رواية ضي الفصل الثالث3بقلم داليا السيد


رواية ضي الفصل الثالث3بقلم داليا السيد

لقد رحلت
ما أن خرجت من الحضانة حتى رن هاتفها باسم بثينة، أغمضت عيونها وتمنت لو لا تجيب لكن حبها للمرأة غلبها فأجابت "صباح الخير مدام"
صوت المرأة الغاضب والضعيف بذات الوقت، أفزعها "ماذا تعني بأنكِ مستقيلة؟ من وافق على ذلك؟"
قفزت بالميكروباص وقالت "مدام أنا.."
قاطعتها بحزم "أنا بانتظارك كما أخبرتك، عملك بانتظارك لا أحد يخبرني كيف أختار من يعمل عندي هل تفهمين؟"
حاولت أن تجادل "مدام بثينة هل تهدئين أنا فقط.."
مرة أخرى قاطعتها "أنتِ لن تتأخري هل تسمعيني؟"
وأغلقت فشعرت بالحيرة، ذلك الرجل لن يتركها وبثينة لن تتركها فماذا تفعل؟
ما أن دخلت غرفة بثينة حتى رأته يجلس على مقعد قريب من فراشها بقميص أبيض مفتوح الصدر وبنطلون اسود وأدركت أنها لا شيء بملابسها المتهالكة 
بثينة بدت شاحبة ونظراتها زائغة ومع ذلك نبرتها كانت هادئة "لو فعلت ذلك مرة أخرى فلن أسامحك أبدا ضي"
تحركت لها وانحنت على يدها وقبلتها وقالت "آسفة"
ربتت المرأة على رأسها بحنان وهي تنظر بعيونها وقالت "أعلم أنه يخاف عليّ لكنه لا يعرف أنكِ أيضا تخافين عليّ، اجلسي"
تراجعت وجلست على المقعد المجاور للفراش ومواجه له وهو يسند رأسه على أصابعه وما زال يذكر غضب جدته منه ومن رسالتها بالاستقالة والتعب الذي أصابها والطبيب الذي أخبره عن سوء حالتها وهو لم يكن يعرف ذلك رغم أنها بلغته بالأمس ولم يصدقها اليوم أدرك ذلك
قالت الجدة بتعب واضح بصوتها وعلى ملامحها "أنا لم أستطيع متابعة العمل بالشركة كما أخبرك الطبيب ولأن سليم هو الوحيد الذي أثق به فأنا منحته حق الإدارة"
لم تتفاجأ وذلك هو الصواب فلم ترد بينما أكملت بثينة "كما منحتك نفس الحق"
رمشت عيونها وهي تستوعب الكلمات ونطقت بلا وعي "حضرتك ماذا؟"
لم يتحرك وهو يتابع رد فعلها وبثينة تقول "سليم غير مقيم هنا ضي هو سيتابع العمل من هناك وأنت تحت إمرته هنا"
نهضت واقفة وهي تدرك أنه الآن تأكد أنها كانت بالفعل تخطط لذلك لذا عليها أن ترفض وتختفي من هنا فقالت "لا، أنا لا أوافق، لا حضرتك أنا لن أفعل ذلك"
رفعت بثينة يدها لها وقالت "اهدئي ضي، أنت ستكونين مديرة الشركة وتحت رقابته و.." 
قاطعتها "لا مدام، أنتِ بخير وستتابعين كل شيء من هنا وأنا أتعهد بأن أوفر لكِ كل شيء خاص بالعمل هنا لكن لا تمنحيني أي شيء فأنا لا أرغب بذلك"
لم يقتنع بما تفعله، ما زال يراها ممثلة رائعة، بدا الشحوب يزداد على ملامح بثينة وأنفاسها تتهدج وقالت "أنا لم أخطئ بنظرتي تجاهك، كنت أعلم أنكِ لن توافقي لذا فعلت ما فعلته، سليم"
نهض على الفور وتحرك تجاها فالتفتت له وبدت مجهدة أكثر وكأنها تصارع شيء لتتحدث وهو يقول "نعم جدتي"
صوتها خرج ضعيف ضعيف "لا تغضب مني حبيبي بأي وقت، سيأتي يوم تدرك فيه سبب ما فعلت"
انحنى عليها وقال "جدتي أنا لا أفهم شيء"
أغمضت عيونها وضي شعرت بقلق وهتفت "سأهاتف الطبيب"
لكن يد بثينة أمسكتها وقالت "ليس هناك وقت يا ابنتي، عديني ضي، عديني أن تنفذي رغبتي وطلبي"
لم تفهم وهي تسألها "أي طلب مدام؟"
قالت بصوت متقطع "فقط عديني"
هزت رأسها وقالت "حاضر، أعدك فقط دعيني أهاتف الطبيب"
لم تترك يدها وهي تقول بنفس النبرة "سليم لابد أن تنفذ كل ما أرغب به وإلا لن أرضى عنك أبدا"
هز رأسه وقال "حاضر جدتي فقط دعينا نهاتف الطبيب"
ضغطت على يد ضي وعلى يده ونظرت للأعلى وقالت "لم أعد بحاجة له، الطريق سهل وبسيط"
وانفكت قبضتها عن يدهم فجأة وارتخت رموشها على عيونها وبردت يدها وشهقت ضي وهي تناديها "مدام، مدام استيقظي"
لم تجيبها فالتقطت الهاتف وبأصابع مهزوزة هاتفت الطبيب من بين دموعها وهو انحنى على جدته ولمس العرق بعنقها وأدرك أن النبض اختفى وتأكد أنها رحلت فأغمض عيونه واقترب ليطبع قبلة على جبينها وهمس 
"سأشتاق لكِ جدتي، لم أفكر بأنكِ ستتركينني بأي يوم"
