رواية ضي الفصل الحادي عشر11بقلم داليا السيد

رواية ضي الفصل الحادي عشر بقلم داليا السيد

أنا أحبك
انتهت من وضع العطر عندما رأته يدخل من باب غرفتهم فابتسمت وهي تنهض وتتحرك تجاهه، لفها بذراعه ومنحها قبلة طويلة حتى أبعدها ونظراته ليست كما تعرفها فقالت 
"ماذا بك؟"
تحرك للمقاعد وتركها ليجلس وهي جلست على ذراع مقعده وهو يقول "أنطون متعب، تعب بالشركة وأعادوه البيت وعندما وصلت كان قد انتقل للمشفى وهناك الطبيب أخبرني أن قلبه ليس بخير وبحاجة لفحوصات"
تحركت وجلست على ساقه فلفها بذراعه وهي تمرر يدها على لحيته وهو ينظر لها وقالت "لماذا لم تبقى معه؟ أعلم أن لا أحد له"
أمسك يدها وقبل راحتها وقال "لا مجال لوجودي ضي، هو بالعناية"
ترك يدها فمررتها على صدره وقالت "أعلم أنك تحبه"
نعم يحبه ولا يرغب بفقدانه، جذبها ليقبلها فهو حقا بحاجة لها ولأن تأخذه لعالمهم بعيدا عن مخاوفه على صديقه الوحيد وهي نهضت وجذبته من يده فنهض معها وتحركا للفراش وهو بالطبع لم يرفض بل استجاب وما أن انتهى حتى نام وهو يلفها بذراعه وهي أدركت مدى تأثره بالأمر وتمنت لو بيدها شيء لأجله فهو حتى لم يقدمها لأنطون رغم مرور شهرين على وجودهم هنا وهي لم تعترض ولكن الآن ربما تعرض هي الأمر عليه
الهاتف أيقظها فاعتدلت ولم تجده بجوارها ولكن هاتفه هو الذي كان يرن، ما أن جلست حتى رأته يخرج من الحمام والمنشفة حول خصره وتحرك للهاتف وأجاب بالإيطالية وهي لم تتعلمها جيدا بعد ولكنها فهمت أنها المشفى
جذبت روبها وارتدته ونهضت له حتى انتهى فقالت "ماذا حدث؟ هل أصابه شيء؟"
نظر لها وقال "بحاجة لجراحة بالقلب وهم بحاجة لتوقيعي"
تحرك مبتعدا فقالت "سآتي معك"
توقف لحظة ثم التفت لها ونظر بعيونها فقالت "هو وحده سليم وبحاجة لنا معه"
عاد لها وقال "ضي الأمر ليس بسهل"
ضاقت عيونها ولم تفهم وقالت "أي أمر سليم؟"
نفخ وأبعد وجهه وهي انتظرت تفسيره وهو عاد لوجهها ورأى الحيرة فقال "أنطون لا ينسى أنني تخليت عن جولي من أجلك"
تفهمت كلماته فأخفضت وجهها لحظة ثم عادت له وقالت "هذا حقه سليم هو أب وتألم لابنته وأنا لن أغضب لو أساء معاملتي لكن ربما يبدل رأيه عندما يعرفني"
ظل ينظر لها غير مقتنع وقال "ضي أنا لا أرغب بجدال وغضب فالأمر لا يحتمل وهو مريض"
هزت رأسها وقالت "أفهم ولو شعرت أني عبأ عليه أعدك أن أرحل"
لم يستطع رفضها كي لا تفكر أن هناك موانع أخرى كما وأنه تمنى كثيرا تقدميها له وتحطيم الحاجز الذي رفعه أنطون منذ عاد من مصر فهل يمكنها هي أن تفعل؟
**** 
المشفى كان فاخر جدا ومختلف تماما عن مصر ككل شيء هناك، الطبيب منحه تقرير عن حالته ووقع أوراق الجراحة وتحرك معها لغرفة أنطون وتركها بالخارج رغم الزجاج الذي يوضح كل شيء بالداخل وهي ظلت تنظر للرجل الممدد على الفراش وزوجها يقترب منه
ابتسم أنطون له من بين الأجهزة وقال بتعب "تبدو وكأنك لم تنم منذ قرن فات"
انحنى عليه وقال "وأنت تعرف السبب يا رجل؟"
أغمض عيونه ثم فتحها وقال "بالطبع فلديك امرأة جعلتك تنبض بالحياة خلال شهران"
ابتسم سليم وقال "وأنت ألا تفعل؟"
أراد أن يضحك ولكنه بدا متعب فأوقفه سليم "أنطون هل أنت بخير؟"
هدأ الرجل وانتظمت أنفاسه وقال "هي من تقف بالخارج؟"
هز رأسه وقال "لم تشأ تركك وحدك رغم أني رفضت حضورها ولكنها أصرت"
