
أنت سرقت شرفي
أفاقت لترى عصام بجوار الفراش وهو يقول "هبوط حاد مدام، أنتِ بحاجة للطعام والراحة"
لم ترد وهي تغلق عيونها فسمعت سليم يقول "نعم هي بحاجة للراحة"
فتحت عيونها لتراه يقف بالجانب الآخر ونظراته لا تواجها وعصام يقول "ستكون بخير بعد هذا المحلول"
أدركت أن هناك محلول معلق ومتصل بذراعها لكنها كانت بعالم آخر، تلك الليلة، الدمار الذي عانت منه، مأساتها، ابنها، ابنه، ماذا حدث لها؟ شعرت بأن الدنيا كلها تنهار فوقها وهي لا تقوى على دفع أي شيء بعيدا عنها، دمار
سمعت سليم يقول "متى يمكننا إجراء الجراحة؟"
نظرت له وعيونه جادة وكلماته لا مزاح بها وعصام يجيبه "ما أن ننتهي من تجهيزكم، نطمئن على المدام ثم تستعد أنت"
هز رأسه وعصام يتحرك للخارج فأبعدت وجهها وهي لا تعرف ماذا ستخبره؟ الحقيقة بحاجة لدليل، ولكن الدليل موجود بالفعل، تطابق الأنسجة بينه وبين كريم والآن هي ترى التشابه بينهما، لون العيون، الشعر، حنين الطفل لأبيه، كريم عرفه وهي لا، كريم فرض نفسه عليه بفطرة إلهية لم يدركها أيا منهم والآن هما يستوعبان ما كان وبثينة كانت تقود كل ذلك حتى وهي غائبة
"ضي"
أغمضت عيونها فماذا ستقول له؟
"ضي ماذا حدث؟"
لفت وجهها له وهي تفتح عيونها وتلتقي بعيونه وقالت بألم "اسال رمضان"
تجهم وجهه وسكن جسده وتعالت أنفاسه من ذكر الاسم وهو يردده "رمضان؟ ماذا أخبرك ضي؟ أنا لا أعرف ما الذي قاله ولكن ما كان حدث بالماضي وانتهى وأنا ابتعدت عن ذلك الطريق صدقيني واتخذت سبيل التوبة"
إذن هو لم يعرف بعد!؟ قالت بضعف "لكن الماضي لم ينتهي سليم"
جذب مقعد ووضعه بجوار فراشها وجلس وهو ينحني ليقترب منها وقال "انتهى ضي، أنا نسيته ورحلت من هنا وتبدلت، صدقيني ضي أنا لم أعد ذلك الشاب الطائش"
هزت رأسها بلا وعي وقالت "لكنك لم تفكر بنتيجة هذا الطيش سليم"
مرت نظراته على وجهها الشاحب بلا فهم وهو يقول "نتيجة؟ أي نتيجة؟ أنا لا أفهم شيء"
سقطت دمعة حزينة وهي تقول "ألم تخبرك التحاليل بشيء؟ تطابق الانسجة لا يكون هكذا إلا بين الأب وابنه أليست كلمات الطبيب؟"
ظل ثابتا يستوعب ما تقول بلا فهم ولكنه ارتد للخلف وهو يركز بالكلمات فعادت تقول "ألم تفكر لماذا أرادني رمضان أنا بالذات؟ لماذا يخبرني بماضي يخصك وقد انتهى كما قلت؟ أنت تعلم أنه هو وحده من يعرف حقيقة الفتاة البديلة"
بدأ يستوعب كلماتها لكن بلا قدرة على استيعاب ما قالته وهو يردد "أنتِ بالذات؟ الفتاة البديلة؟ لا أنا لا أفهم"
سقطت دموع أخرى وهي تقول "أنت تعلم أنها لم تكن عاليا التي كنت معها بتلك الليلة"
رحلت الدماء من وجهه وهو يرفض الحقيقة التي بدأت تتضح أمامه وهي لم ترحمه وهي تكمل "وأن هناك فتاة دفعت ثمن شيء لم ترتكبه وتلك الفتاة هي.."
نهض واقفا ليوقف كلماتها والتفت مبتعدا وهو يتحرك بلا وعي هنا وهناك ويمرر يده بشعره وردد "لا، لا"
همست بألم ودموع "بل نعم، أنا الفتاة البديلة، أنا الفتاة التي حققت انتقامك بها، أنت سرقت شرفي سليم، سرقت شرفي ودمرت حياتي بلا ذنب، أنت دمرتني، دمرتني"
توقف بعد أن كان يلف كالمجنون وتسمرت نظراته عليها وهي راقدة أمامه ودموعها تغطي وجهها والحقيقة المرة تندفع أمامه
نعم رمضان هو من أحضر الفتاة وهو من أخفاها بعد ذلك لحساب خيري واختفى، فر هاربا خوفا منه ولو كان وجده وقتها لقتله ولكنه اختفى، تبخر كنقطة مياه تبخرت بلا أثر واستسلم لاختفائه ولكنه لم يفكر بالفتاة التي نالت غضبه
هل تسخر منه الأقدار؟ المرأة التي كان سبب بعذابها بيوم ما وسرق شرفها هي الآن زوجته وحبيبته وأم ابنته؟ لا، لا يمكن أن يكون هذا هو العقاب
اندفع لها وسقط بجوار فراشها وهتف بألم "لم أكن أعلم ضي، أقسم أني لم أكن أعرف"
هزت رأسها بألم وقالت "وما الفارق؟ كنت تعلم أنك تدمر حياة فتاة بلا رحمة الفارق أنها لم تكن هي بل أنا"
أغمض عيونه بألم وقلبه يدق بعنف وكأنه يتعمد أن يؤلمه لما فعل وهي على حق وقتها كان معمي بالانتقام من خيري ولم يهتم بمصير الفتاة التي سلبها شرفها
همست "كريم لا ذنب له"
فتح عيونه وقال بذهول وقد استوعب ما تقوله "كريم! يا إلهي هو ابني"
الحقيقة مؤلمة حقا ولكنها ستظل حقيقة رغما عن الجميع وهي قالت "لو كان لديك شك فأنا أتمنى أن يكون كذلك، لا أريد تصديق أنك والده، لا أريد تصديق أنك من فعل بي وبه ذلك"
لمعت عيونه بدموع مكتومة وهو يقول بضعف "ضي أنا لم أكن بوعيي وقتها، لم تكوني أنتُ من قصدتها، لا يمكنني أن أفعل ذلك بك"
زادت دموعها وهي تقول "ولكنك فعلت، أنت كسرت كل جميل بحياتي وقضيت على شبابي وأحلامي، أنت سرقت شرفي وكل ما أملك وحولت حياتي لجحيم"
