
مغتصب
تصلب جسدها عندما رأت الملف الذي عليه اسمها، ماذا يفعل ملف باسمها بدرج كهذا إلا إذا كان يحمل ما لا ترغب بثينة بأن يراه أحد
جذبت الملف فتساقطت الصور، جمعتها ورفعتها ورفعت كل ما بالدرج للخارج، لم تشعر بأن الأمر لا يخصها بل العكس؛ قلبها أخبرها أن كل هذا لها هي ولو لم تكن رأته من قبل فها هي تراه الآن وكان ينتظرها
الصور كانت لفتاة تشبها بشكل غريب، نفس لون الشعر لكن قصير، وجه طويل بدل مستدير، تقريبا كانت بالسابعة أو الثامنة عشر، نفس طول ضي أيضا، جسدها ممتلئ أكثر، ملابسها تدل على أنها من عائلة ثرية وبدا أنها كانت خارجة من الجامعة ولم تشعر بالصور
تركت الصور وجذبت الأوراق لترى إيصالات أمانة بمبالغ هائلة والتوقيع باسم "هلال محمد خيري"
رفعت وجهها وهي تقريبا تذكر الاسم، هلال خيري رجل أعمال كان ممن تم كشفه عندما كانت بالسابعة عشر وقد أصيب بفضيحة كبيرة وقتها وخسر أملاكه واختفى هو وأسرته ولم يعرف أحد عنه شيء
وأخيرا رأت الملف الخاص بها وفتحته لترى صور مختلفة لها وهي بنفس عمر الفتاة، نهاية السابعة عشر وهي تقدم أوراقها بالجامعة، ذلك قبل ...
تجمدت يدها على الأوراق التي تحكي عنها وعن ظروفها وتاريخ حياتها وشحب وجهها والغريب أن الملف لا يحتوي أي شيء عن حياتها مؤخرا عندما عملت مع بثينة
رفعت وجهها وهي تحاول أن تفهم ما تراه، بثينة جمعت معلومات عنها وهي بهذا العمر ثم أغلقت ملفها ودسته بدرج سري مع فتاة تشبها، لماذا؟ وبعد خمس سنوات تعرض عليها العمل معها وتمنحها كل ما منحته لها
فركت جبينها بأصابعها وهي لا تفهم شيء، بثينة كانت تعرفها قبل أن تراها؟ لماذا كانت تعرفها بذلك الوقت ولماذا اختارت التوقيت الذي أدخلتها حياتها بعد خنس سنوات؟
تراجعت بالمقعد وهي تعبث بالأوراق حتى رأت عقود بيع كلها أملاك هلال خيري للحسيني والد سليم هذا يعني أنه كان مدين لوالد سليم إذن
ظلت باقي الأوراق بيدها وهي شعرت بصداع وحالة من عدم الفهم تلفها، ما الذي كانت تفعله بثينة بمعلومات عنها ولماذا هي؟ عليها أن تصفي ذهنها وتدرس تلك الأوراق مرة أخرى
دقات على الباب جعلتها تنتفض فأعادت الأوراق مكانها فهي لا ترغب بأن يعرف أحد شيء عن ذلك؟
أذنت فرأت جانيت تفتح وتقول "موعد إطعام جي مدام"
هزت رأسها وتحركت معها للخارج وصعدت لغرفة الفتاة، كانت تطعمها وذهنها غير صافي، الأوراق التي وجدتها تشغل ذهنها وترغب بأن تفهم ما الذي أتى بتاريخها وصورها وهي صغيرة هنا؟ من الطبيعي معرفة ظروفها وقت عملت مع بثينة وليس وهي بالسابعة عشر
دخلت غرفتها وأخذت حمام دافئ ودخلت الفراش وما أن أغلقت عيونها حتى عاد الكابوس، الوحش المخيف الذي يدمر كل جميل بحياتها، السر الذي أخفته عن كل من حولها منذ فرت هاربة مع أمها بعد ذلك اليوم، التهديد كان صريح، إياكِ والتفكير بالشرطة، سنقتل أمك ونقتل كل من يمت لكِ بصلة، هربت عندما عرفت بالحمل، لم تعرفهم، تهديداتهم كانت بالهاتف وهي لم تكن تعرف عمن ستبلغ الشرطة، خوفها وخوف أمها جعلها فقط تهرب وتختفي وتعيش بعاراها وحيدة خاصة بعد موت والدتها
كانت تشعر بالرعب وعيون قاتمة تنظر لها وكلمتان فقط سمعتهم "أنتِ لي" وتمنت لو تصرخ "لا" لكن لسانها كان ثقيل ولا كلمات تخرج منها حتى تألمت وعرفت أنها ضاعت مع ضياع شرفها وتمكنت من قول "اتركني" وقد فعل لتسقط بالظلام
فتحت عيونها بفزع لتجد نفسها غارقة بالعرق والهاتف يرن بجوارها وقلبها يدق بسرعة فأبعدت شعرها الملتصق بوجهها واستعادت أنفاسها الضائعة وجذبت الهاتف لتجيب "سليم"