رفع الغطاء على وجهها ولكنها هتفت "ماذا تفعل؟ الطبيب قادم وسيعيدها لنا"
لم ينظر لها وهو يقول "لقد رحلت"
هتفت بقوة "لا"
***** 
لم تبقى بعد الجنازة، رحلت عائدة لبيتها وهي لا ترغب برؤية كل من حضروا ليتأكدوا أن صاحبة المال رحلت وأصبح لهم الحق بالحصول على ما انتظروه كثيرا ولم تهتم بنظراتهم لها وهي تبكي بقوة على المرأة التي أحبتها بصدق كما منحتها حنان واهتمام طوال الشهرين وها هي تتركها مرة أخرى وحيدة لتبحث من جديد عمن يمنحها ولو جزء مما منحته لها
مر يومان على موت بثينة ولم تنساها ولم تخلع الأسود أو تبحث عن عمل، ظلت حزينة ودموعها لا تجف حتى كريم سأل عن بثينة ولكنها أخبرته أنها رحلت للسماء
دقات على الباب جعلتها تطفئ النار على طعام عم منصور وتحركت لتفتح وتخبره أن الطعام جاهز ولكنها تراجعت عندما رأته يقف أمامها ويده بجيبه ونظراته تسقط عليها وظلت جامدة مكانها حتى قال 
"هل يمكننا التحدث؟"
ملامحه كانت متعبة وعيونه ينقصها النوم والراحة، هزت رأسها وتنحت له ليدخل وهو يتجول بنظراته حوله، منذ الصغر وهو لا يعرف سوى الفيلات والأماكن الفاخرة لذا مكان كهذا لم يعرف بوجوده إلا بالأفلام
التفت لها وهي تقف بملابس بسيطة جدا وشعرها مربوط للخلف وعيونها تحدق به فقال "المحامي يطلب حضورك"
تجهم وجهها وهي ترد "أنا!؟ لماذا؟"
لف جسده للأريكة وجلس، ثلاثة أيام لم يرتاح ولم ينم لذا تهالك على الأريكة وقال "يبدو أن اسمك مذكور بالوصية"
لم تصدق كلماته وهتفت "أنا؟ بالتأكيد لا، هو مخطئ"
عقد ذراعيه أمام صدره وقال "أكيد تعرفين المحامي الخاص بجدتي رحمها الله هو ليس برجل عادي ليخطئ"
نعم هي تعرفه هو رجل محنك بحق، تحركت وجلست وكأن ساقيها ترفض أن تحملها وشردت بعيونها بالفراغ وهي تذكر يوم طلبته بالمكتب وأخبرتها أن تتركها معه هل حدث شيء بذلك اليوم؟
سمعته يقول "غدا بالعاشرة بمكتب البيت سيكون الجميع موجود وهو أيضا"
رفعت وجهها له وقالت "وحضرتك ترغب بوجودي؟"
أبعد وجهه وقال "ليس أنا بل هو بناء على وصيتها، أنا أريدك بشيء آخر"
انتبهت له وهو يخرج سجائره ويشعل واحدة ثم قال "أحتاج لوجودك بالمكتب غدا بعض الأمور عالقة وأنت من كان معها بالأيام الأخيرة"
هزت رأسها وقالت "أنا تحت أمرك يا فندم فقط أخبرني متى تريدني؟"
نهض واقفا وقال "أنا سأكون بالشركة بالتاسعة" 
نهضت وكادت ترد لكن دقات الباب جعلتها تتحرك لتفتح وعم منصور يقول "أحضرت لكِ الحمام والفريك لا تنسي طاجن اللحم الرجال لن تقبل بأقل من المرة السابقة"
ابتسمت وقالت "لن يكون، سأترك كل شيء لأم ذكي بالصباح"
هز رأسه وأخرج مال وقال "هذا ثمن طعام الأمس"
أخذت النقود وقالت "شكرا عم منصور، طعامك جاهز ما أن تصعد حتى أتبعك به"
لم يرد وهو يتحرك للأعلى والتفتت لتراه خلفها فرفعت رأسها لتلتقي بنظراته وهو يقول "تبيعين طعام؟"
تورد وجهها وقالت "لأصحاب عم منصور"
ظل يحدق بها حتى قال "انتظرك بالصباح"
وتحرك من جوارها خارجا وهي لا تعرف ماذا تقول بل الدهشة تأخذها من وجوده بنفسه ليخبرها بالأمر وقد كان يمكنه إرسال أي أحد لكنه لم يفعل
**** 
السكرتيرة بالطبع لم توقفها بل رحبت بها وهي تتحرك للمكتب ودقت الباب ودخلت لتراه جالسا خلف المكتب وعيونه بالجهاز فقالت "صباح الخير"
رفع وجهه لها وتجول على ملابسها السوداء واندهش فهي ليست من عائلتها ومع ذلك تحترم ذكراها، قال "صباح الخير لم أظن أنكِ ستأتين"
تحركت لتقف أمام المكتب وقالت "لقد وعدتك يا فندم"
عاد للجهاز وقال "إذن تعالي وفسري لي ذلك"
تحركت ووقفت خلفه على بعد مسافة وقالت "قائمة بالأماكن المرشحة لإقامة مخزن التوريدات الجديدة"
لم ينظر لها وقال "كلمة السر؟"
منحته إياها فنظر لها فقالت "جدتك تعرضت لاختراقات مما جعلني أضع احتياطات أمنية"
هز رأسه ونهض وقال "اجلسي من الأسهل أن تقومي أنت بالأمر"
لم تعترض وبلحظة اندمجا سويا بكل ما يخص المجموعة بلا مقاطعات حتى انفتح الباب فجأة وهو كان يميل عليها ليشير لها على شيء عندما سمعوا صوت ضحى تهتف "ماذا تفعل تلك الحشرة هنا سليم؟"