اقترب منها وكاد وجهه يلامس وجهها ويده على وجنتها وقال "لا ضي، صدقيني لم أكن أنا، كان شاب آخر سواي، طائش، متهور ومجنون لكنه ليس سليم الذي تعرفيه الآن، من وقتها وأنا تبدلت وطلبت من الله أن يسامحني وتعهدت أمامه ألا أسلك أي طريق خطأ وتبدلت ضي، صدقيني تبدلت لرجل آخر لذا لابد أن تنسي ضي فنحن الآن لدينا حياة مختلفة"
هزت رأسها ودموعه لا تؤثر بها ولا لمسته وهمست "وكيف يمكنني محو الذكرى وأنا أراها كلما أنظر بعيون كريم؟ كيف أنسى وأنا أستيقظ كل ليلة على نفس الكابوس وأراك وحش ينهشني بلا رحمة؟"
همس "لابد أن تفعلي ضي فأنا أحبك"
الكلمة كانت مبهجة وتشفي الجراح لكن ليس الآن ليس وهي تراه سبب دمار كل جميل بحياتها، أغمضت عيونها وقالت "وأنا أكرهك، أكرهك ولا أريد رؤيتك لا أريد رؤيتك"
أخفض وجهه وأبعد يده عن وجنتها وهو يدرك الألم الذي تعانيه، مسح دموعه وقال "حتى لو كنتِ تكرهيني ضي فأنا أحبك وسأظل أحبك مهما حدث"
ونهض خارجا بلا كلمات أخرى وانهارت هي بالبكاء والألم يزداد داخل قلبها بلا رحمة ورحل كل ما كانت تكنه له من حب ونست أحلامها بقلبه الذي تمنت أن يكون لها وطوال وجودهم معا لم تنتظر منه كلمة الحب والآن عندما أخبرها بها لم تشعر بها، بل ظلت كخنجر مدبب اندفع لجرحها فزاد من اتساعه ونزيفه وأدركت أنها ستظل عمرها كله تنزف
تحسنت بالفعل كنتيجة للمحلول ولم تراه من وقتها، نهضت عائدة لغرفة كريم ورأت جانيت وجي معه فابتسمت رغم أحزانها وهي تحمل جي وتحتضنها بقوة وكريم يقول "ماما جي نامت معي بعد أن لعبنا سويا"
جلست بجواره والطفلة نائمة بأحضانها وقالت وهي تنظر لعيون الطفل والتي هي تعلم الآن أنه عيون والده، ترى ماذا ستفعل كريم عندما تدرك أن من اخترته أب لك هو والدك بالفعل؟
"هي كانت تفتقدك كما افتقدتها أنت حبيبي"
قال بلهجته المثيرة لمن حوله "الدكتور قال إنني سأشفى قريبا وأخرج من هنا ونعود بيتنا"
هزت رأسها، بالطبع لن يعود بقراره، ليس بعد أن عرف أنه ابنه ومن صلبه، قطعة منه ومنها، قالت "نعم حبيبي ستشفى وتكون بأفضل حال"
****
اندفع خارجا من المشفى وهو يرغب بتدمير كل شيء حوله ورفع هاتفها الذي سقط منها وقت غابت عن الوعي وبالطبع عرف من الرسائل رقم رمضان وأرسل له رسالة من هاتفها "أريد لقائك"
أجاب على الفور "تحت أمرك مدام"
منحه عنوان قريب من المشفى وتحرك لسيارة أجرة ودخل بها حتى وصل للمكان فنزل ورأى رمضان وهو يدخل المكان فتحرك له وما أن رآه رمضان حتى كاد يفر هاربا لكنه كان أسرع وقبض عليه وهتف
"لن تجعلني امسح بك أرض المكان وكل من به لن ينقذوك مني، تحرك أمامي"
تجمد الرجل بين قبضتيه وهو يدرك قوة سليم جيدا فجذبه سليم لمائدة جانبية ودفعه على المقعد وقال "أريد سماع الحقيقة وأقسم أني لو عرفت أنك كذبت عليّ بكلمة واحدة لأنسفك من على وجه الأرض"
ارتجف الرجل أمامه والخوف والفزع ظهرا بعيونه وهو يهز رأسه ويحكي له كل شيء حتى انتهى وهو ظل ساكنا بلا حركة حتى قال "وماذا يثبت لي أنك لست كاذبك وضي ليست هي الفتاة؟"
أخرج رمضان ظرف من جيبه ومنحه له وقال "هذا هو الدليل كنت أظن أن مدام ضي لن تصدقني وجهزت لها تلك الصور"
ظل يحدق بعيونه قبل أن ينظر للظرف ثم جذبه منه وهو يتمنى أن تكذب الصور كل ما قاله، لا يريد تصديق أن المرأة التي أحبها هي من دمرها
ظهرت الصور أمامه والاي تظهر الشبه الواضح بين الفتاتان ثم صور أخرى وضي مربوطة على ذلك الفراش بتلك الغرفة وهو يعرف المكان جيدا فلا يمكن أن ينساه، صورة أخرى لسليم وهو يقتحم الغرفة قبل أن يحل الظلام وتنقطع الكهرباء، صورة ثالثة لهلال وهو يقف مع رمضان وما أن رفع رأسه حتى رأى رمضان ينظر له ويقول
"كان هناك كاميرا بالغرفة ولكن بانقطاع الكهرباء توقفت عن العمل"
قذف الصور وتراجع بالمقعد وهو يدرك أن لا مفر من تصديق الأمر فقال "لماذا ضي؟"
أجاب "لأن بينها وبين عاليا شبه كبير كما هو واضح بالصور، لون الشعر، القوام والطول وهي كذلك فتاة مجهولة وفقيرة ولم يكن بإمكانها فعل شيء فهلال جعل أشخاص تهاتفها وتهددها أنها لو بلغت الشرطة أو أي أحد فسيقتل أمها وأي أحد ممن يهمها أمره، وهي بالأساس لم تجرؤ على إبلاغ الشرطة فليس لديها أي شيء لتبلغ الشرطة عنه ولم يكن ليصدقها أحد، أنا لا أكذب سيد سليم، كنت وقتها أرغب بالمال وهو منحني الكثير"
ظل ينظر له بغضب وقال من بين أسنانه "والمال أيضا هو ما دفعك لإخبارها بالحقيقة الآن أيها الجبان أليس كذلك؟"
أخفض وجهه وقال "أنا مديون بالكثير و.."