تحرك بالمكتب وشعر بنبرة صوتها غريبة فقال بقلق "ضي هل أنتِ بخير؟"
أغمضت عيونها وتمنت لو أمكنها التحدث معه عن سر حياتها وتتحرر من قيوده لكن الخوف قيدها وسيطر عليها فقالت "نعم، كنت نائمة، أين أنت؟"
رأت النهار قد ظهر فاعتدلت وهو يقول "بالمكتب، لم لا يعجبني صوتك؟ هل الأولاد بخير؟"
أغمضت عيونها وهي تمسح العرق بظهر يدها وتقول "نعم، نعم، أنت لم تعد للبيت؟"
عاد للمقعد وجلس وهو يقول "لا، نمت على الأريكة، انشغلت لوقت متأخر ولم أشأ الذهاب، الأمور تتعقد هنا وأنطون لا يريد الحضور ولا أعلم متى سأنتهي، هل بدأت أي شيء؟"
فتحت عيونها وهي تسند رأسها على ظهر الفراش وقالت "لا، ليس بعد، سألتقي بالمحامي اليوم مساء ونرسم خطتنا سويا وبعدها أبدأ"
فرك لحيته بأصابعه وقال "ضي لا أرغب ببقائك كثيرا هناك فأنا أفتقدكم جميعا"
ابتسمت وكلماته تسعدها فقالت "وأنا أيضا سليم، سأحاول الانتهاء بسرعة وبعدها نعود حتى لو لم تأتي فلا تشغل بالك بنا فنحن هنا بخير
لم يجادل ولا هي وأنهت المحادثة وتجاهلت الكابوس وهي تنهض لتأخذ حمام سريع وتحركت لغرفة جي وأطعمتها وجانيت معها، كريم كان يلعب بالحديقة، تناول معها الإفطار وعاد للعب ونزلت جانيت بجي لتبقى مع الأطفال وهدى تساعدها وهي رحلت للشركة وقد تركت الأوراق التي رأتها بالأمس مكانها ولكنها لم تنساها
****
هاتفه أنطون فأجاب "أنت تمزح أنطون تعلم كم أحتاجك هنا"
سمع ضحكة الرجل الذي قال "أعلم أنك كاذب كبير فأنت لا تحتاج أحد أنت كالذئب تنهي كل شيء وحدك"
ابتسم وقال "الذئب يسير مع القطيع أنطون لا وحده لذا أنا لست ذئب، متى ستعود؟"
أجاب أنطون "ربما غدا ماذا بك؟"
رفع وجهه للإمام وهو يجذب سيجارة ويشعلها ثم قال "لا أعلم، لا أشعر بالراحة لوجود ضي بمصر"
سأله الرجل "لماذا؟ هي ليست أول مرة لها"
أغمض عيونه وقال "هي أول مرة لها بعد أن تزوجنا بحق أنطون ورحلت معي، هناك أشخاص من الماضي تنبش به وضي لا تعرف شيء عنه"
صمت أنطون قليلا ثم قال "هل هناك من يعرفه سواك؟ أنت ترفض التحدث عنه"
فتح عيونه وهو يدخن وقال "بمصر نعم، أشخاص لم أفكر أنها ستظهر بعد تلك السنوات"
عاد أنطون يقول "إذن انزل مصر وأوقف الأمر قبل أن يصل لها هذا لو كان الأمر سيزعجها حقا، ماضيك يخصك أنت سليم ولو كنت تقصد طبيعتك قبل أن تتبدل فهو لا يخصها كما وأنك تبدلت لرجل آخر حقا، لكن لو ما زلت قلق فالحق بها أنتم تعيشون في حب وسعادة فلا تضحي بذلك سليم، أنت عانيت كثيرا كي تحظى بامرأة مثلها ولن يكون من الجيد أن تخسرها هكذا خاصة وهناك طفلة بينكم"
كان يعلم أنه على حق فقال "إذن تعالى وارفع عني هموم العمل كي يمكنني الرحيل"
ضحك أنطون مرة أخرى وقال "استراليا ليست بالقرب الذي تتحدث عنه، اترك الأمور وارحل وتابعها من مصر"
نفخ الدخان بقوة وقال "لو فعلت سنخسر مليارات من اليورو يا شريكي فهل ستقوم بالتعويض؟"
ضحك الرجل وبدا أنه يتحدث مع أحدهم ثم قال "لن يمكنني منحك كلمة بأني سأعود، فيكتوريا ستقتلني لو فعلت"
ابتسم وتمنى السعادة لصديقه وأغلق معه وعاد ذهنه لاتصال عزمي به وهو يخبره أن ضي سألت عن اسم رمضان، من أين أتت بالاسم ولماذا تسأل عنه؟ هل عرفت شيء؟ لا يمكن أن تعرف عنه شيء ولو عرفت لن تصمت ستسأل وتبحث هو يعرفها جيدا
