رواية ضي الفصل الاول1بقلم داليا السيد
ذكريات منسية
البوابة الكبيرة للقصر أوقفتها جعلتها لا تعرف ما الذي جاء بها هنا، كان عليها التفكير جيدا قبل أن تقبل بتلك الوظيفة
نظر لها الرجل الذي فتح لها باب القصر وبدت صغيرة جدا أمامه، اثنان وعشرين عاما ليست كافية لتجعل منها امرأة بنظر الكثيرين لكنها امرأة منذ خمس سنوات عانت فيهم الكثير، فقدت فيهم أيضا الكثير ولكنها لم تستطع الجلوس بجوار اللبن المسكوب والبكاء عليه
تأملها الرجل بتأني وهو بدا بعمر الخمسينات بشعر وشارب أبيض وقوام نحيف وطويل، بدلة أنيقة تدل على الزي الرسمي وقال "نعم؟"
ابتلعت ريقها وقالت "ضي، ضي البنهاوي، لدي موعد مع مدام بثينة"
مرر نظراته على قوامها النحيف والمتناسق بفستان أسود طويل مربوط بحزام عريض عند خصرها النحيف وعاد إلى وجهها الأبيض المستدير بعيون بنفسجية تحدق به وشعر أحمر ناري مربوط للخلف بشكل ذيل حصان فبدت كطالبة بالثانوي
فتح الباب وقال برسمية واضحة "من هنا آنسة"
لم تعترض وهي تتحرك للداخل وخطواتها صغيرة وهي ترى القصر الشاهق من الداخل أيضا كما رأته من الخارج وكل شيء به كان فاخر وثمين فقط قديم، سمعت الرجل يقول "اتبعيني يا آنسة"
التفتت له لتراه يتحرك فتحركت خلفه للجانب الأيمن حيث ممر جانبي ومنه باب فتحه وقال "المدام بانتظارك"
أبعدت عيونها عنه وتحركت عبر الباب لترى ضوء الظهر يضيء الغرفة كلها والشمس تمنح دفأها وأشعتها بالداخل، لفت نظرها بالمكان حيث المكان واسع أكثر من مجرد غرفة طبيعية، فراش عريض جدا بمنتصف الغرفة مرتب بمفرش فاخر بلون اللافندر، لفت وجهها لترى مقاعد وثيرة بالجانب الآخر للغرفة ومائدة طويلة بينهم، النافذة العريضة تأخذ أكثر من نصف الجدار المواجه بستائر شفافة و..
"أنت ضي!؟"
لفت وجهها لباب جانبي حيث خرج الصوت لامرأة تجلس على مقعد متحرك خرجت به من الباب وخلفها امرأة متوسطة العمر تدفع المقعد وترتدي ملابس التمريض وملامحها حادة تحدق بقوة بها فعادت للمرأة التي بدت بأواخر الستينات، وجه طويل نحيف بعيون سوداء وأنف حاد بارز، شفتان رقيقتان جميلة بكل المقاييس رغم كبر سنها
توقفت المرأة بالمقعد أمامها ولم تشعر بالباب الآخر للغرفة يغلق والعجوز تبتسم لها وعادت تقول "ماذا بكِ؟"
انتبهت وقالت "لا شيء، آسفة، أنا ضي البنهاوي، هاتفت حضرتك بالصباح"
لم ترحل ابتسامة العجوز وهي تقول "نعم، تعالي واجلسي، زينب اتركينا"
نظرت لزينب التي بدت غير سعيدة بوجودها ولكنها تحركت خارجة بينما قالت العجوز "اجلسي يا ضي"
وتحركت بمقعدها للمقاعد الوثيرة وضي تبعتها وجلست أمامها ورفعت عيونها للمرأة التي قالت "أردت سكرتيرة تقوم بكل شؤوني العامة خاصة الكومبيوتر"
هزت رأسها وقالت "نعم أخبرت حضرتك أني أجيد كل ما يخص الكمبيوتر والحسابات وإدارة الأعمال"
لم ترحل ابتسامة المرأة وهي تقول "نعم أعلم، آخر فتاة تواطأت مع المدير السابق للمجموعة حتى عرفت بالسرقات التي اشتركوا بها سويا"
حدقت بها بعيونها الجميلة وقالت "آسفة ولكن ألا أقارب لحضرتك؟"
