رواية ضي الفصل الثاني2بقلم داليا السيد


رواية ضي الفصل الثاني2بقلم داليا السيد
طفل جميل، لكنه لا يشبهك
دخلت ضي غرفة المكتب وهي تبتسم وتقول "صباح الخير مدام"
ابتسمت لها بثينة وقالت "صباح الخير حبيبتي، تعالي هناك أخبار جيدة"
وضعت الورود التي أحضرتها معها بالمكان المخصص كما اعتادت طوال الشهرين الماضيين عمر عملها مع بثينة وهي تقول "ليس قبل وضع الورود بمكانها وإلا عم محمود سيغضب مني"
زادت ابتسامة بثينة وهي تراقب الفتاة التي بدلت الكثير بالبيت وبالشركة منذ دخلت حياتها، لم تندم يوما على أنها جعلتها معها بكل مكان بل كانت سعيدة وملأت عليها حياتها ليس فقط بالعمل ولكن بالاهتمام بها وبحياتها الشخصية 
انتهت وتحركت للمكتب وقالت "مررت على القصر وأحضرتهم مع الملفات التي طلبتها مني، ما الأخبار الجيدة؟"
أشارت للجهاز أمامها وقالت "الصفقة الأخيرة أصبحت لنا"
هتفت بسعادة "حقا، أرض الكينج؟"
هزت بثينة رأسها وقالت "نعم، العرض الذي قدمناه كان الأفضل أنت رائعة ضي منذ عملت معي والعديد من النجاحات تتحقق"
ابتسمت وقالت "لأن الجميع يحبونك مدام ويتمنون العمل معك"
ربتت على يدها وقالت "بل لأنك ذكية وتعرفين كيف تخلقين فرص جيدة للنجاح، لم تخيب نظرتي بك، تعالي أرغب باحتضانك"
تجمدت مكانها وهي لم تفكر بذلك من قبل والمرأة تفتح لها ذراعيها وهي ظلت جامدة وبثينة لاحظت ذلك وقالت "ماذا بك؟"
ترددت قبل أن تقول "هل ترغبين باحتضاني حقا؟ أنا مجرد سكرتيرة"
ابتسمت بثينة وقالت "لا، أنت لم تعودي كذلك بالنسبة لي ضي، أنا أراكِ بمكان آخر، أثق بكِ كما لم أثق بأحد من قبل ربما عمرك معي شهران لكن بالحقيقة أشعر أني أعرفك منذ سنوات كثيرة، أنا سعيدة لوجودك معي"
شعرت بدموع تحرق عيونها وهي تقول "هذا كثير"
لم ترحل ابتسامة بثينة وأخفضت ذراعيها وهي تقول "فقط تعالي وكفي عن كلماتك هذه"
انحنت واحتضنتها المرأة بحنان وهي تربت عليها وهمست "أنت فتاة جيدة ضي لم أكن أتخيل ذلك"
لم تنتبه لمعنى الكلمات الأخيرة وسقطت دمعة وهي تقول "وحضرتك أحن امرأة عرفتها بحياتي"
رن الهاتف فأبعدتها لتجيب "مكتب بثينة الهواري"
العمل سرقهم لوقت متأخر من النهار حتى انتهت أمام سيارة بثينة وهي تقول "لو رغبتِ بتناول الغداء معي غدا هاتفيني وأحضري ابنك معك"
ابتسمت لها وقالت "ربما لا أستطيع حضرتك، تعلمين أني أنهي تنظيف البيت وواجباته يوم الجمعة"
ربتت على يدها التي على نافذة السيارة وقالت "كنت أرغب برؤيته لكن لم يأتي الأوان بعد"
رحلت سيارتها وأسرعت هي لأخذ المواصلات ثم اشترت أشياء كثيرة فالمرتب كبير بدرجة لم تتخيلها هذا بجوار ما تمنحه لها بثينة من مكافآت عن عملها الإضافي بالبيت فاشترت ملابس لكريم ولها وحقيبة للحضانة له وأدوات للبيت، كانت سعيدة حقا ولم تندم لعملها
