محالة وانتظرتك حبيبي، وليتك لم تعد.
غادر عثمان بعدما واجهته نسمة بحقيقة يعلمها يقيناً ولكن قلبه العاشق لا يود الاعتراف بها وكيف يقر بأنه قد تخلى وابتعد! 
لو كان الأمر بيده ولو عادت به السنوات لما تركها، لقد جاهد نفسه مراراً كي يبقى في هجرته، لكن اشتياقه غلبه.

أتى اليها ولكن تلك السدود التي شيدتها أيادي الهجر تقف حائلاً بينهما. 

اقترب بحذر من باب غرفتها ودقه بتعب. 

أجابته هي بخفوت :

ما الذي تريده يا عثمان؟

ابتسم ساخراً من لفظها لاسمه بتلك الصورة التي تهلكه قائلاً:

دعينا نتحدث قليلاً

علياء : ألديك إهانات جديدة لم تذكرها قبل قليل .

اجابها بصدق : اعتذر إليك، هيا اخرجي اليَ، أود رؤيتك.

وقفت أمامه تناظره بحزن فتحدث بتردد :

أعلم ان اعتذاري لن يشفع لي، لكن عذري قد يشفع. 

علياء : حقاً، وما هو عذرك؟

٠

عثمان بحب : أغار يا علياء، أغار بجنوون منذ الابد والى الأبد، أغار من نفسي عليك فكيف لا أغار من سواي احترق بغيرتي ولا أحد يستشعر نيران قلبي سواي أنا.

اخفضت ناظريها، أزاحت خصلات شعرها الى الوراء فناظرها عثمان بتعجب فتحدثت بتوضيح قائلة:

هل ترى تلك الندبة يا عثمان؟

ادمعت عيناه فهو لم ير ذاك الجرح الغائر بوجهها من قبل

تساءل في ترقب:

 

ما هذا؟! 

أجابته بهدوء وكأنها تسترجع ما حدث قائلة:

تلك كانت هدية زواجي، صفعة تلقيتها ممن عقد قراني وصار زوجاً لي. 

تسارعت دقات قلبه وتبدلت ملامحه ولم يقدر علي استكمال حديثه فابتسمت بحزن 

لقد أخبرته زوجة والدي عقب عقد القران مباشرة أن القرط الذي ارتديه يعود إليك. 

أخبرته أننا تعاهدنا ألا اتخلى عن ذاك التذكار وانني باقية علي العهد، دلف اليَ واعتقدت أنذاك انه قد أتى لمباركة عقد قراننا فارتعدت خوفاً منه وحزناً عليه فقد كنت أرى بنفسي خائنة. 

عثمان بتعجب : خائنة له؟!

علياء : بالطبع، فقد تزوجته وروحي بين يديك انت، ارتبطت به وأنا لا أرى سواك ، وتلك خيانة.

اغمض عثمان عيناه محاولاً الصمود أمام اتهامها الصامت فتحدثت بصوت جريح قائلة:

وقفت امامه أحاول الابتسام بوجهه كي لا يستشعر نفوري منه فباغتني بصفعة لم ولن انساها ما حييت.

استكملت بجدية قاتلة:

لقد أطاح بي ولم ادر ما حدث، أصابني ارتجاج وبقيت في المشفى أيام، أيام احاول استيعاب ما حدث ولمَ حدث، لمَ صفعني.

ألم يكفه صفعات الحياة المتتالية، واجهته بعدما استعدت بعضاً من الوعي فأخبرني انه رجل لا يقبل شريكاً له في زوجته، طلقني في المشفى يا عثمان. 

أتدري الى الآن، أنا ألتمس له العذر فيما فعل، أما انت فلا، لم ألتمس لك عذراً ولن أفعل بعد الآن.

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

انتظرت دقائق تتمنى أن يلومها يعاتبها يصرخ بوجهها، يطمأنها يبثها الأمان ويخبرها أنه لن يبتعد لكنه لم يتزحزح عن صمته. 

ناظرته بخيبة أمل فابتسم ساخراً وتخلي عن صمته قائلاً:

كيف حالك يا قمر، هل تشعرين ببعض التحسن؟؟

أدارت وجهها بعيداً عن نظراته المترقبة واجابته بثبات زائف :

انا بخير، لا تهتم 

يامن : انا لا اهتم ولكن وجودك هنا يرجع إلى والدي لذا فأنا أري نفسي مسؤولاً عما أصابك. 

