رواية ضي الفصل السادس عشر16بقلم داليا السيد

رواية ضي بقلم داليا السيد
رواية ضي الفصل السادس عشر16بقلم داليا السيد
أنت لا تستحق قلبها
البقاء بالفيلا كان معاناة لها أيضا لأنها كانت ترى بثينة بكل مكان لذا انتقلت لفيلا أصغر وأفضل بمكان أقرب للمجموعة ورغم أنها كانت ترغب بترك كل تلك الاموال والتي عرفت أن بثينة تركتها لها كتعويض عما أصابها لكنها تراجعت عن ذلك عندما رأت أولادها وأدركت أنها لن ترغب بأن تعيدهم لحياة الحرمان التي عاشتها
لم تتواجه هي وكريم بعد رحيل سليم فقد أخبرته أنه عاد للعمل وعندما سألها عن عودتهم قالت "العمل هنا يحتاجني حبيبي لذا سنبقى هنا"
كريم والذي لم يعد طفلا صغير فقد تخطى السابعة الآن وبعد الجراحة وما حدث تبدل تماما وكأنه أصبح رجلا فجأة ومع ذلك ظل صامتا بلا كلمات حتى عندما انتقلا للبيت الجديد لم يعترض لكن نظراته لم تمنحها ما كانت تريد فقد كان حزين ولم يسعد بالألعاب التي وضعتها له بالحديقة فقد أدركت أنه أصبح كبيرا عليها ولم يهتم بغرفته المزينة ولا بكل ما منحته له بل رأت بعيونه أسئلة كثيرة ولكنها لا تملك أي إجابات وهو جنبها الرد لأنه لم يسأل 
جي كانت طفلة شقية أكثر منه والمربية الجديدة كانت تعاني معها ولكنها أحبتها وكريم كان يساعدها بالاعتناء بأخته كأخ أكبر يعرف ماذا يفعل
العمل نال منها الكثير، لم تبيع أي شيء بل استعادت نجاحات البدر جروب وحتى الشركة الجديدة ضمتها لها، المزارع تطورت بذكاء منها، أصبح اسمها يتردد بكل مكان كأصغر سيدة أعمال ناجحة بجدارة وذكاء وربما جمالها الطبيعي كان أيضا يلفت الأنظار
شهور مضت لم تحسبها ربما أكملت عام آخر من عمرها، اتصالاتها بجولي لم تتوقف وكانت تهاتفها فيديو لتراها وهي حامل بطفلتها الأولى وحتى عندما أنجبتها تمنت لو كانت معها لكن ليت الأمر بيدها استكفت بالفيديو كول حيث كانت تقضي وقت ممتع معها ولكن لا واحدة منهم تطرقت للحديث عنه وعندما فعلت جولي بأول اتصال بعد سفره أوقفتها بحزم ورفضت التحدث عن أي شيء فلم تحاول مرة أخرى
****
دخلت خديجة وتحركت لها وهي تقول "مدام فاتن"
رفعت وجهها لها بدهشة وهي تعلم أن خديجة لا تحبهم وتظن أن ما يحصلوا عليه من أموال منها ليس حقهم ولكنها كانت تبتسم وتقول "من أجل مدام بثينة"
قالت بدهشة "ماذا عنها؟"
أشاحت بيدها وقالت "بالخارج وترغب برؤيتك"
ابتسمت وقالت "متى ستتوقفين عن مشاعرك تجاههم؟"
أجابت بتأفف "لن أفعل مدام تعلمين أنهم لا يستحقون معاملتك، هو حضرتك الطيبة هنا وهم الشرسون"
ضحكت من كلماتها وتراجعت بالمقعد وقالت "أنتِ لا حل لكِ، دعيها تدخل"
رفعت يداها بالهواء وهي تتحرك خارجة ولحظات ورأت فاتن تدخل وهي لم ترى أحد منهم منذ وقت بعيد، فاتن كانت تبدو مجهدة وليست بخير وهي تتحرك لضي التي لم تنهض لتحيتها فقد فقدت احترامها لهم منذ وقت طويلة وقالت 
"كيف حالك ضي؟"
لم تبتسم ولم تمنحها أي تعبيرات وهي تقول "بخير، ما الذي يمكنني تقديمه لك؟"
بالطبع ليس لديها وقت للف والدوران ووجه فاتن الشاحب يدل على نفس الحال وهي تقول "ابنتي بالمشفى وبحالة حرجة"
تبدلت للاهتمام فهي أم ومرت بتلك الحالة من قبل فقالت "أتمنى أن يكون خير"
أخفضت وجهها ودموع بعيونها وقالت "لا ضي ليس خير وأظن أنه ذنبك"
اعتدلت بالمقعد وقالت "ذنبي أنا؟ لا أفهم"
رفعت عيونها الباكية لها وقالت "أنا وفاطمة"
وصمتت ولم تكمل وضي لا تفهمها، نهضت بملابسها الأنيقة وتحركت لتجلس أمامها وقالت "ماذا عنكِ أنتِ وفاطمة؟"
ظلت تنظر لها وكأنها تحاول أن تراجع نفسها هل تتحدث أم لا ولكنها بالنهاية قالت "نحن السبب بما حدث بينك وبين سليم"
ضاقت عيونها وهي أيضا لا تفهم شيء وظلت ثابتة بمكانها حتى رددت "وما الذي حدث بيني وبين سليم مدام فاتن؟"
مسحت المرأة الدموع وقالت "نحن من بحثنا بتاريخك حتى وصلنا لرمضان ونحن من دفعناه كي يخبرك الحقيقة عندما عرفناها"
لطمة قوية سقطت على وجهها جعلتها تلف حول نفسها وهي بمكانها وتراجعت بالزمن لذلك الوقت الذي يؤلمها تذكره وسألت بلا وعي "أنتم ماذا؟"
أخفضت فاتن وجهها وقالت "غضبنا منك كان قد أخذ مأخذه منا وأردنا طمسك من حياة سليم ربما يعود لضحى أو حتى تتركيه فيعيد لنا الأموال أو لا نعلم ما الذي كان يدفعنا وقتها لنفعل ذلك لكن الانتقام يعمي البصيرة ضي، يحرق كل شيء بطريقه إنه حتى يحرق صاحبه بلا رحمة وهو ما حدث معنا"
لمعت عيونها بغضب وهي تسترجع كل ما مر بها حتى هتفت "حدث معكم؟ وماذا حدث معكم؟"
البكاء كان الرد ولم تشعر تلك المرة بأي عاطفة تجاهها بل غضب، إعصار مكتوم داخلها يرغب بأن يخرج ويدمرهم جميعا ولكنها ظلت صامتة تنتظر الإجابة وفاتن أجابت من بين الدموع "فاطمة ترقد بالفراش وقد أصيبت بالشلل بعد موت ابنها بحادث طريق مع زوجته وأولاده الاثنان وأنا أفقد ابنتي تلك الأيام لذا جئت لأطلب منك السماح ربما يزيح عنا الله غضبه"
لم تجد كلمات تنطق بها، كانت تحاول تصديق أن هناك بشر تحمل كل هذا الكره داخلها، سمعتها تترجاها "أرجوكِ ضي سامحينا، لقد أعمانا الانتقام"
ردت بألم "أنتم أيضا أعماكم الانتقام معي؟ ما بالكم جميعا لا تجدون سواي للانتقام منه؟ ماذا فعلت بكم كي تدمروا حياتي بهذا الشكل؟ أنا لست السبب بأن يدمر هلال حياة قريبكم وهو ينتقم منه بشخصي ولست أنا من جعل بثينة تمنحني أموالها، ولم أملك أي شيء وقت طلب مني سليم الزواج ورفض ابنتكم، ما الذي فعلته لكم كي تكرهوني كل ذلك الكره؟"
أخفضت فاتن رأسها وقالت "هلال دمر حياة أشخاص كثيرة منها عمي وجدتنا وغيره وكان يستحق أكثر مما نال، لم تكوني المقصودة وقتها ضي ولكن.."