رحلت ابتسامة المرأة وكأن السؤال ضغط على حقيقة مؤلمة داخلها فأخفضت وجهها وقالت "أخي كان بحياتي حتى رحل منذ فترة ومن بعدها ولم يعد هناك من يرعى مصالحي وكما أخبرتك بكل يوم أكتشف خيانات وسرقات"
قالت بجدية "لا أحد سوى أخيك الراحل"
ظلت المرأة صامتة وعيونها لا تواجه ضي فترة غير قصيرة واحترمت صمتها حتى عادت المرأة لضي وقالت "حفيد غير مقيم بمصر، سأحتاجك منذ الصباح وحتى الخامسة عصرا"
تراجعت بدهشة وقالت "هذا يعني أنك وافقت علي؟"
هزت رأسها وقالت "نعم، سنعمل هنا حتى ننتقل للمجموعة وهناك ستكونين معي بكل شيء لم يعد من الصواب أن أبقى هنا ومدير غير أمين يتولى إدارة أملاكي"
اندهشت ضي وقالت "لماذا لم تختبري سواي ربما هناك الأفضل؟"
ابتسمت وقالت "لقد فعلت"
اندهشت والمرأة تكمل "لي اسبوع اقابل العديد منهن حتى انتهيت عندك"
لم ترحل دهشتها وهي تسأل "لكنك قابلتني الآن ولم تختبريني حتى؟"
ضحكت العجوز وقالت "أعلم، لدي من تحرى عنكِ وعن كل فتاة تقدمت للوظيفة وأنتِ الوحيدة التي تمثل تلك الوظيفة الأولى لها والتي ليس لديها مورد رزق لها ولطفلها والتي عملت بأكثر من محل ومصنع حتى حصلت على شهادتها والآن ترغب بالعمل بشهادتها"
شحب وجه ضي من معلومات المرأة عنها ولم ترد بل جف حلقها وتاهت منها الكلمات والعجوز تقول "أعجبني كل ما عرفته عنكِ"
ظلت عيونها تحدق بالمرأة حتى قالت "لم أعرف أنكِ تحريت عن حياتي الشخصية"
هزت العجوزة رأسها وقالت "بالتأكيد بعد ما تعرضت له من خيانات سابقة كان لابد أن أفعل، كان من المفترض أن تجرى تلك المقابلة بالشركة لكن اليوم سيصل حفيدي الوحيد من روما لرؤيتي ولم أشأ تأجيل موعدي معك"
قالت بتساؤل "حفيدك!؟"
هزت رأسها وقالت "هو يأتي لزيارتي مرة كل عام ويرحل بلا رغبة بالبقاء، حياته كلها أصبحت هناك منذ خمس سنوات تقريبا، هل وقتك اليوم لكِ؟"
لم تفهم سؤال المرأة فأجابت "لا أفهم"
تحركت المرأة بالمقعد للمكتب الذي لم تلاحظه ضي وعليه حاسوب محمول وأوراق متراصة وقالت "أقصد هل لديكِ استعداد للعمل اليوم؟"
نهضت واقفة وقالت "نعم، أقصد هل هذا يعني تعييني بالوظيفة؟"
فتحت بثينة الجهاز وقالت "نعم، لقد أخبرتك بذلك، ماذا فعلتِ بابنك؟"
ظلت واقفة مكانها وهي تقول "جارتي تعتني به، هي تفعل منذ عرفتني"
لم تنظر لها بثينة وهي تقول "سنجد حل أفضل له، سأرغب برؤيته بأقرب وقت، تعالي أرغب بتعريفك على جزء من العمل"
ظلت ضي شاردة بكلمات المرأة، سرعة تعيينها، معرفتها كل شيء عنها وحتى اهتمامها بابنها كل ذلك جعلها تفكر بالأمر بلا إجابات
نادتها المرأة فانتبهت لها ونهضت لتتحرك تجاها فأشارت لها لتجلس وظلت متحفظة لوقت حتى جذبتها بساطة بثينة فاندمجت معها وتحررت من تحفظها وشعرت بالراحة ولم تشعر بالوقت وهو يمضي بها حتى أنهم تناولوا الغداء سويا وزينب تمنح المرأة دوائها وتخرج مرة أخرى
كانت الخامسة عندما دخلت زينب وهي تقول "السيد سليم على وصول مدام"
انتبهت بثينة وتراجعت بالمقعد وقالت "آه نعم، هيا ضي كفى غدا سنكمل، أنت جيدة"
