
أنت لي
نزل المكتب وهو يدخن سيجاره وشوقي يتبعه "الآنسة ضحى حضرت بعد العصر وظلت بانتظارك وقت طويل حتى رحلت وهاتفتك مرتين على هاتف البيت"
تابع جهازه باهتمام وهو بالفعل لم يجيب اتصالاتها على هاتفه وقال "من الجيد أنها لم تجدني لست بحالة تسمح لي برؤيتها"
لم يجيبه شوقي وهو يقف ضاما يداه أمامه فرفع عيونه له وهو يعرف شوقي جيدا فقال "هات ما عندك"
قال شوقي بهدوء "مدام ضي امرأة جيدة"
لم يرد وشوقي يكمل "لكن لا تنسى من هي ومن أين أتت ومن أنت ومن هي عائلتك وجذورك"
ظل ينظر له حتى انتهى فقال "وأنت ترى أن زواجي منها لا يليق بي"
لم يرد شوقي فتحرك له ليقف أمامه ونظر بملامحه الجامدة وقال "هل أساءت ضي لك أو لأحد بأي يوم؟"
هز شوقي رأسه بالنفي وقال "لا"
عاد وقال "هل شعرت بيوم أن جدتي كانت مخطئة بما فعلته معها؟"
لم يتحرك من مكانه وهو يقول "فقط كان عليها ترك كل شيء لك فأنت الوحيد الذي كنت تحبها بصدق"
هو الآخر كان جامدا بملامحه وهو يقول "وضي لم تفعل؟"
اهتزت رموش الرجل وقال "بصراحة كانت تفعل بل كانت لا تتحمل أي شيء تجاها وسهرت بجوارها وقت مرضها"
رد سليم بهدوء "الفقر ليس بعار نبتعد عنه كي لا نتشوه به شوقي، بل الأخلاق، القيم، الأصول، هكذا علمتني جدتي، ربما أنا لم أعرف ضي مدة طويلة كما تظن ولكن امرأة مثلها من السهل الحكم على أخلاقها بسهولة ولا أعلم كيف لم تعرفها أنت رغم أنك معها كل تلك الشهور؟"
تجهم وجه شوقي وارتبك للحظة وقال "لم أقصد ذلك أنا فقط أتحدث عما يليق بك"
ابتسم وقال "وضحى تليق؟"
أخفض الرجل وجهه وقال بصوت منخفض "هي بكت كثيرا من أجلك لذا ظننت أنها تحبك بحق وأنت تستحق الحب"
ربت على ذراع الرجل وقال "شكرا لك ولكن لماذا الآن وأنت كنت تعلم رفضي لأي علاقة"
رفع الرجل رأسه له وقال "لأن العمر يفر من بين يديك بني وعليك أن تجد من يكون بجوارك عندما تصل لعمر لا يمكنك به التراجع، جدتك عاشت كثيرا وحيدة بعد موت أولادها ورحيلك وكنت أرى كيف كانت تتألم لذلك ولا أريد رؤيتك هكذا"
ظل ينظر للرجل حتى قال "وضحى هي من ستفعل؟ كانت أمامي منذ كنا أطفال، الأمر الذي كان عليك التفكير به هو بمن أرغب أنا عم شوقي وليس بمن ترغب بي"
تفهم الرجل كلماته وقال "هذا صحيح ولكن أنت قلتها بني، أنت ترفض أي علاقة، هل مدام ضي اخترقت ذلك الحاجز وجعلتك تتراجع عن مبدأك!؟ أم الآنسة جولي؟"
لمعت عيونه لحظة ثم تحرك من أمامه وقال "تعلم أن جولي متزوجة وأنا أيضا أعرفها منذ سنوات"
تأمل جهازه مرة أخرى فقال شوقي "إذن تحدد الاختيار بواحدة"
رفع عيونه للرجل الذي أحنى رأسه وقال "طابت ليلتك"
وتحرك خارجا فترك الجهاز ونفخ بقوة وهو يتحرك للنافذة وما زال يستعيد كل ما كان اليوم بداية بكريم الذي حقق به كل أحلامه دفعة واحدة وجعله بلحظة والده بلا قبول للرفض ومرورا بيوم مثير وجميل وقبلة هزت كيانه وانتهاء بجداله مع جولي وشوقي
عبث بعيونه بأصابعه وهو يشعر أن الدنيا تكدست فجأة فوق رأسه فعاد للمقعد وجلس وأسند رأسه على يده وهو يذكر ما كان بينه وبينها واستجابتها له بل ورغبته التي استيقظت داخله تجاها كامرأة، رغبة قتلها داخله بقوة ولم يعيدها للحياة لكن هي فعلت
غضب من نفسه ولم يعجبه شعور الضعف داخله وقبل أن تتملكه الذكريات نهض وتحرك للأعلى ربما حمام دافئ يعيده لطبيعته وينام وربما غدا ينتهي من كل ما يريد كي يرحل
أخذت حمام طويل هدأ من توترها وتوقفت الدموع وارتدت قميص نوم قصير ودخلت الفراش وما زالت تراه أمامها بجاذبيته ووسامته ثم تلك القبلة التي جعلتها تشعر بأنها امرأة كباقي النساء، مرغوبة ومن حقها أن تستمتع
رأت كريم يلعب بالحديقة أمامها وفجأة تلوثت ملابسه بالطينة وانتقلت لوجهه وصرخ الطفل من مظهره فأسرعت إليه تحاول فهم ما يحدث له وهي تسأله عما أصابه وهو يصرخ وكأنه يتألم والتفتت حولها فرأت أشخاص لا تعرفهم يحاولون انتزاعه منها لتطهيره لكنها ترفض تركه وهي تصرخ "ابتعدوا، لا، لن يأخذه أحد مني، لا، لا"
يد قوية هزتها وصوت يناديها ففتحت عيونها لتراه يحدق بها وشعره مبلل ويرتدي روب الحمام ويجلس على طرف فراشها وهي تشعر بقلبها يدق بقوة وسرعة وأنفاسها تتلاحق وما زال يضع يده على كتفها وعيونه تنظر لها بقلق وهو يقول
"اهدئي ضي هو كابوس"
تنفست ورفضت أن تغمض عيونها مرة أخرى خوفا من أن ترى ما رأته ثم اعتدلت جالسة وهو يبتعد ثم عاد بكوب من المياه ومنحه لها وهو يقول "تناولي بعض المياه"