ظل ينظر لها وهي تقف بالخارج ونظراتها كلها قلق حتى قال "صدقت جولي هي صغيرة وجميلة وأنت بالطبع لم تضيع الفرصة وخطفت الفتاة"
عاد سليم ليبتسم وقال "ترغب بلقائك"
هز رأسه فنظر لها من الزجاج وهز رأسه لها فترددت قليلا قبل أن تتحرك للداخل وتوقفت بجوار سليم الذي قال "ضي، أنطون"
تجولت نظرات أنطون عليها وقال "لم أراه بتلك الحالة من قبل"
لم تفهم ونظرت لسليم الذي قال "ألا تتوقف؟"
أغمض عيونه وهي عادت له ففتح عيونه ورأى الحيرة بعيونها فقال "أصبح رجل على قيد الحياة، جولي عرفته سنوات كثيرة ولم تبدل به شيء وأنت بشهرين خلقت منه رجل آخر، سعيد برؤيتك ضي"
العربية خاصته كانت مفهومة لذا ابتسمت وقالت "وأنا سعيدة لأني رأيت الرجل الذي يعني الكثير لسليم فهو يحبك ويقدرك كأب وصديق"
هز رأسه وقال "أعلم ولن أتركه سأعود له، هل تجيدين صنع الطعام المصري؟"
ضحكت وابتسم سليم وهي أجابت "نعم، سأعد لك كل الأصناف المميزة لدينا فقط اخرج من هنا"
هز رأسه وقال "سأفعل"
الجراحة استمرت وقت طويل وهي ظلت معه ولم تتركه، تناولا القهوة وعصير وهاتفت كريم ومدير مكتبها ومصر وتابعت بعض الأمور وهو المثل حتى خرج الطبيب وأعلن انتهاء الجراحة ومنحهم كلمات مريحة عن نجاح الجراحة 
بصباح اليوم التالي عادوا له وقد خرج من العناية لغرفة ولكن ما زال متعب بالطبع، هاتف سليم لم يتوقف فنظرت له وقالت "سليم اذهب أنت وأنا باقية لن أتركه"
نظراته حملت معنى التردد وقال "ضي لستِ مجبرة على ذلك هنا التمريض جيد و.."
قالت بابتسامة رقيقة "أنا أرغب بذلك، لا تقلق"
هز رأسه ثم تحرك خارجا وهي عادت للرجل النائم وجلست بجوار فراشه وشغلت نفسها بالهاتف ورسائل العمل وعندما أفاق اهتمت به وبكل ما يحتاج له حتى مضى يومان عليه بالمشفى وهي تقريبا معه وسليم ما بينهم وبين العمل حتى وافق الطبيب على خروجه ورافقوه للبيت وبالطبع كان عليه إيجاد ممرضة
ساعدت الرجل على دخول الفراش وقالت "أعددت لك طعام بسيط الطبيب أوصى به وكل يوم سأفعل"
ابتسم لها وقال "لا تفعلي ضي هناك امرأة تأتي كل اسبوع وتقوم بعمل طعام الاسبوع كله"
أبعدت حقيبته وقالت "أنت بحاجة لطعام مخصوص أنطون"
دخل سليم وقال "الممرضة ستأتي غدا انطون أنا باقي معك اليوم"
اعترض الرجل ولكن سليم أصر وهي جهزت الغداء لهم وعادت به وساعدت أنطون بتناوله ومنحته الدواء وسليم يتابعها حتى نام فنزلوا لتناول طعامهم وقال "بعد العشاء سأعيدك البيت وأعود"
هزت رأسها وقالت "أنت لم تخبر جولي"
لم ينظر لها وهو يجيب "لا، لم أرغب بإخافتها"
لم تمانع وقالت "يتحدث عنها كثيرا"
لم يرد حتى انتهوا وعادوا للعمل كلا على حدة ثم عادوا لغرفته وظلا معه قليلا عندما أحضرت هي العشاء ونزل هو ليفتح الباب وأنطون يقول "طعامك مميز ضي"
ابتسمت وقالت "انتظر حتى تتذوق الطعام الآخر وليس الخاص بالمرضى"
ومنحته الطعام بفمه وهو يضحك عندما سمعت صوت جولي تقول "كان عليك إخباري بابا"
تجمدت يدها بالطعام وشعرت بقبضة تقبض على قلبها ونظرات أنطون تتحرك للباب وهو يقول "خشيت من إفزاعك حبيبتي"
ابتعدت هي وتراجعت وجولي تحركت وجلست على طرف الفراش والقلق واضح بمعالم وجهها وهي تقول "كيف حالك الآن؟"
تراجعت ضي لتتركهم وخرجت من الغرفة لترى سليم بالأسفل وهو يدخن سيجارة فنزلت له وقالت "أخبرتها؟"