أغلقت ضي الجهاز ولملمت الأوراق وقالت "هناك أمور كثيرة عالقة مدام من الأفضل منح قرارات سريعة بها بسبب الشروط الجزائية"
وافقتها بثينة "معكِ حق، فكري بالحلول المناسبة حتى أراكِ غدا، وسنحدد سويا متى سنعيد المجموعة للعمل"
وقفت ضي وقالت "حاضر مدام، متى ترغبين بي صباحا؟"
تراجعت بثينة بمقعدها وما زالت تتأمل ضي وكأنها تحفظ ملامحها وقالت "العاشرة سيكون مناسب"
هزت رأسها وتحركت وهي تقول "تمام، اسمحي لي"
وتحركت لتذهب وزينب ما زالت تتبعها بنظراتها الغير مريحة وخرجت من الغرفة واتبعت نفس طريق الخروج حتى رأت البهو الكبير ولم تنتظر أحد وهي تفتح الباب الكبير وتخرج وما أن نزلت الدرجات الرخامية حتى رأت سيارة سوداء ليموزين تدخل لتقف أمامها وانفتح الباب الجانبي ونزل منها رجل انقبض قلبها لرؤيته
جمدت بالأرض لذلك الجسد الشاهق والبدلة الفاخرة والعطر الذي فاح حولها والتفت ليواجها بعيون زرقاء قاتمة لوجه برونزي ولحية منمقة وشعر أسود مصفف بعناية للخلف وتوقف لرؤيتها وعيونه تلتقي بتلك العيون الغريبة وكأنه رآها من قبل ونسى أين لكن ذلك اللون لا ينسى
قطع صوت السائق لقائهم الصامت وهو يقول "حقائبك سيدي"
التفت للرجل ليخبره بتركهم ثم عاد لها ولكنها كانت قد اختفت وبحث عنها ليراها قد وصلت لبوابة القصر الخارجية فعاد للسائق ومنحه أمواله وباب القصر يفتح والرجل يقول "مرحبا بعودتك سيد سليم"
تحركت الليموزين تلف حول المكان لتذهب من حيث أتت وهو يقول "مرحبا شوقي أين جدتي؟"
تحرك شوقي للحقائب وقال "بانتظارك بغرفتها"
تحرك لداخل القصر حتى وصل غرفة جدته ووجدها تبتسم له وتفتح ذراعيها لتحتضنه وهي تقول "ابني حبيبي كم افتقدتك"
ابتعد وهو يقبل يدها وقال "وأنا أيضا جدتي، تمنيت أن توافقي على السفر معي لكنك لا تفعلي"
نظر لزينب التي أخفضت عيونها وبثينة تقول "وأترك بيتي وحياتي حبيبي؟ أترك بلد والدك رحمه الله"
لم يرد وهو يخرج علبة السجائر ويخرج واحدة ويقول "من أجل حفيدك"
نظرت لزينب وقالت "يمكنك الذهاب زينب"
خرجت زينب وهو يتحرك للنافذة لينفخ الدخان وبثينة تقول "حفيدي ليس بحاجة لي، لديك حياتك هناك"
لف وجهه لها وقال "أنت تقولين أن العمل ليس حياة"
ابتسمت وقالت "الحياة تعني زوجة وأولاد"
لم تتبدل ملامحه وهو ينفخ الدخان وقال "جدتي"
أخفضت وجهها وقالت بألم واضح "لم يكن ذنبك حبيبي، الماضي هو ما دفعك لذلك وأنت كنت تظن أنها هي"
ضاقت عيونه الزرقاء والماضي لا يتركه خاصة عندما تنبشه جدته وهو لم يستطع الفرار منه حتى برحيله من هنا، شعر بها خلفه فالتفت ليراها تنظر له وقالت "كان ذنبي حبيبي"
نفى برأسه وقال "بل هو ذلك الكلب الجبان وبدلا من أن يدفع ثمن أخطائه خدعنا جميعا بفتاة أخرى"
لم تحاول النظر له وهي تقول بصوت منخفض " فتاة بريئة لا ذنب لها"
ظل ينظر لها حتى قال "ليتني أعثر عليه، سأقتله بلا تردد"
وتحرك من أمامها ليطفئ السيجارة ربما يطفئ معها نيران الغضب الذي يشتعل داخله كلما ثار ذلك الأمر مع جدته، الوحيدة التي تعرف سره كما كان والده وذلك اللعين الذي حفر له الفخ وأسقطه به