أسند رأسه على ظهر المقعد وهو يرى تلك الأيام، كم كره نفسه أيامها وكره ما كان يفعله وما فعله وانسياقه وراء الانتقام وكل من دبر ما كان، تلك الأيام دمرت كل شيء وجعلته يكره نفسه أكثر ويفر هاربا عن أي شيء يذكره بما كان واليوم هذا الاسم يعيد له ما لا يرغب به فهل يمكن للماضي الذي تجاهله أن يهاجمه ويهزمه ويدمر حياته التي عرفها ولا يمكنه التضحية بها؟
****
بالمجموعة لم يمكنها تذكر ما كان فالعمل انهال عليها كالفيضان ولم تشعر بالوقت إلا عندما دخلت خديجة وقالت "مدام، موعد المحامي"
تراجعت بالمقعد وشعرت برأسها يدور من التركيز والإجهاد وقالت "نعم، ما زال أمامي نصف ساعة، يمكنك الذهاب وأنا سأبقى"
هزت الفتاة رأسها وذهبت وهي أغلقت الملفات من على الجهاز لكنها تذكرت اسم هلال خيري فوجدت نفسها تفتح محرك البحث وتكتب الاسم ورأت كل ما يخصه، كانت سمعته سيئة، والمعلومات تنهال عليها وصوره هو وزوجته التي يقال أنها ماتت بحادث بشع ثم توقفت عندما رأت ابنته، اعتدلت عندما أدركت أنها نفس الفتاة التي كانت بالصور الموجودة بمكتب بثينة، شعرت بأنها تضيع بلا دليل، اسمها عاليا وهي ابنة والدها الوحيدة، مدللة جدا لديه وهي حياته كلها واختفت قبل سفره للخارج ولا أحد يعرف عنها شيء
تراجعت بالمقعد وظلت تقرأ بالمعلومات ثم عادت للجهاز وعبثت بالبيانات القديمة عليه علها تجد شيء وبالفعل كانت هناك ملفات مشفرة باسم هلال، هذا شيء غريب، لماذا مشفرة؟ كيف لم تلاحظها من قبل؟
دقات على الباب أفزعتها وهي ترفع رأسها وهتفت "ادخل"
رأت عزمي يدخل وهو يقول "مساء الخير، لا أحد بالخارج"
أغلقت الجهاز ونهضت للترحيب به وهي تقول "السكرتيرة اعتذرت عن البقاء اليوم وذهبت مبكرا، مرحبا بك تفضل"
ابتسم وهو يرحب بها وقال "الحمد لله على سلامتك، سعيد برؤيتك"
جلسا وهي ترد "شكرا لك، أظن أنك وضعت لنا خطة للتصفية، سليم يتعجلني بالرحيل"
قال بضيق "نعم ولكن أنا وضعت خطة قد تختلف قليلا، المجموعة ليست ضمن التصفيات فيمكنك متابعتها من روما كما كنت تفعلين، المزرعة أيضا تدر أرباح وهمية لذا بيعها خسارة فادحة، بيع باقي الأملاك يمكن التجاوز معها قليلا"
هزت رأسها وقالت "لنرى الأمر سويا"
اندمجت معه بدراسة خطته لوقت لم تعرف مقداره حتى تراجعت وقالت "جيد أنا أوافق على كل شيء أستاذ عزمي"
هز رأسه وأغلق ملفاته وقال "تمام سأحتاج موافقتك على الكثير من الأوراق"
وافقت "سأكون معك طوال الأيام القادمة"
أغلق حقيبته فقالت "هل تذكر رجل الأعمال هلال خيري؟"
سقطت الحقيبة من يده بلا وعي وهو يرفع وجهه لها وعيونه تحدق بها وهو يردد "ماذا؟"
انتبهت لما أصابه وظلت تنظر له بدقة حتى قالت "هلال خيري، رجل الأعمال الذي فر هاربا خارج مصر من ست أو سبع سنوات تقريبا بسبب تجاوزاته التي تم فضحها؟"
شحب وجهه وهو يحاول التركيز قبل أن يجيب "نعم، بالطبع، أذكر أنه اتهم بغسيل الأموال وأمور أخرى غير قانونية"
هزت رأسها وقالت "هل كانت تربطه بالحسيني علاقة؟"
رفع يده لجبينه ليمسح عرق غريب رغم برودة الجو وقال "لا، أي علاقة مدام، الحسيني شركة نزيهة"
ضاقت عيونها وهي تذكر الإيصالات التي رأتها بالبيت ليس من الطبيعي ألا يعرف محامي العائلة عنها شيء، قالت "ألم توجد أي معاملات بينهم من أي شكل؟"
أبعد وجهه وهو يستعيد حقيبته وقال "لا مدام، لم يكن هناك أي معاملات، لماذا تسألين؟"
أدركت أنه يكذب ويخفي شيء لكنها لا تعرفه وهو لن يخبرها ومع ذلك قالت "هناك ملفات على الجهاز باسمه وبالتأكيد هذا يعني أنه تعامل مع المجموعة"
زاد ارتباكه بالطبع فأبعد وجهه وقال "ربما لكني لست على علم بها، اسمحي لي"
تابعته وهو ينهض فقالت "بالطبع ليتك تتأكد من أن كل شيء سيكون كما أخبرتني"