لم يعرف كيف قبض سليم على صدر جاكته وجذبه له عبر المائدة ليواجه عن قرب وهو يقول بقوة الغضب المشتعل داخله "ولم تفكر بأنك تدمر حياتها وحياتي؟"
أمسك يد سليم والرعب تكون بعيونه وتلعثم بالكلمات "أنا فكرت بالمال، وظننت أن ذلك هو الأفضل لها عندما تعرف أنك والد طفلها وأنه ليس ابن.."
لم يكمل عندما طارت أسنانه خارج فمه بسبب لكمة سليم القوية وهو يهتف "اخرس يا كلب، أمثالك مكانهم بالسجن وأنا من سأضعك به"
تراجع رمضان بالمقعد من لكمة سليم ولمس الدماء التي تسيل على فمه وهو يقول "لا، لن يمكنك ذلك، ليس لديك أي شيء تجاهي"
نهض سليم ووضع الأموال على المائدة وقال "سنرى هيا انهض"
لم يشعر أحد بما دار ونهض رمضان بخوف من سليم وما أن خرجا حتى اندفع رمضان يجري ليهرب من سليم ولكن القدر لا يترك مجرم بلا عقاب فما أن اندفع بلا وعي للطريق حتى طار أمتار بالهواء من تلك السيارة التي كانت تمر مسرعة ولم يستطع قائدها تجاوزه وسقط جسده على الأرض بلا حركة وما أن وصل الناس له حتى رأوا جسده ساكنا وسط بركة دماء كبيرة وقد فارق الحياة
****
عندما عاد المشفى كان بوقت متأخر وقد احتجزته الشرطة للتحقيق معه بسبب رمضان وبالطبع أخبرهم أنه كان يعمل عنده منذ سنوات وقابله هناك صدفة وأخيرا تركته الشرطة لأن الأمر كان حادث بلا أي شك
لم ترفع عيونها له عندما دخل الغرفة وتحرك لكريم الذي كان نائما وقد رحلت جانيت بالطفلة للبيت نظر لها وتألم لرؤيتها تتجاهله بعد ما كان بينهم ومع ذلك قال
"هل من جديد بحالته؟"
هزت رأسها بالنفي واختصرت الرد "لا"
ونهضت لتخرج لكنه لحق بها وأمسك ذراعها ليوقفها وهو يقول "ضي انتظري"
لم ترفع وجهها له ولكنها جذبت ذراعها من يده وهي تقف فقال "ضي لابد أن توقفي غضبك هذا، الماضي رحل وعلينا التفكير بالمستقبل وبحياة ابننا"
القدر يصفعها مرة وراء الأخرى بلا رحمة وهي لم تعد تقوى على التحمل وهي ترفع عيونها له وقالت "هو ابني أنا، لا تجرؤ على قول ذلك عنه مرة أخرى"
وتحركت خارجة وهو يغمض عيونه مما يحدث لهم والدمار الذي أصاب حياته بسبب ذلك الطماع الجبان والذي نال عقابه من القدر وها هو الآخر ينال عقابه، رفع يده للحيته وفركها وهو يشعر بتعب غريب يهاجمه، كم ليلة بلا نوم وصراع داخله لم يفكر أنه سيمر به بأي يوم وزوجته تضيع منه وحياته كلها تنهار وهو عاجز لا يعرف ماذا يفعل
ماضيه يلاحقه الآن بعد أن نساه وعاش سنوات بالنور بعيدا عن كل مصائبه القديمة ختاما بتلك الليلة التي فقد فيها عقله بسبب ما فعله هلال ووالده من قبله، نصب عليهم واحتال على أموالهم وأملاكهم والطامة الكبرى والتي أثارت جنونه هو السر الذي لا يعرفه أحد ولا ينبغي أن يعرفه أحد سبب انتقامه
دقات الباب تبعها دخول عصام الذي نظر له وقال "مساء الخير"
استعاد نفسه وقال "مساء الخير دكتور"
تقدم عصام لمتابعة كريم حتى انتهى وقال "الفحوصات كلها تعلن عن الاستعداد للجراحة هل أنت مستعد؟"
حدق به ثم قال "هل أنت متأكد أنني مناسب له؟"
حدق به عصام وقال "لا شك بالتحاليل خاصة وأنك والده والتوافق بين الأب وابنه بتلك الحالة يصل لخمسين بالمائة، وتطابق الأنسجة بينكم كحالة نادرة بالفعل ولا يتم إلا بين أب وابنه حقا كما أخبرتك"
هز رأسه وهو يدرك صدق كلمات عصام وصدق حكاية رمضان وإدراك كريم بأنه والده وشعوره هو تجاه الطفل من أول نظرة وباسترجاع كلمات كريم عن بثينة التي كانت ترسل لهم رسالات عن طريق الطفل لم يفهمها أحد سوى الآن، بثينة كانت تعلم ولكنها لم تخبره فقط وضعتها بطريقه ورسمت خطتها ورحلت
سأله بلا تردد "متى يمكنك إجراء الجراحة؟"
أشار بيده "دكتور عادل سيكون هنا بعد ساعات لو شئت وضعت كريم على لائحته فهو من أفضل الجراحين بمصر"
هز رأسه وقال "لتفعل لن نترك ابني يعاني أكثر من ذلك"
أحنى عصام رأسه وقال "تمام بالتوفيق إن شاء الله"
وتركه وذهب وهو يحدق بكريم ثم تحرك له وركع بجوار فراشه ومرر يده على شعره ووجنته وهمس "لم أكن لأفكر يوما أن يكون لي طفل بعمرك هذا دون أن أعرف، لكم أتمنى لو كنت معك بكل دقيقة منذ لحظة تكوينك كما كنت مع أختك، أنت لا ذنب لك بكل ما حدث سوى أني والدك وأنت تدفع الثمن، سامحني كريم، سامحني بني لأني فعلت بك ذلك لكن صدقني لم أكن أعرف أن كل ذلك سيحدث، صدقني أنا نادم على كل ما فعلته بحياتي، نادم وأتمنى لو بإمكاني أن أمحيه ولا يتبقى سوى والدتك التي لم أحب سواها، أنا آسف حبيبي، آسف"