قالت بثينة بحزن "الحمد أنك لم تفعل، لن يضيع مستقبلك حبيبي، والأفضل ألا نعرف، هو فقط من كان يعرف كل شيء وهو هرب وربما مات الآن"
أشعل سيجارة أخرى ليحرق بها غضبه وقال "وفشلت بالانتقام"
قالت بغضب مكتوم "وماذا كان سيفيد الانتقام؟"
جلس على أقرب مقعد وهو لن يجادلها بذلك كما يفعلون كل مرة لذا بدل الحديث وقال "من الفتاة التي كانت هنا؟"
التفتت له بمقعدها وأشرق وجهها وقالت "ضي؟ أنت تعلم ما حدث الاسبوع الماضي بين وفيق والسكرتيرة لذا أردت مباشرة كل شيء بنفسي وعندما رغبت بسكرتيرة تساعدني شخص ما أخبرني عن تلك الفتاة وعن مدى أمانتها ومهارتها وأنا ارتحت لها بالفعل وستعمل معي، أنت ترفض تولي الأمور هنا"
لفه الدخان بكثافة وأخفى وجهه حتى قال "لدي الكثير بروما جدتي"
هزت رأسها وقالت "بل أنت لا ترغب بأي شيء يخص هنا"
لم يرد فاقتربت منه حتى أصبحت بجواره وقالت "هي أملاكي الآن سليم وبحاجة لك"
أطفأ السيجارة وعاد لها وقال "أنت جديرة بها جدتي، لا تنكري أنكِ كنت امرأة ناجحة بالعمل قبل الحادث وحتى بعده"
أخفضت وجهها فأبعد وجهه وهو يقول "لا يمكننا فصل الماضي عن حاضرنا جدتي كله مرتبط بسلسلة واحدة"
لم تنظر له وقالت "أعلم حبيبي فقط أنا بحاجة لك الآن خاصة بعد موت أخي"
ظل ينظر لها ثم قال "تعلمين أن وقتي محدود، سأرحل بعد الغد"
لم ترد والباب يدق وشوقي يدخل ويقول "العشاء"
نهض وقال "دعيني أقودك للخارج"
****
احتضنت ضي كريم الصغير، طفلها ذي الأربع أعوام وهي تقول "شكرا أم ذكي يبدو أنه نائم منذ وقت"
ابتسمت جارتها وقالت "بل منذ خمسة عشر دقيقة، لعب كثيرا حتى تعب ونام فجأة"
هزت رأسها وقالت "حسنا، شكرا لك سأحاول إيجاد حضانة مناسبة له فترة المساء لأنني قبلت بالعمل الجديد"
ضربت المرأة على صدرها وقالت "حضانة وأنا هنا؟ هكذا أغضب منكِ ضي"
ابتسمت وقالت بامتنان "لن تفعلي، لن يمكنني زيادة همومك به، سأتغيب من التاسعة وحتى السادسة وهذا وقت كثير"
هتفت أم ذكي "ولو كان اليوم كله حبيبتي تعلمين كم أحبه وأحبك، لا تقلقي سيكون بعيوني، يكفيه المدرسة التي تصرين عليها"
هزت رأسها وحملت حقيبته الصغيرة وقالت "لابد منها كي يكون له مكان بالمدرسة، شكرا لك حقا"
دخلت شقتها الصغير جدا والتي عثرت عليها بعد معاناة كثيرة ورغم تأخرها بسداد الأجرة إلا أن صاحب البيت لا يطالبها بشيء، يعاملها كابنته منذ أنقذت حياته من الحريق الذي كاد يلتهمه لولاها
وضعت كريم بالفراش الوحيد بالشقة ودفعت غطاء خفيف عليه ثم خلعت فستانها وتحركت للحمام الصغير لتغتسل ثم ارتدت ملابس البيت وبالمطبخ الذي تعتبره كذلك أعدت طعام سريع عندما رأت طفلها يتحرك تجاها وهو يفرك عيونه التي لا تشبها ببريقها السماوي الجميل ووجهه الطويل، لم يشبهها بشيء وكانت تعرف أنه بالتأكيد يشبه والده
"ماما أنا جائع"
كان يتحدث جيدا فهو كان طفل مميز بكل شيء، تحدث مبكرا جدا وخطى خطواته الأولى أيضا بعمر عام، ذكي بشكل واضح بشهادة المدرسين بالحضانة مما يسعدها
