رواية عشق ناعم بقلم سيليا البحيري
رواية عشق ناعم الفصل السادس6 بقلم سيليا البحيري
[فيلا كريم – بالليل – صمت تقيل مالي المكان]
كريم قاعد لوحده في صالة القصر الكبيرة، مش بيتكلم، عينيه ثابتة في الفراغ. كباية الويسكي قدامه على الترابيزة، بس ما لمسهاش، صوابعه بتخبط بهدوء وتوتر على دراع الكرسي. دماغه مولعة، بين الغضب والندم، ورغبة مجنونة إنه يرجّع كل حاجة لإيده.
كريم (بصوت واطي بس حاد):
إزاي قدروا يسيبوني؟! نجلاء… إياد… سليم… زين… حتى رهف الصغيرة؟! إيه جرى لهم؟ جننوا كلهم؟!
(بيقوم بعصبية، ويتمشى في الصالة، رجليه بتخبط في الأرض وكأنها بتترج.)
كريم (بيكزّ على سنانه):
أنا عمري ما كنت أب وحش… ولا حتى جوز وحش… كل اللي عملته كان علشانهم! كنت بحميهم! وكنت الوحيد اللي يقدر يعمل كده… ودلوقتي؟ فاكرين إنهم يقدروا يعيشوا من غيري؟!
(بيرفع إيده وبيزق فازة شيك على الترابيزة، تقع وتتكسر حتت، بس هو مش فارق معاه، بالعكس، شكله بيغلي أكتر.)
كريم (بيضحك بسخرية وهو بيبص لإيده اللي بتترعش):
سابوني علشان يعيشوا في شقة صغيرة؟! فاكرين نفسهم هيبقوا مبسوطين من غيري؟ من غير قوتي؟! سليم؟ زين؟ حتى إياد العنيد؟! هيرجعولي… كلهم!
(فجأة بيوقف، بيضيّق عينه وكأنه جاتله فكرة، وبيرجع يقعد بهدوء على كرسي جلد، بيشبك صوابعه قدامه.)
كريم (بابتسامة باينة فيها برود):
ماشي… يفرحوا دلوقتي شوية… وأنا هقعد أتفرج عليهم من بعيد… وهخليهم يرجعوا واحد ورا التاني… لأنهم عمرهم ما هيعرفوا يعيشوا من غيري… لما الحياة تورّيهم وشها الحقيقي، هيرجعوا.
(بيقفل عينه لحظة، كأنه بيستمتع بالفكرة، وبعدين يفتحها ونظراته كلها شر وسُم.)
كريم (بصوت واطي بس مليان إصرار):
هسترجّع كل حاجة… وهسترجّعهم كمان… بس على طريقتي.
*****************
(الموبايل بيرن فجأة، كريم يطلّعه من جيبه ببطء، يبصّ على الرقم، وبعدين يرد بنبرة زهقانة)
كريم (بحدة):
في إيه؟
المتصل (بصوت متوتر):
يا باشا… الدنيا اتقلبت فوق تحت… محمود السيوفي وبنته سيليا… هما… هما استولوا على كل حاجة!
(كريم بيتجمد مكانه، إيده بتسقط ببطء، وعيونه بتتسع من الصدمة)
كريم (بصوت واطي ومتخشب):
إنت بتقول إيه؟
المتصل (بخوف):
كل حاجة يا باشا! الأسهم… الشركات… العقارات… كله بقى باسم سيليا السيوفي! حضرتك رسميًا ما بقيتش تملك أي حاجة… خلاص، ما بقاش ليك نفوذ في ولا شركة.
(كريم بيقوم مرة واحدة، ويضرب الترابيزة بإيده بكل قوته، الكوباية اللي قدامه بتقع وتتكسر على الأرض)
كريم (بيصرخ بجنون):
مستحيييييييييل!!! دي شركتي! دي إمبراطوريتي!!!
