رواية خيوط الماضي الفصل الاول1بقلم سوسو احمد
(حب لايمحي)
✦ الفصل الأول: حين خيطُ الحبِّ الأول نُسِج ✦
#بقلم الكاتبه سهر احمد
كانت "سارة أحمد المنصوري" فتاةً بسيطة الملامح، تحمل في عينيها براءة الطفولة ودهشة العالم من حولها. نشأت في بيتٍ دافئٍ رغم بساطته، لا تعرف عن الحياة سوى أحلامٍ وردية رسمتها بخيالها الصغير.
لم تكن تعرف أن للقدر خيوطًا تُحاك في الخفاء، وأن القلب قد يُؤسَر قبل أن يدرك معنى الأسْر.
في الثالثة عشرة من عمرها، كانت الدنيا بالنسبة إليها مدرسةً وبيتًا وبعض صداقاتٍ طفولية، لكنّ قلبها لم يكن قد خفق بعد… إلى أن جاءت تلك المرحلة التي غيّرت ملامحها للأبد.
حين بلغت السادسة عشرة، دخلت مرحلةً جديدة من دراستها، وهناك… التقت به.
رأته للمرة الأولى صدفةً، فارتبكت، وشعرت بشيءٍ غريبٍ يخترق روحها قبل أن تدرك أنه الحب.
كان "رضوان يوسف المحمدي" شابًّا في الرابعة والعشرين، مهيب الحضور، هادئ الملامح، يحمل في صمته جاذبيةً غريبة كأنها لغزٌ ينتظر من يفكّه.
ومنذ تلك اللحظة، صار مرورها قربه كعبور النسيم على نارٍ خامدةٍ توقظها الحياة من سباتها.
كانت ترافق صديقاتها إلى المدرسة، لكنها تنتظر لحظة الانصراف لا لشيءٍ سوى لتراه عن بُعد، فيمرّ أمامها، فترتعش أنفاسها، وتختبئ نظراتها خلف خجلٍ طفوليٍّ لا تفسير له.
لم تتحدث إليه يومًا، ولم تفصح عن سرّها لأحد، لكنها كانت تعلم أن هذا الشعور الجديد يسكنها بعمقٍ غريب.
كل يومٍ كانت تمرّ من المكان ذاته، تراه، ثم تعود إلى بيتها وقلبها يضجّ كأن به حياةً أخرى لا تشبه حياة الناس.
ومرت السنوات…
غاب عنها حين سافر إلى الخارج، وكان غيابه صاعقةً أيقظت بداخلها حقيقة مشاعرها. أدركت أنها لم تكن مراهقةً عابرة، بل كانت عاشقةً منذ أول نظرة.
تحوّل الانتظار إلى وجعٍ صامت، لكنها لم تفقد الأمل، كانت تؤمن أن ما كُتب على القلب لا يُمحى.
حتى جاء يومٌ عادت فيه الصدف لتمنحها فرصة اللقاء من جديد.
تحدثا لأول مرة، بكلماتٍ قليلةٍ لكنها كفيلة بإشعال كل ما كان ساكنًا. امتدت الأحاديث عبر الهاتف لعامٍ كامل، كانت تخفي صوتها المرتجف خلف كلماتٍ مرتّبة، وتخفي اشتياقها بين السطور.
ثم مرت الايام يوم تلو الاخر وجاء يوم وضع النقط علي الحروف واضح حد لحديثهم عبر الهاتف يوم فجاءها ووارسال اهله ليتقدم لخطبتها
ثم تقدّم لخطبتها، بعد مرور سنتين خطبه عاد الي بلده مصر وجاءت لحظة الفرح المنتظَرة. لم تصدّق أنها ستصبح يومًا زوجته، وأن ذاك الحلم الصامت سيتحقق.
لكنّ القدر… كان له وجهٌ آخر.
ستة أشهرٍ فقط عاشاها تحت سقفٍ واحد، كانت فيها السعادة قصيرةً كأنها حلمٌ تلاشى فجأة. رحل هو، ورحلت معه ابتسامتها، وظلّت هي أسيرةَ الماضي، تحمل اسمه في قلبها رغم أن الزمن فرّق بينهما.علي انفصلهما الي ان قلبها لم ينبض يوما لغيره
السنوات مضت، وهو اليوم يعيش حياةً أخرى، متزوّجًا وله طفلان، بينما هي تزوجت بغيره وها هي على وشك الانفصال عن زوجٍ لم يسكن قلبها يومًا.