عم منصور مر عليها ليمنحها علب الطعام الفارغة فمنحته الأجرة المتأخرة وكاد يرفض ولكنها أصرت وبعدها منحته الطعام الجديد، كل من حولها كان يحبها، جارتها بالأعلى كانت ترسل لها ابنتها الكبرى لتشرح لها الحساب ولم تعترض، ترفض المال منهم لذا الجميع كان يعرف أنها امرأة مميزة
انتهت من نوم كريم وتحركت للمطبخ لتضع طعام عم منصور عندما رن هاتفها فأسرعت له ورأت اسم بثينة فأجابت بدهشة "مدام بثينة هل أنتِ بخير؟"
صوت المرأة كان غير طبيعي وهي تقول "لا ضي أنا لست بخير"
انقبض قلبها وهي تلف حول نفسها وهتفت "ماذا بكِ؟ هل تحتاجيني؟"
أجابت بثينة بنبرة ظهر بها البكاء وهي تقول "والدة ضحى كانت هنا"
بالطبع فهمت فهي دائما ما تثير غضب المرأة بكلماتها عن المال والميراث ورغبتها بالحصول على أموال
هتفت بنبرة محايدة بقدر الإمكان "لماذا تتركيها تغضبك؟"
أجابت المرأة "من أجل ابني رحمه الله"
حكت جبينها وهي تدرك كلماتها ولم تعرف بماذا تقول "أرغب بأن أكون معك"
ردت بثينة "لا يا ابنتي ليس الآن ربما تقضين الغد معي أنت وكريم كما طلبت منك سيتغير مزاجي بوجودك معي"
لم تستطع الرفض فقالت "حاضر لو ذلك سيسعدك سنكون عندك بالصباح"
شعرت بابتسامة المرأة وهي ترد "شكرا ضي، شكرا لأنك تفعلين ذلك من أجلي فأنتِ لا تدركين كم يسعدني ذلك"
أغلقت الهاتف وجلست على الأريكة القديمة وهي لا تفهم كيف وهي لا تملك شيء يسعد امرأة ثرية جدا مثل بثينة وحفيدتها تغضبها وحفيدها الآخر لا يهتم بها والكل يتركها وحدها بعمرها هذا
**** 
بالصباح كان سائق الأجرة يبتعد بعد أن منحته الأجرة وأمسكت يد كريم وعلقت حقيبته على كتفها ودخلت من بوابة القصر وعم محمود ما زال يهتم بالحديقة الكبيرة، أشار لها فابتسمت له وقالت "هذا عم محمود يا كريم وهو من يرسل لك الورود هيا أشر له بيدك"
بالفعل فعل الطفل وعم محمود ابتسم وأشار له
عم شوقي فتح لها الباب ولانت ملامحه معها مؤخرا ولكن ما أن رأى كريم حتى تراجع فقالت "هذا كريم ابني يا عم شوقي"
لم تتبدل ملامح الرجل ونزع نظراته عن كريم لها وقال "المدام بالحديقة الصغرى تنتظرك"
لم ترحل ابتسامتها فبالرغم من قسوة ملامحه إلا أنها تحبه، كريم التصق بها كعادته عندما يرى مكان جديد وهي تتفهم وضعه بالطبع
كانت بثينة تتحدث بالهاتف وبدت عصبية وهي تقترب منها حتى انتبهت لها وسقطت عيونها على كريم فتجهمت ملامحها وتوقفت عن الحديث بل وسقطت يدها بالهاتف وهي تنظر بعيون كريم وقالت 
"هذا ابنك ضي؟"
هزت ضي رأسها وقالت "نعم، كريم قم بتحية مدام بثينة"
لم تترك عيونها الطفل ونطقت بالحنان ومدت يدها للطفل وقالت "نانا، ناديني نانا، تعالى حبيبي"
الطفل لم يتمسك بوالدته كالعادة بل انجذب لبثينة التي رفعته وأجلسته على ساقيها ومررت يدها بشعره الأسود القاتم وقالت "شعرك رائع حبيبي"
قال بطفولية "ماما لا ترغب بقصه"
جلست ضي وضحكت وهي تقول "أنا فخورة بأنه ناعم وجميل"