كانت شاحبة وحبات من العرق تتناثر على جبينها وما زال قلبها لا يتوقف عن الدق، تناولت بعض المياه وهو ظل يمسك الكوب عندما لاحظ ارتجاف يدها حتى توقفت فأبعد الكوب وعاد لها وهو يقول
"هل أنت بخير؟"
هزت رأسها وقاومت الخوف وهي تنظر له وقالت "نعم، شكرا لك"
لم يتحرك من أمامها وقال "كابوس مزعج"
عادت تنظر له وقالت "نعم، أحيانا أخاف من أن أنام فالكوابيس لا تتوقف"
لأول مرة يرى شعرها الذي تساقط بغزارة على أكتافها حتى وصل للفراش من طوله ولف وجهها ببريق أحمر مثير، تورد وجهها أعاد لها الحياة بعد الشحوب ولمعت عيونها الجميلة ببريق أخاذ جعله يحدق بهما بلا رغبة بالابتعاد وهي تقاوم قربه منها وهي بتلك الحالة عندما رأت يده ترتفع لوجنتها وهو يقول
"يمكنك الاسترخاء الآن"
أبعد شعرها عن وجنتها ولكن غزارته جعلته يرتد وهو يلمس وجنتها بأصابعه وهي ترى شعره المبلل يتناثر بلا ترتيب، عيونه السماوية تحدق بها، أصابعه الطويلة تمر على وجنتها تمنحها حرارة جعلتها تشعر أنها تحترق فابتعدت ونهضت من الفراش وهي تقول
"أنا بخير"
ما زالت تسمع كلمات جولي عن خيانته لها، كلماته عن كونها زوجته ولا تعرف أيهما هي، زوجته أم امرأة عابرة بحياته؟ هل هي ترغب بأن تتجاوز كل شيء وتصبح زوجته؟
سمعته يتحدث من خلفها "لا، أنت لست بخير"
التفتت له بعيون خائفة، حزينة أو حائرة ولكنه أكمل "ولا أنا"
ظلت تنظر له ولا تفهم كلماته، بل تفهم، هي حقا ليست بخير، بسبب الكابوس أو ما كان بينهم أو ما يحدث لها منذ أمضيا اليوم كله سويا والضحكات بينهم والسعادة هي ما عرفته معه
اقترب منها وهي ضئيلة جدا أمامه بقميصها القصير، حافية القدمين، شعرها جدائل منسابة حتى منتصف ظهرها، امرأة لم يعرفها من قبل، جذابة، جميلة، هادئة ومثيرة بشكل يضعفه ويجعله يريدها، هي المرأة الوحيدة التي أثارت رجولته وجعلته يرغب بها، قبلتها أشعلت نيرانه وحتى الآن لم يستطع أن يطفئها
همست بضعف "لابد أن نكون بخير"
اقترب وما زالت نظراتهم ملتصقة لا تفترق وقال "أنت تعلمين أن هناك شيء"
رمشت عيونها وهي تقاوم جاذبيته التي تفوق قدرتها على المقاومة، رجل لم تحلم بأن يفكر حتى بها هو بالحقيقة زوجها ويقف أمامها يحدق بعيونها ويخبرها بما هو حقا داخلها ولكن من الصعب الاعتراف به فقالت ببراءة
"لا يجب أن يكون هناك شيء، أي شيء"
كالمرة السابقة يده لمست وجنتها واخترقت حبال شعرها الناعمة وقال "لأنك لا ترغبين؟"
كان قريب جدا بشكل لا يمكن مقاومته ولمسة يده كلمسة العصا السحرية تجعلها ضائعة لا تعي شيء سوى حرارة يده، جاذبية عيونه، رياح أنفاسه الهادئة وبصعوبة قالت "لأني لا أليق بذلك، ليس من حقي"
لم يترك وجهها ولا شعرها ولا حتى عيونها التي حبسها بعيونه وقال "حق منَ إن لم يكن حق زوجتي؟"
تعالت أنفاسها وارتفع صدرها وهبط بسرعة كأمواج الشتاء القارس والرياح العاتية، دقات لا متناهية من قلبها ليسمع العالم المعركة التي تدور داخلها
همست بآخر قوة داخلها "تعلم أن ذلك.."
قاطعها "حقيقي وشرعي وكلانا يريده"
وجذب وجهها له ومنح نفسه ما كان يرغب به، تلك القبلة، نفس الشفاه الناعمة تلمس شفاهه على استحياء، نفس القبلة البريئة والأنفاس المتقطعة، نفس الأصابع البريئة التي ارتفعت على صدره بعشوائية متناهية
رقيقة جدا، بريئة جدا جدا، لفها بذراعه الأخرى ويده ما زالت بشعرها تجذبه ليرفع رأسها له ويعمق قبلته أكثر وهي لا تتراجع ولا تقاوم بل ضائعة وكأنها تسبح بمياه صافية بلا أي مقاومة وورود من كل الألوان متناثرة من حولها وكأن الجنة هي ما تحيط بها وكل شيء يبتسم لها ويشاركها تلك السعادة
يده اعتصرت خصرها بألم حلو جميل يداها لمست عضلات صدره الواضح من روبه المفتوح ودفء جسده جعلها ترتاح وتخفض من توترها، أفلت شفتاها لينثر قبلات رقيقة على وجنتها، ويده تعبث بقميصها وانتقل لعنقها ومالت رأسها لتسمح له بنثر القبلات الدافئة على عنقها النابض من الإثارة، تلك المشاعر لم تعرفها ولم تجربها أبدا
هل هي بريئة لهذا الحد رغم أنها كانت زوجة من قبل؟ لكن هي قالت إنها كانت ليلة لذا هي بريئة ولا تعرف شيء وهذا يمتعه أكثر، كانت ضائعة حتى رفعها فجأة ففزعت وهو يهمس
"اهدئي"
ولم يمنحها فرصة وهو يعيدها للفراش ولم يتركها ولم تفلته وهو يقبلها مرة أخرى بإثارة أكثر حتى رفع قميصها واندفعت يده لجسدها وأنفاس تكاد تعرفها تتساقط على وجهها، هل يمكن؟ هل يمكن أن تتشابه الأنفاس؟ لا، لا يمكن أن يكون
استعادها له وهو يهمس بكلمات أيقظتها أكثر وجعلتها توقف أحلامها وتعود لكوابيسها "أنتِ لي"