اعتدل بوقفته وهي لفت وجهها لضحى التي كانت تتقدم والغضب على وجهها وسليم يقول "أولا اسمها ضي ثانيا وجودها أمر لا يخصك ضحى"
تجهم وجه ضحى وتورد وجه ضي ولكن ضحى حدقت به وقالت بنفس الغضب "بل يخصني سليم لا تنسى أنني قد أرث جزء من المجموعة"
تحرك ليقف أمامها وقال "نحن الاثنان ليس لنا أي ميراث ضحى والدينا ماتا بحياة جدنا وجدتنا"
ظلت تنظر بعيونه وقالت "جدتك وضعت وصية وهذا يعني أنها تركت لنا شيء وتلك الحشرة غير مسموح لها بالبقاء بمكان يخصني، ألا تدرك أنها من قست جدتك علينا وتسببت بطرد زينب؟"
حدق بها وفتحت ضي فمها لترد لكنه قال "جدتك لم تكن بحاجة لأحد ليجعلها قاسية، هي كانت تعرف جيدا ماذا تفعل فاهدئي وأخبريني سبب وجودك"
أبعدت شعرها الأسود القصير للخلف وقالت "أتيت لرؤيتك، كنت تبدو بحالة سيئة بالأمس والآن اطردها كي نتحدث"
اعتدل بوقفته وقال "لن يمكنني ذلك ضحى أحتاج لها بالعمل وليس لدي وقت للحديث ربما بالمساء نفعل"
تراجعت وهتفت "سليم أخبرتك أني هنا من أجلك وأنت ترغب بالعمل"
أبعد وجهه لحظة ثم التفت لضي وقال "ضي اتركينا قليلا"
نهضت على الفور ولكن ضحى قالت "بل ارحلي نهائيا ولا تعودي"
لف وجهه لها وقال "لستِ أنتِ من يقول، هي ستبقى حتى تنتهي أنتِ معي ولا شأن لكِ بها"
الفتت له وعاد هو لضي وقال "انتظريني بالخارج ضي"
هزت رأسها وخرجت وضحى تهتف "لماذا تعاملها بتلك الطريقة وأنت تعرف أنها كانت تطمع بجدتي؟ أنت نفسك أخبرتها بذلك"
ضاقت عيونه وانتبه لكلماتها فمن الذي أخبرها بذلك؟ ابتعد لخلف المكتب وجلس وهو يقول "ماذا أردتِ مني ضحى؟"
تحركت له ولاحظ أنها ترتدي ملابس ملونة وليس الاسود وجدتهم ما زالت لم تتحلل بعد، وقفت أمامه وعطرها النفاذ اخترق أنفه وقالت "أردت التأكد أنك بخير وأنك لن ترحل بسرعة ككل مرة؟"
أشعل سيجارة ونفخ دخانها بلا اهتمام بوجودها أمامه وقال "كان يمكنك فعل ذلك بالهاتف ضحى لدي عمل أرغب بالانتهاء منه"
مالت عليه وقالت "أردت رؤيتك تعلم أني أحب التواجد معك"
نعم يعلم كما يعلم أنه يكره ذلك ولم يرغب بيوم بالبقاء معها بأي مكان لكنها ابنة عمه ولم يمكنه طردها من حياته فقال "حسنا ضحى ولكن هنا ليس المكان المناسب ولا الوقت المناسب، أنا لابد أن أنتهي من العمل بوقت قصير كي يمكنني الرحيل"
مدت يداها لقميصه المفتوح وداعبت أزراره فظل ثابتا مكانه وهي تزداد قربا وقالت بنبرة دلال "لن ترحل تلك المرة وتتركني سليم لابد أن تجد حل لعلاقتنا"
وأصبح وجهها قريب أكثر من وجهه وسيجارته بيده وملامحه ساكنة وقربها لا يؤثر به كالعادة، أمسك يدها بيده ليوقف حركتها على صدره وقال "ليس بيننا أي علاقة ضحى سوى أننا أولاد عم وهذا أمر لا مشكلة به تستدعي الحديث عنه"
وتحرك ليطفئ السيجارة ناهضا ومبتعدا من أمامها وهي تهتف بغضب "ولكنك تعرف أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لي، سليم أنا"
التفت لها ورفع يده ليوقفها قائلا "أنتِ لن ترغبي بقول كلمات تندمين عليها فيما بعد ضحى، أنا هنا من أجل تصفية أملاك جدتي وبعدها سأعود روما ولا أظن أن هناك شيء سيعيدني هنا بعد رحيلها"
تحركت تجاهه وقالت "وأنا سليم؟"
لم يتحرك وهو يمنحها نظرات ثابتة ويقول "ابنة عمي فقط وستظلين كذلك، ابنة عمي ولا شيء سوى ذلك"
ظلت واجمة أمامه حتى قالت بألم "وما لديّ تجاهك سيظل أيضا كذلك سليم حتى ولو كنت ترفضه"
وتحركت خارجة وهو أغمض عيونه ونفخ وهو يرفع يده ليمسح بهما وجهه عندما سمعها تقول "هل أدخل؟"
أبعد يداه وقال "نعم، أين انتهينا؟"
تحرك للمكتب ووقف بنفس مكانه وهي تتحرك لتجلس وقالت "صفقة أسيوط"
هز رأسه وهي تجلس ثم قالت "لقد طلبت طعام" ورفعت وجهها له وقالت "لي ولحضرتك"
سقطت عيونه عليها وقد بدت عيونها مشرقة بلونها الغريب وجاذبية غريبة تجعله يرغب بالنظر لها بلا ملل، هز رأسه بالموافقة ولم يعترض فالطعام كان آخر اهتماماته بالأيام الأخيرة
