
رواية عاشق زوجتي الفصل الاول1والثاني2 بقلم صباح عبد الله فتحي
كان الليل ساكن والشارع شبه فاضي، بس صوت بكاء خافت قطع هدوء المكان. على أحد الطرق، وقفت فتاة تبكي بحرقة، تحاول تمسح دموعها بيد مرتعشة، وكأن الدنيا كلها اتخلت عنها. وفجأة، ظهر شاب من بعيد. كان راجع من شغله متعب، لكن منظرها شدّه ووقف قدامها وقال بنبرة هادئة:
ــ "خير يا آنسة، في حاجة؟"
انتفضت الفتاة بخوف، وارتجف صوتها:
ــ "إنت مين؟ وعاوز إيه؟"
ابتسم الشاب محاولاً يطمنها:
ــ "لا لا، ما تخافيش. أنا والله مش قصدي حاجة."
قالت بعصبية وهي تمسح دموعها:
ــ "لو سمحت امشي من هنا.. مش عاوزة مشاكل."
هزّ رأسه مستغرب وقال بنبرة شبه مازحة:
ــ "معقولة أمشي وأسيب القمر لوحده؟"
وبسرعة أضاف وهو يرفع يديه كأنه بيأكد كلامه:
ــ "بصّي، إنتِ زي أختي والله العظيم. أنا كنت راجع من الشغل وشوفتك بالصدفة واقفة، قولت أجي أطمن عليكي. ممكن أعرف إيه اللي يخلي بنت زيك في الشارع دلوقتي؟ باين عليكي إنك بنت ناس."
لكنها صرخت باكية:
ــ "لو سمحت امشي من هنا.. وسبني في حالي."
ثم جلست على الرصيف، ودموعها بتنهمر وهي تردد بصوت مخنوق:
ــ "أنا والله العظيم اللي فيا مكفّيني.. مش ناقصة أكتر من اللي أنا فيه."
اقترب الشاب خطوة صغيرة وقال برفق:
ــ "طيب اهدي.. ما تعيطيش. أنا بس حبيت أساعدك، لو محتاجة مساعدة قولي."
رفعت رأسها نحوه والدموع ما زالت تبلل وجهها:
ــ "أنا فعلاً محتاجة مساعدة أوي. لو حضرتك ناوي تساعدني بجد.. ممكن تدلّني على مكان أبات فيه الليلة. بس بالله عليك ما تسألنيش عن حاجة. ولو مش ناوي خير، امشي من هنا وسبني في حالي."
تنهد الشاب وقال متردداً:
ــ "طيب.. ممكن تيجي البيت عندي."
انتفضت واقفة، عينيها مليانة صدمة:
ــ "إيه؟! أجي البيت عندك ليه؟ لأ، لو سمحت امشي من هنا.. مش محتاجة مساعدة من حد."
ضحك بخفة يحاول يكسر خوفها:
ــ "اهدي يا حجة.. دماغك راحت فين؟ أنا عايش مع أمي وأختي، وطول النهار في الشغل. تعالي، ما تخافيش. حتى أنا مش هبات في البيت النهاردة، عشان تاخدي راحتك. وأهلي ناس طيبين والله مش هيقولوا حاجة."
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت ضعيف:
ــ "بجد.. شكراً. مش عارفة أشكرك إزاي."
ابتسم وقال:
ــ "ولا يهمك، إحنا إخوات. يلا بينا."
ترددت وهي ما زالت متوجسة:
ــ "هو حضرتك بجد ناوي تساعدني؟"
أجاب بجدية وهو يضع يده على صدره:
ــ "عارف إن الموضوع يخوّف بالنسبة لكِ، بس والله مش ناوي غير على الخير. أنا ماقدرش أشوف أختي في الشارع في الوقت ده. وإنتِ زي أختي، وأكيد مش هسيبك. تعالي، والله أمي وأخواتي في البيت. زي ما قولتلك، أنا مش هكون موجود عشان تاخدي راحتك."
أخفضت رأسها وقالت بخجل:
ــ "طيب.. شكراً. أنا موافقة أروح معاك. بس أتمنى تكون فعلاً زي ما بتقول، وأمك وأخواتك في البيت."