تلك الكلمات أعادتها للواقع وضربتها بالصميم لتعيدها للذكرى القاتمة بحياتها ففتحت عيونها وللحظة رأت نظرة غريبة بعيونه ضربت داخلها الذكريات التي لا ترغب بها وجعلتها ترتفع للقمة وتخرج من الفوهة وكأن البركان الخامد نشط وثار وانتشرت حممه بكل مكان وبدلا من أن تستجيب له أبعدته ورمته بنظرة غريبة يكاد يعرفها وهي تهتف
"لا، اتركني، لا"
تلك النظرة جعلته يتراجع ويتذكر ذكريات لا يرغب بها، تراجع وحدق بعيونها وكأنه يرى عيون رآها من قبل بعتمة الظلام، بها نفس البريق فتجمد جسده وهي التفت ودموع تندفع لعيونها وهي تعيد قميصها على جسدها وكل جزء منها يرتجف، تلف نفسها بذراعيها وذلك الشعور بالفزع يصيبها وتتمنى لو تصرخ رافضة هذا الوضع ولا تعرف ما الذي تصدقه وماذا ترفضه
لم تشعر به عندما نهض ولكن صفعة الباب جعلتها تشهق وتنهار بالبكاء على نفسها وهي لا تفهم سبب ما فعلته بل تفهم؛ تلك الأنفاس ليست غريبة، كلماته ليست غريبة، هذا تشابه جعلها مرتبكة، خائفة، لا تعرف التمييز بين الصواب والخطأ
ربما هي خطأ وما حدث جعلها لا تتحمل أي لمسات على جسدها، كل لمسة نيران تحرقها وتوقظ ما سكن من ألم داخلها، ألم الذكرى التي دمرت حياتها، تلك اليد التي نهشتها بيوم ما هي لا ترغب بإعادة ذلك، لا تستطيع التعايش مع الأمر خاصة وتلك النظرة بعيونه كانت غريبة وكأنها تعرفها وتخيفها
الآن تحطم كل شيء حتى قبل أن يبدأ، لا فرصة لها معه بأي شيء لقد دفعته بعيدا ولن يعود وهي نفسها لا تعرف كيف تعود فبعد ما عانته بسبب ما أصابها تدرك أنها لم تشفى مما كان ويبدو أنها لن تشفى أبدا
****
صفع باب غرفته خلفه بقوة وضم روبه على صدره وهو يحاول استجماع نفسه وتهدئة غضبه، منها؟ من نفسه؟ من ماضيه وذكراه؟ ممن كان سبب كل ذلك؟
لا كلمات تعبر عما حدث ويحدث وسيستمر بالحدوث، هو أيضا أراد الابتعاد، منذ تلك الليلة المشؤومة وهو يرفض المساس بأي امرأة وكأنه عقاب لنفسه على ما فعله وها هو اليوم أيضا يتراجع ويبتعد ويرى بعيونها نفس نظرة الفزع التي رآها بتلك الليلة بعيون تذكره بها وبكل ما كان، ثارت أعصابه وارتفع الغضب داخله وهو ينفخ الدخان من السيجارة معبرا عن الثورة النابضة داخله بلا حدود
كان عليه أن يظل كما كان حتى لا يدخل بتلك الدائرة مرة أخرى، كان عليه ألا يقترب من أي امرأة حتى لا يعيش لحظات الألم والذنب من جديد لقد مر بالألم من قبل حتى وإن كان بدون قصد وبتخطيط من سواه لكنه هو من فعل، هو الانتقام الذي دفعه لتحطيم حياة شخص بريء لم يفعل له شيء، هو من كان غبي وانساق وراء الشيطان وكان خادم مطيع له كيف كان غبي هكذا؟
اللعنة..
وارتفع الغضب أكثر وهو يدفع قبضته بالحائط بكل ما يحمله من غضب مرة واثنان وثلاث حتى تألمت يده وهو يهتف "غبي، غبي، غبي"
****
الصباح لم يغسل ذكرى الليل فقد تورمت عيونها من البكاء والصداع كان مؤلم حقا وهي تتحرك تجاه غرفة كريم ودخلت لتراه يقف والمربية تكمل له ملابسه
ابتهج عندما رآها وهو يقول "ماما"
ابتسمت له وهي تتحرك تجاهه وتحتضنه وتغمض عيونها وكأن بأحضانه الراحة التي كانت تريدها، فتحت عيونها وأبعدته وهي تقول "تبدو جاهز"
هز رأسه وقال "نعم، هل بابا استيقظ؟"
تراجعت وكأنه صفعها على وجهها بقوة ولم ترغب بذلك، لن تتركه يعيش بالوهم كثيرا فقالت لسهيلة "اتركينا قليلا من فضلك سهيلة"
هزت الفتاة رأسها وخرجت فالتفتت له وهو يجلس على طرف الفراش وهي بجواره وقالت "كريم أنت تعلم أن سليم ليس والدك"
قال بعناد غريب "هو وافق على أن يكون"
حدقت به لحظة قبل أن تقول "ربما لأنك طالبته بذلك لكن ربما هو لا يرغب به ولا تنسى أنه لا يقيم معنا أي سيرحل بأي وقت فلا تتعلق بذلك كي لا تحزن بعدها"
قال بعقلانية غريبة "لن أفعل فأنا أعلم أنه سيرحل للعمل لكن هو سيهاتفني هو أخبرني بذلك"
صمت سقط عليها وهي لا تفهم تصرفات سليم حقا مع طفلها، لماذا يفعل معه ذلك وهو لا يمت له بصلة؟ لا يوجد شيء يجبره على ذلك وبعد ما حدث بينهم بالأمس بالتأكيد لن يرغب بأي شيء تجاها أو تجاه طفلها
قالت بتأني "حسنا لكن أنا لن أقبل بأن تطالبني بشيء تجاهه"
أبعد وجهه وقال "أنا لا أفهم ما الذي يضايقك ماما؟ أنا كل ما رغبت به أن يكون سليم بابا"
هتفت بضيق "ولكنه ليس بابا كريم ولابد أن تفهم أنه لن يكون هناك بابا هل تسمعني؟ لن يكون هناك بابا لماذا لا تفهم ما أقول وتستجيب له؟"
غضبها خرج عن السيطرة ولم تتوقف إلا عندما رأت الدموع بعيون طفلها فهتفت "حبيبي أنا آسفة"