****
ظلت تمسك بيد طفلها وهم يأخذونه لغرفة العمليات ودموعها تنهار غزيرة بلا توقف ولم ترى سليم وهو بالداخل وقد أخذه التمريض قبل كريم، لم يلتقيا منذ تركته بغرفة كريم فقد ذهب وهي عادت لتبقى بجواره وهم يجهزونه ورغم سعادتها لأنه سيجري الجراحة وتنتهي آلامه إلا أن خوفها عليه كان يدمرها وبجزء آخر داخلها كان خوف آخر، خوف على الرجل الذي أحبته ومنحته قلبها، زوجها ووالد ابنتها بل أولادها الاثنان، الرجل الذي دمرها وسلبها شرفها وحطم أحلام فتاة بالسابعة عشر ما زالت لم تأخذ أي شيء من الحياة
أغمضت عيونها وهي تسند رأسها على باب غرفة العمليات وهمست "يا رب، ليس لي سواك، نجيهم هما الاثنان يا رب فأنت تعلم ما بقلبي الذي تعب من كثرة ما تألم"
لمسة على كتفها جعلتها تلتفت لترى جولي فلم تصدق أنها هنا وباللحظة التالية كانت جولي تحتضنها بقوة وهي تبكي وجولي تحاول أن تهدأ منها بكلماتها
رأت كوب القهوة أمامها فرفعت وجهها لأنطون الذي قال "تناوليه، تبدين شاحبه"
أخذته منه وجلس هو بجوارها وقد خرجت جولي لتجيب اتصال زوجها فقالت "شكرا لك أنطون وشكرا لوجودكم هنا"
نظر لها وقال "لقد طلب مني الحضور للبقاء معك وهو بالجراحة"
ظلت تنظر له ثم دفنت عيونها بالقهوة وهي تتناولها فقال "لقد أخبرني بالأمر"
لم تندهش فهي تعلم مكانة أنطون عند سليم، لم ترد وهو يكمل "سليم يحبك ضي والماضي انتهى والآن الحاضر يجمعكم سويا"
ابتلعت القهوة الساخنة وقالت "الماضي لم ولن ينتهي أنطون وجميعنا نعلم ذلك، لا أنت ولا أحد يمكنه تخيل ما عشته بسبب ما فعله سليم بي ولا الليالي التي كنت أقضيها بالبكاء ولا الألم الذي كنت أشعر به كلما سألني كريم عن والده"
حدقت بالفراغ وأكملت "لا أنطون الماضي لم يمت فهو يسكن بكل خلية من خلايا جسدي متجسد بما رأيته وعانيته منذ تلك الليلة"
أبعد وجهه عنها وقال "كريم بحاجة لسليم ضي، لن تحرميه مرة أخرى منه"
ظلت تنظر للفراغ وهي تقول "عاش بلا أب سنوات عمره فلن يتضرر من أن يكمل عمره بدونه، لسنا بحاجة له"
لف وجهه لها وقال "وجينا؟"
التفتت له وقالت "لن يجرؤ على أخذها مني، هي ابنتي أنطون"
رد "وابنته ضي، كلاهم أولاده"
هتفت بقوة "لا يهمني، لن أعيش معه بعد اليوم"
ونهضت مبتعدة والغضب ما زال يلفها بقوة ورغم أن قلبها يخونها لأنه يحن للرجل الذي أحبه إلا أنها كانت تقتله بيدها وتمنعه من أن يفوز بل ستعصره بيدها لتوقفه عن الدق له وستوقف أي شيء تجاه الرجل الذي دمرها ولن يطالبها بأي شيء لأنها لن تمنحه أي شيء
لم يتحدث أحد معها بالأمر مرة أخرى والجميع بانتظار انتهاء الجراحة والوقت يمر بصعوبة والقلق سلاح مميت ينسف ويدمر بلا هوادة وهي فقدت الصبر وظلت تتحرك بلا وعي وتفرك أصابعها حتى تألموا وتحركت جولي لتقف أمامها وتوقفها وهي تقول "كفى ضي، اهدئي"
نظرت لها وهتفت "ثلاث ساعات جولي، ثلاث ساعات وأنا لا أعرف ماذا يحدث بالداخل، ابني قد يضيع مني"
ربتت على ذراعها وقالت "لن يحدث شيء ضي، سيكون بخير، كلاهم سيكون بخير فقط توقفي أنت ستصابين بشيء"
دارت تجاه باب الغرفة وهتفت "سأموت لو أصاب ابني شيء"
هتفت جولي "وسليم ضي ألا تفكرين به؟ هو يضحي بنفسه لأجل ابنك"
التفتت لها وكادت تصرخ بوجهها أن ذلك أقل ثمن يمكن أن يدفعه لولا خروج عصام من غرفة العمليات فالتفتت لتسرع له وهي تهتف "ابني دكتور، هل ابني بخير؟"
ابتسم وهو يبعد الماسك عن وجهه "نعم مدام كلاهم بخير والحمد لله، الجراحة ناجحة وتبقى أن يتقبل جسد كريم الكلى وسيكون بعدها بأفضل حال"
أغمضت عيونها وحمدت الله بصوت مسموع وأنطون يقول "وسليم؟ كيف حاله؟"
التفت عصام له نظرا للكنة أنطون وقال "بخير وهو بالإفاقة وسيخرج للغرفة بعد قليل فقط كريم سيظل بالعناية ليبقى تحت الملاحظة"
تقبل الجميع الخبر بهدوء وسعادة وما زال قلبها يدق بعنف بانتظار رؤية ابنها ولا تنكر ذلك الجزء الذي تحاول منعه من الظهور والذي يتمنى رؤية الرجل الذي أحبته والاطمئنان عليه
****
بعد إلحاح شديد وافقوا على أن تدخل العناية لرؤية طفلها، وما أن رأته حتى انهارت الدموع ولا تعلم من أين تأتي دموعها التي لا تتوقف ومتى ستتوقف؟ وضعت قبلة طويلة على جبينه وهي ترى ملامحه الصغيرة هادئة ووجه الشاحب لا يمنحها أي شيء، الأجهزة التي تعمل بثت بها الراحة أنه على قيد الحياة وبخير