ما زالت بثينة تتأمل ملامح الطفل وقالت "هو طفل جميل جدا ضي، رغم أنك جميلة لكنه لا يشبهك نهائيا"
رحلت ابتسامة ضي فهي تعرف ذلك وتمنت لو كانت، بثينة قطعت أفكارها "عيونك بنفسجية وهو زرقاء، شعرك أحمر وهو اسود، ربما تشبه والدك حبيبي؟"
أجاب الطفل "لا أعرف، أنا لم أراه وماما لا تملك صور له"
رفعت بثينة عيونها لضي التي هربت بنظراتها بعيدا وبثينة تقول "هل تعرف أن لدي هنا أماكن للألعاب وحمام سباحة؟"
الطفل لم يكن ممن يثير جلبة بل ظل هادئا وهو يجيب "ماما أخبرتني ألا أثير أي ضوضاء وإلا لن تأخذني معها مرة أخرى"
رق قلب المرأة أكثر للطفل وضمته لصدرها وقالت "وأنا لن أسمح لها بأن تحرمني منك مرة أخرى"
رفعت ضي وجهها لها بدهشة ولكن بثينة قالت "سنتناول الإفطار أولا وسأذهب معك لمنطقة الألعاب ولن نرغب بضي معنا"
التفت الطفل لوالدته وقال "أريد ماما معي"
ضحكت بثينة وقالت "حسنا من أجلك سنأخذها معنا"
وضعت هدى الطعام وشوقي معها ونظراته هو الآخر جالت على وجه الطفل ولكنه لم يتحدث وبثينة تقول "اجعل عم محمود ينظف الألعاب يا شوقي سآخذ كريم إليها بعد الإفطار"
انحنى كعادته وقال "أوامرك مدام"
النهار كله كان بالألعاب ورفض الطفل السباحة بدون والدته وبعد العصر تفاجأت ضي بوصول ألعاب كثيرة من أجل الطفل الذي لم يكن يحلم بها وبثينة ترفض تركه لحظة حتى وقت الغداء جلس بجوارها وهي من كانت تساعده والطفل تقبلها بلا مقدمات وكأنه يعرفها منذ القدم
نام كريم بموعد القيلولة الخاصة به بغرفة جميلة لم تراها ضي من قبل وارتاحت هي بجواره وذهنها مشغول بتصرفات بثينة وملامحها التي تجهمت عندما رأت كريم ولم تشعر وهي تنام بجوار طفلها
دقات على الباب أيقظتها فنهضت مفزوعة لتجد كريم جالسا يلعب بجوارها والباب يدق فأذنت لترى شوقي يقول "المدام تسأل عنكم"
نهضت وهي تقول "نعم عم شوقي، قادمة بالحال"
حملت كريم الذي تمسك باللعبة وتحركت به لغرفة بثينة الكبيرة لترى زينب تقف بجوارها وبثينة بدت غاضبة حتى رأت ضي فهتفت "تعالي ضي وأنتِ اذهبي الآن"
نظرة الغضب بعيون زينب لضي كانت واضحة وتابعتها وهي تخرج وفلت كريم من ذراعيها وأسرع للمرأة وهو يقول "نانا تلك اللعبة صعبة هل تساعديني؟"
تبدلت ملامح بثينة بلحظة وهي تقول "بالطبع حبيبي تعالى"
هتفت ضي "كريم انتظر"
لكن لم يسمعها الاثنان حتى انتهت بثينة من مساعدته ومنحته ضي باقي الألعاب وجلس على الأرض بركن من الغرفة وعادت هي لها وقالت "ماذا حدث؟ تبدين غاضبة؟"
قالت "هل تظنين أني قاسية؟"
تراجعت وهي تجيب بلا تفكير "تجاه من؟ الكل يشيد بحنانك وعطفك"
أبعدت وجهها وقالت "ضحى، والدتها حتى فاتن وفاطمة أولاد أخي يخبروني بذلك"
أبعدت وجهها ولم تجيب فقالت بثينة "أنتِ لا ترغبين بقول الحقيقة"
عادت لها وقالت "الحقيقة التي أعرفها أني أنا من أرسل الشيكات الشهرية لهم وأنا من أخبرك بطلباتهم التي لا تنتهي وأنا من أسمع موافقتك على كل ما يلزمهم"