نهضت وهي تهتف بغضب "لم لا تفهمون أن لا فارق ما إذا كنت أنا أو هي فحياة امرأة تحطمت بذلك اليوم، كان من الممكن أن تكون ابنتك او ابنة أي امرأة اخرى فما الفارق بهويتها والدمار واحد؟ فتاة ببداية حياتها تم هتك عرضها وحملت عار لا يد لها به وحمل وطفل بلا أب وعذاب وألم وكوابيس وفقر، ما الذي تتحدثين عنه الآن مدام فاتن!؟ السماح؟ هل ترغبين بأن أسامحك؟ ولو فعلت أنا فهل سيسامحك الله على طفل بريء حرم من والده مرتين بسببكم؟ هل سيسامحك على تفرقة أسرة كانت تعيش على الحب والسعادة؟ أنا لا أعرف ما إذا كنت أستطيع أن أسامحكم أم لا ربما عندما يتوقف ألمي أفعل"
نهضت فاتن وتحركت لها حتى وقفت خلفها وقالت "نحن نستحق كل ما أصابنا ضي ولكن سليم لا يستحق أن تحرميه من أولاده"
التفتت لها والغضب يعكر صفو الدموع بعيونها وهي تقول "أنا لم أفعل، أولاده موجودة ويمكنه رؤيتهم بأي وقت"
مسحت المرأة دموعها وقالت "لن يفعل طالما بينكم خلاف"
احتدت نظراتها وقالت "وأنتِ من سيحل خلافنا؟"
أخفضت وجهها وقالت "ربما وقتها أكفر عن سيئاتي"
أشاحت بيدها بنفس الغضب وقالت "ليس على حسابي وحساب قلبي وكرامتي لقد اكتفيت منكم جميعا، فقط ابتعدوا عني واتركوني بحالي ولا أريد منكم أي شيء آخر"
وابتعدت من أمامها فلفت فاتن حول نفسها قبل أن تقول "معك كل الحق بأن تفعلي أكثر من ذلك ولا يمكن لومك على شيء فقط لو أمكنك بيوم أن تسامحينا فسنظل مدينين لك"
وتحركت خارجة وضي لا تنظر حتى لها بل ورفضت الدموع التي أرادت النزول، تلك العائلة لم يصيبها منهم أي شيء جيد بل حطموها لآخر قطعة ولم يتركوها إلا بعد أن تأكدوا أنه لم يتبقى منها شيء وهي الآن تتهاوى رغم القوة التي تتظاهر بها
تحركت للأريكة وسقطت عليها وأغمضت عيونها بصداع يضربها بقوة وأدركت أنها ما زالت تتألم لفراقه وأنها تمنت لو كان يحبها بحق كما قال لكنه لم يحبها بأي يوم، لو أحبها ما تحمل فراقها لحظة واحدة ولتنازل واعتذر وطلب السماح ولكنه كان من الكبرياء بحيث لم يمكنه أن يفعل بل وطالبها بأن تأخذ وقتها وتذهب إليه، هكذا وبكل سهولة وكأن شيئا لم يحدث، عليها هي أن تدهس كرامتها وتنسى ما فعله بها وكأنه لم يحدث وتتجاوزه كما قال
هو يعلم أنها كانت ضعيفة، كانت بالماضي ترضخ لكل رغباته لأنها كانت تراه كثير جدا عليها وأنها ضي، الفتاة الفقيرة الملطخة بالعار الآن أمكنها تجاوز ما كان معه وبفضله لذا كانت تتنازل عن كل شيء ولم تنسى أنها أحبته والحب دفعها أكثر لأن تفعل المستحيل لإسعاده ولكن كل شيء تحطم ولم يعد بإمكانها منحه أي تجاوز ولن تدوس على نفسها ولا على كرامتها مرة أخرى بل ستدوس على قلبها وتدهس حبها ولن يهمها أي شيء
نهضت وعادت للمكتب وفتحت جهازها وظلت تنظر له بلا تركيز بأي شيء حتى دق الباب ودخلت خديجة وهي تمنحها ظرف مغلق وتقول "رجل طلب مني منحك هذا ورفض أن يخبرني من هو"
نظرت لها ثم للظرف وقالت "ماذا تعنين بذلك خديجة؟"
ارتبكت الفتاة وقالت "آسفة ولكنه تركه على المكتب وابتعد بسرعة قبل حتى أن أرد"
جذبت الظرف منها ورأت اسمها "ضي"
هي تعرف هذا الخط جيدا، رنين هاتف المكتب أفزعها فقالت "اذهبي"
رفعت السماعة فسمعت صوت عزمي يقول "كيف حالك مدام؟"
رفعت وجهها وقد اختفى عزمي بعد ما حدث ولم تراه ولم يجيب اتصالاتها واضطرت للتعامل مع محامي آخر وهي لا تفهم السبب وعرفت أنه أصيب بمرض وسافر لبلد أجنبي 
أجابت "لا تخبرني أنك من أرسل الظرف؟"
صمت قليلا فأغلقت عيونها بتعب وسمعته يقول "كان لابد أن يصلك منذ وقت طويل ولكني مرضت بشدة ودخلت بغيبوبة أفقدتني الوعي طوال تلك الشهور وأولادي أحضروني لندن للعلاج ولم أفيق سوى منذ عدة أيام وأول شيء فعلته أرسلت لكِ الخطاب"
فتحت عيونها وقالت "لم لا تخبروني بالأمر كله دفعة واحدة؟ لم تصرون على إيلامي من جديد بمجرد أن أشفى من الجرح القديم؟"
أجاب بصوت مؤلم "أنا لم أكن يوما ضدك ضي بل على العكس أنا من بحثت عن رمضان ومنه عرفت كل شيء عنكِ ومنحت بثينة كل الأفكار لتعويضك عما أصابك، أنا لم أشأ أن تصل بك الأمور لذلك"
صمتت لحظة ثم قالت "ولماذا فعلت معي ذلك والجميع كان على الطريق المعاكس؟ أنت حتى لم تعرفني"
رد بنبرة جعلتها تصدق "لأني عشت الفقر الذي كنتِ تعيشين به وعاصرت حالات مشابهة لحالتك وعرفت معنى الألم الذي كنتِ تعانين منه، صدقيني أردتك أن تعيشي حياة أفضل بكثير وكي تنتهي الأسرار أنا من طلب من بثينة وضع شرط الزواج بالوصية وهي لم تمانع كلانا تمنى زواجكم لمداواة الأمر على الوجه الصواب، هو والد الطفل وعليه تحمل نتيجة ما فعل"