تحيا جسدًا في الحاضر، وروحًا في الماضي، كأن قلبها ما زال هناك، حيث أول نظرة، وأول نبضة، وأول وجع.
هكذا تحدثت ساره في نفسها
> "كنت أظنُّ أن الحبَّ كلمةٌ تمرُّ كالعطر في الهواء، فإذا به قدرٌ يسكن العروق… كلما حاولتُ نسيانك، ازداد حضورك فيّ. كأنك خيطُ الماضي الذي لا يُقطع، مهما حاولت الأيام تمزيقه."
كانت "سارة" تجلس قرب النافذة كل مساء، تراقب انعكاس وجهها على الزجاج وتبتسم ابتسامةً باهتة، لا فرح فيها ولا حياة.
أحيانًا كانت تتساءل في صمت:
"هل يمكن للقلب أن يعيش مرتين؟ أم أن الحب الأول يأخذ معه كل شيء… حتى القدرة على البدء من جديد؟"
زوجها الحالي، رجلٌ طيبٌ في نظر الجميع، لكنه غريبٌ عنها كما الغريب عن مدينةٍ لم تطأها قدمه من قبل.
تحاول أن تحبه، أن ترى فيه شيئًا من ماضيها، لكنّ قلبها يظلّ خاليًا… ينتظر من رحل.
كل ابتسامةٍ منه تذكّرها بابتسامة "رضوان"، وكل كلمةٍ حانيةٍ تُعيدها إلى زمنٍ كانت فيه صغيرةً، تحيا على نبضة قلبه فقط.
وفي الليالي الطويلة، حين ينام الجميع، تجلس قرب هاتفها، تحدّق في صورٍ قديمةٍ جمعتهما ذات يوم، قبل أن تبتلعها المسافات.
تغلق عينيها، وتهمس:
> "كم كنتُ أحمقَةً حين صدّقت أن النهايات تُنهي الحب… ما علمتُ أن بعض النهايات تبدأ حيث نظن أنها انتهت."
أما "رضوان"، فكان يعيش في مدينةٍ أخرى، وسط زوجةٍ لا تحبه فقط ارادت ان تخرب بيته وتاخذه من ساره التي هي كانت صديقه له ذات يوم حيث انها كانت تحقد عليه لانها لديه زوجا يحبها، وكان لديه من زوجته الجديده ايضا طفلين يملآن بيته بالضحك.
لكنه أحيانًا، حين تسكت الأصوات ويعمّ السكون، يشعر بشيءٍ يضيق في صدره… فيمدّ يده نحو صندوقٍ صغيرٍ يحتفظ فيه بصورةٍ قديمةٍ لفتاةٍ تبتسم بخجلٍ طفوليّ.
ينظر إليها طويلًا، ثم يغلق الصندوق ويهمس لنفسه:
> "بعض الذكريات لا تموت… لكنها تعلّمك كيف تصمت."
كانت الأرواح ما تزال متصلة بخيطٍ خفيّ، لا الزمن قطعه، ولا الزواج أنهاه.
كأن بينهما وعدًا لم يُكتب بالكلمات، بل وُلد مع أول نظرة، وسيبقى حتى آخر نَفَس.
وفي تلك الليلة، بينما كانت "سارة" تستعد لقرارها الحاسم بإنهاء زواجٍ بلا حب، كان "رضوان" يحدّق في السماء، يستعيد شريط الماضي، ويشعر بخفقةٍ غريبةٍ في قلبه… كأن روحه نادته باسمٍ لم يسمعه منذ سنوات.
> "ربما القدر لا ينسى من أحبّ بصدق… بل ينتظر لحظته ليعيد الحسابات من جديد."
وهكذا…
بدأت الحكاية تفتح بابها من جديد، لا لتُعيد الماضي، بل لتختبر إن كان القلب حقًّا يستطيع النجاة من حبٍّ لم يمت.