هز رأسه وقال "سأفعل بالطبع، طابت ليلتك"
وتحرك خارجا وهي لا تفهم ما الذي يحدث ولماذا يبدو بتلك الحالة وكأنه يخفي جريمة وهي بالأساس تشعر بأن هناك الكثير مما لا تعرفه وعليها أن تعرفه، لم تترك الجهاز بل أغلقته ووضعته بالحقيبة ونهضت متحركة للبيت
****
هتف بغضب بالهاتف "ماذا تعني بأنها تعرف شيء؟ ما الذي تعرفه بالأساس ومن أين عرفته وكيف؟"
كان يصرخ بعزمي بجنون وعزمي يحكي له ما كان وهو يتحرك بالمكتب كالمجنون فقال "ومن أين أتت باسم هلال وكيف عرفت بكل ذلك؟"
لم يمنحه إجابة بالطبع فثار أكثر "انهي أمور التصفية بأسرع ما يمكن عزمي ودعها تعود، لو ظلت أكثر من ذلك لن يكون جيد ووقتها أنا لن أرحمك هل تسمعني؟"
وأغلق الهاتف وقذف بالهاتف على الأريكة بقوة من الغضب الذي ارتفع داخله وهو يهتف "اللعنة ضي ماذا تفعلين؟ من أين أتيتِ بكل ذلك؟ أنتِ تنبشين قبر حياتنا بيدك"
رنين الهاتف أوقفه فلف حول نفسه وتحرك ليجذبه من على الأريكة ليرى اسمها على النت فتنفس بقوة ليهدأ قبل أن يجيب "مرحبا صغيرتي"
ابتسمت وهي تدخل الفيلا وقالت "صغيرتك وأنا أم لاثنين"
دفع يده بشعره وهو ينظم أنفاسه ربما يستعيد نفسه التائهة وقال "هل نسيتِ كم عمرك؟ يمكنني أن أذكرك"
ضحكت وهدى تأخذ حقيبتها وقالت "عمري بدأ منذ أصبحت لك ما قبل ذلك لا يحتسب"
تنفس وهو يجذب سيجارة ويشعلها، ما زالت زوجته التي عرفها والنيران لم تمسك بها فقال "إذن نحن لدينا نفس العمر ولست أكبرك بعشر سنوات"
تحركت لغرفة كريم فوجدته نائما فقالت "لا أعرف تلك السنوات، أنت لم تتخطى الثلاثين من الأساس، بطاقتك مزورة"
ابتسم وهي تعيده للهدوء وقال "ماذا فعلتِ مع عزمي؟"
فكرت قليلا ثم قالت "وضع لي خطة جيدة حتى أنتهي بسرعة، هو بالفعل مخلص لذكرى جدتك"
هو يعلم ذلك جيدا وهو الوحيد الذي يعلم سبب إخلاصه هذا وثقته به بشكل قوي جدا ومع ذلك هو لا يثق ببقائها بمصر أكثر من ذلك وإلا لن يحمد عاقبة البقاء
أنهت الاتصال وهي تضع قبلة على وجنة طفلها الذي تراه يكبر أمامها وما زالت ترى سنوات العذاب التي تذوقها الاثنان على مدار تلك السنوات التي كانت ترى فيها الذل والإهانة لتوفر له أفضل شيء، هل حقا ارتاحت أخيرا؟ هل قرر القدر منحها كل ما تمنت؟ أب لطفلها، زوج يحبها وتحبه، بيت يلفها هي وأولادها؟
نهضت وتحركت لغرفة جي، المربية كانت نائمة، لم توقظها والطفلة كانت مستيقظة ترفع يداها لأعلى ما أن رأتها حتى أطلقت صوت طفولي جعلها تضحك وتقول "مرحبا حبيبتي"
حملتها وأطعمتها وسمعت جانيت تقول "هي بخير مدام"
ابتسمت للمرأة وقالت "أعلم جانيت أنا فقط أفتقدها، اليوم كان طويل بعيدا عنها وعن أخيها"
ابتسمت جانيت وقالت "أنت أم حنونة مدام"
شكرتها وظلت تتحدث معها وهي تداعب طفلتها وقتا ليس بقصير حتى نامت الفتاة فأعادتها فراشها المزين بالألعاب وعادت غرفتها، بدلت ملابسها ودخلت الفراش وأخذت الجهاز معها وبلا فائدة ذهبت كل محاولاتها لفتح الملف فتراجعت بالفراش مغلقة عيونها حتى تذكرت اسم شخص متخصص بمثل تلك الأمور ولولا تأخر الوقت لراسلته ولكنها فضلت الصباح فأغلقت الجهاز ونامت
بالصباح لم تتردد وهي تراسل الشخص فمنحها موعد للقاء بالشركة فلم تمانع وما أن نزلت للإفطار حتى رأت فاطمة تدخل وشوقي يقودها للداخل فتوقفت بانتظارها وشوقي يقف وفاطمة تتقدم حتى وقفت أمام ضي وقالت
"عرفت بوصولك"
نظرت ضي لشوقي الذي ظل جامدا وهي تخبره بنظراتها أنك أنت من بلغها ولكنه لم يتحرك فعادت لفاطمة وقالت "وماذا؟"