ارتدت بالمقعد وهي لا تجد كلمات حتى قالت "وماذا بالظرف أستاذ عزمي فقد تعبت حقا من الأسرار المخفية هنا وهناك"
قال "هي أرادت منحك كل شيء بنفسها، الحكاية كلها لذا سجلت صوتها وطلبت مني منحه لكِ لو لم تتزوجوا ولكن لو تزوجتم لا داعي له ولكني عرفت مؤخرا بما حدث بينكم بالطبع فالأخبار تسري بكل مكان لذا أرسلته لكِ"
ظلت تنظر للظرف ثم قالت "وهل هناك فارق لو سمعته؟"
أجاب بصدق "بإصلاح ما تهدم بينكم لا لكن ربما يجعلك تسامحين من أخطأوا بحقك"
ابتسمت بيأس وقالت "هم كثيرين أستاذ عزمي فهل تظن أني أستطيع مسامحتهم جميعا؟"
شعرت به يبتسم وهو يقول "لديكِ قلب طيب كما كانت تقول بثينة وهو ما سيجعلك تسامحين بلا حساب"
ظلت صامتة بلا كلمات حتى قال "حتى سليم سيأتي وقت وستجدين سبب يجعلك تسامحيه هو فقط ما زال لم يقدر حبك وقلبك جيدا، أتمنى أن أكون ممن تسامحيه لو كنت أسأت لكِ بشيء"
قالت بلا تفكير "بل على العكس أنت أكثر من كنت أثق بهم صدقني"
قال "وهذا يسعدني ولو احتجت أي شيء هاتفيني"
شكرته وأغلقت الهاتف وألقت الظرف على المكتب فلن يبدل شيء أن تسمع بثينة وهي تحكي لها ما أصبحت تعرفه، لقد اكتفت منهم جميعا ولم تعد ترغب بأي جديد
**** 
لم يشعر بأنطون وهو يصل له ويجلس بجواره بالشقة القديمة التي عاد لها وأنطون لديه مفتاح بالطبع، انتبه له عندما قال "أنت لا تجيب الهاتف ولا تفتح الباب"
أطفأ السيجارة وقال "كان صامت منذ الاجتماع ولم أسمع رنين الباب"
ولم يهتم بالهاتف فهو لا يرغب بأي اتصالات، كان مجهد من دوامة العمل التي ألقى نفسه بها بلا رحمة كي لا يفكر بها وبأسرته التي تفككت لكن صورها بالميديا ونجاحها الدائم يعيدها أمامه بلا رحمة ويثير جنونه وغضبه أكثر
أنطون قال "لقد حددت موعد زواجي أنا وفيكتوريا"
نظر له وقال "حقا؟ هذا خبر رائع، سعيد من أجلك"
ونهض للمطبخ المفتوح وقال "قهوة؟"
نهض أنطون ولحق به وهو يقول "نعم"
جلس أمامه وهو يسكب القهوة له وسكب لنفسه وجلس هو الآخر فقال أنطون "سأدعو ضي"
كان يرفع الكوب لفمه وتوقفت يده قبل أن تصل لفمه، لم يجرؤ أحد على التحدث معه عنها منذ عاد، أنطون وجولي حاولوا مرة واحدة ولكن كلماته كانت واضحة "هي من طلبت الانفصال"
واجهه أنطون وقال "أرغب بأن تكون موجودة"
حرك يده وتناول القهوة وأعاد الكوب على المائدة ثم أخرج السجائر وأشعل واحدة نفخ دخانها وقال "افعل ما تشاء هو زفافك"
ولم ينظر له واختفت نظراته خلف الدخان وهو يعود للقهوة فقال أنطون "مضت شهور كثيرة سليم وكلاكم لا يفكر بالعودة"
لم ينظر للرجل الذي يعتبره كأب وقال "أنا أتابع كريم بالهاتف وأرى جينا بالفيديو وكلاهم بخير"
تراجع أنطون وقال "أنا أتحدث عن ضي سليم وليس عن الأولاد"
وضع الكوب بقوة على المنضدة مما أحدث صوت معبر عن غضبه وهو يقول "لكن الأولاد هم الأهم، هم من يهتمون باتصالاتي"
حاول أنطون ألا ينساق للغضب من كلمات سليم وقال "وهل هي تجاهلت اتصالك بيوم؟"
ترك الكوب ونهض مبتعدا وهو يقول "أنا لم أهاتفها من الأساس"
هتف أنطون "ولماذا لم تفعل؟"
التفت له والغضب بعيونه وقال "أفعل ماذا أنطون؟ أخبرتك أن هي من طلبت الانفصال وأنا أنفذ طلبها"
نهض أنطون وتحرك له ليقف أمامه وقال "وهل هذا هو كل ما استطعت فعله؟ نفذت طلبها ولم تحاول مناقشتها به أو ردعها عنه"
أشاح بيده بالهواء وقال "أناقشها بماذا أنطون؟ هي بالأساس لم تفكر سوى بنفسها ولا ترغب بتخطي ما كان ونحن لن نظل نعيش بالماضي، ما حدث قد حدث ولا شيء سيمحوه وعلينا تجاوزه والمضي قدما بالحياة"
تجهم وجه الرجل من كلمات سليم وقال بلا تصديق "هل أنت مقتنع حقا بما تقول؟ هل تلومها على الألم الذي شعرت به عندما اكتشفت أن الرجل الذي تزوجته وعاشت معه وأنجبت منه هو نفس الرجل الذي اغتصبها بيوم ما ومنحها طفل عاشت سنوات لا تستطيع إخباره حقيقة والده؟"
ابتعد من أمامه وهو يرفض التفكير بالأمر ولكنه لم يتوقف يوما بل لحظة عن التفكير بها، كان يحاول أن يقنع نفسه أنها سبب انفصالهم وهو ما يحاول إقناع أنطون به ولكن من داخله كان يعلم أنه مغرور وجبان ولا يستطيع الاعتراف بالذنب الذي يطوق عنقه
أنطون لم يرحمه وهو يكمل "هل تعي ما الذي كانت تشعر به بعد أن عرفت الحقيقة؟"
التفت له وعيونه كلها غضب وتساؤل وأنطون يتحرك له وهو يجيب "هل ظننت أن من السهل عليها أن تعيش معك مرة أخرى وتتحمل لمساتك لها كزوج وأنت الرجل الذي.."