تناولوا الطعام وهما يتناقشان بالعمل حتى انتهوا فأشعل سيجارته وقال "جيد، هذا يعني أن ما تبقى لا يمثل نفس الأهمية"
لم تترك الجهاز وقالت "بل يعني أن حضرتك يمكن أن تتابعه على الايميل الخاص بك لو رغبت ومنح تعليماتك لمن سيباشر الأمر هنا"
نفخ الدخان وقال "تمام، اغلقي الجهاز وبدلي كلمة السر ونحن الاثنان فقط من يعرفها، هيا يمكنك الذهاب ولا تنسي موعدنا مع المحامي"
ضبطت الجهاز كما طلب ثم أغلقته ونهضت وهي تقول "لم أنسى، اسمح لي"
تنحى لتذهب عندما دق الباب ودخلت السكرتيرة وقالت "الحاج حسني بالخارج يا فندم"
نظر لها فقالت "صاحب مطاعم الحسيني"
لم يجلس وقال "لم تخبريني عنه"
التفتت له وقالت "الحاجة لم تمنحه قرارها بخصوص توريد اللحوم من المزرعة الجديدة"
تحرك للمكتب وجلس وهو يقول "وماذا كان قراها؟"
قالت باهتمام "تجادلنا سويا وهي كانت ترغب بالموافقة وأنا اعترضت"
نظر للفتاة وقال "عشر دقائق وأدخليه"
والتفت لها فشرحت له الأمر كله فقال "جيد وهو يثير اللعاب بالعرض الذي يقدمه"
هزت رأسها فقال "الأموال ليست كل شيء"
دق الباب وانفتح والفتاة تسمح للرجل بالدخول ونهض سليم له وظلت هي مكانها لكن نظرات الرجل لها كانت مثيرة للاهتمام وقال "مرحبا يا أستاذة"
أجابت بتجهم "مرحبا يا فندم"
لاحظ سليم نظرات الرجل ولكنه تجاوزها وقتيا وترك الرجل يتحدث ورد عليه وهي صامتة لا تتدخل حتى قال سليم رأيه أخيرا "لا، آسف سيد حسني المجموعة لا تتحمل توريد لمكان جديد نحن نكتفي بعملائنا"
رفع نظره لها وهي ظلت ثابتة فعاد وقال "الأستاذة لديها معرفة جيدة بعرضي"
تابع سليم نظراتها الغاضبة للرجل فقال "الأستاذة بلغتني كل شيء وأنا منحتك الرد"
نهض الرجل وحدق بها وقال "لم أظن أنكِ لن تسانديني"
قالت بجدية "ليس هذا عملي سيد حسني، أنا أعمل لصالح البدر جروب والسيد سليم هو المسؤول الآن وليس أنا"
تجهم وجهه وقال "تمام، لو تراجعت سيد سليم فأرجوا أن تبلغني"
لم ينهض سليم وقال "تمام"
التف الرجل ورحل فلم تنظر لأي مكان وهو يقول "يبدو أنه انتظر منك الكثير"
لم تنظر له وقالت "أنا منحتك كل شيء عن الأمر بأمانة وليس لدي أي شيء لأمنحه له، لابد أن أذهب"
تحركت ولكنه نهض وقال "يمكنني توصيلك لدي موعد بجوار بيتك"
توقفت تتابعه وهو يتحرك تجاها وقالت بدهشة "شكرا لحضرتك ولكني لست بحاجة لذلك"
أحنى رأسه تجاها ولم يصل له أي رائحة مثل عطر ضحى النفاذ والخانق بل كانت هادئة بكل شيء "هي توصيلة وليست احتياج، أفضل من الميكروباص"
ظلت تنظر بعيونه ولا تفهمه، منذ يومان كان يهاجمها وينعتها بأشياء كثيرة واليوم مختلف تماما، أشار لها لتتحرك ففعلت وهي لا تعرف لأين يأخذها
ما أن دخلت بجواره بالسيارة التي استأجرها حتى شعرت بأنها بعالم آخر، تلك السيارات الحديثة لا تعرفها فحتى سيارة بثينة رحمها الله كانت قديمة وهي رفضت التجديد لكن تلك كانت مختلفة وكبيرة و..
صوته جذبها من تأملاتها وهو يقول "أعجبتك السيارة؟"
تورد وجهها من الخجل فقد ظهرت حمقاء أمامه فلم تنظر له وهي تقول "لا أنكر أنها جميلة"
نظر لها وقد أخفى عيونه خلف نظارة شمسية سوداء فبدا أكثر وسامة وهي تتساءل ماذا تفعل هنا بجوار رجل كهذا؟
قال بهدوء "ماذا كان عملك قبل جدتي؟"
عادت لأصابعها الرفيعة بلا أظافر مثل ضحى ولا طلاء مثل السكرتيرة بل غسيل الأطباق جعلها جافة 
قالت تبعد افكارها جانبا "كنت ما زلت أدرس بالجامعة وأعمل بمحلات الطعام، الملابس أو مصنع أو أي مكان جيد"
ركز بالطريق وهو يدرك أنها لا تكذب فلو كذبت فلن تخبره ما تقوله الآن، اخترق الزحام وشعرت بالندم لأنها أخبرته حقيقتها ولكن لا فائدة من الكذب
فجأة سألها "لماذا رحل زوجك؟ أنت صغيرة وجميلة؟"
شحب وجهها وجف حلقها، الكذب لن يسعفها بكل مرة تمر بها من عنق تلك الزجاجة خاصة وهي ضيقة جدا تلك المرة وليس من السهل المرور منها، ظلت صامتة تنظر للا شيء حتى التفت لها وناداها "يا.."