ضحك وقال مطمئناً:
ــ "يا ستي تعالي وهتشوفي بنفسك. وأنا والله العظيم مش ناوي غير على الخير، وعاوز أساعدك.. مش أكتر."
ثم سار بجانبها بخطوات هادئة، بينما هي ما زالت مترددة، لكن قلبها كان بيهمس لها إنها يمكن أخيراً لقت طوق نجاة ينقذها من ليلتها الطويلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منزل عائلة الشاب
جلست الأم في الصالة وهي بتتأمل الساعة بعين قلقة، بينما ابنتها سمر خرجت من أحد الغرف نظرة الي أمها قالت باستغراب:
ــ "خير يا ماما، إنتي إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟"
تنهدت الأم وقالت بصوت ممتزج بالقلق:
ــ "أخوكي يوسف لسه ما رجعش من شغله.. وإنتي عارفة إني ما بنامش قبل ما أحط له الأكل."
رفعت سمر حاجبها وقالت:
ــ "غريبة.. اتأخر قوي النهارده."
انفعلت الأم بحدة من القلق:
ــ "يا بنتي ارحميني، أنا متوترة وقلقانة لوحدي."
وفجأة، رن جرس الباب. تنهدت الأم براحة وقالت:
ــ "أهو أخوكي جه.. روحي افتحي له وأنا هسخن له الأكل."
ركضت سمر نحو الباب وفتحته، لتجد يوسف واقف ومعاه فتاة غريبة. قالت الأم بابتسامة:
ــ "حمد الله على السلامة يا يوسف، إيه اللي أخرك كده؟"
ابتسم يوسف وهو يدخل:
ــ "الله يسلمك يا ماما.. معلش، كان عندي شوية شغل بخلصه."
لكن سمر لمحت الفتاة واقفة بخجل خلف يوسف، فتجمدت مكانها وقالت باستغراب:
ــ "إيه ده؟ مين اللي واقفة برة دي يا يوسف؟"
التفت يوسف سريعاً وقال:
ــ "يا خبر! لسة واقفة برة؟ اتفضلي يا آنسة، البيت بيتك."
دخلت الفتاة بخجل شديد، وقالت بصوت واطي:
ــ "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. إزيكوا؟ عاملين إيه؟"
رد يوسف بابتسامة:
ــ "وعليكم السلام.. اتفضلي يا آنسة."
لكن سمر لم تترك الموقف يمر، وقالت وهي تحدق في الفتاة بشك:
ــ "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أنا الحمد لله. بس مين أنتي؟"
خفضت الفتاة رأسها وقالت بخجل:
ــ "أنا نور."
رفعت سمر حاجبها وقالت ببرود:
ــ "أهلاً بيكي يا نور.. بس نور مين يعني؟"
التفتت نور نحو يوسف، ولم تنطق بكلمة. وهنا دخلت الأم، مستغربة الموقف:
ــ "نور مين؟ مين دي يا يوسف؟"
رفع يوسف يده محاولاً تهدئة الموقف:
ــ "اهدي بس يا ماما، أنا هفاهمك كل حاجة. الأنسة هتكون ضيفتنا يومين."
لكن نور انسحبت خطوة للخلف وقالت بحزن:
ــ "لا خلاص يا أستاذ يوسف، لو فيها مشاكل أنا همشي من هنا."
قال يوسف بضيق:
ــ "استني بس يا آنسة! هتمشي تروحي فين دلوقتي؟"
ابتسمت الأم بحنان وقالت:
ــ "ولا مشاكل ولا حاجة يا بنتي.. البيت بيتك. اقعدي زي ما إنتي عاوزة. أنا بس استغربت شوية، أصل دي أول مرة يوسف يرجع من الشغل مع حد."
---
في منزل عائلة جاسر
في نفس الوقت، كان الأب "أحمد" داخل البيت متعب، لكنه لقى مراته "هانم" قاعدة على الكنبة وعيونها مليانة حزن. قال وهو بيخلع جاكيت ويضعه علي الكرسي:
ــ "خير يا هانم، إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟"
ردت بحزن:
ــ "حمد الله على السلامة يا أحمد."