نفخ الدخان وقال "لا، الميديا"
تحركت وجلست وهي تشعر بالأرض تميل بها ورؤية جولي تؤرقها فقالت "هل نذهب؟"
التفت لها ولاحظ شحوب وجهها فتحرك لها وانحنى عليها وقال "ماذا بكِ؟ أنتِ متعبة؟"
رفعت وجهها له وحاولت أن تبتسم وهي تقول "لا أنا بخير فقط لا أرغب بأثارة مشاكل أنت في غنى عنها"
سمعت جولي تقول "أي مشاكل ضي؟"
لم تقوى على النهوض وكأن الضعف والخوف عادوا لها مرة أخرى وجولي تنزل لتقف أمامها وضي ثابتة لا تنهض ولا تجيب وجولي تحدق بها بعيونها الخضراء وعندما لم ترد هي قالت جولي 
"أنا لا يمكنني إثارة أي مشاكل معك"
ضاقت عيون ضي بلا فهم وهي تقول "لأن والدك متعب، أفهم ذلك"
اقتربت جولي منها وظل سليم مكانه بلا رغبة بالتدخل وجولي تقول "بل لما فعلته مع بابا بالأيام السابقة، هو أخبرني وأنا مدينة لكِ بكل ما فعلته من أجله"
لم يرحل شحوب وجهها وارتبكت وهي ترد "لستِ مدينة بأي شيء جولي، من كثرة حديث سليم عن والدك رغبت بالتعرف عليه ووقتها عرفت لماذا سليم يحبه فهو أب رائع حقا وأنا كنت سعيدة بكل ما قدمته له"
جلست جولي أمامها وضي تتبعها بعيونها وجولي قالت "أخبرت سليم أنكِ امرأة جيدة وأني سأكون صديقتك بيوم ما"
تراجعت ضي وهي تقريبا تظن أنها تحلم لأن كل ما حولها كان يلف وهي تحاول التأكد بأنها بالواقع فرفعت يدها لجبينها وقالت "هذا ما أرغب به حقا جولي، كنت أخشى أن أكون سبب بتدمير علاقة سليم بوالدك وأن أكون سبب.."
قاطعتها جولي بابتسامة حقيقية "نعم أنتم سبب ولكن سبب سعادتي التي لم أكن أدركها، عودتي لجينو جعلتني أراه بعين مختلفة وأدركت أن مشاعره تجاهي صادقة مما جعلني أميل له جدا وأدرك أني لم أخطئ بقراري بالعودة له"
ابتسمت ضي وما زالت تشعر بأن كل ما حولها يلف ولا يتوقف، قالت بصعوبة "هذا، هذا شيء يسعدني"
تحرك تجاها وهو يلاحظ ملامحها وتلعثمها وهتف "ضي ماذا بكِ؟"
كانت تمسك رأسها بأصابعها وتغمض عيونها وهي تقول بصعوبة "لا، كل شيء، يلف، من حول.."
ولم تكمل والظلام يهبط عليها فتضييع من الوجود ولا تشعر ولا ترى أي شيء
**** 
فتحت عيونها بصعوبة من الثقل الذي تشعر به برموشها فأغلقت عيونها مرة أخرى ثم فتحتها لترى ضوء خافت يضيء غرفة صغيرة وهي ممددة على فراش يكفي لفرد واحد ولم تعرف ماذا أصابها ولكن صوت سليم جذبها وهو يقول 
"ما زالت لم تفيق بعد"
صوت رجل أجابه "ستفعل الآن هي بخير لا تقلق"
لفت رأسها بصعوبة من الدوار لتراه يقف مع رجل لا تعرفه فنادته بتعب "سليم"
تحرك لها على الفور والقلق واضح بعيونه، أمسك يدها وهو يجلس على طرف الفراش وقال بحنان "عزيزتي كيف حالك الآن؟"
قالت بضعف "دوار وصداع، ماذا حدث؟"
اقترب الرجل الآخر وقال بإنجليزية "فقدتِ الوعي مدام، هل ما زلتِ متعبة؟"
هزت رأسها بضعف فقال "منحتك دواء سيعيد الضغط للانتظام لكن لابد من الرجوع لطبيب مختص"
نظرت لسليم وقالت "مختص!؟ ماذا بي سليم؟ أي طبيب الذي يتحدث عنه؟"
لم يمنحه الطبيب فرصة ليتحدث وقال "طبيب نساء، اسمحوا لي"
لم يتابعه أيا منهما وهي تعود لعيونه الزرقاء التي تراقبها بحنان وقالت "أنا لا أفهم سليم، ماذا بي"
رفع يده وأبعد حبات العرق عن جبينها ومرر يده على وجنتها وقال "أنت بخير ضي اهدئي"
رأى دموع بعيونها وخوف وهي تقول "سليم من فضلك لا تخفي عني شيء، هل أنا مريضة ب.."
