رواية اماني اماني الفصل الرابع4بقلم ايه شاكر
- مينفعش تروحي تقابليه لوحدك.
- متقلقيش عليا، واوعديني متقوليش لـ أسامة.
نظراتها كانت بتشع قلق، بس وعدتني مش هتقوله.
كانت عايزه تيجي معايا لكن معرفتش لأنها هتجيب ابنها من المدرسه.
خرجت من الشركة بدري شوية، وروحت لعنوان الكافية، وقفت بره ونظراتي بتلف المكان، بدور بين كل اللي قاعدين، يمكن أشوف حد أعرفه، واتفاجئت لما شوفت «رويس» أو زي ما البعض بيناديه محمود قاعد قدامي.
وبخطوات سريعة مندفعه روحت ناحيته، وقبل ما أوصل وقفت مكاني، ديرت ظهري وبلعت ريقي بارتباك، وسألت نفسي: افرض كانت صدفه ومش هو اللي بيبعتلي الرسايل؟
وخرجني من دوامة أفكاري بنت خبطتني بكتفها، واعتذرت مني ومشيت.
قررت أدخل تاني، لكن موبايلي رن برقم والدتي، حسيت إن ربنا بعتها ليا في الوقت المناسب، فرديت بسرعه، لكنها كانت بتصرخ:
- فين أخوكِ؟ مين بيرد عليا ليه؟ أبوكِ مات يا أماني.
وكررت الجملة الأخيرة وهي بتصرخ، الدنيا لفت بيا. وقفت مكاني للحظه، وأنا مش عارفه المفروض أعمل إيه! واتفاجئت بأسامة بيسحب كرسي وبيقعد قصد محمود.
مفكرتش للحظة وجريت عليه، قلت وأنا تحت تأثير الصدمة:
- مش بترد على ماما ليه يا أسامه؟
- إنتِ بتعملي ايه هنا؟
كنت سامعاه، بس كلام ماما لسه بيرن في وداني، سكت شويه، قلت بصدمه:
- بابا مات.
- بتقولي ايه؟
قالها وهو بيقف، وكررت الجملة أكتر من مره، فاستوعب عقلي مرارة الوضع، كنت عايزه أبكي وأصرخ لكن معرفتش.
حسيت وكأني انفصلت عن الواقع، مبقتش شايفه ولا سامعه حاجه إلا صوت بابا، ابتسامته، وطبطبته على كتفي، وصوته وهو دايمًا بيوصي أسامه عليا، ولما كان بيزعق لماما عشان متزعلنيش وتسيبني أدخل كلية الهندسة حتى لو في محافظة تانية، وجملته المعتادة: "أنا واثق في أماني."
انتبهت إن أسامه بيرن على ماما، لكن برده مكنتش سامعاه، شايفه تغيرات ملامحه، وألم قلبه اللي ظهر على عينه، وسرعته وهو بيسحبني من إيدي زي الطفلة التايهه، وخروجنا وأنا لسه مش ببكي، ولسه مصدومة.
ركبنا عربية خالي وجه معانا لكن أنا مكنتش سامعه إلا صوت صفير في وداني طول الطريق، بصيت من شباك العربية والذكريات بتمر قدامي بسرعة مع كل عربية بتتخـ ـطف من قدامي وبعدي عليها.
الندم ركب قلبي، وتم تفعيل وضع "ياريت لو"؛ ياريت لو رجعت أشوفه زي ما طلب مني، دا أنا مرجعتش بلدي من شهر.
ياريت لو اهتميت بحالته شوية، أنا أصلًا مكنتش معاه، ونادرًا ما بسأل عليه… ياريت لو ركزت معاه شويه بدل ما كنت مشغوله بنفسي.
ياريت لو كان يستنى كم يوم أحضنه وأقوله إني بحبه! أنا صحيح عشت معاه ١٩ سنه، لكن نسيت أقولها. الطريق مر بسرعة ووصلت البيت…
واتمنيت لو مكنش مر، عشان مشوفش الوادع المُر.
”المـ.ـوت” هو الحقيقة الوحيدة في الحياة واللي عمرها ما هتتغير، والفراق كده كده مكتوب علينا، إما إحنا اللي نفارق أو اللي بنحبهم يفارقونا.
مؤلم صح؟
ويخلينا نسأل نفسنا إحنا عايشين ليه؟
احنا ليه نسينا الدنيا دي إيه!
الدنيا طريق بنعبره، وهيجي غيرنا، والشاطر اللي ميعديش مكان إلا و يزرع فيه بذور؛ كلمة طيبة، ذكر لله، ولد صالح، صدقة، بر أب وأم، أو صلة رحم.
وآه لو ننجز ومنأجلش، ونرجع تقول ياريت، قالوا زمان كلمة ياريت مبتعمرش بيت.
ــــــــــــــ
- هتفضلي كده يا أماني؟ قولي حاجه! طيب عيطي، عشان خاطري عيطي… هو إنتِ مش مؤمنه يا أماني؟ طيب هتفضلي قاعده على سرير بابا كده لحد امته؟
قالها أسامه، كنت قاعده على سرير بابا، مش بتكلم مع حد، ناس كتير جت تعزيني، منهم زينه وآلاء.