وجذبته لأحضانها وشعور بالذنب تعالى داخلها وهي لا تفهم كيف انفلت الزمام منها وفقدت هدوئها الذي تعلمته من الزمن، بكت وبكى الطفل معها وهي تعتذر له حتى هدء كلاهم وأبعدته وهي تمسح دموعه براحتيها وقالت بحنان
"هل ما زلت غضبان مني؟"
هز رأسه بالنفي وقال "لا ماما أنا أحبك ولا يمكنني أن أغضب منك أبدا"
احتضنته مرة أخرى وقبلت جبينه ثم همست "هيا كي لا تتأخر"
لم يعارض وعندما نزلت معه تحركوا لقاعة الطعام فلم تجد أحد وعم شوقي يتبعها وهو يقول "صباح الخير مدام"
أجابت "صباح النور عم شوقي، أين الباقين؟"
نظر لها لحظة ثم قال "لقد رحلوا بعد الفجر، سيد سليم أخبرني أن طائرته بالسابعة صباحا"
تجمدت عيونها عليه وكريم هو من قال "سليم رحل؟"
هز الرجل رأسه وقال "نعم، عاد لبلده"
لم ترد ولا كريم، الاثنان نظرا للأطباق وتناولا القليل مما به بصمت ولم يتحدث الصغير ربما خوفا من غضب والدته بينما حاولت هي إيقاف الدموع لأنها كانت تعرف أنه سيرحل ولن يبقى ليس بعد ما كان بينهم
****
ليس بالأيام تموت كل الذكريات فكم من ذكرى ولدت لتعيش للأبد وأخرى تدهسها الأيام
****
اختار الابتعاد والعمل ككل مرة فهما الدواء من الداء ولكن بعض الأمراض مزمنة بلا أمل في النجاة ولكنه لم يستسلم لذلك الواقع وحارب نفسه ومشاعره وظن أن لا شيء تغير بحياته لكن كل شيء تغير بذلك اليوم أولهم جولي التي ابتعدت عنه وادعت أنها بحاجة لإجازة وسافرت وهو نفسه لم يعد كما كان
أوقات كثيرة كان يجد نفسه شاردا وذهنه مشتت ويظل يحدق بالفراغ وهو يرى ذلك اليوم وهم معا بالملاهي ويتذكر ضحكاتها بالسينما وبراءتها وعندما كانت خائفة من الملاهي أو ضحكة عيونها عندما رأت غزل البنات
الذكريات تعشش بذاكرته تغطي على القديم مما لا يرغب بظهوره، تلك القبلة التي بدلت كل شيء وجعلته يعود للحياة ولم يعد يعرف كيف يستمر
دقات على باب المكتب أعادته للواقع فأذن ليرى أنطون يدخل، نهض لاستقباله ثم جلسا متقابلين وأنطون يقول "أنت لا تأتي لرؤيتي ففعلت أنا"
زاغت نظراته ولم يواجه وهو يقول "أنت تعلم ازدحام العمل"
وجذب السجائر فأشعل واحدة وأنطون يراقبه قبل أن يقول "بل أنت لست على طبيعتك منذ عدت من مصر سليم، لا أنت ولا جولي ماذا حدث لك؟"
دخول أنطون بالحديث مباشرة جعله يستعيد حنكته بالحديث مع اعتبار أنه لا يرغب بهذا الحديث بالذات فقال "لا شيء حدث أنطون، أنا كما هو أنا وأنت تعلم أن العمل هو كل شيء بالنسبة لي وجولي طالبت بإجازة وهو حقها"
ونفخ الدخان فابتسم أنطون وقال "نعم أعلم ولكن لم يكن العمل يسرقك منا، خاصة جولي، ما الذي حدث بينكم؟"
لم يرى أنطون نظراته من خلف الدخان الذي امتلأ حوله وخيم على وجهه ولكنه قال "لا شيء، أخبرتك أن هي من طلب اجازة ورحلت"
نهض أنطون للبار وجذب كأس وزجاجة وسكب لنفسه وهو يقول "تعلم أنها لا تستطيع التغيب عنك كل ذلك الوقت وهي ترفض التحدث معي ولابد من تفسير"
نهض وتحرك للنافذة وظل يتأمل الأمطار بالخارج وقال "أنت تعلم أن جولي ترفض تصديق أني لا أحمل لها مشاعر سوى الأخوة والصداقة وبمصر تواجهنا بحدة أكثر وهو ما لم يعجبها"
توقف أنطون بجواره وهو يحمل كأسه وقال "بسبب زوجتك"
هز رأسه وليس هناك ما يجعله يخفي شيء، عاد أنطون يقول "وعلاقتك بزوجتك أصبحت حقيقية كي تغضب جولي هكذا؟"
لف وجهه له وقال "هي حقيقية أنطون، زواجنا حقيقي وشرعي نحن فقط لم نكن نعني به زواج كامل فقط تحقيق مصالح"
تناول أنطون رشفة وما زال يواجه سليم ثم قال "وهل تحول لحقيقي، أخبرني فأوقف ابنتي عنك؟"
تجهم وجهه واختفى اللين من ملامحه وهو لا يعرف هل من حق أحد أن يتجاوز لتلك الأمور الشخصية بحياته؟ لكن أنطون صديق وصديق له مكانة خاصة عنده لذا تجاوز أفكاره الغاضبة وقال
"رأتني مع ضي بلحظة ما وتشاجرنا سويا وحاولت مرة أخرى إخبارها أنها الأخت والصديقة"
هز أنطون رأسه بتفهم وقال "لا يمكنني أن ألومك، لطالما كنت صادق معها وأين وصلت علاقتك بضي؟"
جذب آخر نفس من السيجارة ونفخه بقوة غضبه وتضارب أفكاره ثم عاد للمكتب وأطفأ السيجارة وقال "لا شيء، لم نتخطى مرحلة المصالح بعد، ما زلت أرى الماضي أمامي وسقط كالوحش بيننا ليوقفني عنها"
لم ينظر لأنطون وما زال يستعرض تلك اللحظة وأنطون يقول "هذا يعني أنك تريدها ولكن قيود الماضي لا تحلك"
هز رأسه ولم يرد ولم يتحرك وهو يحدق بالمطفأة بلا رؤية لم بها فقط ذهن غير صافي وأفكار متضاربة وصوت أنطون يعيده له "وهي؟"