ولم يكمل وهو التفت مبتعدا وهو يرى ما حدث بتلك الليلة وكلمات أنطون تدفعه لطريق كان يرفضه، كان يلقي بالذنب عليها لكنه يعلم أنها الضحية، أراد الفرار من ذنبه وقاوم تلك الشهور والتمس الوحدة ملجأ له كما كان يفعل قبل رؤيتها ولكن تلك المرة كانت مؤلمة ومؤلمة جدا لأنه يعلم أنه السبب بكل شيء
حرمانه منها ومن الأولاد كان جحيم يتلوى داخله كل ليلة عندما يدخل البيت ولا يجدهم فهجره وعاد للشقة هاربا من ذكرياته هناك، لم يتحمل رؤية الفراش خاليا منها وهي تجلس عليه وتنتظره بابتسامتها المشرقة ولا من ذراعيها التي كانت تلفه بهما بحنان 
لمسة يد أنطون على كتفه أخذته من الذكريات القريبة وهو يقول "أنت لم تساندها حتى بمداواة جراحها، أنت رفضت بالأساس الاعتراف بأنها مجروحة وتركتها وحدها بكل همومها وضف عليهم الأولاد وعدت ولم تحاول حتى الاتصال بها"
التفت له وقال "لأن لا شيء تبدل بمعرفة الحقيقة أنطون، سيظل الماضي ماضي والاغتصاب تم وانتهى ولن يمحوه شيء كل ما حدث أني اعترفت بابني ومنحته اسمي وانتهى الأمر"
وابتعد وأنطون ينظر له بدهشة وعدم تصديق وهو يقول "بتلك البساطة؟ وكأنك لم تكن أنت من ذبحها بنصل بارد وتركتها تنزف حتى الموت"
هو على حق ومع ذلك قال "ولكنها لم تمت، لا أحد يموت من الاغتصاب أنطون، لقد عاشت وبزواجنا تم إصلاح الخطأ"
هتف أنطون "أنت حقا لا تستحق قلبها"
التفت له والدهشة ظهرت على ملامحه من كلمات أنطون الذي أكمل والغضب هو المرتسم على وجهه "نعم لا تستحقها لأنك بلا قلب، ما زلت ذلك المغرور القاسي الذي يدمر كل شيء بسبب كبرياؤه وكرامته، أنت دمرتها ودمرت حياتها مرة واثنان ولا ترغب منها حتى أن تتألم، أنت لم تتبدل أبدا بأول أزمة عدت لطبيعتك الغالبة ودهستها مرة أخرى تحت أقدامك كما اعتدت أن تفعل بكل من حولك لكن أنا أرفع لها القبعة فهي لم تستسلم لك ولن تفعل سليم فلست وحدك من لديه كرامة وكبرياء فهي أيضا لديها ولا يمكن لأحد أن يطالبها بالتنازل لأنها لا تستحق ذلك هو أنت من عليه أن يعيد التفكير مرة أخرى لأنك من أخطأ ولأنك لا تخسرها هي فقط بل تخسر نفسك وحياتك وأولادك"
وتركه وذهب صافعا الباب خلفه بقوة وهو ظل واقف مكانه وهو يسمع كلماته "أنت لا تستحق قلبها" هل منحته قلبها حقا؟ نعم فعلت، كان يرى الحب بكل نظرة بعيونها، تركت حياتها هناك وتبعته لأي مكان بلا نقاش، وافقته على كل ما أراد ولم تجادله بأي شيء أليس هذا حب؟ منحته نفسها واهتمامها وأقامت له بيت وأسرة ظن أنه لن ينالها، أليس هذا حب؟
تحرك حتى وصل للأريكة وسقط عليها منهك القوى وهو يشعر بأنه يسقط ببحر عميق ولا يستطع السباحة ليعود للسطح، يغرق ويغرق بلا أمل بالنجاة، دفع رأسه للخلف وأغمض عيونه وما زالت كلمات أنطون تنهش قلبه وعقله "لأنك لن تخسرها فقط بل تخسر نفسك وحياتك وأولادك"
هو حقا بكل يوم بعيدا عنها يخسر كل شيء، نفسه التي لم يعد يعرفها، أولاده الذين سيكبرون بعيدا عنه ولن يعرف عنهم شيء وهو يحاول إقناع نفسه أن الفيديو كول كافي له، هي، هي التي لم يستطع بكل الغضب الذي يحمله داخله أن ينساها لحظة واحدة 
ظل مغمض العيون ولا يعرف أين النجاة من كل ما يمر به؟ هل حقا عاد لسليم الشاب الطائش المتهور والمغرور الذي لا يوقفه شيء عن تحقيق ما يرغب به؟ سليم الذي أراد تدمير هلال ليس فقط لما فعله بوالده ولكن أيضا..