أمسكت يده الصغيرة وقبلتها بحنان وهمست "الحمد لله حبيبي، الحمد لله أنك نجيت، يا رب تمم شفائه على خير فأنا لم يعد لي سواه، كريم حبيبي سامحني، سامحني على ما حدث لكنه ليس ذنبي ولن يمكنني تحمل نتيجته مرة أخرى"
وأغمضت عيونها والألم يضربها بقلبها ضربة مؤلمة، لن تتحمل أن تعيش مع الرجل الذي أفقدها كل جميل بحياتها، سرق عذريتها وسرق معها كل أحلام البنات بفارس الأحلام والزواج والفستان الأبيض، سرق حتى حريتها وفرض عليها قضبان من نار لو فكرت باجتيازها احترقت
ربما لم يكن يعرفها وربما كان يقصد فتاة أخرى لكن ما الفارق؟ بكلا الحالتين حياة تدمرت وهو السبب، هو لم يفكر سوى بنفسه وانتقامه الأعمى وهي وذلك الطفل البريء يدفعان الثمن
خرجت من العناية فلم تجد أنطون ولا جولي، مسحت دموعها وجلست بالاستراحة فقد تهاوى جسدها من كثرة ما يحمل حتى رأت عصام يتحرك تجاها فنهضت وهو يقول
"لقد خرج الأستاذ سليم لغرفة ظننتك معه"
شحب وجهها أكثر وهي تفهم تلميحاته فقالت "لم أكن أعلم فقد كنت مع كريم، متى سيخرج من العناية؟"
أجاب بهدوء "سيمر الدكتور عليه وهو من سيمنحنا الإذن بخروجه ولكن حالته مستقرة الحمد لله وحتى الأستاذ سليم حالته جيدة"
هزت رأسها وقالت "شكرا لك"
أخيرا اتخذت قرارها كي توقف قلبها الذي يؤلمها من أجله وتحركت للغرفة ودقت الباب ودخلت ورأته ممدد على الفراش وما زال غير مستيقظ، عيونها ثبتت عليه وهي تتحرك تجاهه وقلبها يدق بعنف وكأنه سقط بصدرها من هول ما يحمل وسمعت أنطون يقول
"ما زال تحت تأثير المخدر، هو ينطق باسمك"
لم ترد ولكنها تسمعه، وقفت بجوار فراشه ورأت وجهه الشاحب كابنها ويده بجواره ساكنة لا ترتفع لتلمس وجنتها أو تلفها لأحضانه، هو رابض هنا بلا حركة وقد قتلتها حركته من قبل، هو بلا وعي وقد دمرها وعيه
هي لا ترى سوى تلك الليلة ولا تسمع سوى 'أنت لي' لكن شفاهه تحركت وسمعته يقول "ضي، ضي"
كانت جامدة وكأنها فقدت الحياة وأصبحت باردة بلا روح، جثة هامدة لا تشعر، لا تسمع، لا تنطق
"ضي"
بصعوبة أجبرت يدها على أن تتحرك وتلمس يده مما منحها قوة على أن تقول من بين الدموع "أنا هنا"
فتح عيونه الزرقاء ولكن بريقها خافت لا يضيء حياتها كما كان يفعل، ضاعت منه البهجة وهو ينظر لها وشعرت بأصابعه تضغط على يدها فلم تتحرك وهو يهمس "لا تذهبي"
مسحت دموعها وتنفست فما زال يسحب الهواء من حولها ثم قالت "لن أذهب"
أغمض عيونه وكأنه اطمئن بوجودها وهي لا تعرف ما الذي يثور بداخلها غير الغضب والكره والألم، مقعد لمس ساقها من الخلف فالتفتت لترى أنطون يومئ لها فجلست وما زالت أصابعه تقبض على يدها وهي لن تقوى على الذهاب وتركه إلا لرؤية ابنها، ما زالت زوجته وتحبه، حتى غضبها لن يمحو الحقيقة مهما حدث
لم تبعد عيونها عن وجهه الساكن أمامها، التمريض دخل وتابع الطبيب حالته وأنطون يقف بجوارها وهي ساكنة لا تتحدث وعصام يقول "هو أخذ جرعة كبيرة من المخدر بسبب التدخين لذا هو لم يفيق بالكامل لكن هو بخير"
لم تتحدث لكن أنطون قال "وهل سيظل هكذا كثيرا؟"
هز رأسه وقال "لا، ساعات قليلة وسينهض لكن برجاء منع السجائر عنه حتى يستعيد نفسه"
رمقها عصام بنظرة تساؤل ولكن عيونها كانت على زوجها الذي لم تراه متعب من قبل، كانت دائما هي من ترقد وهو من يتولى رعايتهم معا، سنة أكثر أو أقل عاشتها معه كانت لا تفكر بغد كيف سيكون كانت ترتاح على صدره وتنام على كلماته الهادئة، كل مشكلة كانت بسيطة معه، رأت كيف كان أب حنون وزوج محب والآن هي فقدت كل ذلك ولن تستعيد تلك الأيام مرة أخرى
أفاق أخيرا ولم تتركه وهو ينهض ليتحرك خارج الغرفة، كانت بجواره تمسك يده ولكن بلا مشاعر ولا كلمات كلاهم صامت لا يتحدث، دخل معها لرؤية كريم الذي ناداها من بين دوامته فتحدثت معه وهدأ على صوتها وعادت بزوجها للغرفة حيث جولي وأنطون وبعد شجار كبير مع أنطون نال السجائر ولم يرحم نفسه وهي تنزوي بركن بعيد بالغرفة حتى نام من أثر المسكنات فتحركت جولي لها وقالت
"ضي هل أنت بخير؟"
أبعدت عيونها للقمر الذي اختفى خلف السحب الكثيفة وقالت "نعم جولي لا تقلقي"
اقتربت منها وقالت "هل فكرت بما حدث؟"
هي لا تفكر إلا بما حدث ولا أحد يمكنه أن يعرف النيران التي تأكلها داخليا ولا الألم الذي يحرقها، هزت رأسها بالموافقة وقالت "بالتأكيد جولي"
عادت تهمس "وماذا ضي؟ تعرفين أن كلاكم لا يمكنه التخلي عن الآخر، هناك الكثير بينكم وعليك تجاوز الأمر كي تستمر حياتكم"