قمر بتعجب : والدك! وما شأنه !؟

يامن : فيما بعد اقص عليك ما حدث الآن اود منك إخباري عما حدث، هل تسبب احد السجناء في ايذاءك؟! 

قمر بغضب : هل تتصرف على هذا النحو دائماً؟

يامن بتركيز : وكيف أتصرف ؟ 

قمر : تتصرف ببرود، انت لا 

تحتمل. 

قهقه يامن قائلاً: 

هل اكتسبت بعض الوقاحة من السجن ام يخيل اليَ؟

قمر بدموع : عليك الخروج الآن، أنا لا اطيق رؤيتك. 

اقترب يامن بثبات ومال بجسده متحدثاً اليها بصوت يشوبه عتاب ولوم وبعض الاتهام قائلاً:

لمَ لا تطيقين رؤيتي، هل أنا من كذبت عليك وخدعتك.

 

قمر بانهيار : انا لم اخدع ولم أكذب ولم أختر مصيري، لم ارتكب جرماً انا مشوهه ولست قاتلة او آثمة، أنا ضحية، ضحية دهست بلا رحمة ولم أجد من يمد اليَ يده ويحتويني.

 

كان منتهى أملي أن أختبئ، واختبأت خلف نقابي، وجدت به أمان، ليس لك الحق في لوم أو عتاب، انا لم اقصد خداعاً بل اردت فرصة للعيش، أردت العيش ما الجرم في ذلك ؟

يامن بغموض : ربما خطؤك الأكبر انك ترين نفسك مشوهة 

قمر بانهيار : أولست كذلك؟!

يامن : ربما يا قمر، ولكن الأمر الأكيد أننا كلنا مشوه، كلنا أصابنا تشوه، بعضنا أجاد اخفاءه وبعضنا لم يستطع. 

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

تحدث جاسر بصوت خفيض قائلاً بحدة 

لقد أخبرتك من قبل أن ماسة لن تأت إليكِ لقد تنازلت عن حضانتها وان رغبت في رؤيتها فبيتي مفتوح متى تشائين. 

تحدثت هي قائلة:

لكنني على وشك السفر الى الخارج، لدي مؤتمر طبي وربما اغيب عاماً كاملاً، اود بقاءها معي الى أن يحين موعد السفر. 

جاسر بحدة : اللعنة عليك يا امرأة الا تفهمين، ماسة لن تأت اليك وأنا لا أود سماع تفاهاتك تلك فلتسافري ولتذهبِ الى الجحيم .

تمتمت هي بغضب : حسناً يا جاسر، حسناً سوف ترى ما انا قادرة على فعله.

 

اغلق هاتفه بكره ونفور وتوجه خارج القسم يهاتف والدته.

 

انتظر قليلاً فأجابته والدته قائلة: 

اين انت يا جاسر ؟

جاسر : لدي عمل هام، استمعي اليَ جيداً تلك الوقحة طلبت منى أخذ ماسة 

للبقاء لديها قبيل سفرها الى الخارج. 

والدة جاسر : وما المانع، فهي بالأخير والدتها. 

جاسر بغضب : المانع أن ابنتي ستتعلق بها ولن تهنأ بقربها إلا أياما قليلة لتخذلها تلك البائسة وتتركها وحيدة وتسافر، انا لن اسمح لها بأن تفطر فؤاد طفلتي.

 

والدته ببرود : حسناً، أخبرني متى ترجع الى البيت.

 

جاسر : لا أعلم، ربما بضع ساعات وآتي اليكم.

انتهى حديثه مع والدته ورفع بصره إلىَ 

السماء قائلاً:

ربما لا يدرك الألم إلا صاحبه وربما لم ادرك من قبل فداحة فعلتي إلا بعدما ادركت معني الخذلان والتخلي.

 

يا ليت ماضينا يمحى ونبدأ من جديد.

 

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

هرولت سميحة بترقب وترجي قبالة يامن بعدما ناداها.

 

تحدثت اليه باستجداء قائلة:

هل ابنتي بخير؟!. 

يامن : بخير وبعد قليل ستخرج بصحبتك، اعتذر يا سيدتي عما حدث فقد كان بلاغاً كيدياً من بعض المنافسين.

 

سميحة بحزن : أرجو ان ينتقم الله منهم أشد انتقام. 