ابتسمت له وقالت "حالا حبيبي، كيف كانت المدرسة اليوم؟"
لم يترك مكانه بجوارها وقال "ميس سها منحتني نجمة كبيرة لأني أجبت بصوت مرتفع"
ضحكت وقالت "رائع، هل لديك واجبات كثيرة؟"
أحضر المقعد الخشبي الصغير ووقف عليه بجوارها وهي تقطع الخيار وقال "أنهيت العربي وتبقى الإنجليزي"
وضعت البطاطس بالطبق والأرز والخضار وقالت "نتناول الطعام وننجز كل الواجبات معا"
نزل وتحرك معها للصالة الصغيرة وتناولا الطعام وهو يحكي لها عن مغامراته بالمدرسة وانتهوا ثم جلسا سويا لينهيا الفروض المدرسية وبالتاسعة كانت تضعه بالفراش وتحكي له قصة قصيرة نام قبل نهايتها
دقات على الباب جعلتها تنهض لتفتح فرأت عم منصور صاحب البيت فابتسمت وقالت "مررت عليك بالمحل فلم تكن موجود"
كان بالستين من عمره، أولاده متزوجين ولا يسألون عنه لذا هي تحاول الاهتمام به منذ يوم الحريق، ابتسم لها وقال وهو يمنحها أكياس "كنت أشتري بضاعة، خذي أرغب بصينية بطاطس بالفراخ غدا ولا تنسي نصيب كريم، أين هو"
أخذت الأكياس وقالت "نائم، متى ستكف عن هذا عم منصور، أنا لدي ما يكفيني"
ابتسم وقال "أعلم، أنا أحب طعامك ولن أتناوله وحدي، طابت ليلتك يا ابنتي"
هتفت "انتظر"
وأسرعت للداخل ثم عادت له بصينية وقالت "أنت تحب ذلك"
ابتسم وهو يأخذها وقال "رائحته رائعة، طابت ليلتك"
ابتسمت وقالت "بالصباح ساترك لك الملابس عند أم ذكي"
لم يلتفت لها وهو يصعد السلم وقال "جيد اتركيني للطعام الآن"
ضحكت وأغلقت الباب، هنا كل عائلتها منذ خمس سنوات استقبلوها بحنان ومنحوها حب صادق ولم يسألوا عن أي شيء، حبست أحزانها داخلها وتناستها مع الوقت، سؤال تردد بالبداية، أين زوجك؟ والإجابة، رحل وتخلى عني، ولم يسأل أحد مرة أخرى
جلست على طرف الفراش وهي تفكر بعملها الجديد، غريبة تلك المرأة وافقت عليها بلا أي اختبارات أو خبرة أو أي شيء، العمل من البيت أمر ليس صواب وشركاتها كبيرة ومتفرعة والعمل متوقف وبحاجة للكثير وهي خبرتها صفر
تمددت على الفراش وهي لا تعرف هل ستستمر بذلك العمل كثيرا أم ستدرك بثينة أنها ليست لائقة وتطردها وتعود للعمل القديم بالمحلات وسواها مما لا يتناسب مع أحلامها البسيطة
لم تشعر بنفسها وهي تسقط بالنوم إلا والمنبه يرن فالتفتت لتوقفه واعتدلت لتنهض وتوقظ كريم وتعده للمدرسة وطعامه وحقيبته وبالفعل تركته عند باب المدرسة وركبت الميكروباص ليأخذها لبيت بثينة
فتح لها شوقي الباب فقالت "صباح الخير"
لم تتبدل ملامحه وهو يقول "صباح الخير، المدام بغرفة الطعام، من هنا"
تحركت خلفه وهو لم يمنحها فرصة لأي شيء وما زالت تتأمل القصر الكبير وتبعته عبر باب كبير لترى غرفة شاسعة ومائدة طعام تكفي لعشرين فرد أو أكثر ورأت بثينة بمقعدها على رأس المائدة وقالت "أهلا ضي تعالي"
تحركت لها وقالت "صباح الخير مدام"
ابتسمت لها وقالت "صباح الخير، اجلسي، شوقي الإفطار"
انحنى باحترام وجلست هي بخجل وقالت "لقد تناولته مدام أنا.."