هزت رأسها بابتسامة مريرة وهي تقول "كل هذا لا يعجبهم"
هتفت بغيظ "وماذا يريدون؟"
نظرت لضي وقالت "أرسلوا رسالة مع زينب بأنهم يرغبون بأن أوزع أملاكي عليهم الآن"
هتفت "ماذا!؟ أطال الله عمرك، أرجوك لا تفعلي ذلك لن يعرفوك بعدها"
لم تنظر لضي وقالت "أعلم، أخي فعل المثل مع والدنا وما أن نال نصيبه حتى نسى أن له أب وصرف المال على ملذاته حتى مات منها وأخي الآخر فعل المثل لكنه لجأ للبورصة وفقد نصف ميراثه وهو الآخر أهمل والدنا حتى مات، أولادي الاثنان اجتهدوا على نصيب والدهم، زوجي رحمه الله، ونموه لكن والد ضحى خسر الكثير بسبب طمع زوجته ولولا والد سليم لكان الأمر وصل للسجن حتى مات وترك لهم القليل بالكاد يكفيهم لكن والد سليم كان الأفضل وسليم اتبع نفس الطريق وهو ناجح كما تعرفين"
هزت رأسها وقد تعاملت مع شركاته ولكن ليس معه مباشرة بل مكتبه، قالت "لماذا كنتِ غاضبة من زينب؟"
أشاحت بيدها وقالت "هي عين سناء والدة ضحى هنا"
أدركت ضي لماذا تكرها زينب فضحى تظهر كرها لضي منذ أول يوم رأتها به بالمكتب وربما حاولت مع بثينة لتحل محلها لكن بثينة ترفضها
رن هاتف بثينة فنظرت له وقالت "هذه فاتن ابنة أخي، تقريبا هم متفقين سويا"
أجابت "أهلا فاتن"
ردت المرأة "كيف حالك عمتي؟"
بثينة كانت صبورة وهي تقول "بخير وأنت وأولادك؟"
ردت فاتن "بخير عمتي هل تحدثت ضحى معك؟"
ردت بثينة "تقصدين زينب والعرض الذي طلبتم منها إخباري به"
صمت أجاب فقالت بثينة "لن يكون هناك توزيع لأي أملاك فاتن، يمكنكم الحصول عليها بعد موتي"
وأغلقت ولمعت عيونها بحزن فنهضت ضي وركعت أمامها وقالت "لا تحزني حضرتك هم لا يقصدون شيء"
نظرت بثينة لها بحزن وقالت "بل أنتِ طيبة ضي، لا أحد منهم يحبني، فقط سليم هو من يهتم لأمري لكن لديه ما يجعله يهرب للخارج ويكره هنا وأنا أتقبل عذره ومع ذلك أتمنى وجوده بجواري"
لمست يد المرأة وقالت "فقط انسي ما كان ولا تهتمي لما فعلوا فهم سيعيدون التفكير ويتراجعون أنا واثقة من ذلك"
أحاطت بثينة وجه ضي براحتيها وقالت "لماذا لم أنال حفيدة مثلك؟ طيبة وحنونة وتحبني بلا غرض، أنت ترفضين أموالي ومساعداتي رغم أنكِ بحاجة لها وأبحث عن سبب لمنحك مكافأة، لماذا ليسوا مثلك؟"
ابتسمت لكلمات المرأة وقالت "أنا حقا لست بحاجة لأي أموال يكفيني حنانك علي وعلى ابني"
نظرت لها بثينة وقالت "هو طفل رائع ضي أنا أحببته جدا"
نهضت ضي وقالت "نحن أرهقناك اليوم فاسمحي لنا بأن نذهب"
حدقت بها المرأة وقالت "لا، امضوا اليوم معي ويمكنكم النوم بنفس الغرفة"
لم تكن لتوافق فهي لن تترك أحد يظن بها الظنون فابتسمت وقالت "لا، غدا لدينا عمل ولابد أن أتركه مع أم ذكي"
لمسة دافئة على ساقها جعلتها تنحني لكريم الذي قال "أنا جائع"
تورد وجهها من الإحراج بينما ابتسمت بثينة وقالت "ما رأيك بوجبة من ماكدونالدز وتحصل على لعبة من ألعابهم؟"