ناظرها جمال الواقف بعيداَ بعض الشئ بغيظ وابتسم يامن بسخرية قائلاً:

هداهم الله يا سيدتي فبعض البشر نفوسهم مريضة. 

عاد جاسر للوقوف جوار سميحة فتحرك يامن بخطوات هادئة مبتعداً عن محيطهما.

 

عاد يامن الى قمر بعدما احضر اليها ملابس لائقة ونقاب جديد.

 

طالعته قمر بتوتر فباغتها بسؤاله :

هل انتِ مرتبطة، هل لديك حبيب أو خاطب؟

قمر مستهزئة : بالطبع لا

يامن بتعجب : إذا من ذاك الأحمق الذي ادعى انه خطيبك ؟

قمر بانتباه : ما اسمه ؟ 

يامن : سمعت والدتك تدعوه جاسر 

قمر بقلق : هل أمي بالخارج، هل علمت بما حدث، هل اصابها مكروه.

يامن : هي بخير وقد اطمأن قلبها بعدما أخبرتها بأمر خروجك. 

ولكنك لم تخبرينني، من هو جاسر ؟

قمر : كان فيما مضى دنياي ومستقبلي، 

وصارت الحادثة فانتهت دنياي ومستقبلي وابتعد هو بدوره. 

يامن بتلقائية : لقد أحسن صنعاً. 

طالعته بغضب فابتسم موضحاً قوله 

اقصد انه لو كان خيراً لبقى.

 

قمر مغيرة مجرى الحديث :

متى أخرج من هنا ؟

يامن : بعد قليل، بدلي ملابسك وسأذهب لإنهاء الاجراءات الخاصة بخروجك انت واستاذ داوود وارجع اليك، سوف اصطحبك الى البيت. 

قمر برفض : لا داع.

 

يامن بلهجة قاطعة: 

استعدي يا قمر، فأنا لن اسمح لذاك السمج باصطحابك. 

ابتعد عن مرمى بصرها ولم يبتعد عن نياط القلب الذي خان العهد ودق من جديد بعدما ابرمت هي وهو اتفاقاً ألا يقع بالحب ولا يستسلم لأحد فغافلها وهرول الى ذاك الغامض الذي أتى بعدما توقف العالم عن دورانه وصار رتيباً، مملاً، قاتماً.

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

 

 

انتهت نسمة وعلياء من اعداد ما يلزم لما يسمى بسبوع العروس، ابتسمت زوجة العم بارتياح قائلة:

حمداً لله، لقد اكتمل كل شئ، ادعو الله ان تسعدا وأعد لكما عرساَ وسبوعاً كما حورية وافضل.

 

نسمة : متى نذهب يا امي لقد اشتقت الى حورية كثيراً. 

زوجة العم : لحظات ونمضي الى وجهتنا.

هيا يا علياء اسبقيني الى سيارة عثمان. 

علياء برفض : لن اذهب معه، سأنتظر عودة عمي وآتي معه. 

اقتربت زوجة العم منها واحتضنتها بحب قائلة:

الم تنل قلوبكما ما يكف من الهجر واللوم.

هيا يا حبيبتي، أدبيه كما تشائين ولكن دون قسوة أو بعاد.

قهقت نسمة قائلة: 

يبدو إنك خصم لا يستهان به يا أماه. 

زوجة العم بثقة : وهل استطعت البقاء مع عمك وجدتك رحمها الله دون عناء ودهاء وحرب باردة يا فتاة.

 لقد كان عمك في صباه فرس جامح غير قابل للترويض، فروضته أنا.

 

احنت علياء رأسها وخانتها دموع التردد والحيرة فاحتوتها زوجة العم بنظراتها الدافئة وصوتها الحنون قائلة:

لا تحن رأسك يا حبيبتي، لقد كانت أمكما رحمها الله سنداً لي في كثير من الأوقات القاسية، كنت اعدها أختاً لم تلدها امي.

 

كم اشتاق الى حديثها ووجودها ولكنها تركتكما لي، قطعة منها ولن أفرط فيكما ما حييت.

 

اذهبي يا علياء، انتزعي من الحياة حقك المسلوب رغماً عن الجميع.

 

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

 

وضع ساقاً فوق اخري وشمخ برأسه عالياً فناظره والده بارتياح قائلاً:

هل اتفقنا يا يامن بيك؟

يامن بجدية وتحذير : اتفقنا، فلتعطيَ أوامرك الآن بإخلاء سبيل استاذ  داوود وقمر.