جلس بجانبها وقال بقلق:
ــ "خير يا هانم.. مالك؟ إيه اللي مزعلك؟"
تنهدت والدموع في عينيها:
ــ "جاسر اتخانق هو ونور تاني.. بس المرة دي هي خرجت ولسه ما رجعتش. وحتى جاسر من ساعتها ما رجعش. وأنا قاعدة من الصبح على نار.. لا عارفة هو فين، ولا عارفة نور راحت فين."
قال أحمد بدهشة وغضب:
ــ "إيه؟ اتخانقوا تاني؟ ليه؟ حصل إيه؟ ونور فين؟"
هزت كتفيها وقالت:
ــ "والله ما أعرف.. أهو الأستاذ جاسر رجع، اسأله بنفسك. أنا خلاص أعصابي تعبت."
دخل جاسر من الباب ببرود واضح وقال:
ــ "مساء الخير يا جماعة."
صرخ أحمد بحدة:
ــ "وهيجي منين الخير يا أستاذ؟ فين مراتك؟"
رد جاسر ببرود:
ــ "مراتي؟ هي فين يعني؟"
تدخلت هانم بقلق:
ــ "نور.. من ساعة ما خرجت ما رجعتش يا أستاذ."
قال جاسر بضيق:
ــ "وهي إزاي تسيب البيت من غير إذني؟"
ضرب أحمد الطاولة بيده وقال بغضب:
ــ "وهو ده كل اللي همك؟ إذنك؟!"
اقترب أكثر وحدق في ابنه:
ــ "اسمع يا جاسر.. لو نور ما رجعتش البيت خلال ساعة، اعتبر نفسك محروم من كل حاجة. أنا مجوّزتك علشان تحميها، مش علشان تزعلها كل يوم."
رفع جاسر صوته:
ــ "ما هي اللي سابت البيت بمزاجها.. ترجع بقى بمزاجها! أنا مش هطلع أدور على حد."
صرخ أحمد بغضب أكبر:
ــ "زي ما قلتلك.. لو نور ما رجعتش، اعتبر نفسك محروم من كل حاجة!"
تنفس جاسر بحدة وقال:
ــ "ماشي! أنا هطلع أشوفها فين وأرجعها.. بس بلاش تلوموني بعد كده على اللي هيحصل."
---
اليوم التالي في بيت يوسف
دخلت أم يوسف على نور في غرفتها، لقتها قاعدة على السرير ودموعها بتنزل. اقتربت منها وقالت بحنان:
ــ "خير يا بنتي، مالك علي الصبح؟ إيه اللي مزعلك؟"
ردت نور وهي تبكي:
ــ "الدنيا كلها مزعلاني."
جلست الأم بجانبها وربتت على كتفها:
ــ "من ساعة ما شوفتك وإنتي مش مبطلة عياط. احكيلي يا بنتي.. أنا زي أمك، يمكن أقدر أساعدك."
شهقت نور وقالت بوجع:
ــ "أنا فعلاً محتاجة أمي أوي في الفترة دي."
ابتسمت الأم بحنان:
ــ "وأنا زي أمك يا بنتي.. احكيلي، مين أهلك؟ فين أمك وأبوك؟"
ردت نور بعياط أكبر:
ــ "ماما وبابا ميتين.. ماليش غير عمي ومراته."
انقبض قلب الأم وقالت بحزن:
ــ "الله يرحمهم. بس معلش على السؤال.. إيه اللي يخلي بنت زيك تكون في الشارع لحد نص الليل؟"
قالت نور والدموع تنهمر أكتر:
ــ "حصلت مشكلة.. سبت البيت. وماكنتش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه.. وربنا بعتلي الأستاذ يوسف من السما."
قالت الأم بقلق:
ــ "مشكلة إيه يا بنتي اللي تخليكي تسيبي بيتك وتباتي في الشارع؟ ربنا وحده اللي يعلم كان ممكن يحصل لك إيه لو يوسف ما لقاكيش."