حدقت بالمرأة وقالت "لا مدام كفى من فضلك"
بينما قال كريم "ما هو ذلك؟ ما هي اللعبة؟"
اعتدلت وهي تمسك يده وقالت "نحن لابد أن نذهب قبل أن يحل الظلام"
والتفتت لتجمع الألعاب عندما سمعت صوت بثينة ضعيف وهي تقول "ضي، ضي أنا متعبة، اطلبي الطبيب"
التفتت وأسرعت للمرأة التي بدت شاحبة وعرق على جبينها فهتفت "مدام ماذا بك؟ زينب، زينب"
بسرعة كانت زينب تقتحم الغرفة وهي جذبت هاتفها واتصلت بطبيب المرأة على الفور
**** 
نزل من السيارة الأجرة أمام القصر وقفز الدرجات بسرعة وشوقي يفتح له وهو يقول "أين جدتي شوقي؟"
قال الرجل "بغرفتها سيد سليم"
كان قد وصل وفتح الباب بلا مقدمات مما جعل ضي تلتفت بفزع وهي كانت تضع الوسائد خلف ظهر بثينة وهو لا يراها بل جدته هي كل ما يحوز اهتمامه وهو يقول بلهفة "جدتي ماذا بك؟"
ابتسمت له بوهن وهو يمسك يدها ويضع قبلة عليها ثم يضع أخرى على جبينها وهي تقول بوهن "لا شيء حبيبي اطمئن"
ظل ممسكا بيدها بينما اعتدلت ضي بجوار الفراش من الطرف الآخر وهي تتأمل ذلك الرجل الذي ترك عمله وأشغاله بمجرد معرفته بمرض جدته ونزل بأول طائرة وكل من هنا لم يفكروا برؤيتها بل مجرد هاتف وانتهى الأمر
سمعته يقول وهو يجلس على طرف الفراش ممسكا بيدها "أخبرتك أن تتركي كل ذلك وتأتي معي"
كانت متعبة حقا ولكن بمجرد رؤيته أشرق وجهها وقالت "هي مجرد أزمة كسواها حبيبي، تعلم أني لا يمكنني ترك هنا، هو بيتي الذي عشت عمري كله به"
أبعد وجهه لحظة وقال "ما الذي تسبب بتلك الأزمة؟ عندما هاتفتك كنتِ بخير؟"
لم ترحل ابتسامتها الواهنة وقالت "لا شيء صدقني لقد أصبحت بخير بمجرد رؤيتك"
ظل ينظر لها حتى دق الباب فالتفتوا لشوقي الذي قال "العشاء مدام"
نظرت بثينة لضي وقالت "ضي ستأتي معك لتأخذه"
التفت لها وهو لم ينتبه لوجودها وهي تتحرك لتذهب معه حتى خرجت فالتفت لجدته وقال "ضي من؟ أين زينب؟"
قالت بتعب "أنهيت عمل زينب معي فهي ليست مخلصة وضي هي تلك الفتاة التي تعمل معي سليم هل نسيتها؟"
ضاقت عيونه ولكن الشعر الأحمر الذي لمحه جعله يذكرها فقال "وهي من تقوم بتمريضك أيضا؟"
ابتسمت وقالت "مؤقتا حتى يرسل لي دكتور محب واحدة غدا، هي لم تتركني منذ الأمس ولم تنم لحظة واحدة"
نهض مبتعدا وقال "ولماذا شككت بزينب؟"
أبعدت وجهها وهو يتحرك للنافذة وقالت "سناء أخطأت بالحديث أمامي فعرفت أن زينب غير أمينة"
نظر لها وسألها "وتلك الفتاة كذلك؟ جدتي لا يمكنك الوثوق بها بتلك السرعة"
أراحت رأسها على الوسادة وقالت "شهران كافيان لأضعها بأكثر من اختبار سليم وقد نجحت بتفوق"
دق الباب وانفتح وضي تدخل وهي توازن صينية الطعام ولم تنظر له بل قالت "أعتذر عن التأخير"
ابتسمت بثينة وقالت "لم تفعلي، سليم اذهب وتناول عشاءك"
حاولت ألا تنظر له وهي تشغل نفسها بوضع الفوطة على صدر المرأة وهو يقول "تناولت وجبة على الطائرة، عرفت بأن الشركة نالت الصفقة الأخيرة"