وصلت أصابعه لشفتيها ليوقفها وهو يقاطعها بهمس "أنتِ حامل"
سقطت الدموع التي كانت تقف على أبواب عيونها وكلماته تضربها بقوة وتعيدها لست سنوات ماضية "أنتِ حامل" كلمات حولت حياتها لجحيم، أغمضت عيونها بألم من الذكرى لكن صوته أعادها وجعلها تذكر أنه هنا، زوجها، والد طفلها الذي تحمله، الأمر مختلف لذا تلك السعادة التي تراها بعيونه لابد أن تكون من نصيبها حقا 
سمعته يقول "أنتِ حامل بطفلنا ضي، طفل لم أفكر أني سأناله أو أني أستحق أن أناله بأي يوم"
لم تدرك أنه كان يفكر أن ذلك عقاب القدر له، حرمانه من امرأة تمنحه السعادة ومن طفل يحمل اسمه ولكن منذ رسمت جدته له الطريق واختلف كل شيء، الغضب من قرارها تحول لشكر لأنها فعلت، الرفض لخططها تحول لسعادة لأنه وافق على ما أرادت 
منذ أن أعلن لنفسه أنه يرغب بتلك الفتاة زوجة حتى أدرك أنه كان قرار صائب ولم يندم وها هو يجني ثمار قراره بطفل من صلبه جزء منه ينمو داخلها، سيتشاركان كل لحظة له معا
همست من بين الدموع "أنا حامل"
ابتسم وهو يهز رأسه ويقبل يدها وقال "نعم، تحملين جزء مني، طفلنا، سنتشارك معا بكل لحظة له من الآن وحتى نهاية عمرنا، أريده ضي، أريده بشده هو أجمل هدية نلتها بحياتي والأجمل أنه منك"
وانحنى وقبلها وهي ما زالت تبكي وكل ما تراه أمامها كريم، ابنها، ما عانته وحدها وهي تحمله تسعة أشهر وما عانته بعد ولادته لتمنحه أفضل ما تستطيع، كريم هو كل حياتها والآن هناك طفل آخر بالطريق سيشاركه كل شيء فهل هي ترغب بذلك؟
لا مجال للسؤال فكلاهم أولادها ولهم عليها الحب والحنان والحماية وستفعل بخاصة كريم لأنها لن تظلمه كما ظلمته الأقدار ربما طفلها القادم سينعم بأب وثراء على خلاف كريم لكنها ستمنح كريم أضعاف ما ستمنحه لطفلها الثاني
***** 
ما أحلى الأيام عندما تمر بإشراقة وترحل كنسمة باردة بموجة حارة ترطب القلوب وتمحو جفاف الذكرى
**** 
انتهت من الاجتماع وشعرت بالتعب من العمل كل تلك الفترة بلا توقف فالاجتماع الأخير أخذ وقت كبير مما جعلها لا تشعر أن النهار أوشك على الانتهاء، نهضت بألم بظهرها فمددت جسدها ثم تحركت للمكتب عندما رأت الهاتف يهتز واسمه يضيء فأجابت 
"أعلم أني تأخرت"
كان يتحرك خارجا من المطار عائدا من رحلة عمل بباريس ومدريد منذ ثلاثة أيام، قال بقلق "لم لا تجيبيني إذن؟"
قالت "الهاتف صامت، كان لدي اجتماع، أين أنت؟"
دخل سيارته التي كانت بالموقف الخاص وقال "بالسيارة ضي، هاتفتك قبل أن أصعد للطائرة ولكنك لم تجيبي"
ابتسمت بسعادة وهتفت "أنت هنا؟ بروما حقا؟"
يحب طريقتها الطفولية عندما تعبر عن سعادتها بشيء فقال "نعم يا صغيرة، لا تذهبي سأمر لاصطحابك"
أجابت على الفور "بالطبع أنتظرك"
ما أن أغلقت حتى هاتفها عزمي واندهشت فهو لم يفعل منذ وقت طويل، أجابت بقلق "مرحبا أستاذ عزمي كيف حالك؟"
تحركت لتجلس على مقعدها وجاءها صوته "بخير مدام ما هي أخباركم؟"
