
ابنك
اصطدم جسدها بالحائط مما تسبب بصوت جعل الرجال تنتبه وشوقي يتحرك خارجا ليراها أمامه وهي تحاول تمالك نفسها وهو يقول "مدام ضي !؟ ما الذي أتى بكِ هنا؟"
اعتدلت وتماسكت وهي تقول "أردت فنجان قهوة وأنت لم تسمع الجرس"
تجهم وجهه وقال "لا الجرس لم يدق، حاضر مدام دقائق ويكون عندك"
ظلت تنظر له بقوة ثم قالت "كنت أسمع صوت غريب بالداخل هل لديك أحد؟"
انتبه لكلماتها وارتبك وهو يقول "أحد؟ لا، أقصد، ربما الراديو و.."
ولكنها لم تمنحه الفرصة وهي تتجاوزه وتتحرك للباب وتدفعه لترى الرجل الذي رأته من النافذة يأكل من الطبق الموضوع أمامه وانتفض لرؤيتها وبلحظة تجهم وجهها فهي تراه بوضوح الآن وشعرت وكأنها رأته من قبل ولكن لا تذكر أين؟
انتفض الرجل واقفا وهو مرتبك حتى كاد يسقط المقعد من خلفه والطبق أيضا وهي تحدق به وتقول "من أنت؟"
تدخل شوقي "هو قريبي مدام وأتى لزيارتي"
لم تبعد عيونها عن الرجل الذي شحب وجهه وأبعد نظراته عنها ولم يجيب وهي تقول "لم نعرف أي أقارب لك عم شوقي طوال سنوات وجودك معنا فمن هو؟"
سبق الرجل شوقي وقال "أنا رمض.."
قاطعه شوقي بقوة "هو راضي من أهل قريتي مدام، أعتذر عن استقباله هنا أعدك أن يرحل على الفور"
فتحت فمها لتتحدث لكن جانيت لحقت بها وهي تقول "كريم استيقظ مدام ويسال عنكِ ويبدو متعب"
التفتت لها وبالطبع ابنها كان أهم ولكن كلمات الرجل كانت تعبث بذهنها، زوجها مغتصب؟ ألم تقرأ عنه أنه حاول خطف عاليا ولكنه فشل ولكن الاغتصاب الذي تحدث عنه الرجل ماذا عنى به؟
عادت للرجل وقالت "أرغب برقم هاتفك"
زاغت عيونه لشوقي الذي أسرع يقول "هو ليس لديه هاتف مدام ثم لماذا ترغبين بذلك؟"
نظرت لشوقي وقالت "هذا شيء لا يخصك شوقي، اسمع يا..، أيا كان اسمك أنا أريد رؤيتك مرة أخرى"
لكن شوقي تدخل مرة أخرى "هو عائد للقرية مدام و.."
نظرت لشوقي بغضب وقالت "شوقي توقف أنا أتحدث معه هو"
توقف شوقي ونظراتها كانت واضحة وعادت للرجل الذي ارتبك وقال "حاضر مدام سأكون هنا بالمساء"
هزت رأسها وقالت "هاتفك"
لم يمكنه الفرار منها وهو يمنحها الرقم واتصلت فرن هاتفه فتحركت خارجة دون النظر لأحد وجانيت تتبعها وهي لا تعرف بأي شيء تفكر؟ بابنها الذي يضيع منها أم بزوجها الذي بحياته أسرار لا تعرفها؟
****
المشفى استقبلتها باهتمام واضح فالطبيب كان قد منحهم فكرة عن الحالة وظلت هي جالسة بالخارج وهم يفحصون الطفل وهي تتمنى من الله أن يخطئ تشخيص الطبيب، سليم هاتفها أكثر من مرة وهي كانت تجيب بخوف وقلق ولم تخبره شيء عما سمعته أو عرفته على الجهاز أو من الرجل الغريب
على منتصف النهار خرج لها الطبيب بملامح متجهمة فشعرت بالوهن يصيبها ونظراته تعني ما لا ترغب بسماعه، نهضت بضعف وهو يقترب منها حتى واجهته وهو يقول "للأسف ظنوني كانت بمحلها مدام"
أغمضت عيونها والدموع تعود لترافقها وصوته يعيدها "الحالة تطورت بشكل غريب والكلى بحالة سيئة"