التفت له بلا فهم للسؤال وردد "هي ماذا؟"
اقترب منه حتى وقف أمامه وقال "ما موقفها من علاقتكم؟ ترغب بك كما ترغب بها أم لا؟"
هذا سؤال لم يصل لإجابته بل هو لم يسأله أصلا كل ما كان يشغله أنه حبيس الذكرى ولا يعرف كيف يفك قيوده ولم يهتم بمثل ذلك السؤال لذا قال "لم أفكر بالأمر وقتها كنت مشغول بحالتي وغضبي من نفسي جعلني أعمى عن أي شيء آخر لكن وقتها هي كانت متجاوبة معي"
تناول أنطون رشفة أخرى ثم قال "وطالما هي كانت متجاوبة كيف تركتك ترحل هكذا ولم تحاول حتى دفعك للبقاء أو تحاول تحفيزك على العودة؟"
ضاقت عيونه وانطفأ بريقها الأزرق وهو يتخطى تلك المنطقة لأول مرة فهو لم يفكر لحظة برد فعلها وأنها بالفعل منذ رحل من شهرين لم تحاول أن تهاتفه أو تسأله عن سبب الرحيل أو حتى هل سيعود أم لا، فقط صمت
ابتعد بلا إجابة وحل الصمت عليه لأن لا رد لديه ولكن أنطون تحرك له مرة أخرى وقال "هي لم تفعل؟"
لم يرد أيضا فأكمل أنطون "عليك بإعادة توزيع أوراقك من جديد سليم فلا أنت مهتم بتلك العلاقة ولا هي فما الداعي منها أصلا؟"
لف وجهه له وهو يفهم سؤاله وقال "ماذا تعني؟"
ابتسم أنطون بهدوء وقال "أعني أن الحرية أفضل من سجن لا معنى له، لا أنت تريدها ولا هي تريدك فلماذا كل هذا؟ عد لنفسك وحياتك واترك ما حدث خلفك وكأنه لم يكون وتخلص من تلك العلاقة التي لا تفيد بشيء بل مجرد قيد يكاد يوقف حياتك"
ظل يحدق بعيون أنطون وهو يحاول التفكير بكلماته وهل يمكنه حقا إنهاء زواجهم كما يقترح عليه؟ هل حقا يريد ذلك؟ ولكنه فتح له طريق آخر مظلم بلا نوافذ للضوء وهو رغبتها هي ورد فعلها على ما كان فهي لم تمنحه أي رد عليه ولم تسأل عن رحيله ولا عن عودته والتزمت نفس الصمت فهل يعني هذا أنها لا تريده؟
استعاد نفسه عندما سمع صوت الباب يغلق فانتبه إلى رحيل أنطون فتحرك للمقعد وسقط عليه وهو لا يعرف لماذا يشعر بالاختناق الآن وهو لا يجد أجوبة لما يخصها بل لماذا لم يفكر بها بالفعل وكيف لا تريده بعد أن تجاوبت معه؟
أغمض عيونه وأسند رأسه على ظهر المقعد وهو لا يفهم ما الذي يحدث له؟ لابد أن يضع حد ونهاية لذلك وهذا لن يكون وبينهم صمت غريب
دقات على الباب فأذن ورأى السكرتيرة تدخل وتقول "لقد تم تجهيز الإمدادات التي طلبتها مصر فهل نحدد لهم موعد بالوصول"
للحظة اندهش من ترتيب القدر فاعتدل وقال "من يتولى الأمر؟"
قالت "كانت جولي تفعل ويمكنني أن أقوم بالأمر لو أردت"
نهض وتحرك لمكتبه وقال "لا، ارسلي لي التفاصيل أنا سأتولى الأمر"
لم تعترض الفتاة وخرجت وهو ركز على جهازه وقد حسم أمره
****
عادت البيت بوقت مبكر فقد كانت متعبة، بالأيام السابقة كانت تمضي كل الوقت بالشركة الجديدة التي قررت إقامتها بالمبنى الجديد وتبقى بها منذ الصباح وحتى ينتهي الجميع وما زال الأمر لم ينتهي خاصة أن إمدادات روما لم تصل، هل عليها مهاتفته؟
استقبلها كريم بترحاب وهي تحرص على قضاء وقت كثير معه خاصة بالعطلة وعندما تصحبه للمنطقة التي كانوا يعيشون بها وهو الوقت الوحيد الذي ترتاح به وكثيرا ما تنام عند أم ذكي نوم لا يتخلله أي كوابيس
لعبت مع كريم بحديقة الألعاب الخاصة به ثم صعدت معه لغرفته ورسموا سويا وضحكوا وتناولت العشاء معه بغرفته حتى دخل الفراش بجوارها مستمعا لقصتها ورحل بالنوم وقد توقف عن الحديث معها عن سليم فقد كان يهاتفه مرة بالأسبوع لكن بلا هدف فقط حتى لا يكسر وعده مع الطفل
تحركت لغرفتها وخلعت الجاكيت وأبعدته وتوقفت أمام النافذة وهي ترى أن الجو تحول للبرد فجأة، أضاءت السماء بنور البرق مما أفزعها ولكن ما يفزعها حقا هو قلبها الذي خدعها عندما اندفع لذلك الرجل رغم أنها استطاعت أن تقاومه وتوقفه عن التجاوز فليس من حقه أن يفعل وعليه التراجع وكانت على حق فقد ابتعد ولم يحاول مهاتفتها أو البحث عنها بعد تلك الليلة وفهمت أنه ندم على ما كان واستعاد عقله فليس من الطبيعي أن يفكر بامرأة مثلها لا تليق به حتى ولو أصبحت الآن سيدة أعمال أثبتت مكانتها بالسوق ولها وزنها رغما عن الجميع ولا أحد يذكر سنوات عمرها الأربع والعشرين والتي لم تكتمل حتى
تجاوزت عن شكوكها بأنفاسه التي تشابهت مع الماضي وحتى كلماته 'أنتِ لي' منحت نفسها أسباب فهي لم تعرف رجل منذ تلك الليلة وربما كلهم متشابهين بتلك اللحظات لذا اختلط عليها الأمر
البرد لفها فتحركت للحمام وتركت المياه الدافئة تغسل تعب اليوم ولكنها سمعت هاتفها يرن فأغلقت المياه والتفت بالروب وخرجت لتراها مكالمة فعرفت أنه هو، دقات قلبها كانت عنيفة وقوية وارتجفت أصابعها وهي تفتح الخط وتجيب، رفع رأسه عند سماع صوتها فقال