المتصل (بتوتر):
أنا آسف يا باشا… هما لعبوها صح أوي… سيليا استغلت الأسهم اللي معاها، وأقنعت باقي المساهمين ينقلوا باقي الحصص ليها، حتى ممتلكاتك الشخصية اللي كانت باسم الشركة… خلاص، انتهى الموضوع، حضرتك دلوقتي ما بقيش ليك أي حاجة.
(كريم بيرجع لورا، بيحس بدوخة، يمسك دماغه بإيديه، نفسه بيتسارع، مش قادر يستوعب. يقعد على الكرسي ببطء، عينيه فاضية… وفجأة، يضحك!)
كريم (بيضحك بجنون، بصوت متقطع):
هه… هه… سيليا… البت دي شيطانة بجد… كانت مخططة لكل ده من الأول!
(بس فجأة، يوقف ضحكه، ملامحه بتتحول لغضب، بيقوم تاني بسرعة، ويمسك الموبايل بقوة)
كريم (بصوت تقيل مليان حقد):
مش ممكن ده يكون النهاية… سيليا تفتكر إنها كسبت؟! ومحمود؟ فاكر إنه خلّص مني؟!
المتصل (بحذر):
باشا… مفيش حاجة ممكن تتعمل دلوقتي…
كريم (بيصرخ):
هتشوفوا! هتشوفوا كلكم! هارجّع كل حاجة! سيليا السيوفي… محمود السيوفي… مش هسيبكم تفرحوا عليا!
(بيقفل المكالمة بعنف، ويرمي الموبايل في الأرض، ويمشي في الصالة زي المجنون، عينيه بتدور في كل حتة وكأنه بيدور على أي مخرج… بس الحقيقة بدأت تبان قدامه… خسر كل حاجة.)
(بيرجع يقعد على الكنبة، عينيه حمرا، نفسه تقيل، يقفل عينه لحظة… وبعدين يفتحها ببطء، وفيها لمعة شر واضحة.)
كريم (بصوت هادي لكن مليان غِلّ):
اللعبة لسه مخلصتش يا سيليا… مش هسيبكِ تتهني بنصرك ده كتير…
******************
(كريم يوصل قدّام فيلا السيوفي، بالعربية بتاعته، وبيدبّ فيها بسرعة جنونية، يفتح الباب بعصبية وينزل، باين عليه نار من جوّاه، يمشي بخطوات تقيلة ناحية الباب ويخبط عليه بعنف.)
(بعد شوية، البوّاب يفتح، بس مايلحقش يقول حاجة، لأن كريم بيزقه ويدخل جوّه وهو بيغلي.)
(في اللحظة دي، بيظهر محمود السيوفي ومعاه أدهم، مهاب، مازن، وزياد، واقفين قدّامه ببرود، في حين زينة، ملك، وسيلا واقفين بعيد بيراقبوا اللي بيحصل.)
محمود (بهدوء ثابت):
كريم… إنت جاي هنا ليه؟
كريم (بعصبية):
بلاش تعمل فيها الحكيم دلوقتي يا محمود! رجّعلي كل حاجة فورًا، ولا…
(قبل ما يكمل كلامه، سيليا تقرب منه بخطوات هادية وواثقة، وتقف قدّامه مباشرة، بتبصله بنظرة كلها سخرية وتحدي.)
سيليا (بابتسامة جانبية):
ولا إيه يا كريم؟ هتزعق؟ هتخوّفنا؟ تحب أذكّرك بحقيقة بسيطة؟ إنت ما بقاش عندك حاجة تهددنا بيها.
(كريم بيقف مكانه متجمد، بيحاول يسيطر على أعصابه، بس نظرات سيليا بتخترقه زي السكاكين.)
كريم (بصوت غليظ):
إنتوا سرقتوا مني كل حاجة… من الأول كنتوا مخططين لده!
سيليا (ببرود):
سرقنا؟ لأ، يا كريم… إحنا خدنا حقنا. إنت اللي كنت عايش في وهم السيطرة، وصحيت دلوقتي على الحقيقة المرة… إنك ما بقيتش تملك أي حاجة.