تجهم وجه فاطمة وقالت "ألن نجلس لنتحدث؟"
عادت لشوقي وقالت "شاي للمدام عم شوقي"
أحنى رأسه وابتعد وهي تتحرك لقاعة الاستقبال حتى جلستا متواجهتين ولم تتحدث وفاطمة تقول "لم نكن نعلم أنك ستعودين"
قالت بهدوء "وماذا يعنيكِ بذلك؟"
ملامح فاطمة أخبرتها أن كلمات ضي تحرجها لكنها تخفي إحراجها جيدا فقالت "أعلم أنكِ غاضبة مني لما كان بيننا قديما لكن كل شيء انتهى والأمور استقرت واستسلمنا لتصرفات عمتي"
وصل الشاي وهدى تضعه بهدوء ثم رحلت فقالت "جميل لماذا حضرتك هنا إذن؟"
السؤال المباشر جعل فاطمة تعتدل وتقول "لماذا أوقفت دفع الفواتير الخاصة بنا؟"
تراجعت ضي وقالت "لم أفعل"
صمتت فاطمة ثم قالت "منذ رحلتِ روما والشركة ترفض السداد وحتى الشهرية التي كانت عمتي تضعها لنا توقفت"
ظلت تنظر لها لحظة وهي لا تعرف من الذي منح تلك الأوامر، أبعدت وجهها وقالت "سأرى الأمر عندما أذهب للشركة فأنا لم أمنع شيء عنكم، ما كانت مدام بثينة تفعله سيستمر من أجل تخليد ذكراها"
لمعت عيون فاطمة وقالت "هل تحاولين إقناعي بأنه ليس أنتِ من فعل ذلك؟"
تنهدت وظلت بمكانها وهي تجيب "لست بحاجة لإقناعك بشيء فهو أمر يعود لكِ وأنا لا أكذب، أنا مهما قلت أو فعلت سأظل بنظركم نفس الفتاة لذا الأمر سيان عندي وكما أخبرتك ما أفعله من أجل عمتك فقط"
كلماتها كانت قوية وليست بحاجة لتبرير أي شيء خاصة وهي لم تفعل شيء، تنهدت فاطمة وقالت "هو ليس ملاك كما تظنين"
ضاقت عيون ضي وهي تنتبه لكلمات فاطمة ولا تفهمها لذا قالت "أظن!؟ أظن بمن؟ من الذي تتحدثين عنه؟"
ابتسمت بسخرية أو بمعنى آخر هي لم تفهمه ثم قالت "زوجك، حفيد بثينة زهران، هو ليس كما تظنين عنه، أنتِ لم تعرفي شيء عن ماضيه ولا ماذا كان قبل سبعة أو ثماني سنوات ماضية، لم يكن الملاك الذي هو عليه الآن، كان كل شيء يرغبه يناله وقسوته لا حدود لها خاصة النساء والعمل، لم يكن يرحم من يأتي بطريقه وتبدله هذا فقط بسبب.."
صوت شوقي أوقفها "مدام هل مدام فاطمة ستتناول الإفطار أو الغداء معنا؟"
غداء!؟ أي غداء وهي تتحدث عن رجل هي لا تعرفه؟ شوقي ناداها فالتفتت له وقالت "أي غداء عم شوقي؟ عن ماذا تتحدث؟"
نظرات شوقي كانت موجهه لفاطمة وكأنه يبثها شيء وهي لا تنتبه له وهو يقول "أتحدث عن الخصوصية مدام وأن كل بيت وله ما يخصه ولا يجوز لأحد تجاوز خصوصيات الآخرون وإلا سيلقون ما لا يعجبهم" ثم عاد لها وقال "كمواعيد الطعام مدام"
لم تفهم كلماته وقالت "ما زال الوقت مبكر جدا على موعد الطعام عم شوقي فهل تتركنا الآن؟"
عاد ينظر لفاطمة التي شحب وجهها وهو يقول "سأفعل مدام ولكن لا تنسي أن سيد سليم لا يحب التدخل بخصوصيات بيته"
ثم التفت تاركا إياهم وعندما عادت لفاطمة وجدتها تنهض واقفة وهي تقول "لقد تأخرت، شكرا لتفهمك موقفنا"
كادت تذهب لكن ضي نهضت ووقفت أمامها وهي تقول "انتظري لقد تحدثت عن زوجي وأنا أرغب بتكملة حديثك"
ابتسمت فاطمة وقالت "لم أقصد شيء أنا فقط تذكرت أنه لم يحب سوى جدته ونسانا كلنا بمجرد موتها اسمحي لي"
وفرت هاربة من أمامها وكأن مس كهربي لمسها وهي ظلت جامدة مكانها وهي تسترجع ما حدث وكلمات فاطمة عندما قال شوقي "الإفطار مدام"
انتبهت له وتحركت تجاهه حتى وقفت أمامه وقالت "لماذا فعلت معها ذلك؟"
ملامحه الجامدة هي كل ما واجها وهو يرد ببرود "فعلت ماذا مدام؟"
ثارت غاضبة "أنت منعتها من أن تكمل حديثها شوقي، أنت أخفتها"
لم يتحرك وهو يرد "لم أفعل مدام، فقط أردت.."