قاطعتها بثينة "حتى لو، ستفعلين معي"
فزعت عندما سمعت صوت رجولي يقول "سيصل بالرابعة جدتي و.."
استوعب وجودها وهو يتحرك لجانب جدته التي قالت "ضي من حدثتك عنها، سليم حفيدي"
التقت بنفس العيون الزرقاء التي رأتها بالأمس ولكنها لم تهتم والآن ها هو أمامها مرة أخرى فقط لم تكن البدلة موجودة بل قميص أسود مفتوح الصدر على بنطلون أسود أيضا وبدا مخيفا بوسامته وهو يتأمل عيونها البنفسجية الغريبة وشعرها الأحمر المرفوع بكعكة كبيرة وشعر كالأمس وكأنه يعرفها
جلس أمامها وقال "تبدين صغيرة"
تورد وجهها وفرت عيونها منه وبثينة تقول "اثنان وعشرون عاما أليس كذلك ضي؟"
قلبها كان يدق بقوة وهي لا تفهم سبب ارتجافها وقالت "ونصف حضرتك"
وضع شوقي الطعام بينما ظل يتجول بعيونه عليها وقال "هل رأيتك من قبل؟"
رفعت رموشها السوداء لتلتقي بنظراته المتسائلة ثم قالت "لا أظن يا فندم"
ظلت نظراتهم ثابتة عيونه الزرقاء تذكرها بكريم طفلها وربما أجمل ولكنها تعلم أن ليس من حقها التفكير حتى بذلك، صوت بثينة جذبها من أفكارها "ضي تعيش بمنطقة شعبية ولا أظن أنك مررت بها من قبل"
افترقت نظراتهم وهو يقول "ربما، أحتاج لرؤية المزرعة قبل الاتفاق على التوريد جدتي"
قالت بجدية "بالطبع لكن امنحني الرأي النهائي قبل رحيلك ولو وافقت ضي ستقوم بصياغة عقود الاتفاق"
رفعت وجهها لبثينة التي قالت "مزرعة الصحراوي ضي، سليم يرغب بالحصول على اللحوم لصالح شركاته بروما"
لم ينظر لها وهو يقول "لم أقرر بعد جدتي ربما لا تعجبني"
قالت بثينة بجدية "العجول من أفضل الفصائل سليم أخبريه ما قلتِه بالأمس ضي، عن الهجين الجديد"
ابتلعت الطعام وتوترت قليلا لكنها بالفعل تحدثت وهو لا ينظر لها حتى انتهت فقال "ربما لكن لابد أن أرى بنفسي"
تراجعت بثينة وقالت "حسنا خذها معك وأخبرها ملاحظاتك إن وجدت أو موافقتك لو فعلت"
الاثنان التفتا لها بنفس الوقت ولكن هو من تحدث "آخذ من؟"
ملامح بثينة كانت جادة وهي تقول "ضي، لا تنسى أنها أصبحت مساعدتي الأولى وأنت عميل ترغب بالتعاقد معنا"
تراجع بالمقعد وقال "جدتي هل تمزحين؟ لن يصحبني أحد وأنا لست عميل، عندما أنتهي سأمنحك رأيي"
ونهض وتحرك خارجا بلا انتظار لكلماتها فابتسمت وقالت "لا تأخذي الأمر على محمل شخصي هو هكذا مع أي امرأة"
تناولت بعض المياه قبل أن تقول "لم أفعل مدام أنا فقط أندهش من طلبك"
لم تنظر لها بثينة وقالت "أرغب بأن تتعلمي كل شيء وسليم رجل أعمال محنك وخبرته ستكون مفيدة لك"
لم تعود للطعام وقالت "أفضل الخبرة منك"
نظرت لها وقالت "ماذا!؟ أنت أيضا لديك مشكلة مع الرجال؟ زوجك سبب لك عقدة"
تجهم وجهها والكلمات لا تسعفها وهي لا تنظر لبثينة وتقول "لم أعش معه كي يسبب لي أي شيء أنا فقط لا أرغب بأن أكون سبب بإزعاج أحد"
تركت بثينة الشوكة وقالت "ضعي الشاي بالأكواب، عليكِ بالتعامل مع الجميع كي تنالين النجاح بحياتك، لابد من مواجهة كل الأبواب ولا تبالي برد أفعال أصحابها المهم المصلحة التي ستجنيها من ورائهم"