ردت نور بصوت مكسور:
ــ "الخيانة."
شهقت الأم بدهشة:
ــ "خيانة؟! خيانة إيه يا بنتي؟"
لكن نور مسحت دموعها بسرعة وقالت:
ــ "لو سمحتي.. مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده."
ابتسمت الأم بحنان وربتت على يدها:
ــ "برحتك يا بنتي.. بس اعتبريني زي أمك. منين ما تحبي تتكلمي أو تحتاجي حاجة، تعالي لي."
خفضت نور رأسها بخجل وقالت:
ــ "ربنا يخليكي ليا يا رب.. شكراً أوي لحضرتك."
ضحكت الأم:
ــ "ويخليكي يا بنتي. أنا كنت جاية أزعقلك عشان تفطري."
هزت نور رأسها:
ــ "لا، شكراً.. مش ليّا نفس للأكل."
قالت الأم بحزم لطيف:
ــ "ودي تيجي برضه؟! لازم تاكلي."
ردت نور بحزن:
ــ "معليش.. سبيني على راحتي. لما أحب آكل هاجي أقولك. والله دلوقتي ما ليش نفس لأي حاجة."
تنهدت الأم بحزن وقالت:
"طيب يا بنتي براحتك.. بعد نص ساعة هاجيبلك الفطار لحد عندك."
قالت نور بخجل:
"لا حضرتك ما تتعبيش نفسك. لما أحس إني جعانة هاجي بنفسي وأقولك."
ابتسمت الأم وقالت بحنان:
"ولا تعب ولا حاجة يا بنتي."
الفصل الثاني – عاشق زوجتي
في المطبخ،
دخل يوسف على أمه وهو يقول بابتسامة مرحة:
ــ "صباح الخير يا ست الكل."
ردّت أم يوسف وهي تضع الفطار على الترابيزة:
ــ "صباح النور يا ضنايا، نمت فين امبارح؟"
جلس يوسف على الكرسي بتراخي وقال:
ــ "نمت عند علاء صاحبي يا أمي. بس قوليلي.. سمر فين؟ والآنسة نور عاملة ايه دلوقتي؟"
أمه مسحت يدها في المريلة وقالت بحنان ممزوج بالقلق:
ــ "سمر راحت الجامعة بتاعتها.. ونور في أوضتها يا حبة عيني. من امبارح وهي مش مبطلة عياط. وربنا الواحد اللي يعلم إيه اللي حصل معاها وخلاها زعلانة كده."
قطّب يوسف حاجبيه باستغراب:
ــ "ليه؟ هي مالها؟"
أمه هزت رأسها بأسى:
ــ "ربنا وحده اللي عالم بيها."
يوسف بحزم وهو يقوم من مكانه:
ــ "طيب.. أنا هروح أطمن عليها لحد ما تحطي الفطار."
ابتسمت أمه وقالت:
ــ "ماشي يا بني.. يمكن ربنا يهديها وتيجي تاكل لقمة."
ــ "ليه؟ هي ما كلتش حاجة من امبارح؟" سأل يوسف بدهشة.
ــ "أيوه يا بني. امبارح ما رضيتش تاكل حاجة، ودلوقتي برضه بتقول ما لهاش نفس.
---
في الشركة عند جاسر
كان جاسر جالسًا خلف مكتبه، عينيه يكسوها التوتر. دخلت السكرتيرة بخطوات واثقة وهي تقول بدلع متعمد:
ــ "صباح الخير يا بيبي."
زمّ جاسر شفتيه بضيق:
ــ "أنا ما قلتلك متجيش الشركة غير لما الأمور تهدى شوية؟"
قالت بخبث وهي تتمايل:
ــ "ليه؟ خايف على زعل المدام؟"
اشتعل وجه جاسر غضبًا:
ــ "احترمي نفسك! وخدي بالك إنتي بتكلمي مين. مش علشان حصل بينا حاجة، تفتكري تعملي اللي إنتي عايزاه. لأ.. فوقي لنفسك يا روح أمك وشوفي انتي بتكلمي مين.