هتفت به بقوة "أردت منعها من أن تتحدث عن سليم، ماذا تعرف عنه كي تمنعها من إخباري به؟ أنت تعرف شيء هي تعرفه"
هز رأسه نافيا بهدوء وقال "لو كنت أعرف شيء فالجميع يعرفه مدام فسيد سليم رجل معروف ولا شيء بحياة أمثاله يمكن أن يظل بالخفاء"
هو على حق ومع ذلك قالت "لكن داخل الجداران ليس مشاع شوقي وهو ما تعرفه أنت وأمثال فاطمة"
نفى أيضا بنفس الهدوء "ليس مدام فاطمة مدام، مدام فاطمة لم تكن يوما ممن يتدخل بأي شيء يخص عمها والد سيد سليم، لا أحد كان يفعل"
اقتربت منه وقالت "أنت تفعل، أنت تعرف كل شيء، تعرف مثلا رمضان أليس كذلك؟"
تجهم وجهه وتهيأ لها أنه تلون بألوان كثيرة دون أن يتحدث فأدركت أن اسم رمضان هذا يمثل شيء وشيء كبير بحياتها أو حياة سليم، هناك سر يريدون منها أن تعرفه عن زوجها ربما لتكرهه ولكن ماضي سليم لا يخصها ولا يحق لها نبشه
همس "لا، لا مدام لا أعرف أحد بهذا الاسم، اسمحي لي"
تركته يذهب فلن يخبرها شيء، هو لم يحبها بأي يوم، يظن أنها لا تليق بابن سيده، ارتدت حول نفسها وهي لا تفهم بماذا تفكر!؟ جلست حيث كانت والأفكار تضربها منذ وصلت وهي تتعثر بأشياء لم تعرفها من قبل
رمضان، هلال خيري، ابنته الشبيهة بها، عزمي الذي أخفى عنها حقيقة عمله مع البدر جروب، والآن فاطمة وشوقي
نهضت ولم تنتظر وهي تجذب حقيبتها للسيارة ومنها للشركة وما أن دخلت حتى تبعتها خديجة "سامر محمود، مهندس حاسبات بالخارج"
هزت رأسها وقالت "نعم ليدخل أنا انتظره وأريد أن أعرف من منع صرف فواتير أقارب مدام بثينة رحمها الله"
نظرت لها الفتاة وقالت "حاضر ولكن حضرتك لديك مواعيد كثيرة اليوم"
جلست وقالت "سأقابل الجميع بعد أن يذهب هو خديجة وقبلهم صفوت، دعيه يدخل الآن"
خرجت خديجة وبعدها رأت شاب بعمرها تقريبا يدخل وهو يقول "صباح الخير مدام"
ابتسمت وقالت "صباح الخير يا باش مهندس، تفضل"
جلس الشاب وقال "تحدثتِ عن ملفات مشفرة؟"
كان مباشر بكلماته فرفعت له الجهاز ليأخذه منها وهي تقول "ماذا تفضل أن تتناول"
ودقت الجرس وهو يقول "شاي"
دخلت خديجة فقالت "قهوتي وشاي"
وضع الشاب الجهاز أمامه وعبث بالجهاز وهي ظلت تتابعه بقلق ولا تعلم ما الذي تخفيه تلك الملفات، وصل الشاي والقهوة والصمت يلفهم ولم تقاطعه ولم تفعل أي شيء سوى أنها تنتظره وأظافرها تنقر على ذراع مقعدها من القلق
ما أن أنهت قهوتها حتى رفع وجهه وقال "ها نحن ذا مدام"
دق قلبها بقوة وهو يمنحها الجهاز وهي تقول "هل ألغيت التشفير؟"
أجاب "نعم يمكنك إعادته لو رغبت"
قالت وعيونها على الملفات "هل تخبرني كيف أفعل؟"
نهض وتحرك لها ومنحها التعليمات على الجهاز وقامت بها حتى انتهت فقال "من الأفضل كتابة كلمة السر بمكان ما كي لا تنسيها مرة أخرى مدام"
هزت رأسها وهي تبتسم وقالت "نعم، معك حق شكرا لك"
انتهت منه وهو يتحرك خارجا ولم تمنحها خديجة فرصة لرؤية الملفات رغم فضولها القوي وهي تخبرها بالمواعيد المؤجلة ووجود صفوت بالخارج فاندمجت بالعمل بلا رحمة
ما أن عادت البيت حتى استحوذ كريم عليها فلم تتركه وهي تمنحه اهتمامها وكذلك جي الصغيرة وتناولت معه العشاء ثم أخذته لغرفته وحكت له قصة قبل النوم رغم أنه أصبح كبيرا على ذلك ولكنه لا يرغب بفك ارتباطه بها، ست سنوات كثيرة بعمره ومع ذلك هو يرغب بها أكثر مما كان، لم يقطع اتصاله بسليم ومع ذلك هي تشعر بشيء غريب لا تفهمه ولم تستسلم له
أمضت وقت كبير مع جي الصغيرة حتى نامت فاستبدلت ملابسها ونزلت للمكتب حيث وضعت الجهاز أمامها وفتحته وعلى الفور فتحت ملفات هلال وتراجعت وهي ترى كل معاملاته أمامها وكلها غير شرعية، معلومات هامة جدا وعقود غير شرعية وغيرها من الأمور التي فهمت منها أنها أدلة قديمة كانت ضده لو تم الإمساك به ورأت صور له وهو مع الحسيني والد سليم فتساءلت هل كانت علاقتهم وطيدة هكذا؟ وكيف مثل تلك المعلومات موجودة هنا؟