لفت وجهها لها وقالت بصوت منخفض "الحياة تستمر جولي، مهما يحدث حولنا فالحياة لا تتوقف ولن تتوقف لأي سبب"
ظلت تحدق بعيونها ثم قالت "وماذا ضي؟ لن تعودي له؟"
أبعدت وجهها وهي لن تتحدث بأي شيء الآن المهم خروجهم جميعا من هنا وبعدها ستجيد التفكير لذا قالت "ليس الآن جولي، لا مجال لاتخاذ أي قرار وكلاهم بتلك الحالة"
وافقتها برأسها وقالت "معك حق، أردت إخبارك بشيء، ربما الوقت غير مناسب لكن تعلمين مكانتك عندي"
عادت لها باهتمام وقالت "بالطبع جولي ماذا هناك؟"
ابتسمت وقالت "لا تقلقي، أنا حامل"
أخيرا شيء يبهج، أمسكت يد صديقتها بسعادة وهتفت بصوت منخفض "حقا جولي؟ أخيرا، أنا سعيدة جدا"
كانت سعادة جولي واضحة بعيونها وهي تقول "شعرت بالغيرة منك يوم رأيت جينا، وقتها أردت أن أعيش تلك اللحظات، أن أكون أم واحتضن طفلي وأطعمه، جينو ألح كثيرا أيضا وأنا أردت خوض التجربة"
ضحكت بعد كل الدموع التي سكبتها مؤخرا وهمست "وهي أجمل تجربة جولي، أنت تستحقينها حقا"
وجذبتها واحتضنتها بسعادة من أجلها، كلاهم كانا يتشاركان بحب رجل واحد بيوم ما ولكن بتراجع جولي ظهرت تلك الصداقة وها هي تستمر رغم اختلاف الجنسيات
بالصباح كان أفضل حالا وتحرك وحده وهي كانت بالعناية مع كريم الذي أفاق ولكن ما زال متعب بالطبع عندما دخل الطبيب المختص وقال "مرحبا يا بطل"
ابتسمت وهي تمرر يدها على وجهه وهو يقول "مرحبا"
نظر للأجهزة ثم عاد لها وقال "سنخرجه من العناية فقد عملت الكلى بشكل طبيعي الحمد لله وربما بالغد يمكنه الخروج وكذلك الأستاذ سليم"
كانت سعيدة وقالت "حقا دكتور؟ هو لن يعاني منها مرة أخرى، لن يتألم"
ابتسم وقال "ألم بسيط بسبب الجرح لكن ما أن يلتئم الجرح حتى ينسى أصلا أنه أجرى جراحة"
كانت السعادة تقفز من عيونها عندما سمعت صوت سليم يقول "متى سيخرج دكتور؟"
التفت له الطبيب وتجمدت ابتسامتها وهي تراه بملابس عادية مما ساعدته على ارتدائها بالصباح الباكر وقال الطبيب "أخبرت المدام أنه يمكنكم الخروج من المشفى بالغد صباحا مع متابعة الجراح والدواء وأنا أراك بأفضل حال"
كان ألم جانبه لا شيء بجوار ألم قلبه الذي لا يزول وليس له دواء سوى هي، لم ينظر لها وهو يقول "الحمد لله، المهم هو"
ابتسم الطبيب وقال "هذا الشبل من ذاك الأسد فلا تقلق عليه"
واستأذن منهم فتحرك للطفل وقال "كيف حالك حبيبي؟"
أجاب الطفل "بخير بابا، هل كنت مريض أنت أيضا؟"
التقت عيونه بعيونها بلا اتفاق وسرى تيار كهربي لمس قلوبهم وهي تخفض عيونها مرة أخرى وهو عاد للطفل وقال "نعم حبيبي لكني بخير الآن"
ورفع يد الطفل لفمه ووضع قبلة عليها ثم انحنى بصعوبة لاحظتها وكادت تنطق بكلمات تمنعه لكنه لم ينتظر وهو يضع قبلة على جبين الطفل وقال بحنان "أنت تعلم أني أحبك أليس كذلك؟"
دمعت عيونها وتمنت أن توقفه عن ذلك ولكن كريم أجاب "نعم أعلم كما أحبك أنا أيضا"
مرر أصابعه على وجنة الطفل وهو يشعر بألم بصدره لأنه كان يغفل عن ابنه طوال تلك السنوات، قال بقلبه وليس بفمه "أنت ابني كريم"
تراجعت وهي لم تشأ أن يفعل ذلك، ليس الآن ليس أبدا، عقابه أن يظل بعيدا عن الطفل الذي تعذب بسببه لكن كريم قال "أعلم"
توقفت أصابعه على وجه الطفل وتجمدت هي بنظراتها على وجه كريم وابتلع ريقه بصعوبة متجاهلا ألم جانبه وهو يقول "تعلم ماذا كريم؟"
لم ينظر كريم لها وهو يجيب "نانا بثينة أخبرتني منذ وقت بعيد أنك والدي الحقيقي"
ظل يحدق بعيون ابنه والذي كان يصدق كل كلمات بثينة وتلك العلاقة التي لا يفهمها أحد، هي لم تتحدث بأي وقت كانت الحقيقة ستظهر حتى ولو كان ضد رغبتها
سمعته يقول "وما رأيك بذلك؟"
لطالما كان يتحدث مع كريم وكأنه رجل كبير ولم يشعره يوما أنه يستهين بكلماته كطفل والذي أجاب "يعجبني بالطبع"
رفع عيونه لها فواجهته بلا هروب فعاد للطفل وقال "وأنا سعيد بك حبيبي وفخور بأن لدي ابن مثلك شجاع وقوي"
سقطت دمعة من عيونها مسحتها بعناد وهو يعتدل ببطء والممرضة تقول "هذا يكفي يا فندم"
لم يعترضا وتحركا للخارج وهو أوقفها قبل أن تعود للغرفة وقال "ضي"
لم تلتفت له فتحرك هو ليقف أمامها ولم ترفع عيونها له بل ظلت عالقة بصدر التي شيرت خاصته وهو يقول "لابد أن نتحدث"
قالت بصوت ثابت "أعلم لكن بالتأكيد ليس هنا"
