رواية من اجل ابنائي وزوجتك الفصل التاسع عشر 19 بقلم صفاء حسني

        

رواية من اجل ابنائي وزوجتك

الفصل التاسع عشر 19 

بقلم صفاء حسني

بتبرير وعدم مبالاة، فارس: "مكنتش أعرف إنّ بنته ومراته معاه، لكن أنت بردو طلعت محظوظ، لأنه اتنقل علي نفس المستشفي إلّي أنت فيها، ولما المحامي العبقري دا، قرار يغير ملامحك، لما قلب سيف تتطابق مع قلبك، وقتها عمره ما فكر إنه يغير ملامحك، لكن أنا إلّي أقنعته يغير وشك، لأني ما صدّقت أن ناهد منهارة، ولازم أكون جمبها، تروح انت ترجع تاني، دا مستحيل، كارثة، كان لازم أمنعك ترجع، روحت اتفقت مع ممرضة تحقّنك بحقنة تسببّلك خلل في الذاكرة، ولما فوقت طبعا ما عرفتش تتعرف على نفسك، وقدر المحاميّ يتفق مع الدكاترة يغيروا شكلك، وبعدها سافرت، وأنا ارتحت لحد ما رجعت تاني."


سيف وقتها كان واقف مذهول، عنيه متسعة ووشه اتبدل من الصدمة، كل خط في ملامحه ارتجف، كأن الحقيقة اللي طول عمره بيدور عليها وقعت على قلبه زي جبل.


بحزن ويأس، سيف بحزن: "وأيّ تاني عملته معايا؟ أو سبت أيّ معملتوش يا أخويا العزيز، إحكي..."


قالها وصوته اتكسر، الدموع محبوسة في عنيه، شفايفه بترتعش، كأنه مش قادر يصدق اللي بيسمعه.


باستهزاء وتجاهل، فارس: "هههه: أخوك، أنت عارف إنّنا عمرنا ما أعتبرنا نفسنا أخوات..."


بتأكيد وصدق، سيف: "عندك حقّ في دي."


سيف نطقها بنبرة خالية من أي دفء، وشه اتجمد، كأنه اعترف لنفسه قبل ما يعترف لفارس، وعنيه فيها وجع ومرارة.


بتقلب وتساؤل، فارس: "أيّ، هترسم الطيبة دلوقتي؟ والّا لما عرفت إنّك حسام، قلبك اتغير، وحنّ ورقّ؟ ياريتك فضلت تايه مش فاكر حاجة، كنت قربت أوصل لناهد خلاص..."


بتحدي واستهزاء، سيف: "هههه: بسّ إنت ٨ سنين ما قدرتش توصل ليها، عارف ليه؟ لأنها حبتني أنا، مش إنت بسّ، عايز أفهم ليه دبرت قتل بنتي؟ أنا غبي فعلاً، أنت قتلت أخوك، مش هتقتل بنت أخوك..."


صوت سيف اتغير، بقى مليان غضب، عروقه بارزة في رقبته، عنيه اشتعلت نار وهو بيقرب خطوة ناحية فارس، جسمه بيرتعش من القهر.


باعتراف وتبرير، فارس: "أنا كنت ناوى أخطفها، وأجبر ناهد تتجوزني، لكن كلّ مرة إنت إلّي بتطلع كسبان، حصل اللخبطه في كابل كهربا هناك، سبب حريق، وقلب ناهد إتوجع، وكان انتقامي إتحقق، وكلّ مرة إنت تطلع كسبان..."


بإغماء وانهيار، وفجأة تقع ناهد من طولها، وتجري بسنت علي امّها وتمسكها.


بحزن ورجاء، بسنت بحزن: "ماما، أرجوكي اوعي تسبيني مرة تانية، أنا ما صدّقت ليقتك..."


سيف وقتها صرخ بأعلى صوته، صوته كان مليان رعب، ركع على ركبته جنب ناهد، وشه مصفر، عينيه بتدمع بغزارة، مد إيده يحاول يفوقها وهو مش مصدق إنها وقعت قدامه كده.