رفعت عيونها له وقالت "ضي"
التقى بنظراتها ولون عيونها الجميل يجذبه بشكل غريب، صفارة سيارة جعله يتحرك وسط الزحام وهو يقول "لم تجيبي السؤال ضي، هل هناك سر خطير؟"
أبعدت وجهها واستجمعت نفسها وقالت "لا، فقط لا أحب ذكر الماضي"
هز رأسه بلا وعي وقال "معك حق، دائما ما يكون مؤلم"
لفت وجهها له وهي تحاول الغوص داخل أغواره ومعرفة ما إذا كان لديه ماضي مثلها، ماضي مؤلم؟ لم تختار الصمت وقالت "ولكنه ماضي ومن الأفضل أن يظل ماضي"
لف وجهه لها هو الآخر مرة أخرى وخطف نظرة منها ثم عاد للطريق وهو يعلم أنها على حق هو الآخر يتمنى لو ظل الماضي بصندوق محكم يدفن بقاع جبل أو تحت أعماق البحر أو يحترق بنيران جهنم فقط ينتهي من حياته 
توقف أمام الشارع الضيق لبيتها فقالت "شكرا لحضرتك"
التفتت لتنزل لكنه قال "لا تنسي موعدنا بالمساء"
لفت وجهها له وقالت "لن أفعل يا فندم ولو أني لا أعرف ما الهام بوجودي؟"
أبعد وجهه وقال "لا أحد يعرف لكن جدتي كانت تحبك ولابد من أنها تركت لك بعض النقود"
لم ترد وهي تنزل من السيارة ولم تتابعه بل هو من تابعها وهي تختفي داخل الشارع وهي غاضبة نعم غاضبة هي لا ترغب بتلك النقود، لا تريد أي شيء فقد رحلت صاحبة كل شيء فما الفائدة؟ بل عليها ألا تنكر أنها تحتاج كل مليم من أجل طفلها لينال حياة أفضل، يومان بفيلا بثينة تحسنت صحته وتورد وجهه وحصل على ألعاب لم يراها بحياته ولكن كل شيء انتهى بلحظة ورحلت المرأة بلا عودة ومع ذلك لم تنساها
دقت باب أم ذكي التي نظرت لها وقالت "لن تتخلصي من هذا الأسود؟ لم تكن قريبتك"
دخلت وجلست على المائدة التي تتوسط الصالة الصغيرة لشقة المرأة وقالت "نعم ولكني أحببتها وكنت بالشركة اليوم مع حفيدها لأمنحه كل ما يلزمه عن العمل"
كانت تحدق بأصابعها وقالت "أين كريم؟"
وضعت المرأة أكواب الشاي على المائدة وجلست أمامها وقالت "عند هاجر يلعب مع ابنها، ستبحثين عن عمل جديد؟"
هزت رأسها وقالت "بالطبع، تعرفين المصاريف، خاصة مدرسة كريم"
ظلت شاردة بلقاء الليلة عندما نادتها المرأة فقالت "لا شيء تذكرت أن محامي مدام بثينة يرغب بأن أكون موجودة الليلة وهم يقرأون الوصية وبصراحة لا أرغب بالذهاب، هم لا يحبون أحد ونظراتهم تحمل اتهامات صامتة ولا أجد لنفسي مكان بينهم"
تناولت أم ذكي الشاي وقالت "لكن عليك بالذهاب فما زال هناك باب مفتوح لم يغلق وبذهابك أغلقيه وانتهي منه وأخبريهم أنكِ لا تريدين رؤيتهم مرة أخرى"
تناولت الشاي وهي شاردة بما سيكون الليلة وتمنت ألا تذهب لكن التمني شيء والواقع شيء آخر
**** 
ما أن دخل المحامي مكتب الفيلا حتى رأى سليم يجلس خلف المكتب بانتظاره فنهض له وحياه والمحامي يقول "أتيت مبكرا لأجلك"
جلس الرجلان وسليم يعرض عليه سجائر أخذها وأشعلها كلاهم وسليم يقول بتساؤل "من أجلي أنا؟"
هز رأسه وفتح حقيبته ومنحه ظرف وقال "هذه رسالة لك من المدام رحمها الله، لا تفتحها إلا بعد الوصية هي أيضا طلبت مني إخبارك أن تلك الفتاة، ضي، ليست سيئة ولا تصدق ما قد يقوله أقاربك عنها لأن مدام بثينة وضعتها باختبارات كثيرة وهي مرت منها بنجاح"
ضاقت عيونه وهو يستوعب الكلمات والدخان غطى ملامحه حتى قال "لماذا تخبرني ذلك الآن أستاذ عزمي؟ تلك الفتاة انتهى عملها معنا ولا يهمني ما تقوله عنها"
نفخ عزمي الدخان وقال "هذه رسالة المدام وهو واجبي بأن أمنحها لك ولك الاختيار بما تفعله معها"
دقات على الباب وشوقي يفتح ويقول "مدام فاتن ومدام فاطمة"
هز رأسه والاثنان يدخلان، هما بنات أخوان جدته، نهض لتحيتهم كما فعل عزمي وقبل أن يجلسوا وصلت سناء وضحى التي لم تنظر لسليم ولا هو حتى جلس الجميع قبل أن تقول فاتن وهي أكبرهم سنا 
"أظن أننا اكتملنا"
حدق بهم المحامي قبل أن يقول "ما زالت الأستاذة ضي متغيبة ولا يجوز فتح الوصية بغيابها"
الغضب ظهر على وجوه النساء عندما قالت سناء "لا أظن أن لوجود تلك الفتاة أي داعي أستاذ عزمي، دعنا ننتهي من الأمر وأبلغها ما يخصها فيما بعد"
هز رأسه وقال بإصرار "لا مدام، آسف الوصية تتطلب حضور الجميع"
نفخت ضحى وقالت "تلك الحشرة توقف كل شيء وبالنهاية سنرمي لها قرشين وتذهب للشارع الذي أتت منه"
رفع سليم حاجبه بغضب من كلماتها بينما كاد عزمي يجيب لكن صوتها أوقفه "مساء الخير، آسفة على التأخير"
النظرات اتجهت كلها له ببلوزتها السوداء وجاكيت أنيق أسود على بنطلون كلاسيكي اسود، كانت نحيفة جدا لكن جميلة جدا وهي تربط شعرها ذيل حصان ووجهها الأبيض يضيء بين الأحمر والأسود
فاطمة قالت بضيق "بالطبع ماذا يعرف أمثالك عن احترام المواعيد؟"
تورد وجهها من الحرج وتحركت للداخل باحثة عن مقعد وفاتن تقول "هي عمتي من وضعتنا مع أمثالها"
نظرات ضحى لها كانت تحرقها بمكانها وهي تجلس وتفرك يداها من الخوف الذي يجتاحها دون أن ترد وضحى تقول "تلك الحشرة لا مكان لها هنا، إنها.."