(تقرب منه أكتر، وعينيها فيها لمعان الانتصار)
سيليا (بصوت فيه سخرية):
وبالمناسبة… مش مضحك إنك إنت اللي إدّيتني القوة دي بإيدك؟ لو كنت وافقت على جوازي من إياد من البداية، مكنتش وقعت الوقعة دي… بس لأ، فضّلت تحاربني… واديك خسرت كل حاجة.
(زينة من ورا تنفجر ضحك، وأدهم ومازن يبصوا لبعض من غير كلام، مستمتعين بالمشهد.)
زينة (بمرح ساخر):
يااااه! اللحظة دي كانت مستنيّاها من زمان! كريم وهو واقع على وشّه… المنظر ده priceless بجد!
(كريم وشّه بيحمر من الغيظ، بيبص حواليه، وكل العيون عليه فيها احتقار واضح… حتى محمود اللي كان زمان صاحبه.)
كريم (بيزعق):
إنت يا محمود! طول عمرك جبان، ماكانش عندك الجرأة تواجهني، استخدمت بنتك تعملي الشغل الوسخ بدالك!
محمود (بيرد بنبرة هادية وقاتلة وهو باصصله):
لأ يا كريم، أنا بس ماعدتش عايز أكون جزء من لعبك القذر… وابنتي؟ هي بس سرّعت النهاية اللي كان لازم تحصل من زمان.
(كريم يضغط على سنانه، باين عليه إنه فاقد السيطرة، وبيشوف إن الكل بقى ضده.)
(يتراجع خطوة لورا، نفسه بيزيد، الغضب مالي عينيه، بس مفيش حاجة يقدر يعملها.)
سيليا (ببرود قاطع):
خلص الكلام يا كريم… اتفضل من هنا. الفيلا دي ما بقتش مفتوحة ليك خلاص.
(لحظة صمت تقيلة تسود… كريم يلف ظهره ويمشي ناحية الباب ببطء، كأنه شبح راجل كان زمان شايف نفسه كبير.)
(وقبل ما يخرج تمامًا، يسمع صوت سيليا وراه)
سيليا (بابتسامة هادية):
وعلى فكرة… ما تحاولش ترجع تاني، لأن المرة الجاية… مش هتلاقي حتى باب تطرقه.
(الباب يتقفل وراه، وكل حاجة سابتُه… وسقطت إمبراطوريته خلاص.)
********************
(كريم رجع الشقة بعد ما أعصابه هديت شوية، وقف قدّام الباب، أخد نفس عميق، وبعدين خبط على الباب بهدوء، بيحاول يبان في شكل الراجل الندمان والمكسور. لحظات وفتح الباب… نجلاء واقفة قدّامه ببرود، ووراها ولادها: إياد، سليم، زين، ورهف… كلهم بملامح متجمدة، مفيش ولا واحد فيهم باين عليه الترحيب.)
كريم (بصوت دافي مصطنع):
نجلاء… ولادي… سامحوني، أنا غلطت، بس دلوقتي فهمت إن العيلة هي كل حاجة… رجعتلكم، عشان مقدرش أعيش من غيركم.
(مفيش حد بيرد، نظراتهم لوحدها كانت كفاية تفضحه… بيحس إن فيه حاجة غلط.)
إياد (بحدة):
بجد يا بابا؟ ولا رجعت عشان خلاص ما بقاش عندك حاجة؟
(وشّ كريم يصفر، بيحاول يبان هادي، بس نظرات الاحتقار في عيونهم كانت زي الطعنات.)
كريم (بيحاول يبتسم):
إياد… يا حبيبي، أنا أبوك… ماينفعش تكلّمني بالشكل ده. أيوه غلطت، بس ندمان، ونفسي أبدأ من جديد.
(رهف تتقدّم وتقف قدّامه، تبصله بعينيها العسلية اللي مليانة خيبة أمل.)
رهف (بهدوء):
بابا… سيليا كلمتنا. حكت لنا كل حاجة.
(كريم يتجمّد، بيشدّ على سنانه، بيحاول يبان مش فارق معاه، بس قلبه بيغرق أكتر.)