بنداء وقلق، حسام: "ناهد حبيبتي، حدّ يبلغ الإسعاف بسرعة..."


مع تسريع الأحداث، الشرطة قبضت علي فارس بتهمة قتل سيف، وتم نقل ناهد بسيارة الإسعاف... وحازم من المفاجأة مش مصدّق نفسه، حلمه اتحقق فجأة، أصبح ملازم لبسنت دون أن ينطق، مرت الأيام، وفاقت ناهد، لكن من الصدمة، الضغط عليها وحصل لها جلطه خفيفة أثّرت عليّ يديها وشوية في الكلام... أما حازم فعل المستحيل إنّه يقنع بسنت إنّها تظل خلود، لكن بسنت رفضت.


بقبول وتفهم، ابتسمت بسنت ابتسامة صغيرة وهي تحاول تبان هادية رغم اضطراب قلبها، وقالت بصوت فيه مزيج بين السخرية والاستسلام:

"لو المراقبة من بعيد مفيش مشكلة، وأكيد هنتقابل إحنا في مكان واحد، ممكن حياتك مختلفة عن حياتي، لكنّ أنا دلوقتي بقيت مجبورة أعيش نفس حياتكم مع ماما وجدتي وبابا وأخواتي..."


اقترب منها حازم وعينيه بتلمع برجاء، كأنه بيتوسل لآخر فرصة، وقال بصوت دافيء مهزوز بالعاطفة:

"ممكن أضمّك ضمة واحدة أعيش عليها..."


لم تتردد بسنت، جرت ناحيته وكأنها طفلة بتهرب من خوفها، وارتمت في حضنه وهي بتبكي بحرقة، كأنها بتودّع عمر كامل.


وبصوت مخنوق بالدموع قالت:

"هتوحشني يا حازم..."


مسح حازم على شعرها بحنان، وصوته كان كله حب ويقين:

"بسّ إنتِ دايما معايا..."


ومع اللحظة دي، اتفرقوا... كل واحد مشي في طريقه.

ثماني سنوات مرّوا كأنهم دهر. قدرت بسنت مع حسام يخرجوا ناهد من صدمتها، أما الأطفال ببراءتهم اتقبلوا شكل أهلهم الجديد بسهولة، يمكن عشان الكرتون والأفلام اللي كانت مأثرة فيهم.

وبسنت كبرت، وأصبحت دكتورة فيزيا وعلاج طبيعي، جمالها وعقلها اتضاعفوا، وأمها اتعالجت وبقت أقوى، ورغم إن حسام عمل المستحيل معاها طول السنين، إلا إنها لسه واخدة منه مواقف بسبب غيابه الأول.

الجدة رحلت عن الدنيا، روان ورامي كبروا وبقوا في الإعدادي، وحسام نجح في شغل أبوه لكن بالحلال، من غير أساليب ملتوية.

أما محمود وسها، سافروا للحج بعد ما عرفوا إن بنتهم ماتت، وقرروا يكفّروا عن كل ذنوبهم بالتقرب من ربنا، لكن اتوفوا في حادث وهما راجعين.

في عزاءهم، ظهرت بسنت بكل أنوثتها وجمالها وعقلها، واقفة بعيد، بترقب حازم زي ما هو بيراقبها. وبعد سنة واحدة من المراقبة، انتصر حبهم على كبريائهم وكل الظروف.


جلس حازم بعد فترة، ماسك خطابها وصوته فيه بحث واشتياق وهو بيقفل الورقة بحزن:

"هيّ فين حبيبتي ديّ؟ ممكن فعلاً أنا نصيبي أعيش وحيد من غير عيلة، ولا حبيبة..."


وبعدها، جلس في وحدته، ماسك صورة لبسنت يتكلم معاها كأنها بتسمعه. عيونه كلها شجن، وصوته مهزوز:

"وحشتيني يا قلبي، في كلّ لحظة وكلّ ثانية بحسّك معايا، رغم إنّي وحيد..."