نظرت للمدينة من خلف الحائط الزجاجي وقالت "بخير الحمد لله، هل كل شيء على ما يرام؟"
صمته جعلها تزداد قلقا وهو أخيرا قال "عرفت أن عم منصور توفاه الله بالأمس لذا رغبت بإخبارك"
أغمضت عيونها والحزن يعتلي صدرها على الرجل الذي أحبته وأحبها كابنته، ناداها عزمي فقالت "هل يمكن أن ترسل من يتولى الأمر؟ أولاده لا يسألون عنه، كنت أتمنى لو أستطيع الحضور ولكن تعرف الظروف"
أجاب "أعلم مدام، هل تذكرين موعد الذكرى السنوي لمدام بثينة؟"
أجابت "بالطبع، الاسبوع القادم، لقد مر عام آخر على رحيلها وما زلت أذكرها كأنها كانت معي بالأمس، رحمة الله عليها"
قال "نعم، لا أعلم إذا كنت تعرفين أن مزرعة العامرية أصيبت بحريق كبير بالأمس وسجلت خسارة كبيرة"
اعتدلت بالمقعد ورددت بجدية "حريق!؟ لا لم يتم إبلاغي بشيء، وماذا أستاذ عزمي هل تم معرفة سبب الحريق؟"
أجاب "الرجال أخبرتني أن هناك تكتيم على الأمر لذا لم يتم إبلاغك لكن هذا لم يعجبني ورغبت أن أخبرك"
رأت مكالمة من سليم فقالت وهي تنهض "حسنا أستاذ عزمي من فضلك تابع الأمر حتى أهاتفك مرة أخرى"
أغلقت معه وأجابت زوجها وهي تتحرك للمصعد "أنا بالمصعد سليم"
أجاب "حسنا وأنا أنتظرك"
ما أن نزلت وفتح لها رجل الأمن حتى تحرك لها واحتضنها بقوة فقالت "ظننتك لن تنزل من السيارة وتحتضن هذا الجسد المنفوخ كالبالون"
كان يلفها بذراعه وهو يتحرك بها للسيارة وقال "هذا البالون هو أجمل مشهد رأته عيوني، زوجتي وابنتي القادمة"
ابتسمت وهو ينتظرها تدخل السيارة وحركتها بطيئة بنهاية الشهر السابع، صعد بجوارها والتفتت له وقالت "افتقدتك جدا، ألا يمكن أن تصحبنا معك بعد ذلك؟"
اخترق الطريق وقال "بحالتك هذه؟ لا شكرا أرغب بكما بخير ولا تنسي أن كريم لا يمكنه ترك المدرسة"
هزت رأسها وهي ممتنة أنه لم يغير معاملته لكريم أبدا بعد معرفته بالحمل وحتى كريم اهتم بها جدا وأصبح يبحث عن راحتها ويتحدث مع طفلتها بتعقل وسليم أخبره أنه المسؤول عن أخته القادمة وأنه رجلها الكبير والطفل أخذ الأمر بجدية
أخبرته ما أخبرها به عزمي فتابع الطريق وقال "الأخبار كلها ليست جيدة إذن"
ظلت صامتة وذهنها مشغول بالفعل، نظر لها ورأى شرودها وتركها حتى وصلا البيت، كريم أسرع له كالعادة ونال اللعب الخاصة به من والده وأسرع مع المربية لاختبارهم وهي جلست على الأريكة شاردة فتحرك وجلس بجوارها وقال 
"لا تخبريني أنك تريدين العودة لمصر؟"
لفت وجهها له فأدرك نظراتها فنفخ وأبعد وجهه فقالت "سليم أملاك جدتك تضيع منا لابد أن يفعل أحدنا وأنت لا تحب التعامل هناك فدعني أنا أفعل"
نهض من جوارها ليدخن وقال "ضي هل تدركين بأي شهر أنتِ؟"
تدرك تماما وما لا يدركه هو ماذا كانت تفعل وهي حامل بكريم، كانت تعمل بوظيفتين وتذاكر وتقوم بعمل البيت ولم تشكو، ظلت مكانها بعيدا عن الدخان وقالت 
"نعم بالطبع أعلم ولكن ركوب الطائرة لن يكون تعب لي سليم"