اهتزاز الهاتف جعله يفتح عيونه ويخرجه ليرى اتصال من كريم، كان يشعر بألم كلما هاتفه ابنه وكأنه يلومه على أنه يتركه ولا يهتم لأمره
فتح الاتصال ليراه أمامه وقد كبر كثيرا مؤخرا ومناقشاته معه أصبحت قوية بل وشعر أنه أصبح شابا يافعا ولم يعد ذلك الطفل الصغير، سمعه وهو يقول "كيف حالك بابا؟"
ابتسم رغم التعب وقال "بخير حبيبي كيف حالك أنت وأختك؟"
لف الهاتف ليرى الطفلة التي كبرت كثيرا وهي تزحف على الأرض وتلتصق بساق أخيها لتستند عليه وتقف وهو يساندها وقال "كما ترى بابا هي لا ترحم نفسها؟ منذ أن بدأت تزحف وتقف وهي لا تترك شيء بمكانه"
ذلك الألم بصدره يزداد برؤيته لهما وهو لا يستطيع أن يلمسهم أو أن يرفع تلك الصغيرة بين ذراعيه، هي بالأساس لن تعرفه لن تنطق باسم بابا كما تمنى، لن تهرع له ليرفعها بالهواء كما كان يحلم
صوتها وهي تنادي أخيها جعله يقول "هي شقية ولكن يبدو أنك تعرف كيف تتعامل معها؟"
أجاب كريم بتعقل "بالطبع، ماما تخبرني الكثير عن كيفية التعامل معها خاصة بغيابها"
لأول مرة يقول "وهل ماما تغيب كثيرا؟"
عاد كريم له بعد أن منح أخته اللعبة التي أرادت الحصول عليها فجلست تلعب بها بجواره وهو قال "أحيانا، العمل يأخذها كثيرا"
العمل يأخذها كثيرا، سأله "واليوم هي موجودة؟"
أجاب كريم "نعم، عادت مبكرا وأمضت وقت قليل معنا وبدت متعبة فتركتنا وذهبت لغرفتها"
دق قلبه فجأة لأنها قد تتألم وقد وضع فولاذ بقلبه تجاها لكن الآن اكتشف أنه كان وهم وهو ما زال ينخلع عليها فقال "لم لا تذهب لتطمئن عليها؟"
صمت الطفل فاندهش وقال "كريم لماذا لا تجيب؟"
أجاب كريم "لأنه ليس من المفترض أن أتدخل بأمور الكبار، فقط أرى وأصمت أليس كذلك؟"
تراجع من كلمات ابنه وهو متفاجئ منها وردد "ترى وتصمت، ما الذي تراه وتصمت عنه كريم؟ تعلم أننا نتعامل كأصدقاء أنت لم تعد صغير"
ظل الطفل صامتا لحظة ثم قال "ومع ذلك قد تغضبون مني لو تحدثت، أنت وماما لأن الأمر يخصكم"
فهم غرض كريم من كلماته فأبعد وجهه فقال كريم "آسف بابا من فضلك لا تغضب ولن أتحدث"
عاد له وقلبه تألم لتراجعه، حتى ابنه يتراجع من أجل حب والده وهو لم يفعل من أجل حب زوجته وأولاده، قال بهدوء غريب "لم أغضب كريم لكن تعلم أن الأمور بيني وبين والدتك غير جيدة"
هز كريم رأسه وقال "أعلم وأعلم السبب"
تجهم وجه سليم وكلمات الطفل تسقط عليه كالصاعقة
****
ظلت جالسة على الفراش وقت طويل بعد أن تركت الأولاد على عكس عادتها وها هي تجلس وبيدها الظرف الخاص بها ورأسها تعج بالأحداث التي وقعت لها اليوم
هاتفها رن فجأة فانتفضت بفزع وهي لا تعرف أين هو، نهضت لتجده بحقيبتها فأخرجته لترى اسم أنطون فأجابت "مرحبا أنطون كيف حالك وحال فيكتوريا؟"
كان قد ترك سليم ونزل لسيارته وأجابها "بخير ضي، ما أخبارك وأخبار الأولاد؟"
عادت للفراش وجلست وهي تجيبه "بخير، هل جولي وماريا بخير؟"
قاد السيارة وقال "نعم بأفضل حال، ماريا تأخذ قلبي وعقلي"
ابتسمت وقالت "بالطبع هذا هو الحفيد"
وافقها ثم قال "لقد حددت موعد زفافي أنا وفيكتوريا"
تهلل وجهها وقالت "رائع ألف مبروك أنطون"
ابتسم وقال "شكرا ضي لكني أرغب بوجودك أنت والأولاد"
صمتت وأنطون يضعها بمكان ليس مكانها، عاد وقال "ضي أين ذهبت؟"
أجابت "هنا أنطون، تعلم أني لن أستطيع الحضور فلا تفعل بي ذلك من فضلك"
كان يعلم أنه لا يفعل الصواب لكنها مجرد محاولة وهو يدرك أنها فاشلة فقال "لابد من حل لما بينكم ضي"
تملكها الغضب وقالت "ليس هناك ما يحتاج لحل أنطون"
نفخ وقال "ضي تلك ليست حياة التي تعيشوها، كلاكم مجنون وأحمق والأولاد تدفع الثمن"
هتفت بصبر لم تعد تملكه اليوم خاصة بعد كل ما عانته "الأولاد بأفضل حال أنطون وأنا لا أمنع عنهم أي شيء"
أغمض عيونه لحظة ثم فتحها وقال "هو يتدمر أمامي ولا أعرف كيف أنقذه"
ابتلعت ريقها لتبتلع معه ألم قلبها وقالت "لا تحاول إقناعي بذلك أنطون لأني أعرف سليم جيدا صدقني نحن بأفضل حال"
كانت على حق وهو يلعب بالوقت الضائع وبلا فائدة فقال "تمنيت وجودك معي"
ارتاحت لعدم الجدال أكثر وقالت "ولكنك ستسامحني على عدم وجودي"
أجاب "نعم ضي، سأسامحك لأنك تستحقين"
ابتسمت وشكرته وأغلقت وظل الهاتف بيدها وهي تشعر بجسدها كله يؤلمها ومع ذلك لن تشكو فهي تعرف جيدا أن الطريق الذي اختارته كان مليء بالأشواك وليس مزين بالزهور ولن تتراجع الآن، القت الظرف على المنضدة بجوار الفراش وتحركت للحمام بلا رغبة بأي تفكير بما يجلب عليها الألم والمعاناة
**** 
رد على كريم بسؤال "ما الذي تعلمه كريم بالضبط؟ ما الذي أخبرتك به ماما؟"
أجاب كريم "ماما لم تخبرني أي شيء بابا، هي قالت إن لديك عمل وعندما تنتهي منه ستأتي لرؤيتنا لكني أعلم أن ذلك ليس صحيح"
بهت وجهه من كلمات كريم وهي أول مرة يتحدث هكذا فقال "وما الصحيح إذن؟"
كريم منذ كان صغيرا وهو لم يكن ذلك الطفل الذي يعيش عمره بل كان أكبر بكثير بكلماته وتصرفاته والكل كان يشيد به وبأن ضي أحسنت تنشئته والآن هو يشعر أنه ليس الطفل الذي عرفه بأول لقاء عندما كان ما زال بالرابعة والنصف من عمره بل هو الآن قارب على الثمانية أعوام، كبير بما يكفي ليتحدث ويجادل ويفرض آرائه وهو بالأساس يحمل عقل كبير وربما كما قال الطبيب هذا الشبل..