منحتها ضي الطعام تناولته وقالت "نعم، الفضل لضي هي من خطط للأمر كله ووضعت كل العروض"
ضاقت عيونه وهو يتأملها وهي تجلس ببنطلون اسود باهت اللون وتي شيرت أبيض بورود سوداء جعل جسدها يبدو نحيفا، شعرها الأحمر التف بكعكة كثيفة غير مرتبة على رأسها وتساقطت خصلات على أكتافها النحيلة 
قالت بثينة تقطع أفكاره "ضي تتعلم بسرعة وهي تملك مهارة عالية بمجال عملنا"
ظل ثابتا بمكانه وهو يذكر كلماتها عن المزرعة التي نال لحومها ومع الوقت عرف صحة رأيها والآن كلمات بثينة عنها وجدته امرأة محنكة بالعمل ولا تمنح رأي خطأ
قال بهدوء "وأين زهدي وعزت؟"
نظرت جدته له وقالت "زهدي بنى إمبراطورتيه من خلفنا وهو الآن ينافسنا وعزت حاول فعل المثل لكن بالطبع لم يستطع بعودتي"
هز رأسه ووضع يداه بجيوبه وتحرك ليقف بجوار الفراش وقال "وأنتِ ليس لديكِ عائلة تهتمين بها؟"
لم تنتبه لكلماته لكن بثينة قالت "ضي حفيدي يتحدث إليكِ؟"
كانت تجهز الطعام للمرأة ولكنها انتبهت فرفعت وجهها بدهشة لبثينة وهي تقول "ماذا؟ آسفة ماذا قلت؟"
ابتسمت بثينة وقالت "حفيدي يسألك عن عائلتك؟"
لفت وجهها له والآن تلك العيون يذكرها جيدا فهي ظلت عالقة بذهنه وقت بالمرة السابقة ولكن بعودته لعالمه بروما طردها من ذاكرته والآن تلك البراءة الغريبة جعلته يتأملها وهي تقول "ليس لدي أحد يا فندم، ابني هو كل عائلتي ومدام بثينة شاكرة سمحت له بأن يبقى معي هنا حتى تتحسن حالتها"
مرر عيونه عليها وكم بدت صغيرة جدا وعاد لعيونها اللامعة والتي انخفضت عائدة للطعام وهو يقول "وأين زوجك؟"
لم تنظر له وهي تخفي فزعها بالطعام وقالت "رحل"
تناولت بثينة منها الطعام وهي تدرك ارتجاف يد ضي وعادت لحفيدها الذي عاد يردد "رحل!؟ إلى أين؟"
سقطت الملعقة من يدها ففزعت وهي تعتذر "آسفة"
قالت بثينة بحنان "لا تهتمي ضي، لقد انتهيت"
لكنها قالت بارتباك "لا، ما زال الطعام كما هو لابد أن تنهي قطعة الفراخ من فضلك، أنتِ بحاجة للتغذية"
ظل ثابتا مكانه وبثينة تتابعه ثم تتقبل الطعام من ضي حتى رفعت يدها وقالت "كفى، حقا اكتفيت يا ابنتي"
هزت رأسها ولملمت الأشياء ونهضت مستديرة لكنها رأته أمامها لم يتحرك ونظراتها اصطدمت بصدر بدلته وقميصه المفتوح فرفعت عيونها لعيونه الزرقاء القاتمة وهو لم يتحرك، يتأملها بشعرها المبعثر هنا وهناك، فقيرة، كل شيء بها ينطق بالفقر لكنها تجيد اكتساب جدته فهل هي مخلصة كما تدعي؟ 
نطق "ما اسمك؟"
ارتجف قلبها أكثر وأكثر كما ارتجفت يداها بالصينية وهي تقول "ضي، ضي محمد محمود البنهاوي"
النظرات لا تنقطع ووجه الجامد ما زال يخيفها وهو يقول "وزوجك؟"
ضمت شفتيها بقوة وأمسكت دموعها ولم تعرف ماذا تقول لكن بثينة قالت "ضي موعد الدواء تعلمين أن ليس من الجيد تأخيره"
انتبهت وأبعدت عيونها عنه وهي تهز رأسها وتقول "نعم مدام، حالا"
أسرعت خارجة وبثينة قالت "ماذا بك؟"