وفجأة، سمع صوتها وكأنه بيخترق الصمت:

"بزمتك أنت وحيد، وأنا جمبك..."


رفع عينيه بدهشة وفرح، وقال وهو مش مصدّق:

"إنتِ جمبي في الصورة بسّ، في الحقيقة قلبك ما قدرش يختارني حبيب، ممكن أخّ، صديق..."


ضحكت بسنت بخفة فيها غيظ ودلع وقالت:

"طيب خلاص، أروح أدوّر على زوج غيرك، ماشي يا بابا..."


وفي اللحظة دي، قرب حسام بابتسامة عريضة، ومد إيده يقرص حازم من إيده ضاحكًا.


وقال بحنان أبوي:

"أنت ناسي إنّك إبني التاني..."


وقف حازم مذهول، عيونه مليانة فرحة ودموع، وقال بتردد:

"أستاذ سيف... عفوا، أقصد عمّي حسام... خلود، أقصد بسنت..."


ضحكت بسنت بصوت عالي وهي تقول بسخرية محببة:

"ههههه، أنت فقدت الذاكرة ولا أيّ..."


وهنا تدخلت ناهد بابتسامة فيها حنية وهي تهدي الموقف:

"بالراحة عليه يا ولاد، هوّ متوقعش إنّك تيجي..."


وبصوت متعاطف كملت وهي تبص لحازم:

"يا ابني، معلشّ عمّك سيف وخلود اتجننوا بعد ما ملامحهم إتغيرت..."


رد حسام وهو يهزر، وصوته فيه غيرة متخبية:

"بقى كدا؟ مش إنتِ إلّي رفضتي ارجع لشكليّ الأصلي..."


ضحكت ناهد بعفوية وهي تبص له بإعجاب:

"أصلي اكتشفت إنّك كده وسيم أكتر من زمان..."


اتقمص حسام ورد بغضب متصنّع:

"بقى كدا؟ يعنى أنا كنت وحش؟ الله يسامحك..."


ضحك حازم بشدة على المشهد الطفولي اللي قدامه، واتقرب من بسنت وهو عينيه مليانة عتاب وشوق:

"أهون عليكي المدة ديّ كلّها..."


ابتسمت بسنت وهي تحاول تبان قوية:

"يا بكّاش، هوّ ٨ أيام كنت في مؤتمر طبي، ووعدتك أول ما أجيّ نحتفل بعيد جوازنا..."


ضحك حازم وقال بحب:

"إنتِ عارفة لو يوم بحسّه بسنه وأنا بعيد عنّك؟ شوف بقى ٨ أيام بحالهم عندي ب ٨ سنين..."


ضحكت بسنت بخفة:

"هههه: علشان كده موفيتش بوعدك وجيت بعدها بسنة، وطلبت إيديّ من بابا ولعبتوا عليّ..."


ابتسم حازم واعترف وهو يهزر:

"هههه: آه، واتجوزتك وإنتِ في تانية، أصل الصراحة مينفعش أضيع مزة من إيديّ، علشان عقلها متفتح، ومتعقدة..."


اتقمصت بسنت وقالت بتهديد طفولي:

"بقى كده؟ طيب أنا مش راجعة البيت..."


ضحك حسام وقال وهو يهدّي الموقف:

"هههه: يا مجنونة، زيّ أمّك بالظبط، ما حازم عايش في البيت معانا من وقتها، إنتِ نسيتي؟ وقتها شرطت عليه، لو تمّ الجواز يعيش معاكيّ هنا معانا..."


اتذكرت بسنت فجأة وقالت وهي حاطة إيدها على راسها:

"أخ، آه نسيت، أصل اتخيلت لو كنت نفذت الفكرة اللي اتفقت معاه عليها، كان هيكون حالنا أيّ..."


تنهد حازم بصوت فيه وجع:

"كنت أموت من الوحدة..."


مسحت بسنت على إيده بحنان وقالت:

"بعد الشر على قلبك..."


سألها حازم بصوت فيه شوق:

"فين خلود حبيبة بابا..."