تمنى أن ترفع عيونها التي يعشقها فيشعر بعودة الحياة له لكنها لم تفعل وهو يشعر أن الروح رحلت منه وأصبح فارغ بلا حياة وهي فقط من بيدها إعادته للحياة ولكنها لا ترحمه وكأنه عاد للأشواك التي كان يسير عليها قبل أن يلقاها وتبدل حياته للراحة
قال برجاء "عليكِ معرفة أنكم كل حياتي ضي لن يمكنني أن أعيش وأنتم لستم معي"
الهواء ضاع من حولها وتحولت للتنفس السريع ربما تنقذ نفسها وقالت "لن نتحدث هنا من فضلك دعنا نعود"
وتحركت لكن قبضته أوقفتها وهو يعيدها أمامه فرفعت وجهها له بنظرة قتلته وهو يقول "ضي توقفي لابد أن تفكري بأولادنا كلاهم بحاجة لنا معا وأنتِ بحاجة لنا معك"
هتفت بلا وعي "أنا لست بحاجة لأحد ولن أكون ولا تتخذ الأولاد أبدا سبيل للضغط عليّ هل تسمعني؟"
وتحركت مبتعدة والغضب يلفها ولم تهتم به وهو ظل ينظر بالفراغ الذي تركته خلفها وكلماتها القليلة قنابل قذفتها بوجهه فحطمته ونثرته لشظايا كثيرة وهو بالفعل كان يظن أن الأولاد دافع قوي ليعيدها له ولكن لا فائدة الآن بل قد يخسرها لو اتبع ذلك الطريق ومن الواضح أنه سيفقدها بكل الطرق
****
أنطون وجولي عادوا روما بمجرد خروجهم من المشفى وهي ظلت مع كريم بغرفته حتى هدأ من تعب الانتقال ورحلت لترى ابنتها واحتضنتها بحنان واشتياق الأيام الماضية وربما تكتسب من حضنها بعض الطاقة لتواجه بها الرجل الذي ينتظرها وهي لا تعرف إلى ماذا ستنتهي حربهم؟
ظلت معها وقت غير قصير وهي تفر من الرحيل لمصيرها المنتظر حتى وضعتها بالفراش وابتسمت لها وقالت "أنا بغرفتي جانيت"
ابتسمت جانيت وقالت "بالطبع مدام، مدام أردت سؤالك عن شيء"
توقفت وواجهت المرأة وقالت "بالطبع جانيت"
تورد وجه المرأة وقالت "كنت أرغب بسؤالك عن عودتنا، تعلمين أن لدي عائلة بروما و.."
تجهم وجهها وهي نست تماما أمرها وظنت أنها لن تطالب بذلك، بللت شفاها بلسانها وقالت "لو عاد سليم قبلنا يمكنك العودة معه أو لو شئتِ العودة بأي وقت فلن أمنعك فما زلت لم أحدد متى سأعود"
أخفضت المرأة وجهها ثم قالت "حسنا لم أكن أرغب بترككم ولكن الأمر ليس بيدي"
ابتسمت لها وقالت "ولا أنا أيضا جانيت ولكن ظروفك أهم، عندما تحددي وقت سفرك أخبريني كي أحجز لك"
هزت المرأة رأسها وتحركت هي عائدة لغرفتها وتوقفت أمام الباب وهي تحاول استجاع أي شجاعة باقية داخلها وتلك اللحظة هي تفر منها ولكن حان وقت المواجهة
ظل واقفا أمام نافذة غرفتهم والسجائر لا تنتهي فهي الوحيدة التي تمتص غضبه، لم يعد هناك ما يمنع وضع حد لما بينهم من خلاف، عليها أن تسامحه وتعود له وإلا لضاع بمتاهة لا نهاية لها، ماضيه الذي ألقاه بمزبلة الذكريات الآن يرتد له بنتائجه ويصب على رأسه حمم تذيب كل السعادة التي عاشها معها وتدمر عائلته التي أنشأها وعاش من أجل منحهم كل السعادة والحب
الآن لا يعرف كيف يمكنه جعلها تسامحه وتنسى ما كان بتلك الليلة السوداء والتي هو نفسه لا يستطيع تجاوزها فكلما انفرد بنفسه تذكر تلك الذكرى السوداء وكيف أعماه غضبه وانفلت منه الزمام وطاوع شيطانه ولم يعي ما يفعل حتى انقلب السحر على الساحر وتحول الألم لعقدة الذنب تجاه فتاة لا ذنب لها وفعل لم يكن طريقه من قبل وتعقد الأقدار صفقتها مع الماضي ضده لتجعل حبيبته هي ضحيته
شعر بالباب يفتح فالتفت وسط دخانه ليراها تدخل وقد فقدت كثير من وزنها بالأيام السابقة وتحلقت عيونها من عدم النوم وبدت شاحبة لكنها أبدا لم تفقد جمالها الذي كان يأخذ عيون الرجال من حولها مما كان يثير غيرته عليها خاصة وأنها ما زالت صغيرة وتضج بالحيوية
خلعت الجاكيت وأبعدته على المقعد وكادت تتحرك للحمام عندما قال "ضي إلى أين؟"
توقفت دون أن تجرؤ على النظر له فهي تعلم أن الهروب لن يستمر للأبد، لم تستدير له وهي تقول "الحمام، أحتاج لحمام دافئ واستبدال ملابسي"
تحرك هو لها حتى توقف أمامها وقال "إلى متى ستفرين من المواجهة؟"
معه حق إلى متى ستهرب؟ عليها أن تواجهه الآن فمهما تأجل الأمر فله نهاية، رفعت وجهها أخيرا له ليرى التعب والإرهاق بكل جزء به وهي أيضا رأت المثل على ملامحه فقالت "ألا ترتاح أولا؟"
هتف بقوة "أنتِ وحدك من يملك راحتي"
ظلت جامدة وعيونها كذلك حتى قالت "للأسف لم أعد أملكها"
أحرقت السيجارة إصبعه وقد نساها فاندفع للمطفأة ودهسها بعزم الغضب النابض بكل خلية من خلاياه ثم قال دون أن يعود لها "ماذا تريدين ضي؟"
رفعت أصابعها وشبكتهم أمامها وهي تركز نظراتها عليهم وهي تقول "ماذا تظن سليم؟ أنت تعرف ماذا أريد"