 

جمال بترقب : هل علمت ان تلك الفتاة مشوهة ؟

يامن : وهل تشوهها موضوع نقاشنا الآن؟

جمال بمكر : لا، ولكن فضولي يدفعني لمعرفة ما يدور برأسك، هل ما تفعله تعاطفاً معها، شفقة ربما ؟

يامن ببرود : سأخبرك عندما أجد إجابة مقنعة أما الآن فأنا انتظر أوامر سيادتك.

 

نظر جمال الى راشد بما يريد فتحدث راشد بجدية قائلة :

لقد تم الامر يا سيدي وانتهت القضية من أساسها فما حدث كان بلاغاً واتهاماً باطلاً 

تمتم يامن بسخط قائلاً:

لقد تفاجئت الأن، لم اكن ادر ان التهمة ملفقة.

تحدث جمال قائلاً: 

راشد لا شأن له فيما حدث فتلك كانت أوامري .

هب يامن واقفاً متحدثاً بلهجة لا تقبل 

المزاح قائلاً:

سأرجع بعد شهر من الآن فلا يجوز ان اترك العمل لدي أستاذي دون أن يجد بديلاً.

 

جمال : هل تماطل معي يا يامن؟

يامن : لا، فانا اعلم انك لن تيأس ولن تترك داوود ولا قمر في حال سبيلهما.

وإياكم ، احذرك أن يقترب أحد من رجالك منهما وإلا قلبت المعبد بأكمله فوق رؤوسكم.

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

 

استوفى يامن الاوراق اللازمة وتأكد من اخفاء تلك القضية الملفقة، احتضن داوود بحب وتقدير واعتذار وطمأنه داوود انه بخير وغادر الى بيته.

التفت يامن الى قمر فوجدها تخطو بإرهاق بادي اقترب منها متردداً هل يمسك بيدها ويساعدها على المضي قدماً أم ينتظر.

تفاجئ باقتراب جاسر بلهفة بادية بمحياه.

اقترب بشدة من قمر فتراجعت للخلف قائلة: 

شكراً لك يا جاسر، لقد اتعبت حالك. 

جاسر بوله : لا تعب إلا في بعادك يا قمري

انتابها خجل وتوتر مما قاله فتحدثت بخفوت قائلة: 

أين امي؟

جاسر : تنتظرنا بالسيارة، هيا بنا كي نغادر. 

قمر برفض : اخبرتك مراراً أن دروبنا محال أن تلتقي، لن أتحدث فيما مضي ولكن بالله عليك توقف عن تصرفاتك تلك.

أنت تتعامل معي وكأن شيئاً لم يكن، لقد تركتني سبع سنوات، أتدرى كم انتظرتك يا جاسر، لقد شاب قلبي وأصابه الهرم جراء فعلتك، توقف عن ادعاءك بأن ما كسر يمكن إصلاحه فهو محال.

 

صرت لي غريباً عني لا أعرفه ولا أود معرفته.

جاسر بحزن : وانا لن أيأس، ولن أتركك لغيري.

 

قالها وبصره موجه الى يامن :

ارادت اجابته لكنها تراجعت بعدما 

رفع يامن بصره إليها وكأنه يحثها على الاسراع في مشيتها، استجابت هي وحاولت أن تسرع الخطى ليداهمها دوار حاد كادت على اثره أن تسقط لكنه تلقفها بين يديه ولم يتركها لتقع مجدداً. 

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

بمرآة السيارة يختلس النظر اليها ولا يرتوي، يود اختطافها بعيداً عن الأعين الناظرة إليها. 

تتحدث الى شقيقتها ووالدته ويتضاحكن وتتراقص على وقع ضحكاتها دقات قلبه المتناغمة مع صوتها العذب.

لاحظت والدته نظراته الهائمة فتحدثت بمكر قائلة: 

اعتقد يا علياء أن أحمر الشفاه الذي تضعينه ثقيل بعض الشئ.

ضغط عثمان مكابح السيارة دون سابق انذار فشهقت نسمة قائلة:

ولدك أصابه الجنون، اللهم احفظنا.

ابتلعت علياء ريقها بخوف بعدما أمعن عثمان النظر اليها قائلاً بغضب:

يومك لن يمر بسلام يا ابنة العم ان لم يختف أحمر الشفاه من فوق شفتيك.

تعليقات



<>