بس مكنتش بنطق بكلمة، كنت شايفاهم بس مش سامعه. أنا كنت فاكره إني بتكلم وبرد، الصوت كان بيرد جوا دماغي لكن لساني كأنه مربوط، الدكتور قال إني عندي صـ ـدمة وكتبلي علاج، أنا مكنتش أعرف إني ضعيفه أوي كده! حتى دموعي محبوسه جوايا! يومين مروا عليا وأنا هنا ومش هنا!
- طيب قومي كلي معانا بره، دا خالك هنا، هو وابنه الكبير وعايزين يشوفوكِ.
مردتش عليه، واتكلم بعدها كتير، لكني مسمعتهوش؛ فخرج من الأوضه، وبعد شويه رجع تاني، ومعاه الأكل، وبدأ يأكلني زي كل يوم، وكنت بفتح بوقي وأكل، زي كل مره بعد ما يتحايل عليا.
وبعد شوية دخل خالي يسلم عليا ومعاه ابنه الكبير اللي كنت أول مره أشوفه، ومسح خالي على راسي بحنان وخرج.
وتاني يوم
- مش هتصدقي مين اللي بره! بسمه جايه تشوفك، مش إنتِ بتحبي بسمه؟
قالتها ماما وقعدت جنبي، ومعاها فرشه سرحتلي شعري زي ما بتعمل كل يوم، واغتـ ـصبت ابتسامه وقالت:
- هروح أناديها.
حضنتني بسمه، وسألتني عن أخباري، كنت بهز راسي، فقالت بابتسامة:
- أقولك خبر حلو، أنا اشتريت إسدال ومبقتش أحط مكياج، وقررت أتغير.
مردتش، فقالت:
- محمود معايا بره، هو وجوزي، بيسلموا عليكِ، ياريت تقدري تقومي تسلمي عليه.
بصيت لها ومردتش، فقالت:
- الواد محمود دا جدع أوي.
واتهز صوتها بارتباك وهي بتكمل:
- عايزه أقولك حاجه… لما قلتيلي إنك رايحه تقابلي اللي بيبعتلك الرسايل ده، مقدرتش أسكت، وخوفت عليكِ، فقلت لخالك.
اتصدمت، فسألتها بصوت طلع متحشرج:
- أسامه عرف؟
ابتسمت بسمه لأني اتكلمت، وقالت:
- لأ، خالك قال لمحمود وهو كان في الموقع وراجع الشركه فعدى على الكافيه، وكلم أسامه لكن مقالوش حاجه.
هزيت راسي، وانتبهت إني أخيرًا نطقت.
مسكت بسمه إيدي وعنيها لمعت بالدموع وهي بتقول:
- عشان خاطري اجمدي، إنتِ أقوى من كده يا أماني، أنا واثقه فيكِ.
أخر جملة قالتها، خلت صوت بابا يرن في وداني، "أنا واثق في أماني" فحسيت لأول مره بالدموع بتتجمع في عيني، وحسيت بحرارتها وهي بتسيل، ولأول مره بكيت بصوت، فحضنتني بسمه وهي بتقول:
- عيطي يا حبيبتي، عيطي، متحبسيش الحزن جواكِ، دا العياط رحمه.
وكأن كل أهاتي وصرخاتي كانت محبوسه، وبابها اتفتح. وقفت ماما تبكي، وأسامه حضنها، فتره لحد ما هديت، وبسمه، مسحت دموعها، ومسحتلي وشي وقالت بمرح:
- طيب مش هنتغدى ولا إيه يا أستاذ أسامة؟
- هنتغدى طبعًا وأنا اللي هجهز الأكل كمان.
رغم إننا بنحتاج خط فاصل بينا وبين الناس، لكن يُفضل نرسمه بالقلم الرصاص لأننا أحيانًا بنحتاج نمسح الخط ده، ولو لدقايق ونرجع نرسمه تاني، وفيه ناس بنمسحلهم الخط دا للأبد.
ـــــــــــــــــــ
رجعت القاهره لدراستي وشغلي،
ركزت إني أبني مستقبلي بطوب من العلم، والدين هو الأسمنت اللي بيثبته ويرفعه.
وانتهت السنة الأولى في الجامعة والترم التاني جبت امتياز، وكنت فرحانه جدًا.
نقلنا كلنا القاهره ومبقتش محتاجة سكن المدينة، لأن خالي إدانا شقة.
كتبت على جروب الشغل إني جبت امتياز، كنت عايزه محمود يعرف، وكلهم باركولي.
في اللحظة دي وصلتني رسالة على ماسنجر من أكونت جديد غير اللي عملتله بلـ ـوك، كان بيباركلي على النتيجة، ورسالة كمان:
- أنا فخور بيكِ ونفسي أقابلك أباركلك وأديكِ هديه.
مكنتش هرد، لكن الرسالة التانيه كانت صور كتير ليا وأنا خارجه من الجامعه أو داخله الشركه أو خارجه.