صوت سليم أوقف الكلمات بكلمة منه "كفى"
شحب وجه ضحى وهي تحدق به بغضب وكادت أمها ترد لولا أن نظر للمحامي وقال "هل نبدأ أستاذ عزمي؟"
هز الرجل رأسه وكأنه تمنى ذلك والنساء تنظر لبعضها البعض والغريب أن ولا واحدة منهم ارتدت أي ملابس سوداء وكأن من ماتت لا تمت لهم بصلة ولا هم هنا ليتمتعوا بأموالها
فتح عزمي الظرف الكبير وأخرج منه ورقة ونظر لهم وقال "قبل أن أبدأ، تلك الوصية كتبتها بعد إجراء الفحص الكامل على قواها العقلية وبشهادة موثقة من الأطباء وبشهادة شهود ثابتين هنا"
التقت نظرات النساء إلا ضي ظلت تنظر لأصابعها وسليم يطفئ السيجارة وما زال هادئا بالمقعد ويسند ذراعيه على أذرع المقعد بارتخاء، لم ينقصه أي أموال ولكن أملاك جدته تعني ذكرياته معها وحبها له وكل ما كان يربطه بها فهي كانت الأم التي لم يعرفها وحنانها فاق كل الحدود
نطق عزمي "بسم الله الرحمن الرحيم، أنا بثينة بكامل قواي العقلية أكتب وصيتي لأبناء أخي وأحفادي، أعلم أنكم تنتظرون تلك اللحظة منذ سنوات فعيونكم لا تخفي ما بقلوبكم، أنتم كنتم تحاولون تمثيل الحب والاهتمام لكن القلوب تميز الحقيقة من الزيف وأنا عرفت الحقيقة"
رفع الرجل نظراته لهم وهم يتبادلون النظرات ثم عاد للورقة وقال "لقد تركت فيلا الساحل لابنة أخي فاطمة مع شيك بمبلغ جيد سيجعلها سعيدة فهي تحب المال أما فاتن فيلا السخنة ستعجبها فدائما كانت تتحدث عنها ونفس الشيك معه"
نظرات النساء لم تكن جيدة وعاد عزمي يكمل بعد أن نحى شيكاتهم جانبا "سناء زوجة ابني رغم أنها وابنتها لا ميراث لهما إلا أني تركت لهما بيت كامل ب.. وهو يدر دخل جيد وربما يمكنهم هدمه وبناء برج هائل وتركت لكلا منهما مبلغ كبير مناسب لاحتياجاتهم والفيلا التي يقيمون بها بعتها لضحى"
ما أن صمت حتى قالت فاطمة "وماذا؟ أملاك عمتي لا تحصى أين الباقي؟"
التفت عزمي لضي التي لم ترفع وجهها ثم عاد لهم وتحول لسليم الذي لم يتحرك ثم عاد للورقة وأكمل "أعلم أنكم تسألون عن باقي الأملاك لكن الأمر لا يخصكم ومع ذلك لن تذهبوا قبل أن تعرفوا، ما تبقى من أملاكي مناصفة بين حفيدي سليم و.."
لم يكمل الرجل وكل الوجوه انتبهت له عدا هي ظلت صامتة وهي تعرف أن وجودها لم يكن له أي داعي حتى أكمل عزمي "ضي البنهاوي، مديرة أعمالي ومساعدتي الشخصية"
هنا رفعت وجهها والذهول يرتفع لملامحها واعتدل سليم بالمقعد محاولا استيعاب ما قاله الرجل بينما هبت ضحى واقفة وهي تصرخ "ماذا!؟ ضي؟ تلك الحشرة لا يمكن أن تأخذ نصف الأملاك، هل جننت؟ بالطبع ما تقوله تخاريف ولن نقبل بها"
نهضت فاطمة وتحركت للمحامي وهتفت بقوة "أنت نصاب وتلك الوصية زائفة ونحن لن نقبل بها"
أبعد عزمي الورقة وهتف بضيق "لا مدام، الوصية صحيحة مائة بالمائة وموثقة وهناك شهود على صحتها ومدام بثينة كانت مقتنعة بكل كلمة قالتها لي وكتبتها هنا"
نهضت سناء وقالت "لكن تلك الفتاة لا حق لها بالميراث نحن الورثة الشرعيين"
قال وهو يعيد الورقة بالظرف "وهي منحتكم الكثير مدام وهي أملاكها ولها حرية التصرف بها، هي باعت كل شيء قبل وفاتها بالفعل وكل العقود هنا سأمنحها للسيد سليم وللأستاذة ضي"
أغلق الحقيبة وكأنه يخشى من ردود أفعالهم وفاتن تهتف "أنت مجرمة، أنت من ضغط عليها لتفعل ذلك"
ونهضت تجاه ضي لتهجم عليها لكن يد سليم أوقفتها وهو يقول "اهدئي من فضلك فاتن وتوقفي عن تصرفاتك هذه فهي لن تفيد بشيء"
نظرات الكره بدت بعيونها وانكمشت ضي بمكانها وما زال الذهول يغطيها وكأنها تحولت لتمثال من حجر وفاتن تهتف بوجه سليم "بالطبع تدافع عنها فأنتم من فاز بالكعكة كلها وربما صنعت بمعرفتك"
دفع ذراع فاتن جانبا وما زال يضع نفسه بينها وبين ضي وهو يحاول ألا يغضب بوجه فاتن وهو يقول "أوقفي جنونك هذا فاتن تعرفين أني لا أحتاج أي أملاك"
نفضت ذراعيها من قبضته وهتفت "تلك النصابة لن تأخذ أموالنا سليم هل تسمعني؟"
تدخلت فاطمة بنفس الغضب "هي على حق، أستاذ عزمي نحن لا نوافق على هذا الهراء ولو لم تعترف أن تلك الوصية مزيفة سنقاضيك"
التفت عزمي لها وهتف "افعلي ما شئتِ أنا أوراقي كلها قانونية ولدي شهود وتوثيق قانوني"