وجدت ملف آخر فتحته لترى صور عن نفس الفتاة التي تشبها، عاليا خيري واختفائها بعد محاولة خطفها، خبر آخر عن اتهام سليم الحسيني بخطف الفتاة، تراجعت من الخبر وهي لا تصدقه
تحركت لمحرك البحث وكتبت عن الخبر، خطف عاليا خيري فرأت خبر واحد أن الفتاة نجت من محاولة خطف أكيدة يقال أن سليم الحسيني هو من دبرها انتقاما من والدها الذي تسبب بفقدان والده صفقة هائلة كادت تدمره ويقال أن الفتاة كانت على علاقة بسليم الشاب العابث ولكنها رفضته فجأة بشكل جعل كرامته تثور ولكن لا شيء ثبت ضده
رفعت يدها على فمها وهي لا تفهم، دقات على الباب جعلتها تنتفض وجانيت تدخل وتقول "مدام كريم متعب"
انتفضت وهي تغلق الجهاز وتنهض وهي تهتف "متعب!؟ كنت معه منذ قليل"
لم تنتظر وهي تهرع لطفلها وما أن دخلت حتى رأته يتلوى أمامها ويصرخ من الألم فهتف بفزع "كريم حبيبي ماذا بك؟"
كان يبكي وهو يتلوى وقال "ألم بجانبي ماما"
نظرت لجانيت وصرخت "اطلبي من شوقي مهاتفة الطبيب، بسرعة جانيت، بسرعة"
ذهبت جانيت واحتضنت هي طفلها بفزع وهي لا تعرف ما الذي أصابه وهو يصرخ ويتلوى من جانبه
****
نظرت للطبيب الذي انتهى من فحص كريم ومنحه دواء لإيقاف الألم والطفل هدأ والطبيب ينتهي ويقول "سينام الآن"
أغلق حقيبته وتحرك فنهضت وتحركت معه للخارج وقالت بخوف "ماذا أصابه؟"
التفت لها وقال "أشك بمشاكل بالكلى مدام لذا علينا إجراء فحوصات كاملة بالمشفى قبل أن نجزم بالأمر، هل يصاب بقلة البول"
تذكرت ذلك فقالت "نعم أحيانا"
هز رأسه وقال "إذن لنجري الفحوصات قبل أن نجزم بما لديه وبأسرع وقت"
هتفت بدموع "نجزم بماذا أجبني؟"
حدق بها ثم قال "فشل كلوي مزمن"
ترنحت وكادت تسقط لولا الحائط من خلفها جعلها تلتصق به وقلبها ينتفض داخل صدرها وهي تردد "لا، فشل كلوي؟ ابني"
اقترب منها الرجل وقال "اهدئي مدام، كل شيء وله دواء، أو حتى زرع كلى، الأمر لا يستحق كل ذلك خاصة وأن الطب تقدم كثيرا مؤخرا"
الدموع لا تتوقف وهي لا تعرف ماذا تفعل أو تقول، كريم طفلها الذي نال الكثير من سوء الحظ وظنت أنه أخيرا نال الجيد من الدنيا إلا أن القدر ما زال يلحق به ويضربه بالصميم كما لو أنه لا يرغب بتركه أبدا أن يعيش بسلام
لم ترد والطبيب يكمل "لابد من نقله للمشفى بالصباح كي لا تتدهور حالته قبل إجراء الفحوصات"
وتركها بحالتها هذه وهي تقريبا لا تسمعه ولا ترى أي شيء سوى طفلها وسنوات عمره منذ عرفت بأنها حامل به ورغبتها بالإجهاض كي تتخلص من عارها الذي لا ذنب لها فيه وحتى كلمات الشيخ لها، أنت لا ذنب لك فيما أصابك ولا ذنب لما تحمليه ولو أجهضت نفسك تصبحين قاتلة وتحملين ذنبه فتوبي لله وفوضي أمرك له
وقد فعلت، استغفرت ربها وسلمته أمرها وتحملت كل المصائب منذ حدث ما حدث وتبعه موت أمها ثم الحمل ورحيلها لبيت آخر وعاشت ورضت فلماذا يعاقبها القدر بابنها الآن؟ كريم هو كل حياتها، ابن عمرها الذي عانى معها والآن يعاني مرة أخرى، يا رب ما ذنبه؟ يا رب هو بريء ولم يفعل شيء بحياته كي يحدث له ذلك، يا رب أنا لا يمكنني تحمل ضياعه مني، لا يمكنني
وانهارت بالبكاء وسقطت على الأرض والبكاء هو من يرافقها والألم يجرها لبئر سحيق بلا قرار ولا نهاية ولا تعرف ما الذي سينتهي إليه مصير ابنها؟؟؟
الخبر نزل عليه كالصاعقة وردد "فشل كلوي مزمن!؟ أنت تهزين؟"
هتفت بألم ودموعها لا تتركها "لست أنا سليم إنه الطبيب وطلب مني نقله للمشفى بالصباح"
تحرك بلا هدى بالمكتب ولا يعلم أن قلبه كان يهتز داخل صدره من الألم والحزن وقال "افعلي وأنا سأكون عندك بأقرب وقت"
كانت ترقد بجوار كريم على الفراش والدموع لا تتوقف وهي تقول "أنا خائفة سليم، خائفة جدا، ماذا لو احتاج زرع كلى"