قال كريم "الصحيح أن ماما لم تكن تعرف من هو والدي أليس كذلك؟"
التهب الغضب داخله وهو يهتف "كريم"
تورد وجه الطفل ولكنه لم يتراجع وهو يقول "أنا سمعتكم بذلك اليوم بابا، كنتم تصرخون بصوت مرتفع وعرفت كل شيء، عرفت أنك كنت السبب بما حدث لها وفهمت معنى أنك والدي الحقيقي، لا أظن أن هذا أمر يمكنني التحدث به لكن أنا فقط لا أعلم ما الخطأ الذي ارتكبته ماما لتتركها وتتركنا بسببه؟ من المفترض أنك أنت من تسبب لها بالألم وكان عليك أن تداويها"
لم يكن يصدق كلمات ابنه وأنه هو من يحاسبه الآن وكأنه رجل بالغ عاقل، نهض وجذب السجائر وأشعل واحدة وقال "هل تفهم ما تقوله كريم؟ تلك الأمور لا يمكنك أن تستوعبها، ماما.."
قاطعه كريم بأدب "ماما تحملت الكثير قبل أن نعرف نانا بثينة بابا، كانت تنام بدون طعام كي أتناوله أنا، تنام بلا غطاء كي تضعه عليّ لأننا لم نكن نملك سوى واحد لا يمنحنا الدفء، كانت تعمل نهار وليل وتذاكر وتصنع طعام لتبيعه وتذاكر لي دروسي ولم تتوقف بسبب أي شيء، ماما قدمت لي كل ما أمكنها تقديمه فلا يمكن أن نلومها على أي شيء"
الكلمات توقفت على لسانه وهو لا يجد ما يرد به حتى قال "وكأنك ترغب بسؤالي ماذا قدمت أنا لك بالمقابل؟"
لم يبعد كريم وجهه من أمام الهاتف وقال "لا يمكنني قول ذلك فحضرتك منحتني كليتك وأنقذت حياتي"
أكمل هو "ولكني تركتك أنت وأختك هذا ما تريد قوله، ولكنك تعلم أن ماما هي من أراد ذلك"
أجاب كريم "بعد ما حدث بينكم لم يكن من الممكن أن ألومها بابا، نانا بثينة قالت.."
هتف بغضب "نانا بثينة ماتت كريم ولم تعد موجودة"
غضب كريم لأول مرة وظهر هذا على ملامحه وكم بدا شبيها به بتلك اللحظة وهو يرد بقوة مدافعا عن نفسه "بل موجودة ولن تتركني كما فعلت أنت هي تحبني وماما تحبني وأنا لن أتركهم"
ورأى دموع ابنه وهو يحاول أن يكتمها فنفخ بقوة وقال "حسنا اذهب الآن وسنتحدث مرة أخرى"
لم يرد وهو يغلق كما فعل هو وهو يضغط على الهاتف بقوة وكلمات ابنه تؤلمه، نانا بثينة موجودة ولن تتركني كما فعلت أنت، هم يحبونه وهو لا، كريم يبثه رسالة وبالتأكيد هي السبب، هي من زرع كل ذلك بالطفل هي تنتقم منه بأولاده وهو لن يتركها
رفع الهاتف وعبث به حتى استعاد رقمها وهاتفها ولكنها لم تجيب، هتف "اللعنة كيف تجرؤ على تجاهلي؟"
عاود الاتصال وهي كانت تلتف بالمنشفة وأسرعت للهاتف لترى اسمه فانفجر قلبها بدقات عنيفة مؤلمة تكاد تخرق صدرها وتخرج قلبها خارجه فأجابت بأصابع مرتجفة "نعم"
رفع رأسه من صوتها القوي وكلمة نعم تردعه ولكنه لن يتوقف وهو يقول "تتجاهلين اتصالي ضي؟"
جلست فهي لا تتحمل الوقوف وأجابت "كنت بالحمام، لا شيء يجعلني أتجاهل اتصالك"
قوتها تضربه بمقتل وكأنها تخبره أنك لا تهمني سواء اتصلت أم لا فالأمر سيان، زادت قبضته على الهاتف ورغب بتدميره ولكنه قال "ماذا قلتِ لكريم؟"
تجهم وجهها وهي لا تفهم كلماته فقالت "عن ماذا؟ أنا لا أفهم"
هتف بغضب جعلها تبعد الهاتف عن أذنها "بل تعلمين ضي، هو يعرف كل ما بيننا ويحاسبني وهو لن يفعل ذلك وحده فبالتأكيد أنتِ من أخبره"
شحب وجهها من أن كريم يعرف شيء ولكنها أيضا لا تفهم فجف حلقها وهي تحاول أن تقول "يعرف ماذا؟ ما الذي يعرفه كريم؟"
لم يقل غضبه ولا هتافه وهو يجيب "لا تدعين الجهل، هو يعلم بكل ما بيننا وبأنك لم تكوني تعرفين أني والده وبكل ما دار بيننا بآخر لقاء، كيف تفعلين به ذلك؟ هل هكذا تنشئين أولادي؟"
استعادت نفسها وقوتها وهتفت "أنت لا يحق لك التحدث عن تربية أولادي فأنت لا تعرف عنهم شيء لتلومني عليه، أنا لم أخبر ابني أي شيء عنا لكنت فعلت قبل رؤيتك"
لف حول نفسه وهو يعلم أنها على حق؛ ماذا يعرف عن أولاده ليلومها عليه، لم يتوقف صراخه وهو يقول "أنتِ تأخذين طريق وعر معي ضي فلا تفعلي"
هتفت "عندما تتوقف عن الصراخ هاتفني"
وأغلقت الهاتف وألقت به على الفراش وتحركت للحمام لتكمل حمامها وذهنها مشغول بكريم وما قاله لسليم فانتهت من ارتداء ملابسها وخرجت وهي تسمع الهاتف يرن ولكنها لم تهتم وهي تتحرك لغرفة كريم فلم تجده ورأت المربية تتحرك لغرفة جينا فقالت 