ظل ينظر خلفها وهو يقول "تلك الفتاة لا تشعرني بالراحة"
قالت بجدية "بل هي الأفضل صدقني، لديها كبرياء وعزة نفس لم أراها بباقي أقاربي، كم ستبقى؟"
ابتعد وقال "لا أعرف، أرغب بالاطمئنان عليكِ أولا"
عادت ضي بالماء وتحركت لمائدة الدواء واختارت ما تعرفه جيدا وعادت به لها وقالت "تفضلي"
تناولته المرأة فقالت "اسمحي لي، عندما تنتهوا أرسلي لي لأبدل لكِ ملابسك قبل أن تنامي"
تحرك هو وقال "لا انتظري، جدتي لدي عدة مكالمات سأنتهي منها حتى تنتهوا ولو نمتِ سأراكِ بالصباح"
هزت رأسها فتحرك لها ووضع قبلة على جبينها وتحرك خارجا وساعدتها بكل ما تفعله بالمساء، الاغتسال بالحمام واستبدال ملابسها وعادت بها للفراش وساعدتها على الاستلقاء وبثينة تقول 
"أرغب بالنوم ضي ولن ترحلي كما وعدتني"
تورد وجهها وقالت "السيد سليم هنا وأنا.."
قاطعتها بحزم "سليم باقي يوم أو اثنان وسيرحل لكن أنا بحاجة لكِ معي"
هزت رأسها وقالت "حاضر، سآخذ كريم للحضانة بالصباح مبكرا وأعود قبل أن تستيقظي"
***** 
ما أن خرجت حتى رأته يقف بمنتصف البهو يتحدث مع شوقي، قطع حديثه برؤيتها وهي تتحرك حيث الغرفة التي ينام بها كريم لكن صوته أوقفها 
"انتظري"
توقفت بلا تفكير والتفتت عندما رأته يتحرك تجاها وشوقي ابتعد ولمعت عيونها الواسعة تجاهه وهو يسلط نظرات نارية عليها حتى وقف أمامها وقال 
"أخبريني ماذا تريدين من وراء تصرفاتك هذه؟"
شحب وجهها وهي تلف بنظراتها على وجهه وطار عطره لها وهي لم تعرف روائح كهذه من قبل ولكنها تعلمت أن النظافة أفضل عطر فكانت الأولى بذلك بنفسها وطفلها
لم تكن تدري أنها ضمت قبضتيها بجوارها بقوة وهي تبحث عن كلمات حتى قالت "أي تصرفات؟"
كان يشعر بالوهن بصوتها ويرى الخوف بعيونها ومع ذلك تجاوز كل ذلك فقد تكون ممثلة ماهرة فقال "تمثيل دور المخلصة والمهتمة"
تراجعت وهي تدرك نبرة الاتهام بصوته وقالت "أنا لا أمثل"
هتف بقوة "وتريدين مني تصديق ذلك؟"
هزت رأسها بالنفي والخوف يزداد داخلها لكن حاولت ألا تظهره "لا أريد منك أي شيء، صدق أو لا فأنا لا أهتم"
لم يصدق أنها تجرؤ على قول ذلك فمال برأسه وقال "جريئة، بالطبع بعد تملكك من جدتي لكن لابد أن تفهمي أن أنا لست مثلها، بمجرد أن تتحسن صحتها ابحثي لنفسك عن عمل آخر"
ليس من حقه أن يفعل ذلك، هل يطمع بجدته هو الآخر ويريد حرمانها من أي أحد مخلص لها؟ رفعت وجهها وقالت "لماذا؟"
اندهش بوضوح من سؤالها وردد "لماذا؟ أنتِ تسألين عن ماذا؟"
قالت بلا تردد "عن السبب الذي تريد طردي من أجله، هل أسأت بأي شيء سواء بالعمل أو برعاية المدام؟"
لم يصدق أنها تقف أمامه وهو يعرف أنها ترتجف منه ومع ذلك ترد بهدوء غريب، لم يبعد نظراته عن وجهها وقال "بالطبع لن تفعلي حتى لا تفسد خطتك"
مالت برأسها وقالت "التي هي ماذا يا فندم؟"
أحنى رأسه ليصل لمستوى وجهها وقال "ربما تطمعين بأموالها لكن احذري فجدتي ليست وحدها وأنا لن أترك فتاة مثلك تتلاعب بها"