أغمض عيونه ورأسه تكاد تنفجر من الأفكار وهو يسمع صوت بكائها عبر الهاتف وحزنه يكاد يساوي حزنها فهو تعلق بالطفل كما لو كان ابنه حقا، كريم جعل نفسه ابنه بلا استئذان واندفع داخل قلبه بلا قيود وربض به بلا مقدمات وهو لم يمكنه رفضه، أحبه ووجد سعادة بقربه لم ينكرها أبدا وظن أن بميلاد جينا ستتبدل مشاعره لكن لم يحدث ذلك وظل الطفل يتربع على عرش قلبه
فتح عيونه وقال "سنجد حل ضي، سننقله هنا وسنجد علاج بأي ثمن لا تقلقي تعلمين أن الطب تقدم ولن نبخل بأي شيء فقط تماسكي بجواره حتى أكون معكم"
الدموع لم تتوقف وحتى كلماته لم تمنحها أي هدوء أو راحة، هو ابنها، فلذة كبدها، هو جزء من روحها انفصلت عنها لتصبح أمامها وتنمو لتصبح ابنها الذي وانس وحدتها ومنحها سبب للحياة
مررت يدها على وجنته وقالت بحنان "حبيبي أنا لا أعلم ما الذي يمكنني فعله كي أبعد عنك كل ذلك؟ أنا آسفة لأني عاجزة عن دفع الألم عنك، أقسم أني سأدفع عمري كله ثمنا لراحتك لو طلبوا مني ذلك كي تشفى وتعود لي"
وانهارت مرة أخرى بالبكاء بلا توقف وهي لا تعرف ما الذي يحدث لها ولابنها
****
لا حياة بلا أمل فلو ضاع الأمل ماتت الحياة
****
لم تنم وحتى جينا أيضا أرهقتها بالليل رغم وجود جانيت، وظلت واقفة بالنافذة بغرفة كريم النائم لوقت مبكر من الصباح عندما رأت رجل غريب الشكل لا تعرفه يتحرك داخل الحديقة باتجاه الباب، انتبهت له وهو يتحرك لباب الفيلا فتابعته حتى اختفى بالداخل وهي تتساءل من هو؟
لم يصعد شوقي لإخبارها بوجوده فتحركت بهدوء لخارج الغرفة ونزلت فلم تجد أحد، ما زال الوقت مبكر جدا ولا أي مؤشر للحياة حولها، أين ذهب ذلك الرجل؟
تحركت للمطبخ الكبير عندما سمعت همهمة من خلف الأبواب فاقتربت وكادت تدخل عندما سمعت شوقي يقول بغضب مكتوم "هل جننت لتأتي هنا؟ ماذا لو رأتك المدام؟"
جمدت مكانها ولم تتحرك ولا تعلم لماذا اختارت أن تسمع ما يدور خلف تلك الأبواب وهاجس يخبرها أن ما ستسمعه لن يعجبها
الرجل أجاب بصوت هادئ "هذا ما سيحدث إذا لم تخبر سيدك أني أريد أموال"
هتف شوقي "أنت حصلت على كل حقوقك فلماذا عدت الآن؟"
أجاب الرجل "كما ترى خسرت كل ما حصلت عليه وليس أمامي طريق آخر سوى الحسيني، ما لديّ كنز ولابد أن أحصل على مقابله"
ارتجف قلبها وهي لا تفهم ما يقول بينما قال شوقي "الأمر انتهى ومات من سنوات ولن يمكنك تغيير أي شيء"
لا تعلم لماذا شعرت أن الرجل يبتسم وهو يقول "بل سيتغير كل شيء لو عرف من المرأة التي كانت معه بتلك الليلة"
شوقي هتف "اخرس ولا تنطق بكلمة أخرى"
لم يصمت الرجل وهو يقول "لا، لن أصمت، تعلم أن سيدك هذا كان لا يرحم وماضيه يتحدث عنه، سليم الحسيني لم يرحم أي امرأة فلماذا تريدني أن أرحمه؟"
وضعت يدها على فمها لتوقف شهقة مفاجأة من كلمات الرجل عن زوجها والتي توافقت مع كلمات فاطمة، هل كان سليم هذا الرجل السيء الذي يتحدثون عنه؟
هي لم ترى ذلك بل عرفت رجل آخر هو زوجها، رقيق معها ويمنحها حنان لم تعرفه هي وابنها، لا، بالتأكيد خطأ، كل ما تسمعه خطأ ليس سليم
سمعت شوقي يقول بقوة "كان ولكنه تبدل وكلنا نعلم ذلك"
سخر الرجل "لولا تلك الصفعة ما أفاق وعرف أنه ليس بالقوة التي كان يدعيها وأن هناك من يمكن أن يتلاعب به، هل تعرف معنى أن ينتقم من الرجل بابنته، أو يرغب بأن يدمره بتدمير ابنته الوحيدة؟"
اهتز كيانها كله من الكلمات وشوقي يهتف بغضب لم يكتمه "أخبرتك أن تتوقف، لقد انتهى كل شيء وكلماتك لن تفيد بشيء"
لكن الرجل عاد وقال "بل ستفيد لو أخبرت زوجته أن زوجها مغتصب وأنه دمر حياة فتاة لا ذنب لها فقط من أجل انتقام أعمى"
مالت بها الأرض حتى كادت تسقطها وهي تسمع ما قاله والصدمة تصفعها بلا رحمة وكلمة مغتصب هي كل ما تردد صداه بأذنها