فتحت عيونها وقالت بصعوبة "والحل؟"
قال "زرع كلى بالطبع لكن المشكلة تكمن بالمتبرع والذي كليته وأنسجته تناسب كريم"
ترنحت ولكنه أسرع وأمسكها ليعيدها للمقعد ونادها وهي تحاول التحكم بالدوار الذي ضربها حتى استعادت نفسها وفتحت عيونها الباكية له وقالت "أنا بخير"
القلق كان واضح بعيونه وهو يقول "اهدئي مدام، لابد أن تكوني أقوى من ذلك لأن كريم بحاجة لوجودك بجواره حتى يتحمل الفترة القادمة ونحن سنبحث عن متبرع مناسب"
هتفت "أنا، خذوا كليتي، خذوا كل ما أملك لكن أعيدوه لي، أرجوك"
ربت على كتفها وقال "اهدئي مدام، سنجري لك الفحوصات اللازمة ولو توافقت الأنسجة لن نتردد بإجراء الجراحة"
عادت للبكاء مرة أخرى والرجل يحاول منحها بعض الراحة بكلماته لكن لا شيء يعيد لها الهدوء سوى شفاء ابنها
رؤية وجه طفلها الشاحب وهو بين الأجهزة كان يؤلمها جدا وهي تذكر وقت جراحة ساقه من سنوات وكأن القدر لا يرغب بترك ذلك الطفل بسلام
مسحت دموعها وتحركت له بابتسامة كاذبة وهي تقول بحنان "حبيبي كيف حالك الآن؟"
نظر لها بعيون متعبة وقال بصوت ضعيف "أفضل، ماذا حدث ماما؟ لماذا أنا هنا؟ أرغب بالعودة للبيت واللعب"
سقطت دمعة حزينة على وجنتها مسحتها وهي تجلس بجواره على طرف الفراش وقالت "ما أن ينتهي الأطباء من فحصك حتى نعود وتلعب كما تشاء"
أمسكت يده الحرة ورفعتها لفمها وقبلتها بألم وحزن وهو يقول "هل أنا مريض جدا هكذا ماما؟"
لم تنظر له ولم تعرف بماذا تجيب فقال "هل أنا مثل تلك الأطفال الذين نراهم بالتلفاز؟"
بكت بصوت مكتوم وقالت "لا حبيبي لكن لديك مرض آخر، عندك شيء اسمه كلى متعبة وهي ما يسبب لك هذا الألم"
قال ببراءة "ولا شفاء منها؟ لن ألعب مع جي مرة أخرى؟"
لم توقف دموعها وهي تقول "لا حبيبي ستفعل، أنت فقط بحاجة لاستبدال تلك الكلى بأخرى جديدة وبعدها ستكون بأفضل حال"
عاد يسأل "ومتى سأفعل؟ لا أرغب بترك أختي كثيرا، بابا أوصاني بها فأنها رجلها طالما هو ليس هنا"
رفعته لأحضانها وهي تبكي بقوة على طفلها الذي لا يدرك أن مصيره مجهول ولا يعلمه سوى الله
عادت الفيلا بالمساء لجي وسألت شوقي عن الرجل وأخبرها أنه لم يأتي وعرفت أن شوقي هو من منعه من أن يأتي وأدركت أن شوقي لن يخبرها بأي شيء لكن هي لن تتركه وربما عماد مدير شركتها يمكنه أن يحصل كما أخبرها على بيانات عن صاحب الهاتف الذي منحته رقمه بالصباح
أطعمت طفلتها وظلت معها وقت طويل حتى أدركت أن قلبها يؤلمها على كريم فعادت المشفى وبالطريق هاتفها سليم فأجابت وهو يقول "كيف حاله الآن؟"
أغمضت عيونها المتعبة من كثرة البكاء وعدم النوم وقالت "بالمشفى سليم، حالته ليست جيدة والطبيب رفض خروجه"
خرجت السكرتيرة من مكتبه فدخن سيجارة وقال "الطيران متوقف هنا حبيبتي لسوء الأحوال الجوية لكن ما أن يفتح سأستأجر طائرة خاصة وأكون عندك"