ثم صاح بحدة:
ــ "ويلا غوري من وشي دلوقتي!"
نظرت له بضيق قبل أن تغادر وهي تقول بتهديد ساخر:
ــ "ماشي.. أنا همشي دلوقتي. بس إنت اللي هتجري ورايا بعدين. سلام يا بيبي."
جلس جاسر يضرب بيده على المكتب وهو يتمتم بحقد:
ــ "ماشي يا نور.. أنا هوريكي. كل اللي حصللي ده بسبب واحدة زيك. طيب والله، لا أطلع غضبي كله عليكي. بس استني.. أول أعرف إنتي فين."
---
في أوضة نور
فتح يوسف باب الغرفة بهدوء ودخل مبتسمًا:
ــ "صباح الخير يا آنسة نور."
رفعت نور عينيها إليه بخجل وقالت:
ــ "صباح الخير يا أستاذ يوسف."
اقترب منها وجلس على الكرسي:
ــ "خير؟ أمي قالتلي إنك من امبارح مش راضية تاكلي حاجة."
ثم مازحها بخفة دم:
ــ "إيه؟ ولا طبيخ الحجة مش عاجبك؟ ولا نطلبلك درفيلي؟"
ضحكت نور بخجل وهي تهز رأسها:
ــ "لا والله مش كده. أنا بس ماليش نفس خالص."
يوسف بمرح:
ــ "قطيعة يا أختي النفس! ده الحجة فاطمة عاملة شوية فول يستهلوا بوقك الحلو ده."
ابتسمت نور ابتسامة باهتة وقالت بأسى:
ــ "آسفة يا أستاذ يوسف.. بجد والله ماليش نفس لأي حاجة."
تغيرت ملامح يوسف وصار صوته أكثر جدية:
ــ "ممكن أعرف إيه اللي مزعلك بالشكل ده؟"
هزت نور رأسها والدموع تنساب من عينيها:
ــ "لو سمحت.. مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده."
تنهد يوسف بحزن وقال:
ــ "طيب خلاص.. بلاش تعيطي. مش لازم أعرف حاجة. بس اعتبريني زي أخوكي. منين ما تعوزي أي حاجة، أنا موجود. ولو حبيتي تتكلمي، هسمعك، وأساعدك، وأقف جنبك."
رفعت نور عينيها إليه بامتنان:
ــ "بجد مش عارفة أقولك إيه. شكراً قوي.. كفاية إنك جبتني بيتك. إنت إنسان نادر في الدنيا دي."
ابتسم يوسف بخفة وقال:
ــ "مش عاوزك تشكريني تاني. أنا ما عملتش حاجة. وأي حد مكاني كان هيعمل أكتر من كده. وبعدين.. كلمة حضرتك دي بتحسسني إني راجل عندي مية سنة وسناني مخلعة."
ضحكت نور ضحكة حزينة، لكن ألم قلبها خفّ قليلًا:
ــ "بجد دمك خفيف أوي.. ربنا يصلح حالك."
نظر إليها يوسف بعينين لامعتين وقال بغزل خرج منه بدون قصد:
ــ "يا لهوي.. أخيرًا الشمس طلعت."
نظرت إليه نور باستغراب:
ــ "نعم؟!"
ارتبك يوسف واحمر وجهه:
ــ "ها.. ولا حاجة."
ـــ السيناريست صباح عبدالله فتحي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكتب أحمد دخلت السكرتيرة إلى المكتب وهي تقول:
ـ صباح الخير يا فندم، حضرتك طلبتني؟
رفع أحمد رأسه من فوق الأوراق، وقال بلهجة متعبة:
ـ أيوه يا آنسة ملك، لو سمحتي عايزك تلغي أي اجتماع هيحصل النهارده في الشركة.
ترددت ملك قليلًا قبل أن ترد:
ـ بس يا فندم… النهارده في مقابلة الموظفين الجُدد، والناس فعلًا ابتدوا ييجوا، ولازم حضرتك تشرف بنفسك.
أحمد بحزن:
ـ خليه الأستاذ جاسر يقابلهم.