"ظننتك نائمة؟"
تساقطت قطرات مياه من شعرها المبلل وهي تضم الروب عليها وقلبها يؤلمها ولكنها تجاوبت مع الامر وقالت "بل كنت بالحمام"
حك لحيته وقال "بخصوص الإمدادات؟"
أدركت أن العمل هو السبب الحقيقي ليذكرها فقالت وهي تجلس فلا قدرة لها على الوقوف على ساقين تحولتا لهلام سيسقطها بالتأكيد "ماذا عنها؟"
تحرك للنافذة وقال "ألا تجدين أن الطلبات مبالغ بها"
لفت وجهها وقالت "لا، ليس مبالغ بها أنا أرسلت التصميمات لمقارنتها بالطلبات"
هو بالفعل رآها لكن ما زال لا يقتنع فقال "رأيتها وأظن أن المشروع أقل من أن يتحمل كل ما تطلبيه"
شعرت بالضيق من تقليله لدراستها ومع ذلك قالت "أحيانا الطبيعة تكون أفضل من التخيل"
فهم كلماتها بالطبع فقال "هذه دعوة للحضور؟"
شحب وجهها وارتبكت قبل أن تقول "أنا قلت أن رؤية الأشياء على الطبيعة تختلف عن التخيل والطلبات لها ثمن ولن نؤخر الدفع"
زادت نبرة الغضب بصوته من ردها وقال "ضي توقفي تعلمين أني لا أتحدث عن الأموال"
هتفت "بل تتحدث عن سوء تقييمي للأمور"
هتف هو الآخر "ليس عام ونصف من سيمنحك التفوق بالأمر فلا تنسي أنك لم تكوني شيء قبلها"
يذكرها أين كانت قبل تلك الشهور كما اعتاد، تألمت من الإهانة غير الصريحة وقالت "العبرة بالنهايات سيد سليم"
لم يتراجع غضبه وكلمة سيد تلكمه بوجهه بقوة وقال بنفس الغضب "النهاية عندما يتداعى المشروع كله ووقتها أتحمل خسارة أنا في غنى عنها؟ أعيدي صياغة تلك الإمدادات مرة أخرى بالشكل الأفضل واستعيني بمن هم أهل للأمر"
وأغلق الهاتف وأسقط يده بجواره وهو يسأل نفسه ما الذي فعله ولماذا؟ ما الذي ارتكبته ليطيح بها بهذا الشكل؟
سقطت دموعها دون أن تستطيع مقاومتها، أصبحت هشة مؤخرا ودموعها رفيقتها، ماذا توقعت منه؟ هل ظنت أنه سيصفق لها ويحييها وسط الجماهير؟
هي تسخر من نفسها إذ ظنت ذلك، لقد رحل حتى دون كلمة واحدة لأنها رفضته وأبعدته بشكل غير لائق فبالتأكيد لن يطبطب عليها ولن يبتسم بوجهها بل هي لم تتوقع أن يهاتفها من الأساس
شعرت بالبرودة تجتاحها فنهضت لتكمل ارتداء ملابسها والبرد يلفها ودموعها تغرقها والحزن والألم يشاركنها كل شيء، منذ متى عرفت السعادة والراحة؟ لماذا تغضب الآن وهي لم تعرف أو تتوقع سواهم؟
عليها أن تترك الأمل الضئيل الذي كانت تتوهم به من أنه سيعود لها بيوم ما وأنها قد تحاول أن تشفى من ماضيها بأن تخبره الحقيقة وتوقف نزيف الأحزان والذكريات
بعد تلك المكالمة أدركت أنه كان حلم جميل عاشته حتى استيقظت على الواقع الحقيقي أنها ضي، الفتاة الفقيرة التي أتت من الحواري وبثينة صنعت منها امرأة مختلفة لكن هذا الغلاف الذي لفته بها بثينة هش يتمزق بنفخة ريح هادئة كما فعل بها الآن وأسقطها بمكانها الحقيقي وليس لها أن تغضب أو تلومه لأنه على حق ولكن عند العمل وعليه أن يتوقف فهي تعلمته بشكل جيد وهي هنا وتعرف ما هي مصلحة العمل جيدا ولن يوقفها شيء
****
لم تعدل الطلبات وركبها العناد بشكل غريب وتوقعت الرفض لذا كان لديها البديل بعد تفكير لإيجاد الخطة البديلة وبالفعل وصلها الرفض برسالة مؤلمة "ليس هناك أي إمدادات إلا عندما يتم تقييم الأمور جيدا"
ابتسمت ابتسامة باهتة بوجه جهازها والرسالة واضحة فقالت "لتقوم أنت بما تشاء من تقييم سيد سليم فليس لدي وقت له، الافتتاح سيتم بموعده شئت أم أبيت هي أملاكي كما هي أملاكك التي نتحدث عنها ولا أحد يضر نفسه بنفسه"
دقات على الباب جعلتها تأذن فدخلت الفتاة وقالت "موعد مدير شركة الإعلانات المرشح لإعلانات الشركة الجديدة مدام"
أجابت وهي تغلق رسالته بدون رد "ليدخل"
لحظة ورأت رجل بأوائل الثلاثينات بقامة شاهقة ووسامة هائلة وبدخوله عطره فاح بالمكتب بشكل مبالغ ولكن هي تعلم أن رجال الإعلانات يهتمون بالمظاهر وهو بالفعل كان أنيق جدا وبدلته ثمينة بشكل مبالغ أيضا، واجهته بملامح هادئة وهو يحييها وعيونه السوداء تتجول عليها كلها وتلمع ببريق غريب وهو يقول
"يحيى علي، صاحب شركة النجوم للإعلانات"
مالت برأسها وقالت "غني عن التعريف أستاذ يحيى وشركاتك كذلك"
ابتسم بفخر فبدت أسنانه البيضاء من بين شفتين غليظتان وهو يقول "هذا شرف لي أستاذة، بالطبع نحن نعرف أن مجموعة البدر من أعرق الشركات بمصر ومدام بثينة رحمها الله كانت من أهم عملاء والدي رحمه الله وعندما عرفت أنها تركتها لامرأة أخرى لم أعرف السبب لكن بعد النجاح الذي تحقق على يدك عرفت السبب"