"هل كريم بالداخل؟"
أجابت المرأة "نعم مدام"
فتحركت للداخل وقالت "اتركينا قليلا من فضلك"
رأت كريم يجلس بالأرض أمام أخته ويمنحها اللعبة فشعرت بأن عليها الهدوء قبل أن تصرخ بوجهه وعندما نظر لها رأت الدموع بعيونه ولكنه لا يسمح لها بالنزول 
قال "ظننتك نائمة، هل ستلعبين معنا؟"
ظلت بمكانها ثم قالت "أريدك بغرفتك"
أبعد وجهه وقال "وجينا؟"
قالت "ستتركها مع هبة، هيا"
نهض ولم يجادل وتحركت خارجة وهبة واقفة بعيد فقالت "هبة لا تتركي جينا"
تحركت لغرفة كريم وهو تبعها بصمت حتى أغلق الباب ووقف منتظرا كلماتها فالتفتت له والغضب يتمكن منها وقالت "ماذا قلت لبابا؟"
أخفض رأسه فهتفت "أخبرتك مرارا ألا تخفض رأسك أمام أحد"
رفع وجهه وقال "لا أستطيع رؤيتك وأنتِ غاضبة مني"
ارتبك قلبها الذي أراد التمسك بالغضب وقالت "بل انظر لي وواجهني وأخبرني كيف تجرأت وتدخلت بأمور لا تخصك؟"
أجاب "هو أراد إلقاء اللوم عليكِ بكل ما يحدث لذا أخبرته أنه السبب وأني أعلم كل شيء وأنه كان عليه البقاء بجوارك وأنت تتألمين لا أن يتركك ويرحل"
صدمتها كلمات ابنها وشعرت لأول مرة أن هناك من يدافع عنها ويدفع عنها الألم، تحركت له حتى وقفت أمامه وقالت "كيف عرفت بما بيننا كريم؟ أنا لم أخبرك بشيء"
هز رأسه وقال "يوم عدنا من المشفى سمعت صوتكم فنهضت وذهبت لغرفتكم وسمعت كل شيء"
وضعت يداها على أكتافه ولم تسمح لدموعها بأن تنسكب بلا إذن وقالت "كريم تلك الأمور ليس من الصواب التحدث بها هكذا"
هز رأسه وقال "أعلم ماما ولكني لم أعد صغير كما كنت بالماضي بل كبرت وأصبحت أفهم كل شيء وأعلم ماذا فعل بك ورغم غضبي منه إلا أني تفهمت أنه لم يكن يعرفك ولكنه أيضا لا يوقف غضبي من أجلك عندما يحكي عنك بطريقة لا تعجبني"
لا تصدق أنه ابن الثامنة أبدا، بالأمس كان طفل رضيع بين ذراعيها ثم رأته وهو يخطو أولى خطواته معها وهما يضحكان سويا وما زالت تذكر يوم أتت هنا لأول مرة كان ما زال أربع سنوات ونصف، طفل يجري هنا وهناك ويفرح بالألعاب ولا يعرف عما يدور حولها أي شيء فهل مضت كل تلك السنوات ليصبح هكذا ويتحدث معها كرجل كبير يعي ويفهم ما يقول ويغضب لها؟ هو حقا ابن عمرها ورفيق وحدتها والسند والظهر
جذبته لها واحتضنته بقوة وهي تغمض عيونها وهو لف ذراعيه حولها حتى أبعدته ونظرت بعيونه وقالت "أنت لست غاضب لأني لم أوافق على أن نذهب معه؟"
هز رأسه بالنفي وقال "لا ماما لست غاضب منك بأي شيء، بل فخور بأنكِ والدتي وبكل ما فعلتِه من أجلي وأجل أختي، أنا أعلم أنكِ تعرفين الصواب ماما ولو كان يحبنا بقوة كما نحبه لظل معنا بوقت كنا بحاجة له لكنه تركنا ورحل ولم ألومه أو أعاتبه لكن أن يحاول إلقاء الأمر عليكِ وتحميلك الخطأ فهذا ما لن أقبل به"
ابتسمت وهي تمرر يدها على وجنته وترى ثمرة جهادها أمامها تثلج قلبها وتمنحها قوة جديدة لمواجهة أي جحيم جديد، قالت بحنان "لم أعرف أنك كبرت هكذا وأصبحت رجلا أفخر به وبكلماته"
واحتضنته مرة أخرى حتى أبعدته وتجولت على ملامحه الجميلة والتي قاربت أن تكون لشاب بالغ يافع وقالت "أنا لا أنكر سعادتي بك وبعقلك ولكن رغم كل ذلك لا يمكنك أن تنسى أنه والدك حبيبي وحتى لو فعل أي شيء لا يعجبك فما بيني وبينه لا يجوز لك التدخل به"
لم يتراجع وهو يقول "لم أفعل ماما ولكني أخبرتك أن هو من بدأ، هو حتى رفض تصديق أن نانا بثينة تزورني بالحلم وتتحدث معي"
اعتدلت وقالت بجدية "لأن نانا ماتت حبيبي وهي لا تزور سواك"
أجاب بثبات "أعلم أنها ماتت ماما لكن هذا لا يعني أني كاذب أنت لم تعلميني الكذب"
كان يبهرها بكل كلماته فقالت "لا حبيبي أنت لا تكذب وربما هو فقط كان غاضب لذا لم يصدقك، أنت أغضبته بكلماتك"
قال بلا تفكير "أنا رغبت بإنهاء خلافكم، أنا أريدكم معا كما كنتم ونحن هناك بروما، كنا سعداء ماما وأنا أرغب بتلك الأيام، أنا لا أحب مدرستي هنا ولا ذلك البيت ولا وجودنا وحدنا، أنا أريد تلك الحياة التي عشناها هناك"