لم تتراجع أمامه ورغم أنها ما زالت ترتجف من داخلها خاصة من هذا القرب الغريب إلا أنها ظلت ثابتة وهي ترد "وتترك أولاد أعمامك وأولاد إخوتها ينصبون لها المكائد ويضعون لها الجواسيس؟ ترى أني أتلاعب بها وأنا أراعي أعمالها بأمانة وتتركها لهم؟"
ظل واجما أمامها وجدته تحدثت معه عن ذلك من قبل، عندما لم يرد أخفضت وجهها وقالت "سأرحل يا فندم ولكن من فضلك لا تتركها وحدها" ثم رفعت وجهها له مرة أخرى وقالت "أنت الشخص الوحيد الذي تحبه وتثق به وستسمع لأي كلمة ستخبرها بها فمن فضلك لا تتركها قبل أن تؤمنها جيدا ولابد أن تعرف أنها مريضة جدا وحالتها الصحية ليست جيدة"
وتحركت لتذهب لكنه قبض على ذراعها الصغيرة وأعادها له ونظراته تلتقي بعيونها وهو يقول "هل تعرفين شيء لا أعرفه؟ هل هناك خطر على حياتها؟"
قالت بصدق "عليك بتوقع ذلك ممن يطمع بأملاكها هي امرأة مقعدة ومن السهل التلاعب بها خاصة أنها وحيدة"
ورفعت يدها الأخرى ليده وأبعدتها عن ذراعها وتحركت لتذهب ولكنه قال "انتظري"
لم تلتفت له وهو يقول "ما الذي يجعلني أصدقك؟"
لفت وجهها له وقالت "لا شيء"
وتحركت للغرفة ولملمت الأشياء الخاصة بها وبكريم وتركت الألعاب التي جلبتها بثينة له وكادت تحمله عندما دق الباب فتحركت للباب وفتحته لترى هدى تقول "سيد سليم يريدك"
هزت رأسها وتركت حقيبتها وتحركت للخارج حتى رأته يقف بجوار الزجاج الفاصل عن الحديقة فتحركت له ووقفت بعيدا وهي تقول "طلبتني؟"
التفت لها وما زال يفكر بكلماتها، ربما لا يثق بها ولكنها على حق، كل أفراد العائلة يطمعون بأموال جدته وللأسف لا يملك شيء تجاههم لكنه أيضا لا يثق بها رغم أن شوقي وهدى ينطقون عنها بالخير بكل تصرفاتها
أخيرا قال "تعلمين أن جدتي لن تقبل بذهابك"
ضمت يداها لبعضهم أمامها ولم ترد فظل ينظر لها حتى قال "ستبقين ولكن وأنت تعرفين أني أضع من يراقب كل تصرفاتك"
ظلت أيضا ثابتة فتحرك حتى وقف أمامها وقال "أنت لم تسمعيني؟"
رفعت وجهها له وقالت "هل فعلت ذلك مع كل من عملوا معها أم أن ذلك لي أنا فقط لمجرد أني امرأة فقيرة؟"
ضاقت عيونه وهو يواجه عيونها التي رأى بها الثبات بلا خوف فقال "ربما بالفعل لأنك فقيرة والأموال تلمع أمام عيونك"
ظلت تنظر له لحظة ثم أخفضت عيونها وقالت "جيد وأنا لم أعد بحاجة للعمل، من فضلك بلغ المدام استقالتي"
واستدارت للتحرك عندما هتف بقوة "انتظري"
توقفت مكانها وهو يقول بغضب "هل تظنين أن تصرفك هذا يثبت العكس؟"
أجابت دون النظر له "لا ولكنه قد يثبت أني لست بحاجة لنقودكم"
وتحركت بلا اهتمام به ودخلت الغرفة وعلقت الحقيبة وحملت ابنها وهي راضية عن نفسها وتصرفها فقط آسفة على بثينة وفراقها فهي حقا أحبت المرأة ولكن كرامتها أكبر من أي شيء

                الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>