ألقت نظرات على الظلام خارج السيارة ولأول مرة تشعر بألم من الوحدة، لطالما كانت وحيدة حتى بوجود والدتها لأن المرأة لم تكن تمنحها الاهتمام الكافي بسبب العمل الذي كان يستهلكها، ماتت أمها والوحدة ما زالت معها لا تفارقها، جيرانها الجدد منحوها صحبة رائعة لكن ما أن تغلق باب شقتها حتى تعود لرفيقها الأول، الوحدة، لم ترحل الوحدة وتحل عنها إلا يوم أصبحت زوجة سليم حقا ورافقته لحياته، ذلك العام الذي قضته معه نست فيه كل أحزانها وماضيها وكل شيء حتى عادت هنا
ناداها فأجابت "لا تقلق سليم أنا بخير فقط يصعب علي ترك جي كثيرا كما لا أستطيع تركه بالمشفى وحده"
اعتصر عيونه بأصابعه وهو يدرك وحدتها وأحزانها وعدم قدرته على فعل شيء لأجلها فقال "أنا آسف ضي حقا آسف لأني لست معك"
أدركت صدق كلماته فمسحت دموعها وقالت "أعلم سليم أنه ليس ذنبك صدقني أعلم، فقط أنا أخبرك بما يؤلمني"
فتح عيونه وهو يتألم لها فقال "هو يؤلمني أيضا، تعرفين أني أحبه كما لو كان ابني حقا"
قالت بصدق "أعلم سليم، لقد أجريت الفحوصات اللازمة ربما تتناسب معه وتنتهي المأساة"
رفع رأسه وقال "أي فحوصات؟ عما تتحدثين؟"
كان عليها إخباره فسيعلم بأي وقت لذا قالت "التبرع بالكلى سليم، هو بحاجة لمتبرع وأنا أمه الأقرب له"
هتف بفزع "الأقرب له نعم لكن لا يمكنك فعل ذلك ضي، هو بحاجة لكِ معافاة وجي أيضا وأنا ضي، أنا لا يمكنني تخيل حدوث شيء لكِ"
توقفت السيارة أمام المشفى وهي تقول "لن يكون إنقاذ ابني بيدي ولا أفعل سليم، لن تهمني حياتي وابني يضيع مني"
لف حول نفسه والفزع يضربه وهو يحاول ألا يثور بوجهها وهتف "فقط لا تتخذي أي قرار قبل وصولي، لابد من حل آخر ضي، كلنا بحاجة لكِ هل تسمعيني؟"
نزلت من السيارة وتحركت للمشفى وقالت "لو وجدنا حل آخر فلن أتأخر عنه سليم"
حاول أن يهدأ وهو يقول "فقط أريد وعد منك بألا تفعلي أي شيء قبل وصولي، هيا ضي أريد وعدك الآن"
وقفت على باب المشفى وقالت "لن يمكنني ذلك سليم لأن حياة ابني بخطر ولو بيدي إنقاذه فلا شيء سيوقفني، سامحني"
وأغلقت الهاتف وهي تتحرك للداخل وتركته يناديها بجنون ورأى الهاتف وقد أغلقت فعاد يهاتفها ولكن الهاتف مغلق فقذف الهاتف بالحائط ليتحطم وهو يصرخ بغضب "اللعنة ضي ماذا تفعلين بي وبنفسك؟ أنا لن أتحمل أن يصيبك شيء"
وتحرك للمكتب ورفع السماعة وهاتف شركة الطيران بكل الغضب النابض داخله فلابد من حل ليكون معها ويوقفها عن الجنون الذي تسعى له
****
الصباح كان بعيد خاصة بعد ليلة مرهقة جدا بسبب تعب كريم ودخوله بنوبة ألم جديدة والمشفى اتخذت كل إجراءاتها حتى هدأ الطفل ورحل بالنوم وهي لا ترى الراحة وسط ما يصيبه
تناولت القهوة وهاتفها يرن برقم عماد فأجابت على الفور "صباح الخير عماد"
أجاب الرجل "صباح الخير مدام، كيف حال كريم؟"
قالت بتعب "ما زلنا بالمشفى، هل وصلت لشيء؟"
أجاب "نعم وأرسلت لكِ البيانات على الهاتف، اسمه رمضان السيد صبري، هو لا يقيم هنا ولا يستقر بمكان، عمل فترة طويلة بالبدر جروب ثم اختفى منذ سنوات بلا سبب ولم يراه أحد من العاملين بالمجموعة من وقتها"