التفت لها وقال "لا ضي، عندما تصل جينا وقتها يمكنك السفر"
تلك المناقشة تكررت من قبل وانتهت للا شيء، قالت بأمل أخير "يومان وسأعود"
التفت لها وقال بحزم "ضي، هذا أمر لا مجال للنقاش به، ماذا لو أصبتِ بأي مضاعفات هناك؟ أنتِ ستكونين وحدك ولا أحد معك وهذا لن أقبل به"
هو على حق وهي لا ترغب بأن تكون وحدها ولكن أملاك جدته تضيع وهي لا تستطيع فعل أي شيء، أطفأ السيجارة وهو يرى ملامحها الحزينة فرقت ملامحه وتحرك ليجلس بجوارها مرة أخرى وجذب يدها بيده وقال 
"أنتِ حياتي ضي ولا يمكنني التفريط بكم بسهولة"
رفعت وجهها له فمرر يده على وجنتها وقال "أنتِ وهي الهواء الذي أتنفسه، أنتِ لا تعرفين كيف تمضي تلك الأيام التي أترككم فيها عليّ، أنا تقريبا لا أنام ولا أتوقف عن العمل كي أنتهي وأسرع عائدا لك، تركك وحدك بعيدا عني يصيبني بالجنون، فما بالك أنتِ وهي وبمصر حيث لا أحد هناك ليكون بجوارك؟"
ابتسمت لكلماته التي تمنحها الراحة والسعادة فمالت برأسها على راحته وقالت "وأنا أيضا سليم، أنا لا أعرف النوم وأنت لست معي، يعود الخوف لي وكأني عدت لتلك الأيام التي لم تكن معي بها، أنا لا أعرف الأمان إلا بوجودك سليم ولم أتعلم الحياة إلا بعد أن ضمتني لأحضانك، أنا لا أرغب إلا بأن أكون معك وبين ذراعيك"
جذبها له واحتضنها وهو يضع قبلة على رأسها ويدرك أن حياته أصبحت عالقة بها وتعجب كيف كان يحرم نفسه من تلك السعادة ولكن هو كان ينتظرها وما أن وجدها حتى أدرك أنها هي من ارتبطت حياته بحياتها وهي من ستكمل معه لنهاية العمر
تابعت أمر المزرعة من مكتبها وأقامت الدنيا ولم تقعدها باتصالاتها حتى وصلت الشرطة لرجال تابعين لرزق، الحاج رزق الذي كان يعمل لدى جدتها ولديها وخانها لحساب فاتن وفاطمة وبالطبع لم تتنازل عن حقها الجنائي
مر الشهر السابع بسلام ولكن التعب زاد وهي لا تمنح الامر أكثر مما يستحق، انتهت من إعداد الطعام وهو دخل المطبخ وهتف "ضي، ماذا تفعلين؟"
جففت يدها والتفتت له وهي تقول "لقد أعددت الطعام الذي يفضله أنطون وجولي هل نسيت أنهم على وصول؟"
تحرك لها وقال بغضب مكتوم "أنتِ من ينسى أنك حامل وعليك بالاهتمام بنفسك أفضل من ذلك"
ابتسمت لاهتمامه الدائم وقالت وهي تداعب أطراف قميصه المفتوح "أنت تفعل سليم، أنت تهتم بي وتدللني كثيرا، أنا بخير صدقني"
ولكنها فجأة شعرت بألم من أسفل بطنها فتركت قميصه وأمسكت بطنها وتألمت بصمت لكن ملامحها كانت واضحة فلفها بذراعها وهتف "هذا ما أتحدث عنه"
دفعها لأقرب مقعد وهي قالت "أنا بخير سليم لا تقلق"
جلست ولكن دفعة أخرى جعلتها تنحني للأمام والألم يندفع لظهرها مما جعلها تفزع من داخلها خوفا من ولادة مبكرة
اعتدل وقال "سأهاتف وليم"
هو طبيبها المتابع للحمل وهي لم تعترض عندما سمعوا ضوضاء بالخارج وعرفت بوصول جولي وزوجها وأنطون فهم يمضون العطلة عندهم مؤخرا لصعوبة تنقلها للحمل
دخلت جولي وهتفت "رائحة الطعام .."