ظلت تنظر له وقد ثبتها بكلماته ولا تعرف هل يقول ذلك لمجرد الفضفضة أم يريدها أن تتنازل لذا قالت "أنت تريدني أن أعود له؟"
هز رأسه نفيا وقال "لا ماما أن أريده أن يأتي ويعتذر لك ويعيدك له"
عاد لها السؤال مرة أخرى، متى كبر ابنها هكذا كي يقف ويجادلها بذلك الشكل؟ هل سرقتها الأيام فلم تشعر به وهو يتبلور بسرعة ليصبح رجلا صغيرا فقط ينقصه الشارب؟
قالت بحزن مكتوم "هو لن يفعل كريم لأنه يرى أني لست على حق بموقفي فلا تنتظر عودتنا لأننا لن نعود"
أخفض وجهه ولم يرد فرفعت يدها لذقنه ورفعت وجهه بأصابعها وقالت "هل أنت غاضب مني؟"
لف بعيونه على ملامحها وقال "أبدا ماما، أنا غاضب منه لأننا لا نعني له أي شيء"
تألمت لأفكار ابنها عن والده فقالت "لا كريم، أنتم تعنون له كل شيء فقط خلافتنا هي ما يفصله عنكم فهو لا يتوقف عن مهاتفتك وإرسال الملابس والألعاب والكتب وكل ما تطلبه لك، هو لا يتوقف عن التفكير بكم وربما يأتي يوم يعود لكم ويخبركم ذلك بنفسه"
سألها "ولكننا لن نعود لنعيش معا مرة أخرى أليس كذلك؟"
الصمت لفها لحظة حتى قالت "لا أحد يعلم الغيب كريم وعلينا أن نعيش الواقع كما هو وتقبله بلا تذمر وعليك بمهاتفة بابا والاعتذار منه هل تسمعني؟"
هز رأسه بلا اعتراض فجذبته لها واحتضنته وقد قارب على الوصول لها بالطول وهي تعلم أنه يأخذ قوام والده، قالت "أنت تعلم كم أحبك أليس كذلك؟"
أبعدته لتنظر بعيونه الجميلة فقال "بالطبع وحضرتك تعرفين أني لا أحب بالعالم أحد كما أحبك"
ابتسمت وقبلت جبينه وقالت "بالطبع أعلم هيا عد لأختك أو أبقى هنا كما تشاء فقط لا تتأخر بالسهر"
هز رأسه وهي تركته وعادت لغرفتها ولم تفكر حتى بالنظر للهاتف فهو لا يستحق اهتمامها ليس وهو يراها تلك الأم المهملة والزوجة الغير جيدة، أبعدت الهاتف ودخلت الفراش واستسلمت للنوم
***** 
الجنون كان يعصف به وهو يتحرك بالمكان بلا توقف وكأنها صفعته على وجهه ووقفت تضحك عليه، تتجاهله وتغلق الهاتف بوجهه ولا تجيب اتصاله، هل هذا ما وصلتِ إليه ضي؟ هل نسيتِ من أنتِ ومن أنا؟ الآن تضعين رأسك برأسي
رنين الهاتف أعاده فرأى اسم كريم فضغط على الهاتف بقوة قبل أن يجيب بلا صورة "هل نسيت إخباري شيء آخر؟"
تجهم وجه كريم وقال "لا بل أردت الاعتذار"
ضاقت عيونه وقد تفاجأ من كلماته، ناداه كريم "بابا هل أغلقت؟"
فتح الكاميرا ورآه يجلس بغرفته فقال "لا، لماذا التراجع الآن؟"
لم يفر كريم منه وقال "لا أرغب بإغضابك، لم أكن أعلم أن حضرتك لن تتقبل النقاش معي"
ضاقت عيونه لحظة ثم قال "وهل ترى أن ما تحدثت عنه يقبل النقاش بيننا؟"
أجاب كريم "لا لذا أعتذر"
صمت قليلا ثم قال "حسنا، أين أختك؟"
أجاب "مع هبة"
عاد وسأله "ما أخبار الدراسة؟"
أجاب كريم بلا اهتمام "لا جديد، الاجازة تنتهي بعد يومين وسنبدأ الترم الثاني"
جلس وقد هدأ وقال "لا تبدو سعيد بالعودة؟"
قال "أنا لا أحب المدرسة"
تراجع بدهشة وقال "لكنها ليست جديدة عليك وأصحابك من حولك"
أجاب كريم بلا حذر "ليس لدي أصحاب هنا، أصحابي كانوا عندك، أقصد هم يعتبروني دخيل عليهم هنا ولا يريدون طالب جديد يخبرهم أنه كان يعيش بروما وعاد"
ترددت كلمات كريم برأسه أصحابي كانوا عندك، الغضب عاد مرة أخرى فقال "يمكنني إرسال تذاكر لك لتأتي وتكمل دراستك هنا"
صمت كريم قليلا ثم قال "ترغب بأن أترك ماما وجينا وحدهم بلا رجل وحضرتك من كنت تخبرني ألا أغفل عنهم؟"
ذلك الطفل الذي لم يعد طفل يهزمه اليوم، انحنى للأمام واعتصر عيونه بأصابعه فقال كريم "بابا هل أنت بخير؟"
عاد لابنه وقال "نعم حبيبي اذهب لتنام فقد تأخر الوقت عندكم"
لم يعترض كريم وأنهى كلاهم الاتصال وارتد هو بالمقعد ورأسه يكاد ينفجر من الصداع وكلمات كريم تلف حول نفس النقطة من أنه تركهم وهو من أفسد حياتهم وليس هي فهل يمكنه حل تلك الأزمة؟ هل سيتجاوز عن تلك النظرة بعيون كريم من الحزن والألم وكأنه لم يراها؟ هل يظل الانفصال هو الحل للأبد؟ 
لا إجابة...
تعليقات



<>