رمضان!؟ هو نفس الرجل الذي سأل عنها، كان يريد لقاءها ليخبرها عن زوجها وماضيه؟ ماضيه لا يخصها حتى ولو كان ما عرفته
قالت بتأني "أنت تعني أنه كان على علاقة بالحسيني؟"
أجاب "كان يعمل ساعي بالشركة مدام"
استوعبت كلماته ثم قالت "تمام هل أرسلت لي عنوانه؟"
أجاب "نعم مدام لكنه ليس ثابت"
شكرته وأغلقت وهي لا تعرف ما الذي يهمها بذلك الآن؟ ابنها هو ما يهمها فلتترك الأمر حتى ينجو كريم وبعدها ترى أمر رمضان
تحرك الطبيب لها وهي كانت تجلس أمام غرفة كريم تنتظر أن يسمحوا لها بالدخول، نهضت له فقال "للأسف مدام فحوصاتك أثبتت أنكِ لا تناسبين ابنك"
ظلت واجمة وقد كانت تشعر بذلك فقالت بألم ويأس "كيف؟ أنا والدته"
أجاب "للأسف لا يوجد توافق بالأنسجة ليس بالضرورة أن يحدث مع الأم، ربما والده"
رمشت عيونها وهي لن تخبره ألا أب له فقالت "هو بالخارج، كيف سنحصل على متبرع؟"
أبعد وجهه لحظة ثم قال "سنجد مدام، هناك متبرعين يضعون أسمائهم بقائمة من أجل المال"
هتفت "المال لا يهم دكتور فقط نجد ما يناسب ابني"
هز رأسه بتفهم وقال "سنجري الفحوصات حتى نصل للمناسب"
وتركها وذهب وهي منهكة من كثرة ما تحمله من هموم حتى عادت وجلست مرة أخرى وهي لا تعرف ما الذي يمكنها فعله أمام القدر الذي يسد كل الأبواب أمامها فقد فشلت حتى بمنح ابنها الحياة، أغلقت عيونها وأسندت رأسها على الحائط خلفها وهي تشعر بتعب لا ينتهي وحزن عميق يكاد ينسفها بلا رحمة
فتحت عيونها على صوت تعرفه وقد أدركت أنها نامت بمكانها وعادت تسمعه "ضي"
رأته يتحرك لها وعيونه كلها خوف عليها فنهضت وهو وصل لها وارتمت بين أحضانه وقد كانت بحاجة له ولذراعيه لتضمها بقوة تجعلها تدرك أنها ليست وحدها الآن وأنها تستطيع رمي حمولتها الثقيلة عليه
ضمها له بقوة وقد ثار بالمطار وأثار جلبة لا نهاية لها إلا عندما تواجدت طائرة خاصة له وها هو هنا، معها وهي بين ذراعيه قبل أن يصيبها أي مكروه
قال بحنان "هل أنت بخير؟"
بكت رغم الراحة وقالت "الآن أصبحت بخير"
ضمها له أكثر حتى هدأت فأبعدها وضم وجهها المتعب والباكي بين راحتيه وعيونه تلمع بالخوف عليها والقلق على كريم وقال "كيف حاله؟ أريد رؤيته"
كانت تلتمس الراحة من رؤيته وقربه ولمسة يده فقالت "نائم بالداخل، أنا لم أصلح كمتبرع له، كنت أتمنى أن أصلح لأمنحه الحياة سليم لكني فشلت بذلك، فشلت بإنقاذه"
تنفس بقوة وحمد الله على ذلك فلم يكن سيتحمل أن تفعل بنفسها ذلك، ولكن حزنها يؤلمه أيضا، ضمها له مرة أخرى بقوة وهو يحاول أن يمنحها كل الحنان وهو يقول "اهدئي حبيبتي سنجد حل، الأمر ليس بيدك لتكوني فاشلة هي مشيئة الله"
هدأت فأبعدها ومسح دموعها براحته وقال "دعينا ندخل لنراه وبعدها سأرى الأطباء ولو كان نقله لروما أو لأي مكان بالعالم أفضل سأفعل"
هزت رأسها وهي تثق به فلفها بذراعه وتحركا للداخل وبدا الطفل هزيل جدا على الفراش ومجهد بشكل واضح فقال وهو يضع قبلة على جبينه "افتقدتك حبيبي"