ولم تكمل وهي ترى مظهر ضي وملامحها فأسرعت لها وقد توطدت علاقتهم بعد مرض أنطون، أمسكت يدها وهتفت "ضي ماذا بكِ؟"
الألم عاد مرة أخرى فأغمضت عيونها وقالت "ألم بأسفل بطني"
عاد لها وقال "وليم بالطريق، تعالي"
حملها وتحرك بها للخارج وأنطون وجينو تجمدوا لرؤيتهم وجولي تبعتهم للأعلى وهو يضعها بالفراش وما زال الألم يرتد وهي لا تعرف ماذا أصابها وظل هو يهاتف الطبيب حتى وصل الرجل بأسرع ما استطاع
نظر لسليم وقال "إنذار بولادة مبكرة، سأضع لها محلول ومثبتات حمل وتهدئة لتقلصات الرحم، هل تعرضت لمجهود أو ضغط نفسي ضي؟"
قاومت الألم وقالت "لا"
رد هو "هي لا ترحم نفسها بالعمل والمطبخ؟"
هز وليم رأسه وهو يضع الإبرة بذراعها وقال "ليس كل حمل مشابه لغيره ضي وحملك هذا منذر وما تبقى أخطر مما رحل"
لم ترد وهي تقاوم الألم بصمت وجولي بجوارها قلقة ومتوترة وهو عقد ذراعيه أمام صدره والقلق يقتله حتى سرى المحلول والدواء الذي وضعه الطبيب ووصل لعروقها وما زال الألم ومنحها دواء آخر ليساعد على إيقاف التقلصات ونظر لسليم وقال 
"بعض الراحة لن تضرها لكنها لا تمنع الولادة المبكرة، أبعدها عن أي ضغوط نفسية حزن أو فرح"
هز سليم رأسه وظلت ملامحه جامدة وهو يراها تهدأ وترحل بالنوم ووليم يقول "ستنام وعندما تستيقظ سيكون الألم قد رحل، لا تنزع الإبرة غدا سأعود لمنحها محلول آخر ودواء آخر معه"
لم يرد ووليم يتحرك خارجا وجولي تتبعه فتحرك لها حتى جلس بجوارها على الفراش وبدت شاحبه وعلامات التعب واضحة على وجهها وعيونها المحلقة، مرر أصابعه على وجنتها كما يحب أن يفعل فهو يعشق نعومة وجنتيها بل هو يعشق كل جزء منها، هو يعترف الآن وقلبه كان يتمزق عليها وهي تتألم أمامه فهو يعشقها، يعشقها بجنون، يحبها بقلب عاش خمس وثلاثين عاما لا يعرف الحب، يحبها بعطش كل تلك السنوات
وضع قبلة على جبينها وهمس "أنا أحبك ضي، أنت بدلت كل حياتي، تعلمت معك الحب وأحببت بحبك الحياة وعرفت أن السعادة تكمن بوجود الحبيب بجوار من يحبه وأنت مصدر سعادتي ضي، وجودك منحني كل ما حرمت منه لذا لا يمكنني تخيل الحياة وأنتِ لست معي، لم أعد أستطيع أن أعود كما كنت"
أمسك يدها وقبلها وهو يرى دبلته بأصابعها وتذكر ذلك اليوم؛ بداية قصتهم بحق، اليوم الذي عرف أنه لن يسمح لرجل آخر بأن ينظر لها حتى نظرة إعجاب كيحيى وقرر أن يعلن للعالم أنها له، ملكه، امرأته ولن تكون لسواه ومن بعدها سقط بناء على أوامر قلبه، سقط أمامها وأعلن لها رغبته وهي لم ترفض وهو ما شجعه أكثر على المضي بما أراد قلبه ولم يعرف وقتها أنه كان قد سقط بحبها
ضم يدها بين يداه وأسند رأسه عليهم وأغمض عيونه وظل يحدث نفسه "كنتِ تعلمين جدتي، كنتِ تعلمين أني سأحب فتاة بسيطة مثلها، فتاة جميلة ونقية وبريئة، تحب كل من حولها بقلب أبيض لا يعرف الكره مهما كان من يواجها، كنتِ على حق جدتي عندما طلبتِ مني أن أتزوجها وقلتِ إني لن أندم ولم أندم بالفعل فقط أخاف جدتي"
ورفع عيونه لوجهها المتعب وأكمل أفكار "أخاف عليها وعلى طفلتنا، كيف سأعيش بدونها؟ لم يعد بإمكاني تحمل فقدان حبيب آخر فلم يعرف أحد كيف اجتزت فراقك، يا الله! أرجوك لا تحرمني منها فأنا لم يعد لي سواها، أنت من منحني إياها فاحفظها لي هي وابنتنا"
سقطت دموع من عيونه وتركها ربما تمنحه راحة بدلا من الألم الذي يملأ صدره وظل يحدق بها وهو ينتظر أن تفتح عيونها وتخبره أنها بخير وتبتسم له وتجذبه لأحضانها 