ملك وقد ازدادت حيرتها:
ـ بس الأستاذ جاسر مش موجود يا فندم.
نظر أحمد إليها بدهشة:
ـ إيه؟ مش موجود؟ أمال فين؟
أجابت بارتباك:
ـ والله ما عندي فكرة يا فندم… هو جه الشركة الصبح بدري، وبعدها خرج تاني.
أحمد وهو يزفر بضيق:
ـ طيب خلاص، روحي شوفي شغلك، وبلغي الناس اللي جاية علشان المقابلة إن المقابلة هتبدأ بعد نص ساعة.
أومأت ملك سريعًا:
ـ أمرك يا فندم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نرجع ليوسف ونور...
نهض يوسف وهو يعدل ملابسه على عجل:
ـ طيب أنا هنزل بقى… عندي مقابلة شغل جديدة ومش عاوز أتأخر. ادعيلي ربنا يسهّل الحال وأتقبل.
ابتسمت نور بحنان:
ـ ربنا يصلح حالك، إن شاء الله هتتقبل.
ابتسم يوسف وقال محذرًا:
ـ بس لو رجعت ولقيتك ما كلتيش حاجة… بجد هزعل منك.
ضحكت نور بخفة:
ـ حاضر يا أستاذ يوسف.
توقف يوسف قليلًا ثم قال مازحًا:
ـ يا ختييي… نطلع من "حضرتك" ندخل في "أستاذ"؟
أجابته نور بخجل:
ـ ما هو ما ينفعش أقول يوسف كده وخلاص من غير لقب.
يوسف مبتسمًا:
ـ خلاص براحتك. أنا همشي دلوقتي علشان اتأخرت. سلام عليكم
نور:
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
في الشارع…
كان يوسف يعبر الطريق شارد الذهن، لم ينتبه للسيارات من حوله. فجأة ظهرت سيارة مسرعة، لم يلحق سائقها أن يضغط على الفرامل، فاصطدمت به اصطدامًا خفيفًا في ساقه. سقط يوسف أرضًا يصرخ من الألم، ممسكًا رجله. ترجّل السائق بسرعة، لكنه بدلًا من أن يعتذر، اتجه إليه بغضب، وصاح:
ـ إنت أتعميت يا واد؟ مش شايف الطريق كله عربيات؟ ولا عامل نفسك بتموت عشان تطلعلك بقرشين؟
رفع يوسف رأسه، وصاح بغضب ممزوج بالألم:
ـ إنت مجنون ولا شارب حاجة؟ ده أنا كنت هاموت يا حيوان! بدل ما تعتذر وتشوف رجلي حصل لها إيه، جاي تشتم؟
اقترب الرجل منه، أمسكه من ياقة قميصه وضربه بلكمة في وجهه، وهو يقول بغضب:
ـ أنا حيوان يا روح أمك؟ إنت عارف بتكلّم مين يا ابن…؟
لكن يوسف، رغم الألم، رد بعينين مشتعلتين. صفعه بالقلم بقوة وزقه بعيدًا عنه. تجمّد السائق، واضعًا يده على وجهه من شدة الصدمة
قال يوسف بحدة:
القلم ده علشان تتعلم إزاي تكلم الناس.
ثم عاجله بلكمة أخرى قوية أسقطته أرضًا، وأضاف بسخرية:
ـ أما اللكمة دي… فدي عشان تعرف إنت بتتكلم مع مين.
ابتعد يوسف يعرج على ساقه، تاركًا الرجل ممددًا على الأرض. تجمع الناس من حوله، وحاول أحدهم أن يساعده على النهوض، لكنه زجره بغضب وزقه بعيدًا وهو يهتف:
ـ محدش يقرب مني!
نهض بصعوبة، وصعد إلى سيارته وهو يغلي من الداخل، غير مصدّق ما حدث. قاد السيارة بعصبية، وصوته يخرج من بين أسنانه وهو يتمتم بالوعيد:
ـ ماشي يا ابن الكلب… أنا هعرفك مين جاسر. وحياة أمك… لو كنت تحت الأرض، هطلعك