فتح الطفل عيونه عندما سمع صوته ورأى عيون تماثله تنظر له بحنان فقال "بابا"
ابتسم له بحنان وهو يمرر يده على شعره وقال "نعم حبيبي أنا هنا"
قال الطفل بتعب "جدتي بثينة قالت أنك ستنقذني لأنك بابا"
تراجعت هي وقد توقف كريم عن التحدث عن بثينة منذ وقت طويل، سمعت سليم يقول "هي تعلم أني سأفعل المستحيل لأجلك حبيبي فقط عليك أن تكون شجاع كما عهدت بك"
أغلق عيونه الصغيرة وقال "أنا متعب بابا"
بكت مرة أخرى من أجله وسليم يقول "لن يطول تعبك هذا حبيبي، أعدك أنك لن تبقى هكذا كثيرا"
لم يرد الطفل وبدا من انتظام أنفاسه أنه عاد للنوم فلم يزعجه وهو يلفها بذراعه ويتحرك بها للخارج ليروا الطبيب بطريقه لهم فقالت "سليم الحسيني زوجي، دكتور عصام المسؤول عن حالة كريم"
انتبه الرجل وقال "والد كريم، أهلا بك"
كادت تصحح المعلومة لكن سليم قاطع أفكارها وقال "هل تفضل نقله للخارج؟"
نفى "لن يفعلوا أكثر مما نفعل صدقني هذا بجوار مشقة السفر عليه، المهم نجد متبرع"
لم يفكر وهو يقول "يمكنني أن أفعل"
تراجعت وهي تقول "لا"
لكنه لم يهتم والطبيب يقول "بالطبع دعنا نجري الفحوص أولا وبعدها نقرر"
لم يعترض وعصام يدخل غرفة كريم وهي التفتت له وقالت "لا سليم لن يمكنك ذلك"
أخفض نظراته عليها وقال "ومن منحك الحق بمنعي من ذلك ولماذا؟"
لم تعرف بماذا تجيب ومع ذلك قالت "لن تعرض حياتك للخطر من أجل طفل ليس طفلك"
شعر بغضب يتسرب له من كلماتها فانحنى عليها وقال "لن أغضب من كلماتك هذه لأني أعلم بحالتك لكنك تعرفين جيدا أن كريم بمثابة ابني ولم تكن مجرد كلمات مني ضي أنا حقا أحبه"
أخفضت وجهها وقالت "آسفة سليم لكن أنا لن أقبل تعريضك للخطر، أنت الأمان لي سليم لا يمكنني تحمل أن يصيبك أنت أيضا أي شيء"
أحاطها بيداه فرفعت وجهها له وهو يقول "وكنتِ تريدين تعريض نفسك للخطر بلا اهتمام بي ولا بماذا سيصيبني لو أصابك أي شيء؟"
قالت بألم "أنا أم سليم، أتألم لأبني ولا أستطيع تحمل ضياعه مني ولا أعرف كيف أنقذه"
ضمها له وكأنهم وحدهم بالمشفى وليس هناك سواهم وقال "سننقذه ضي سننقذه معا بإذن الله"
أغمضت عيونها بين أحضانه ودعت الله أن ينقذ ابنها
****
أعادها البيت لرؤية ابنتهم واستبدال ملابسهم وعبثت بالهاتف فرأت رسالة عماد فتحتها ورأت بيانات رمضان ففكرت قليلا ثم كتبت رسالة لرمضان "أنا ضي زوجة سليم الحسيني لو كان لديك شيء لي فأخبرني به ولك كل ما تطلبه"
لم يرد فأبعدت الهاتف ورأت سليم يدخل وهو يبحث عنها وهي جالسة على طرف الفراش فتحرك لها وجلس بجوارها وقال "هل تنامي قليلا؟ أنت مجهدة جدا ضي"
أراحت رأسها على ذراعه وقالت "يصعب علي النوم وهو وحده هناك سليم"
رفع ذراعه وأحاطها به وقال "سنكون معه بعد ساعات قليلة، فقط ارتاحي قليلا"
قالت "لا أستطيع"
أبعدها وقال "بل ستفعلين، هيا سأبقى معك حتى تنامي ولن أتركك"