التفت سليم لها وقال "ألا تدركون ما يحدث هنا؟ جدتي تصرفت بأملاكها كما شاءت وليس من حق أحد الاعتراض"
هتفت سناء "بل من حقهم سليم، هم الورثة الشرعيين لا تلك الحشرة"
هتف عزمي من بين الجميع "بالحقيقة لم يعد هناك شيء للميراث مدام فهي باعت كل شيء وهي على قيد الحياة"
ابتعد سليم وهو يفرك لحيته وظلت هي بمكانها بلا حركة وهي لا تستوعب كل ما يدور حولها فقد أصابها الأمر بذهول ألجم لسانها ومنعها من التفكير
فاتن كانت أول من تحدث "أنت واثق أن هذا البيع قانوني وتلك الفتاة لم تتلاعب به بالاتفاق معك؟"
نظرات عزمي كان تشتعل من الغضب وهو يقول "أعلم أنك غاضبة مدام لذا سأتغاضى عن ذلك ولابد أن تفهمي أن هي الأخرى لم تكن تعرف شيء عن كل ذلك"
سخرت فاطمة "حقا!؟ وتظن أننا نصدق"
ظل يلملم أوراقه حتى قال "هذا ليس من شأني، لقد نفذت أوامر مدام بثينة رحمها الله كما أرادت وسواء صدقتم أم لا فهو أمر لا يعنيني فقد انتهيت"
نظروا لبعضهم البعض وقالت سناء "نحن لم ننتهي أستاذ عزمي"
وتحركت له لتجذب الشيك الخاص بها وبابنتها وانطلقت خارجة وتبعتها ابنتها وفاتن أيضا بينما نظرت فاطمة لسليم وقالت "احذر منها سليم فقد تجد أملاكك بيوم ما لها فهي تبدو مسكينة لكنها حية تنتظر الوقت المناسب للهجوم"
وتحركت لتذهب بعد أن ألقت نظرة حنق وكره على ضي التي لم ترفع وجهها أبدا وما زالت تفرك أصابعها ببعضها البعض وقد تاهت بكل ما يحدث حولها وربما لا تصدق أن بثينة فعلت بها ذلك ووضعتها بطريق هؤلاء الأشخاص الذين يعبدون المال
سمعت المحامي يقول "والآن اسمحوا لي أن أكمل"
رفعت وجهها الشاحب له والتفت سليم له بدهشة وهو يقول "نكمل!؟ تكمل ماذا؟"
رفع عزمي الوصية وقال "باقي الوصية أستاذ سليم، أنا توقفت بسبب ما حدث ولأن الباقي لا يخصهم بل يخصكم أنتما الاثنان"
لم يبعد أيا منهم نظراته عن عزمي الذي عاد يقرأ "نعم أنا منحتكم أنتما الاثنان باقي أملاكي لأنكم الوحيدان اللذان كانا صادقين بمحبتهم لي لكن هناك شرط لإتمام الوصية"
جلس سليم أمام عزمي وهو يحدق به وهي أيضا كانت تحدق به بانتظار ما تخفيه تلك الورقة وعزمي ينقل نظراته بينهما حتى عاد للورقة وقال "الزواج، شرطي هو الزواج أن يتزوج كلا منكم خلال شهر من موتي ووقتها تتسلمون كل الأملاك"
أغمض سليم عيونه وهو لم يتخيل أن تفعل جدته به ذلك فهي كانت تعلم أن الزواج كلمة مسحها من قاموس حياته ولم يرغب أبدا باستعادتها بينما تجهم وجهها وهي تسمع شرط الوصية، زواج!؟ أي زواج؟ هي لم ولن تتزوج أبدا، لا يهم أموال أو أملاك ، هي نشأت فقيرة وستظل فقيرة
أكمل عزمي "لو مر الشهر دون زواج أي واحد منكم يتم توزيع نصيبه على الجمعيات الخيرية بمعرفة المحامي الخاص بي"
وتراجع عزمي بالمقعد وأعاد طي الورقة وأخرج من الحقيبة رسالة وقال "هذا لكِ أستاذة ضي، يمكنك فتحه وقتما تشائين"
سقطت عيونها على الظرف وشعرت بأنها بدوامة تلف بها بلا توقف، قاومت إحساس الضياع الذي تشعر به ونهضت لتأخذ الرسالة منه ورأت اسمها عليه فرمشت عيونها بدمعة سقطت على وجنتها لم تهتم بها وعزمي ينهض ويقول 
"هكذا لدينا شهر كي تخبروني بقراركم"
وتحرك خارجا وهي تحدق بالجواب بينما ظل هو يحدق بالفراغ من حوله حتى لاحظ أنها تتحرك لتذهب فاعتدل وقال "إلى أين؟ أنت"
انتبهت له فالتفتت لتلتقي بوجهه المتعب وعيونه المحلقة فقالت "لا مكان لي هنا لقد انتهى الأمر"
نهض وتحرك ليقف أمامها وقال "بل بدأ، الأمر بدأ وأنت تدركين ذلك، ألم تسمعي الوصية؟"
أخفضت وجهها للجواب الذي بيدها وقالت "هي لا تعني لي شيء يا فندم فأنا لن أتزوج وبالتالي الأملاك لكم افعلوا بها ما تشاءون"
تراجع وهو لا يصدق كلماتها، هل يمكن أن تترك أملاك كهذه ولا تبالي بها؟ أحنى رأسه ليواجه نظراتها الغريبة وقال "هل تعرفين قيمة تلك الأملاك؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت "وما الهام بذلك وأنا لا أرغب بها؟"
وتحركت لتذهب مرة أخرى ولكنه قال "ألا ترغبين حقا بالزواج والاستقرار والحصول على أموال كثيرة تعفيك من الحياة التي تعيشيها؟"