ملامحها الهادئة لا تتغير وتظهرها للجميع وهي ترد "شكرا لك، بالتأكيد لديك عرض لي؟"
الدخول بالموضوع هو سمتها مع الجميع لذا تجهم وجهه لحظة ثم قال "بالتأكيد"
تحدث عن العرض الخاص به وهي تسمع له بهدوء لا يفارقها فبثينة كانت تقول "الهدوء هو القاعدة المتينة لأي نجاح ولو تزحزح سقط النجاح بلحظة"
عندما انتهى اعتدلت وقالت "جيد لكن ألا ترى أن تلك الأسعار مبالغ بها سيد يحيى؟"
عيونه تجولت على وجهها الخالي من أي مساحيق تجميل وقال "نحن نقدم خدمات مميزة"
قالت "والنصر تقدم المثل ولكن بتكلفة أقل"
رحلت ابتسامته وردد "خليل عمران لديه تجاوزات معروفة مدام"
لم تتخلى عن هدوئها رغم أنها أثارت غضبه وقالت "أمام الجميع هو رجل ناجح ويقدم عروض مغرية وأنا لي مصلحتي بعيدا عن تجاوزاته"
هتف بقوة "ولكننا نقدم الأفضل لذا التكلفة توازي الخدمات"
تراجعت بالمقعد وقالت "وهو يمنحني الأفضل أيضا"
فتح فمه ليرد ولكنه تراجع لحظة وأغمض عيونه وقال "ربما يمكنني منحك خصم لو زادت الإعلانات"
ضغطت أكثر "الخصم بلا زيادة لا حاجة لي بها"
فتح عيونه والتقى بجمال عيونها المغلقة وقال "تم تحذيري منك أستاذة وظننت أني سأواجه امرأة عجوز ماكرة ولم أتخيل أن تكوني بهذا العمر والذكاء بنفس الوقت"
أجابت بلا اهتمام لكلمات سمعتها كثيرا من قبل "لا علاقة للعمر بتحقيق النجاح، هناك شباب لم يتخطوا العشرين وسجلوا اختراعات لم يحققها رجال بالغين"
ظل ينظر لها بلا رد فقالت "هو عرضي سيد يحيى خذه أو اتركه كما يقال"
مالت رأسه وقال "الآن هو عرضك وليس عرضي أنا!؟ كيف تديرين الأمور بتلك الطريقة؟"
لم تتبدل ملامحها وقالت "التجارب تعلمنا الكثير"
ابتسم وقال "وأنا لا يمكنني ترك فرصة العمل مع امرأة مثلك تفر من بين أصابعي، متى نوقع العقود؟"
قالت "الشؤون القانونية يمكنها منح رجالك موعد مناسب لمراجعة العقود وبعدها نوقعها"
هز رأسه ثم قال "ربما نفعل على غداء بمكان يليق بهذا الجمال"
أبعدت عيونها عنه وقالت "أنا لا أمارس أي عمل خارج مكتبي سيد يحيى"
لم ترحل ابتسامته لرفضها وإنما قال "إذن نجعله عشاء تعارف بلا عمل، تلك العيون تثير الإعجاب حقا"
لم تهتم لكلمات الغزل منه أو من سواه، رجل واحد من توردت لكلماته ودق قلبها له ويحيى بالتأكيد ليس هو فقالت "شكرا على الدعوة ولكني أتناول عشاءي مع ابني"
ظل ينظر لها وهو يدرك أنها ترفض دعوته فقال "هذا رفض لشخصي؟"
تبدلت للجدية وقالت "هذا رفض لأي شيء خارج العمل سيد يحيى وهو ليس شخصي"
عاد وابتسم وقال "حيد هذا يعني أن لي فرصة"
اندهشت من حديثه وهو ينهض ويقول "سأرى أمر العقود"
لم تنهض وقالت "بالتأكيد"
لمس يدها بأصابعه ولم يترك يدها وهي تحاول أن تجذبها وهو يقول "أعدك ألا أخسر جولاتي القادمة فأنا عادة لا أخسر بالفعل"
نجحت بجذب يدها من يده أخيرا وقالت ببرود "ليس لدي وقت لأي جولات سيد يحيى فالعمل هو كل ما يهمني"
مال برأسه وقال "سنرى"
وتحرك خارجا فنفخت من هذا اللقاء الغير محبب بالمرة وهي تعلم أنه ليس الأول ولن يكون الأخير، عادت للعمل وهو الشيء الوحيد الذي يخرجها من الهموم التي تتهاوى على أكتافها
باليوم التالي لم تبقى بالمكتب بل رحلت للقاء هام وتأخرت به وما أن نزلت من المكان حتى رأت يحيى أمامها فتراجعت بدهشة وهو يقف أمامها ويقول "الصدف تخدمنا جيدا"
رفعت وجهها لمواجهته وردت بنفس الوجه البارد "تخدمك أنت ربما لكن أنا فلا لأني لا أعترف بها"
ظل مبتسما وهو يحدق بوجهها وقال "ربما معي تفعلي"
قالت بنفاد صبر "ليس هناك معك سيد يحيى اسمح لي"
وحاولت تخطيه لكنه لم يسمح لها وهو يقول "ماذا عن فنجان قهوة بالكافية المجاور؟ سيعجبك جدا"
حاولت أن تظل متماسكة وهي تقول "سبق وأخبرتك أني لا أتلقى أي دعوات خارج العمل"
مال تجاها وقال "أعرف أن ليس لديك سبب لرفض الدعوة، كرجل مثلا"
قالت بجمود "لست بحاجة لوجود رجل بحياتي لأرفض فهذا أمر يخصني ولا دخل لأحد به ولا يمكن لأحد إجباري على شيء"
على الأقل رحلت ابتسامته المثيرة للحنق وقال "أحتاج فرصة لنتحدث ضي"
هتفت "مدام ضي، ولا مجال للحديث بيننا خارج إطار العمل سيد يحيى"
وتحركت بقوة وكتفها يضرب كتفه بقوة كي يبتعد عن طريقها حتى وصلت والسائق يفتح لها باب السيارة ولم تنظر ليحيى الذي كان يراقبها وغضب يكسو ملامحه لأنها ترفضه بتلك الطريقة فمغامراته مع النساء لا تخفى على أحد لكن ضي مختلفة هي حقا ضي يلمع وسط الظلام، ضي يضيء قلبه المظلم ويجعله ينبض بحياة لم يجربها من قبل