ونهض لتتحرك وتتمدد بالفراش ودخل بجوارها وضمها لصدره فأراحت رأسها على صدره وأغلقت عيونها ورحلت بالنوم حتى رأت بثينة خارجة من المكتب وهي تنظر لها وتقول "مدام بثينة أنتِ تسيرين على أقدامك؟"
وقفت بثينة أمامها وقالت بلا اهتمام لكلماتها "لماذا تريدين ترك حفيدي؟"
تجهم وجهها وهي لا تفهم سؤالها فقالت "أنا لم أفعل"
كانت غاضبة فقالت "توقفي عن البحث بالماضي إذن"
صمتت وهي تنظر بعيونها حتى قالت "أي ماضي؟ أنا لا أفهم"
نظرت بثينة لمكان آخر فرأت رمضان يقف على عتبة الفيلا وعادت بثينة لها وقالت "الماضي مؤلم ضي ولو كنتِ لا تحبين سليم فلا تبحثي به ولو أحببته فأيضا لا تبحثي ربما أنا رغبت بأن تعرفي الماضي بيوم ما لكن الآن لا"
لم تفهم شيء وبثينة تستدير لتذهب ولكنها هتفت "لا تذهبي وتتركيني هكذا أنا أريد أن أفهم، ما الماضي الذي تتحدثين عنه؟ ولماذا لا تريدين مني أن أعرفه؟ أريد أن أفهم"
التفتت لها وقالت بتأني "هل تحبين سليم؟"
للحظة ظلت صامتة ثم قالت "نعم"
أخفضت بثينة رأسها وقالت "إذن سامحيني لأني السبب بكل ذلك"
وتركتها ورحلت وهي تناديها وترغب بأن تتبعها ولكن شيء ما كان يقيدها بمكانها ويمنعها من أن تتبعها وهي تناديها حتى شعرت بيد تهزها ففتحت عيونها أخيرا لترى سليم يجلس أمامها بفزع وهو يقول
"ماذا حدث؟ ماذا بها بثينة؟"
اعتدلت وهي تتذكر الكابوس وقالت بأنفاس غير منتظمة "لا أعلم، هي لم تكن ترد على ندائي"
لن تخبره أنها تبحث بالماضي وأن بثينة تريدها أن تتوقف، منحها كوب الماء فتناولته حتى هدأت وهو يتابعها بنظرات قلقة وقد أخذ حمام واستبدل ملابسه بقميص داكن وبنطلون أسود فقال
"حسنا هل أنت بخير الآن؟"
حاولت تجنب كلمات بثينة وتحذيرها من نبش الماضي وأجابت "نعم، هل هاتفت المشفى؟"
نهض وقال "نعم حالته مستقرة"
نهضت وقالت "أرغب برؤيته"
وتحركت لاستبدال ملابسها فتابعها وهو يذكر كلمات شوقي الذي أخبره عن زيارة رمضان والغضب الذي سيطر عليه وهي لم تخبره شيء مما زاد غضبه ولكن لا مجال للحديث عنه الآن فقط سيجد حل مع رمضان هذا
ما أن وصلوا المشفى حتى اختفى هو لإجراء الفحوصات وجلست هي مع كريم الذي بدا أفضل نتيجة الرعاية الطبية وما زالت كلمات بثينة تراودها وكل ما يلاحقها تلك الأيام يلفها وكأن الكل اتفق عليها فجأة
وصلتها رسالة فجأة على الهاتف ففتحتها لترى رمضان يرد "مليون جنيه مدام وترسليهم لي قبل أن أخبرك أي شيء"
دق قلبها بقوة وهي تكتب "وهل الأمر يستحق هذا المبلغ؟"
كتب "بالطبع وإلا ما طالبتك به"
ظلت ثابتة تفكر وكلمات بثينة تحاول إيقافها، لا تبحثي بالماضي ولكنها تجاهلتها وكتبت "وماذا يضمن لي أنك لا تغشني"
كتب "لديّ ما يثبت ما سأخبرك به وسأرسله لكِ بمجرد إيداع المبلغ بحسابي"
فكرت قليلا ثم كتبت "لا، سأرسل لك أحدهم بالمبلغ وبمجرد إبلاغي بالأمر سيمنحك المال"
كتب "كما تشائين، حددي المكان والوقت"
ظلت جامدة لحظة ثم كتبت "العاشرة صباحا أمام مركز..."