زين (بابتسامة سخرية):
كنت فاكر إننا هنصدق تمثيليتك دي؟ رجعتلنا عشان بس ما لقيتش مكان تروحه.
سليم (ببرود):
إحنا مش محتاجينك، يا بابا. طول عمرك كنت بتختار الفلوس والنفوذ علينا… ودلوقتي؟ ما بقيناش عايزينك في حياتنا.
(كريم بيحس بالاختناق، عينه تروح لنجلاء اللي لسه ما اتكلمتش، بس باين عليها متماسكة، هادية… ولما اتكلمت، صوتها كان قاطع وحاسم.)
نجلاء:
كريم، طول عمري كنت الست اللي وراك، اللي بتسامح وبتغفر… بس دلوقتي، أنا ماعدتش الست دي. إنت ما خسرتش فلوسك بس، إنت خسرتنا… وإحنا مش هنسمحلك تأذينا تاني.
(كريم يضرب الحيطة بقبضته من الغضب، باين عليه العجز، بس لسه بيحاول يقاوم.)
كريم (بيحاول يتوسّل):
نجلاء، يا ولادي… فكروا، أنا أبوكم! إزاي تتخلوا عني كده؟!
(إياد يقرّب منه، يفتح الباب على الآخر، ويبصله بنظرة باردة.)
إياد:
إنت اللي عملت كده بنفسك يا بابا. دلوقتي… اتفضل برا.
(لحظة صمت تقيلة… كريم فهم إنه انتهى. مفيش فرصة تانية. بيزفر بغضب، يلف ويمشي، يطلع ويقفل الباب وراه بحدّة… بس المرة دي؟ مفيش حد مستني وراه.)
**********************
(كريم ماشي في الشارع لوحده. الهوا الليلي بيضرب في وشه بقسوة، كإن حتى الجو بيشاركه تأنيب الضمير. زرار البالطو مفتوح، وخطوته تقيلة ومتخبطة، كإنه بيجرّ نفسه على الأسفلت. الناس بتعدي من جنبه، مش عارفينه، ومش مهتمين بيه. ولأول مرة من سنين… حاسس إنه راجل عادي، مالوش قيمة، مالوش هيبة، مفيش حد حواليه.)
كريم (بهمس لنفسه):
كلهم… كلهم سابوني…
نجلاء… إياد… سليم… زين… رهف…
حتى رهف… الصغيرة…
(يقف قدّام دكّة على الرصيف، يقعد عليها كإن رجليه مبقتش شايلة جسمه. يحط وشه في إيده، بيحاول يمنع دموعه، بس بتغلبه. لأول مرة من زمان، كريم بيعيط. مش عشان الفلوس… عشان الوحدة اللي بتقتل.)
كريم (بمرارة):
هو أنا… كنت غلطان؟
كنت قاسي للدرجة دي؟
خسرت كل حاجة… عشان ما كنتش باسمع؟ ما كنتش شايف؟ ما كنتش فاهم؟
(يرفع راسه بشويش، يبص على العربيات اللي ماشية، على الشباب اللي بيضحكوا على الرصيف التاني، على عيلة ماشية جنبُه، والبنت الصغيرة ماسكة إيد أبوها وبتضحك… يبلع غصته.)
كريم (بصوت مكسور):
كنت فاكر إني بعمل الصح…
كنت فاكر إني بحميهم…
بس الحقيقة… كنت بحمي نفسي، سلطتي… غروري…
كنت لابس دور القائد، ونسيت أبقى أب.
(سكون لحظة… وبعدين يهمس تاني، المرة دي بصوت فيه نقطة وعي… شوية ندم حقيقي.)
كريم:
يمكن… يمكن فعلاً
جِه الوقت إني أبدأ من جديد…
لوحدي، آه… بس بصدق
مش هرجعهم بالقوة…
بس يمكن، لو بقيت راجل بجد…
يسامحوني يوم.
(يقوم من على الدكّة بشويش… يمشي بخطوات ثابتة المرة دي، مش عارف رايح فين، بس أخيرًا… قرر يبطل يلعب دور الإله… ويبدأ يكون إنسان.)