**** 
عندما استيقظت كان الظلام قد خيم على غرفتها ورأته نائما على مقعد بجوار فراشها، اعتدلت وجلست وهي ترى الإبرة بذراعها وتذكرت الألم الذي رحل الآن، نادته مرة واثنان حتى اعتدل وفتح عيونه وبدت حمراء من النوم، اعتدل ودفع يده بشعره وهو يتحرك لها ليجلس أمامها على طرف الفراش ويقبض على يدها وهو يرى وجهها المتعب أمامه ويقول 
"هل أنتِ بخير؟"
ابتسمت له ورفعت يدها الأخرى لوجنته ولحيته التي تحب تمرير أصابعها عليها وقالت "نعم، آسفة أني جعلتك تقلق هكذا"
أمسك يدها وحرك راحتها لفمه وقبلها وقال "المهم أنكِ بخير"
وجذبها له ليحتضنها بقوة وكأنه يتأكد أنها عادت له بخير وسلام وهي أغمضت عيونها وهي بأحضانه فهو المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان، تنسى الدنيا ولا تذكر سوى أنها معه فهو من يملك قلبها وهو من أصبحت تحب الحياة لأنه فيها
البقاء بالفراش لم يكن اختيار لأن التعب كان يلاحقها فاستسلمت ولم تجادل وهو وفر لها كل سبل الراحة وجولي كانت تأتي كثيرا للبقاء معها، صداقتهم نشأت بلا مقدمات وهي كانت سعيدة بها حقا
شعرت به يدخل الفراش بجوارها ويلفها بذراعه فابتسمت وقالت "تأخرت"
وضع قبلة على عنقها بعد أن أبعد شعرها الغزير وقال "أنطون يمضي عدة أيام مع فيكتوريا وترك كل شيء فوق رأسي"
التفتت ببطء وهو ينتظرها لتواجه عيونه فأبعد شعرها وهي تقول "هي أطول علاقة له هل يحبها؟"
ابتسم وهو يسقط أصابعه على شفتيها وقال "لم يخبرني بشيء لكنه لا يكف عن الحديث عنها وكل عطلة هي تلازمه والآن رحلة لمدريد وأنقرة وضرب بالعمل حرب الحائط"
قبلها برقة وقال بهمس "أفتقدك"
كانت تعشق لحظاتهم معا ولكن الطبيب اوصى بالحرص من أجل الأمان، عاد وقبلها مرة أخرى واعتدل ليأخذها بأحضانه وقال "لا أستطيع الصبر لرؤيتها"
مررت أصابها على صدره العاري وقالت "أنت تدفعني للغيرة لأنها تنال كل هذا الاهتمام"
أسقط نظراته عليها وكرر "غيرة!؟"
رفعت عيونها له وقالت "أخشى أن تأخذك مني"
أحاط وجنتها براحته وقال "لا شيء ولا أحد يمكن أن يأخذني منكِ سوى أنتِ، أنتِ من أخذني من العالم كله، ضي أنتِ غيرتِ كل حياتي، فتحتِ كل الأبواب التي كنت قد وضعت عليها أقفال وأضعت مفاتحها بلا اهتمام، أنتِ من صنع لي تلك الأسرة التي لم أعد أفكر بقضاء يوم بعيدا عنها، أنتِ وكريم وجينا كل حياتي، أنا مدين لكِ بكل ذلك"
عادت وقبلت راحته وقالت بصدق "تقريبا أنت لا تقدر نفسك حق قدرها ولا تعرف ماذا فعلت بي، أنا كنت ضائعة سليم، ضائعة بمتاهة لا أعرف أين السبيل للخروج منها، جدتك منحتني أول الطريق وتركتني وحدي وسط ممرات متشابهة وكان علي الاختيار وانتظار ما سأجده باختياري، كنت وحدي وخائفة ليس على نفسي بل على كريم حتى عرفتك ومع ذلك لم أفكر أنني يمكن أن أكون زوجة لرجل مثلك، أنت كل ما تتمناه المرأة بفارس أحلامها"
ابتسم ورسم خطوط على وجنتها وقال "هذا الفارس سقط من على جواده أمام تلك العيون الجميلة، لديكِ أجل عيون رأيتها بحياتي ضي، بكل مرة كنت أقابلك كنتِ تبهريني بشيء جديد، بسيطة، ذكية، جميلة جدا فلم يعد باستطاعتي مقاومتك"
وعاد يقبلها وكلاهم يصرح بجزء من مكنون قلبه وليس كله ولا يعلمون هل سيأتي يوم ويخرج حبهم للنور أم أن القدر له رأي آخر
 
                   الفصل الثاني عشر من هنا
تعليقات



<>