كتب "أمرك مدام ما أن أرى رجلك سأهاتفك"
منحته علامة الموافقة وأغلقت هاتفها عندما رأت سليم يدخل بابتسامة رائعة للطفل وهو يقول "أنت مستيقظ يا بطل؟"
أجاب كريم "نعم، هل رأيت جينا؟ أنا أفتقدها جدا"
جلس بجواره بعد أن منحه قبلة على جبينه وقال "نعم، سأجعل ماما تأتي بها لأجلك"
نظر الطفل لها وقال "هل يمكنك ذلك ماما؟ أرغب برؤيتها"
قبلت يد طفلها وقالت "حاضر حبيبي بالصباح سأجعل جانيت تأتي بها"
ابتسم رغم التعب وظل الاثنان معه وقد أحضر له سليم لعب سهلة تناسب حالته وانشغلت هي معه تساعده بها وتابعهم هو برغبة بإنهاء الكابوس الذي يعيشون به ولكن لا أحد يعرف ما الذي يخفيه القدر؟
لم يرحلوا بالليل بل ظلوا بجوار الطفل والذي لم يمر بنوبة ألم مرة أخرى ونامت هي بجواره ربما لشعورها بالراحة لوجود زوجها معها أو لتعبها الواضح
حركة التمريض أيقظتها فنهضت لتمنحهم فرصة متابعة عملهم وهي تخرج باحثة عنه فرأته يتحرك لها، كانت الثامنة صباحا وهو يمنحها أكياس طعام وقال
"تناولي هذا وإلا ستسقطين فاقدة للوعي"
لم تعارض وهي تتناول الطعام معه وقالت "هل هاتفت جانيت؟"
أجاب "نعم ستأتي على العاشرة، السائق سيكون معها"
العاشرة، نفس الوقت الذي منحته لرمضان، هل سينفذ اتفاقه معها؟ لقد طلبت من حمدي ابن أم ذكي أن يمر على الشركة ويأخذ الحقيبة التي جهزتها خديجة بالمال المطلوب وأن يذهب للقاء الرجل بالموعد المحدد ووصفته له
عادت لسليم الذي لمس يدها فنظرت له وهو يقول "ماذا بكِ؟"
ظلت تتجول على وجهه ولا تعلم لماذا كانت تشعر بانقباضه بقلبها وتأملت ملامحه التي تعشقها هل يمكن أن يكون هذا هو الرجل الذي يتحدثون عنه؟
جذبت الكلمات وقالت "لا شيء قلقة على كريم"
ابتسم لها وقال "سيكون بخير لا تقلقي"
أخفت عيونها بالطعام وشعور بالذنب يرتفع داخلها فبينما هو هنا يؤازرها من أجل ابنها هي تبحث خلفه وترغب بمعرفة ماضيه لكنها لن تغضب منه هي فقط ترغب بمعرفة لماذا تمسك الرجل بإخبارها بالأمر رغم أنه ماضي وانتهي؟
عادوا لكريم وظلوا معه وهو ما بينهم وما بين هاتفه وأنطون هاتفها ليطمئن على كريم وحتى جولي هاتفتها أكثر من مرة ورغم ذلك ما زالت تشعر بالخوف ولا تعلم سببه
بالعاشرة إلا ربع تحججت بأنها ستخرج لمهاتفة جانيت لتخبرها بإحضار أشياء معها فلم يعترض وما أن خرجت من غرفة كريم حتى وقفت وهاتفت حمدي وأخبرها أنه بطريقه للمكان، أغلقت وهاتفت رمضان الذي أجاب بأنه يقف بالمكان
أغلقت وقلبها ينتفض بقوة وهي تقف وتلف حول نفسها والانتظار يقتلها والخوف يدمرها مما ستعرفه بعد دقائق وتمنت لو أمكنها مهاتفة الرجل والتراجع بكل ذلك لكنها لم تستطع بل ترغب بمعرفة السر الذي يحمله معه سنوات وهي لا تعرفه
فزعت عندما رن هاتفها باسم رمضان فأجابت على الفور فقال "رجلك أمامي مدام"
قالت "خذ مالك وتحدث إذن"
سمعت رمضان يقول بصوت منخفض "تمام ، بتلك الليلة التي تم اغتصابك بها مدام منذ سبع سنوات، تذكرين بالطبع تخديرك ونقلك لمكان لا تعرفيه أليس كذلك؟"