لم يتحرك لها وهو يعرف ولكن لا يريد الاعتراف بذلك لذا قال "تعلمين أن ذلك لن يكون"
كان عليها أن تواجهه ربما يفهم أنها تصر على رغبتها ولكنه لم يكن ينظر لها وهي تقول "وهل تظن أن بإمكاني العودة وكأن شيء لم يكن؟"
رفع وجهه لها وأدرك من نظراتها جدية كلماتها فقال "على الأقل خذي وقت كي تجتازي الأمر"
هتفت بألم واضح بنبرتها "وكيف سأجتازه؟ كيف تريدني أن أجتاز ما صعق حياتي بأول خطاها؟ كيف تريدني أن أعيش معك وبكل نظرة لك أراك وأنت"
قاطعها وهو يتحرك لها وقال بحزم "لم أكن أنا ضي، أقسم أنه كان شخص آخر، شخص لم يعد له وجود، أنا قتلته وأنهيت حياته بيدي ولم أعد أرغب حتى بتذكره"
لكنها لم تهتم بما قال وهي ترد "ولكني لا أعرف كيف أنساه وهو كل ما أذكره، أنت كرجل لم تفقد أي شيء بتلك الليلة، ربما لم تحقق انتقامك كما شئت ولكن أنا فقدت كل شيء، خسرت شرفي ونفسي وأحلامي، أنت لا تعرف شيء عما عانيته بتلك الليلة وما عشته من مآسي وخوف وفزع وعار ووحدة قاتلة، أنت لا تعرف أي جحيم ألقيتني به وتركتني أستعر بنيرانه والآن تطلب مني أن اتجاوزه؟ هكذا وبكل بساطة"
كانت كلماتها قوية ولأول مرة تخرجها للعالم وقد كتمتها داخلها سنوات طويلة لم تجرؤ على أن تتحدث مع أحد عن عارها
ابتعدت وهو ظل صامتا وهي تكمل "هل تعرف كم مرة كنت أستيقظ على هذا الكابوس وأشعر وكأني أعيشه مجددا ومجددا؟" التفتت له وهو ما زال يقف بمكانه لا ينظر لها وهي تكمل "لقد ماتت أمي لأنها لم تتحمل عار ابنتها الوحيدة، ماتت وتركتني وحدي، فتاة بالسابعة عشر تحمل عار لا ذنب لها به ولا تجرؤ على قول شيء لأحد، كان يهيئ لي أن كل من حولي يعرفون ويسخرون مني أو يبتعدون وكأني مرض معدي ولا يجب المساس بي حتى هربت ولم أعد أتحمل نظراتهم"
لفت حول نفسها حتى سقطت على المقعد بتعب وضعف وكأنها سقطت من ثقل الهموم التي حملتها بتلك السنوات فتحرك لها وجلس بالمقعد المجاور وهو ينظر لها بألم من أجلها وقال "أعلم أن أي كلمات لن تمحو ما كان ولكن ربما لو حاولنا معا ننجح"
مسحت دموعها ولم تنظر له وهي تقول "لا شيء سيمحو ما كان، اتركني سليم لن يمكنني أن أعيش معك بعد ما حدث، لن أستطيع"
مد يده ليدها وقبض عليها وقال "لن يمكنني ذلك ضي، بالبداية كنتِ المرأة التي أردتها زوجة لنهاية العمر وأم لأولادي والآن أنتِ من دمرت حياتها ولا يمكنني التخلي عنك، بكلا الحالتين لا أستطيع تركك أبدا"
ظلت تنظر ليده التي تمسك يدها ثم جذبتها من يده وقالت "ولا أنا يمكنني أن أكمل معك"
تنفس بقوة رغم أن أنفاسه هذه كانت تؤلم جرحه لكن كلماتها جذبت كل الهواء من حوله وجعلته يشعر بالاختناق فمن أين سيأتي بالهواء للحياة وهي الهواء الذي يتنفس به؟
ظل ينظر لوجهها الذي اختفى وراء شعرها الناري الذي سقط حولها وجعلها كلهيب مشتعل كذلك الذي يأكل حياتهم الآن بلا رحمة
بحث عن كلمات حتى قال بصعوبة "لن أمنحك الطلاق ضي فهذا لن يكون إلا بموتي"
لم تبدل وضعها ولم تجعله يرى دموعها وعاد يكمل "لنعد روما وهناك يمكننا.."
قاطعته "لا أريد العودة، سأبقى هنا حيث أنتمي"
كان يعلم أنها ستطلب ذلك والأمل الذي ظل داخله أنها لم تتمسك بالطلاق فقال "والأولاد؟"
أبعدت شعرها خلف أذنها دون أن تنظر له وهي تعلم أنها تتخذ أهم قرار بحياتها وعليها أن تكون على دراية بكل عواقبه فقالت "سيظلون أولادك لآخر العمر"
هز رأسه وقال "طلبت من عزمي اتباع الإجراءات اللازمة لإثبات بنوة كريم وتعديل شهادة ميلاده"
لم ترد فهذا أمر كان يهمها بيوم ما لكنها تعايشت مع أن لا أب لابنها وعندما عرفته تمنت لو لم تعرفه لآخر العمر
نهض وقال "أنا راحل غدا ولو فكرتِ بأي يوم أن تنسي الماضي وتعيدي لنا حياتنا سأكون بانتظارك"
وتحرك خارجا من الغرفة وهي تركت دموعها تسقط، هو حتى لم يعتذر أو يطلب السماح، هو يدرك ما فعله بها لكنه لا يرغب سوى بأن تتجاوز الأمر وتنساه وكأنه لم يكن، هو من يتركها الآن بكل سهولة، لم يحاربها ولم يصرعها كما ظنت فقط سيعود وينتظرها أن تذهب إليه، هل سمع أي كلمة مما قالته له منذ قليل؟ هل أدرك الألم والمعاناة التي عاشتها وحدها سنوات كثيرة؟
لم تظن أن تنتهي المناقشة بتلك السهولة بل ظنت أنه سيترجاها أن تغفر وتنسى وتسامح ولكنه لم يفعل فقط راحل وأنتظرك، انتظر إذن حتى تدرك أن ما مررت به لم يكن بالسهل كما تظن