فكتبت بعصبية:
- كده الموضوع زاد عن حده أوي، إنت مين؟
- معجب بجـ ـنون.
- إنت مش معجب بجنـ ـون، إنت واحد مجـ ـنون.
بعت ايموشن بيضحك، وبعدين صورة قلب، ورسالة:
- بكره يا ملكه هتلاقيني في نفس الكافيه الساعه ٢ الضهر، متتأخريش، وخلينا ننهي اللعبة دي.
- أنا مش جايه.
- لو جيتِ هحكيلك حكايتي ووقتها يا تسامحيني ونبدأ من جديد يا هبعد عنك للأبد، ودا وعد.
مردتش، وقرأت الرسالة أكتر من مره، فبعت:
- خايفه ليه؟ دا مكان عام، هو أنا بقولك تعالي شقه، وإن معجبكيش الكلام يا ستي، قومي امشي.
بلعت ريقي وكتبت:
- مش هاجي ومتبعتليش تاني.
وعملته بلـ ـوك
وبعد مرور أسبوع
جه فرح ابن خالي؛ خالي ليه ولدين واحد متجوز والتاني خاطب وفرحه النهارده.
وعلى الفطار.
قالت ماما:
- أنا هروح عند خالكم، العربية هتيجي تاخدني، وإنتوا خلصوا الشغل وتعالولي على هناك.
سأل أسامه:
- ماما، عايز أسألك سؤال من بدري. لما خالي كويس كده، ليه كنتِ بتبعدينا عنه السنين دي كلها؟ ودايما تقولوا أنه واكل ورثك.
اتنهدت بعمق، وقالت:
- لأنه فعلًا كده، وشوية الملاليم اللي بيديهالنا دي ولا حاجه من بحر الفلوس اللي ليا عنده، لكن هعمل ايه، أهو أحسن مفيش، وكفايانا بهدله كده.
بصيت أنا وأخويا لبعض، وشكيت في خالي يكون فعلًا لابس قناع الطيبة وهو شـ ـرير الحكاية.
روحت الشغل
لفت نظري ورد جنب مكتبي، وعليه رسالة.
محمود دخل المكتب وألقى السلام، ونظره طويله على بوكيه الورد.
وبعديه وصلت بسمه اللي سألت:
- إبه الورد الحلو ده؟
- مش عارفه، لقيته على المكتب.
فتحت بسمه الرسالة وبدأت تقرأ:
- أنا فخور بيكِ يا أماني.
والتوقيع: معجب بجـ ـنون.
سحبت الرسالة من ايد بسمه، وقلت بصدمة:
- الورد ده مين جابه؟
- مستر مراد عايزك يا بشمهندسه أماني.
كان صوت سكرتيرة مكتب خالي، فقلت:
- حاضر جايه حالا.
بدلت نظري بين محمود وبسمه، وقلت:
- الورد ده من الأكونت اللي بيضايقني، وكان عايزني أقابله لكني مردتش عليه، أنا شكلي هقول لأسامه بقا يتصرف.
قرب محمود وأخد الرسالة قرأها وقال:
- أنا مش عارف إنتِ إزاي مقولتيش لأخوكي لحد دلوقتي.
- هقوله النهارده.
ومع إني كنت شاكه في محمود بس في الوقت ده حسيت إن مش هو، لأنه خرج يسأل العامل مين اللي جاب الورد لكن موصلش لحاجه.
خالي أخدني معاه بدري عشان فرح ابنه، اللي
كان في جنينة الڤيلا. دخلت الڤيلا وقعدت جنب ماما، وكنت حاسه إن المكان دا مش بتاعنا، والناس دي مش شبهنا، وقلبي مش مرتاح رغم الترحيب والابتسامات.
وكنت عايزه الوقت يمر بسرعه عشان أمشي، خالي جه قعد معانا، وقال لأمي:
- منوره يا أختي يا غاليه، أنا قررت أرجعلك حقك يا أختي ما هو محدش ضامن عمره، أنا بس ليا عندك طلب صغير.
- طلب ايه؟
قالتها أمي، فسكت خالي ثوان، وقال:
- طالب إيد بنتك أماني لإبني.
- بس اللي أعرفه إن عيالك كلهم متجوزين يا مراد!
- ابني الكبير مراته مش بتخلف، وهو معجب بـ أماني، وطلب يتجوزها.
- لأ طبعًا أنا مستحيل أكون زوجه تانيه.
- مش هتحسي بكده يا أماني، ولو عايزاه يطلق مراته هنخليه يطلقها.
- لا طبعًا، أنا يستحيل أعمل كده، ولا أوافق على حاجه زي كده.
قلتها بانفعال، وقمت وقفت، كنت خايفه من رد فعل خالي، وبسأل نفسي يا ترى الأيام مخبيالنا ايه؟!
التفت حوليا، كنت بتمنى أسامه أخويا يظهر، لأني كنت خايفه جدًا.
مين لسه مش متـ...ـابعني كتابات آيه شاكر ؟