تجهم وجهها وانتفض جسدها كله وهي لا تعرف بماذا ترد؟ تلك الليلة لا أحد يعرف عنها شيء ولم يعترف من عرف بحدوثها من الأساس، كل من حولها رفض تصديقها والآن..؟
ناداها الرجل فابتلعت ريقها وقالت "أنت، من أخبرك؟"
قال "أنا أعرف كل شيء مدام، السيد سليم أراد ابنة خيري لينتقم منه بها ولكن تم تبديل الفتاة بفتاة أخرى"
ما زال لديها أمل بأن لا علاقة لها بكل ذلك فهتفت "وما دخلي أنا؟"
صمت قليلا ثم قال "كنت أنتِ مدام، أنتِ بعد تخديرك تم وضعك بدلا من ابنة خيري، للأسف مدام هو أنا من منحت هلال بياناتك، أنتِ لا تذكريني ولكني رأيتك مرات عديدة قبل الحادث وأنا أزور جارتك، الحاجة عنايات، عمتي"
أغلقت عيونها وعرفت بالفعل أنها رأته عندها لذا كانت تظن أنها رأته من قبل، عاد يكمل "أنا من أعادك للبيت بتلك الليلة وليس رجال هلال ولم يشعر أحد بما أصابك لأنكِ كنتِ بغرفتك عندما عدتِ لوعيك، بعدها اختفيت خوفا من سيد سليم ولكن مدام بثينة رحمها الله عرفت تلك الحقيقة وعثرت عليّ لا أعلم كيف ومنحتني أموال كي أعثر عليكِ وإحضارك لها وقد عرفت مكانك بالفعل وجعلت أحدهم يعرض عليك العمل عندها وقد حدث"
ظلت جامدة تستوعب ما يقوله وكأنها بفيلم سينما وليس الواقع، بثينة كانت تعرفها وتعرف ما أصابها؟ جذبت الكلمات "وسليم؟"
أجاب "كما أخبرتك، أراد الانتقام من ابنة خيري ولكن كي لا يكشف الخدعة أنا قطعت الأنوار والظلام كان ساتر جيد ولكن لم يوقفه عن انتقامه ولا عنك وبعدها عرف بالطبع من خيري أن هناك فتاة أخرى كانت ضحية ولكنه لم يعرف حقيقتها وحاول البحث عني بلا فائدة وبالطبع خيري لا يعرفك فلم يصل لشيء"
كانت ترى تلك الليلة أمامها وكأنها الآن وكل ما حدث يلف حولها كشريط لا يتوقف والصمت لفها وهي تستوعب ما يقوله ولا تصدق ما تسمعه ورأت جانيت تقف أمامها وهي تكاد لا تراها فقط هي ما زالت ترى ضعفها وشبح الرجل الذي سلبها شرفها أمامها، تلك النظرة التي لم تنساها هي الآن تذكرها بعيون زوجها، أنفاسه التي كانت دائما تنكر أنها تعرفها هي الآن تعرفها، كلماته التي رفضت أن تعترف بأنها سمعتها من قبل "أنتِ لي"
صوت سليم جذبها "ضي، كريم يسأل عنكِ، جانيت متى وصلت؟"
هي تراهم وتسمعهم حولها لكنها كالمشلولة لا تعرف كيف تتحرك أو تتحدث، سقط الهاتف من يدها وحتى الدموع تجمدت بعيونها وهو يقول كريم
يا الله! كريم
وصل الطبيب هو الآخر وجانيت تتحرك لتدخل غرفة كريم وهي ما زالت جامدة مكانها وعصام يبدو سعيدا وهو يقول "رائع! التطابق بالأنسجة واضح جدا سيد سليم وهو تطابق لا يكون سوى بين الأب وابنه بالفعل"
ضاقت عيون سليم وهو يقول "أب وابنه؟"
أكد عصام كلماته "نعم، هذا التطابق لا يتم إلا بين الأب والابن سيد سليم هل كان لديك شك أنه ابنك؟"
لف نظره لها لتشعر بأن روحها ترحل منها وانسحبت الدماء من وجهها وقلبها لم يعد يتحمل كل ما يحدث له فرفض الواقع ووجدت نفسها تلف حول نفسها لتستجيب للدوان من حولها حتى سقطت على الأرض بلا وعي