سكبت الشاي بالفعل وقالت "ليست لي تلك الصفة بعد مدام، حليب؟"
أجابت العجوز "نعم، أنا منحتك الصفة فأنت مساعدتي وسكرتيرتي"
وضعت الفنجان أمامها وقالت "لم أتعلم شيء بعد وبالتأكيد السيد سليم يدرك ذلك وما ترغبين به لا يقبله خاصة وهو علق على عمري"
ابتسمت بثينة وهي تضع السكر بالفنجان وقالت "ربما أكون تعجلت الأمور ولكني رأيت بك بالأمس مهارة بالعمل هي ما جعلني أقترح ما كان"
لم ترد وهي تتناول الشاي خاصتها وما أن انتهيا حتى تحركا لغرفة أخرى عرفت أنها المكتب واندمجا بالعمل حتى انتصف النهار وهي أخذت راحة للقهوة فهاتفت أم ذكي واطمأنت أن كريم معها، تحدث معها بالهاتف وكانت سعيدة به حتى أغلقت
"قلتِ أنكِ لم تعيشي مع زوجك!؟"
التفتت لمواجهة المرأة وكلماتها ترتد لها، جف حلقها وتلك المنطقة لا تحب تخطيها ولكنها تفرض عليها لذا قالت "ليلة واحدة وبعدها هجرني، لم يكن موافق على ارتباطنا لذا رحل"
وابتعدت ولكن المرأة قالت "تعيشين مع أهلك؟"
لم تنظر لها وهي تقول "لا، والدي مات وأنا صغيرة جدا ولا أتذكره ووالدتي ماتت بعد، بعد زواجي بأسبوع"
وسكتت لم تخبرها كل شيء فلا شيء يمكن أن يقال لكن المرأة أغلقت عيونها ولم تضع أي معاني على ملامحها فقط قالت "وباقي أهلك؟"
تجهم وجهها وهي تذكر تلك الأيام فدق قلبها بقوة وهي تعرف ما عليها قوله فقالت "لا أحد لديه وقت لأحد، كان عليّ البحث عن نفسي باعتقادهم أنا لي رجل مسؤولة منه وطالما رحل وتركني فأنا معيبة لذا ابتعدوا عني وأنا فعلت المثل انتقلت إلى حيث أعيش وجيراني هم أهلي حاليا"
ابتسمت بثينة وعيونها تحاور ضي حتى قالت بمبرة غريبة لم تفهما ضي "وزوجك لا أخبار عنه؟"
كانت تفرك يداها ببعضها البعض ولا تعرف بماذا تجيب، نظرات بثينة غير مريحة ومع هذا لا تعرف ماذا تريد من وراء ذلك، بأماكن عملها السابقة كانت تخبرهم أنه يأتي بزيارات كي تظل بحماية عن عيون الرجال من حولها لكن بثينة بدت مختلفة وشعرت أنها تعرف عنها الكثير لذا التفتت لها وقالت
"لا، لا أعرف عنه شيء"
تحركت بمقعدها تجاه ضي وقالت "لماذا تزوجتم إذن؟"
سقطت عيونها على المرأة وفقدت الكلمات ولم تعرف بماذا تجيبها ولكن دقات الباب أنقذتها ورأت صاحب العيون الزرقاء يدخل بنفس ملابس الصباح وهو يقول "مساء الخير"
أخفضت وجهها وابتعدت تحاول استعادة نفسها وكأن وجوده حررها من قيود الذكريات وبثينة تبتسم له وتقول "أهلا حبيبي هل انتهيت من المزرعة؟"
جلس على المقعد المواجه للمكتب وقال "نعم، جيدة ولا أمانع بالحصول على اللحوم"
ابتهجت المرأة وقالت "أخبرتك بذلك متى ستتعاقد معي؟"
أخرج السجائر وأشعل واحدة ثم قال "اليوم فالطائرة بالسابعة صباحا"
رحلت ابتسامة بثينة وقالت "بسرعة هكذا؟"
نفخ الدخان وقال "مكتبي لم يجد سواها سأعود قريبا لا تقلقي"