منذ رآها وهو لا يتوقف عن التفكير بها، عيونها التي لا مسمى للونها، شعرها الناري الذي يذيب أعتى الرجال من جماله، والآن هذا القوام الذي يتحرك بثقة أمامه بلا خطأ واحد بل بقوة وثبات يجعله يتمسك بها أكثر ولكن كيف يجعلها تلين؟
هاتفها عزمي وهي بالسيارة فتجاوزت يحيى وأجابت فقال "الحكم أصبح نهائي مدام ولا يمكن لأحد منازعتك على الوصية مرة أخرى هل نوقف أي مصاريف لهم"
أبعدت وجهها للنافذة وقالت "من فضلك دع ذلك الأمر لي سيد عزمي، ماذا فعلت ببيت جيراني؟"
قال "أرسلت من تناقش مع المقاول وحدد مبلغ مبالغ به فلم يعجبني"
أزعجها الازدحام بالخارج ولكن لا مفر منه، عادت للمحامي وقال "أرسل لي التفاصيل من فضلك"
أجاب "تمام، التجاوزات الأخيرة من الآنسة ضحى على مواقع التواصل الاجتماعي تمكنك من رفع قضية تشهير"
أجابت بلا تفكير "ليس من جديد سيد عزمي، لا يهمني كل ذلك فأمر الميديا لا ينال اهتمامي، لكن لو استمرت يمكنك قطع المصروفات عنها وليس عن والدتها"
صمت أجابها لحظة ثم عاد وقال "هم لا يستحقون معاملتك هذه ضي"
ابتسمت وقالت "السيئة تمحوها الحسنة سيد عزمي، لم أنسى أن مدام بثينة وضعتني بينهم بالغصب فلا ألومهم على كرههم لي"
قال بجدية "لأنك تستحقين بجدارة"
ابتسمت مرة أخرى وقالت "وأنا سعيدة بوجودك بجواري فهو ما يمنحني الأمان حقا"
أجاب بصوت يحمل نبرة حنان "لأني وعدت المرحومة أن أفعل ووجدت أنك تستحقين حقا"
قالت برقة وصدق "شكرا لك"
أغلقت وعادت الشركة وتخطت كل الأزمات بنفس روح المحارب التي عرفتها منذ الصغر ومرت الأيام التالية بسرعة وانشغلت بالشركة الجديدة كما كانت مؤخرا
اسبوع مر على لقائها بيحيى حتى أنها نسته بانشغالها لكن عندما كانت بالمبنى الجديد للشركة الجديدة تتابع ما انتهت إليه الأمور رأته يدخل وعيونه تتجول بالمكان وثبتت عيونها عليه والرجال التي تحيطها ما زالت تتناقش معها وعادت لهم وردت حتى انفضوا من حولها لتنفيذ تعليماتها وهي تنتظر يحيى وهو لم يجعلها تنتظر كثيرا وهو يتحرك ليقف أمامها وقال
"احتجت لرؤية المكان قبل بداية حملة الإعلانات"
ضاقت عيونها وهي تراقب نظراته وقالت "وأنت تفعل هذا مع كل صفقاتك؟"
ابتسم وقال "بالطبع"
مالت برأسها وقالت "وتختار وقت وجود أصحابها؟"
لم ترحل ابتسامته وهو يثبت نظراته على عيونها وقال "ليس الجميع فقط من لديهم تلك العيون المبهرة"
لم تفر من أمامه ولم تهزها كلماته بل قالت "والمكان لك"
وتحركت لتذهب ورغم أنه تفاجأ من تصرفها ورفضها الدائم له إلا أنه استعاد نفسه وأسرع يتبعها حتى وصل لها وقال "ألن تتراجعي وتوافقي على دعوتي المؤجلة؟"
فتح لها رجل الأمن الباب وهي تقول "وما الذي يجعني أفعل؟ هو مبدأ وأنا لا أغير مبدئي"
وصلت للسيارة ولكنه هتف "وأنا أعلم أنك ستفعلين، بالتأكيد ستعيدين التفكير لو تقابلنا وتعارفنا، نحن بحاجة لفرصة"
اعتدلت لمواجهته وقالت "فرصة لماذا سيد يحيى؟"
ابتسم وقال "لنتعارف وربما تدركين إعجابي بك وتبادليني إياه"
كان عليها إيقافه بآخر كارت لديها نادرا ما تستخدمه لكن الآن عليها أن تفعل "وأنا امرأة متزوجة؟ لا أظن أنني سأفعل ولا أنت ستقبل"
وتحركت والسائق يفتح لها فدخلت السيارة دون النظر له وهي تدرك أنه لم يكن يعي أنها زوجة سليم وريث بثينة الأول وأنها ليست حرة نفسها رغم أن الأمر كله على الورق فقط
****
هتف بوجه السكرتيرة "ماذا تعنين بأن الإعلانات نزلت وتتحدث عن الافتتاح؟"
تراجعت الفتاة من غضبه وقالت "لقد ارسلتها لك ولكنك لم تفتحها، الإعلانات مستمرة منذ اسبوعين تقريبا واليوم أعلن عن تاريخ الافتتاح"
التفت للجهاز وما زال الغضب يأخذه، هل تتحداه؟ لم يرسل الامدادات وطالبها بإعادة التقييم ولكنها لم تهتم والآن تفتتح المبنى وكل ذلك دون إبلاغه بالأمر؟ شريكة من هي؟ بالفعل رأى الإعلانات وبطريقه رأى رسالتها التي لم ينتبه لها
"لقد أعدت التقييم ووجدت ما أحتاج له بمكان آخر والافتتاح يوم.."
دق بيده على المكتب وهتف بالعربية "أنتِ تتحديني"
التفت ورأى السكرتيرة فهتف "اخرجي"
فرت هاربة وهو يجذب الهاتف بغضب وهاتفها لكن هاتفها كان مغلق فزاد غضبه أكثر وبدون تفكير هاتف السكرتيرة بنفس الغضب وقال "احجزي لي بأول طائرة لمصر"
وصفع الهاتف بنفس الغضب وهو يشعل سيجارة وينفخ الدخان بغضب نيرانه تشتعل داخله وهو من كان سبب تلك الحرب وظن أنها ستتراجع أمامه ولكنها لم تفعل فهل قلل منها أم أنها تسخر منه