عادت تنظر له ولا تعرف كيف تكون مقنعة، كل فتاة تتمنى الزواج والاستقرار لكن هي ليست ككل الفتيات، هي تحمل حقيقة تجعلها مختلفة بكل شيء وهي فقط من تعرف تلك الحقيقة ولا يمكنها مشاركتها مع أحد، هو حكم بالمؤبد ولا مفر منه
قالت "هكذا عشتها وهكذا سأعيشها بلا تضرر"
وتحركت خارجة وقرارها لا مجال للتفكير به، لن تتزوج ولا ترغب بأي أموال 
تابعها بنظراته وهو ما زال بمكانه لا يصدق أن هناك من يرفض فرصة كهذه ولكن هو نفسه لم يفكر بالقرار الذي أرادت جدته منه اتخاذه، تحرك للمكتب وجذب سيجارة أشعلها ربما يحرق الغضب الذي سببته وصية جدته، زواج!؟ هو يتزوج؟ كيف؟ لم يكن يفكر به بأي وقت بل المرأة لا مكان لها بحياته 
وجود أي واحدة يسبب دمار لكل شيء من حوله فكيف ظنت أنه سيخوض التجربة مرة أخرى؟
تحرك للأريكة وسقط عليها وهو ينفخ الدخان للأعلى كخط طويل وتساءل "أتزوج جدتي؟ أنا؟ كيف ظننتِ أنني قد أفعل ذلك؟ بل من التي يمكنني الزواج منها؟ لا توجد امرأة يمكنها أن تمحو الذكرى السيئة من ذهني"
جذب الدخان بقوة وقد رحل للذكريات وكأنه يعيشها بلا حواجز حتى الزمن الذي مر وقذف بها للخلف لم يطمسها أبدا وكأنها منحوتة بأعماقه ولا مفر منها أبدا لا يمكن أن يتزوج، لا توجد امرأة تستحق
**** 
الأيام تمر بسرعة غريبة؛ عثرت ضي على عمل بشركة عرفتها أثناء عملها مع بثينة ولم تعترض على أنها سكرتيرة بسيطة من ضمن ثلاثة آخرين المهم هناك عمل سيجعلها تفي بالتزاماتها بجوار الطعام الذي تصنعه وتبيعه فقد نالت زبائن كثيرة لجودة ما تصنعه
رن هاتفها وهي بالعمل فأخرجته من حقيبتها لترى اسم أم ذكي، تولاها القلق فهي نادرا ما تهاتفها لذا أجابت والمرأة هتفت "ضي حبيبتي تعالي بسرعة"
اعتدلت والخوف يتملكها وهي تهتف "ماذا حدث يا أم ذكي، هل كريم بخير؟"
هتفت المرأة "لا، لقد سقط على السلم وهو خارج من المدرسة ونحن بالمشفى"
نهضت وجذبت حقيبتها وهي تهتف "قادمة، نورهان بلغي المدير أن ابني بالمشفى"
ولم تنتظر وهي تخرج مسرعة بلا تفكير وقبل أن تصل للطريق توقفت سيارة تعرفها أمامها فأوقفتها ورأته ينزل وهو يتحرك لها وهي تجمدت مكانها وقد ظنت أنها نسته لكن برؤيته الآن شعرت بقلبها ينبض بقوة وهو يقف أمامها ويقول 
"ذاهبة لمكان؟"
ظلت ترفع وجهها له تستوعب ما يحدث حتى ابتلعت ريقها وقالت "نعم، ماذا تريد؟"
وسامته فاقت كل الرجال التي عرفتها، سلسة فضية ظهرت حول عنقه من قميصه المفتوح وقال "غدا آخر يوم بالمهلة لو تذكري"
ضاقت عيونها وهي تستوعب ما يقول ورددت "مهلة؟ أي مهلة؟"
ثبتت نظراته عليها وقد تأكد أنها لم ترغب بالأموال فقال "الشهر"
أبعدت وجهها وقالت "أخبرتك أن الأمر لا يعنيني، أنا لدي الأهم، أهم شيء بحياتي"
وأسرعت تشير لسيارة الأجرة ولم تمنحه أي فرصة وهي تركب وقلبها يؤلمها على ابنها الذي لا تعرف عنه شيء وما أن وصلت المشفى حتى أسرعت للداخل وأم ذكي وعم منصور التقوا بها أمام غرفة الطوارئ فهتفت 
"أين هو؟ ماذا أصابه؟ أخبروني؟"
قال منصور "اهدئي ضي هو بالداخل والأطباء تفحصه"
حدقت به وقالت بضعف "أطباء؟ ماذا حدث لكل هذا؟ هل إصابته خطيرة أم ماذا؟ أنا لا أفهم شيء"
قبل أن يجيبها أحد انفتح الباب فالتفتت للطبيب الذي خرج وواجها وهي تندفع له وتقول "دكتور من فضلك ابني بالداخل ولا أعرف ماذا به؟"
انتبه الطبيب لها وقال "إصابته ليست بسيطة، كسر الساق ليس بسهل ويحتاج لتدخل جراحي ولديه إصابة أخرى بالعمود الفقري وأيضا بحاجة لجراحة ولا أفضل التأخير وعدم إجراء الجراحات سيؤدي لإعاقة دائمة وشلل نصفي"
رفعت يداها على فمها وهي لا تصدق ما تسمعه وكأنها بكابوس بشع وتتمنى أن يوقظها أحد منه ولكن لا أحد يفعل
عم منصور تدارك الأمر وسأل "كم التكلفة يا دكتور؟"
نظر له الطبيب وقال "كثيرة يا فندم، الجراحتان أكبر من بعضهم وبحاجة لمشفى أفضل من هنا"
أغمضت عيونها والدموع تتساقط وهي تدرك أن ابنها يضيع منها ولن يمكنها إنقاذه وحياته ستضيع وهو كل حياتها وستضيع معه لأنها عاجزة عن إنقاذه

                 الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>