نادتها بثينة فالتفتت لها لتعد عقود التعاقد واندمجت معهم ووصلت زينب تعلن عن الغداء تناولته معهم ولم تشترك بالحوار بل ظلت صامتة وهو لم يوجه لها أي كلمات حتى منحتها بثينة الإذن بالرحيل فرحلت لابنها بينما تناولت بثينة الشاي معه وهو يقول
"ألا تظنين أنها صغيرة وبلا خبرة!؟"
أجابت بلا تفكير "هي كذلك لكنها مجتهدة ونشيطة وأمينة والخبرة تكتسب مع الوقت سليم"
هز رأسه وقبل أن يتحدث دق الباب ودخل شوقي يقول "الآنسة ضحى بالخارج"
أبعد وجهه بضيق بينما قالت بثينة "لتدخل يا شوقي"
انحنى وخرج بينما نظرت له وقالت "تعلم أنها ما زالت تحلم بك"
نفخ بقوة وقال "ومتى ستستيقظ من الحلم؟ أنا لا أفكر بأي زواج لا بها ولا بأي امرأة"
صوت رقيق قال "أنت قاسي يا ابن عمي"
لم ينهض لرؤيتها وبدت أنيقة جدا كالعادة فهي تهتم جدا بمظهرها خاصة عندما تعرف بوجوده فمنذ الصغر وهي تتمناه ولكنه لم يفكر بها أبدا
وقفت أمامه فرفع وجهه لها دون أن ينهض وقال "هو واقع الكل يعرفه يا ابنة عمي"
عيونها العسلية المزينة بالمساحيق كانت تنظر له برجاء وبثينة تقول "أهلا ضحى كيف حالك وحال والدتك؟"
التفتت ضحى لجدتها وقالت "بخير جدتي، لماذا لم تهاتفني عندما وصلت؟"
نفخ دخان سيجارته وقال "كنت مشغول"
جلست بالمقعد المجاور له وقالت "هل ستبقى كثيرا؟"
أطفأ السيجارة وقال "لا، الطائرة بالصباح الباكر"
ونهض وهو يقول "اسمحي لي جدتي أحتاج لحمام واستبدال ملابسي"
لكن ضحى نهضت لتقف أمامه وهي تقول برجاء "ستتركني وانا أتيت من أجلك"
كان أطول منها بكثير فأسقط نظراته عليها وقال "ظننتك هنا من أجل جدتك فأنا متعب وأرغب بالراحة"
ولم يمنحها أي فرصة للرد وهو يتحرك خارجا وكادت تتحرك خلفه لكن بثينة هتفت "ضحى انتظري هو لن يبقى"
نفخت ضحى والتفتت لها بضيق قائلة "هو أنتِ من يرفض علاقتنا"
لم تظهر ملامح بثينة أي شيء وهي تقول "ولماذا أفعل وأنتِ حفيدتي مثله تماما؟"
ابتعدت ضحى للنافذة وعقدت ذراعيها بغضب وقالت "لكن هو المفضل عندك منذ صغره فهو من عاش معك منذ ولادته ودائما ما تمنحيه كل شيء"
ظلت بثينة تنظر لها وهي تقول "لأنه فقد والدته بولادته واحتاج لأم وأنا فعلت وكلكم تعرفون باقي القصة"
التفتت لها ضحى بنفس الغضب وهتفت "ولم توافقي على ارتباطنا؟"
لم تتحرك بثينة من مكانها وهي تقول "ليس الأمر بيدي ضحى تعلمين أنه هو من يرفض"
أشاحت بيدها وقالت "ولكن يسمع لك ولو حاولت معه لوافق، هو يفعل ما ترعبين به كالعادة"
تجهم وجه بثينة وفهمت تلميحات ضحى فقالت بضيق "كما لو أنكِ لا تعرفين حقيقة الأمر، لا تنبشي بتلك الذكرى ضحى تعرفين أنها تثير جنونه"
لم تنظر ضحى لجدتها وهي لا ترى سوى سليم ومشاعرها الضائعة تجاهه وهتفت "لأنها هربت منه ولم يعثر عليها، هي من أحبها وهي تلاعبت به"
شحب وجه بثينة والماضي فجأة طفا على السطح ولا أحد يحب ذكره فهو لا يسبب سوى الألم