ابتسمت وقالت:

"كانت مشتاقة لخالتها روان وخالها رامي، أول ما رجعنا من السفر، رجعت جريّ عليهم."


اتقمص حازم وغيرته ولعت وهو يقول:

"ونسيت أبوها يا بنت اللذين..."


وهنا قرب من حسام، وانحنى يقبل إيده بتقدير عميق.


وقال وهو بيحاول يسيطر على دموعه:

"أنا مش عارف أشكرك إزاي على كلّ حاجة عملتها معايا، وخصوصًا حبيبة قلبي بسنت. صدقني، أنا من يوم ما شفتك وكنت بعتبرك أبّ ليا، ومش عارف كانت حياتي هتبقى إزاي لو ماكنتش عايش في وسطكم..."


سحب حسام إيده بسرعة ورفع حازم لفوق وقال بابتسامة كلها حب:

"عيب عليك... أنت إبني. وأنت كمان وقفت معايا أنا وبنتي في أصعب الظروف..."


وضم بسنت وحازم ناحيته وهو يكمل كلامه:

"أنا اتعلمت من إلّي حصلي إنّ القوة بتكون نابعة من القلوب مش من الهروب. ولو كنتِ هربتي يا بسنت بكذا حجة، كنتِ هتخسري كتير، لو كنتِ بعدتي عن حبيبك..."


دموع بسنت غرقت عينيها، ورمت نفسها في حضن حسام وقالت:

"كنت خايفة يا بابا، لكن لما سمعتك وأنت بتقول هروبك وخوفك هما اللي دمروا حياتك، روحت فكرت وخوفت فعلاً ألاقي حازم بعد ٨ سنين متجوز واحدة غيري، وناسيني..."


كان الليل ساكن، والهوا بيلف حوالين الشرفة بهدوء. بسنت واقفة قدام القمر، عينيها فيها لمعة شوق، وشعرها سايب على كتافها.


قرب منها حازم بخطوات هادية، كأن كل خطوة محسوبة على دقات قلبه. وقف وراها، وبصوت واطي مليان دفء قال:

= وحشتيني أوي، حتى وإنتِ جمبي.


التفتت له بسنت بابتسامة صغيرة، فيها تحدي وخجل في نفس الوقت:

= يعني إيه؟ مش مكفياك؟


مد إيده ومس شعرها، وعينيه مثبتة على ملامحها:

= لا، أنا عمري ما يكفيني منك حاجة... إنتِ عندي زي النفس، كل ما آخد منك أحتاج أكتر.


حست قلبها بيترعش من كلماته، قربت خطوة وقالت وهي بتتنفس بسرعة:

= بس أنا ساعات بخاف يا حازم... أخاف من الزمن يسرقنا.


شدها ناحيته، حضنها بكل قوته، وقال بصوت مبحوح:

= الزمن لو حاول يسرقك، هاسرقه أنا. مش هسيبك، ولا ثانية.


غمضت عينيها جوه حضنه، ودمعة صغيرة نزلت من عينها وهي تهمس:

= أنا بحبك... ومش عايزة غيرك.


ابتسم وهو يقبل دموعها:

= وأنا كمان... إنتِ عمري اللي استنيته.


🌹 


بتأكيد وطمأنة، حازم قال وهو ماسك إيد بسنت بحب:

= لا يا قلبي، متخافيش، كنت آخدت إذنك قبل ما يحصل...


بمزاح وتهديد، بسنت تضربه على كتفه ضربة خفيفة وهي تضحك:

= كنت إعملها كده، وأنا هوريك... (وتحضنه بقوة) أنا أول ما ضمّيتك، وأنا بسيبك، عرفت وقتها إن الحضن ده بتاعي أنا وبس.


وبعد قليل يدخل جاسر ومعاه مي علشان يحتفلوا بعيد جواز حازم وبسنت.


بتهنئة وتقدير، مي قالت بابتسامة عريضة:

= كل سنة وأنتم طيبين يا حازم وإنتِ يا بسنت.


بترحيب وتهنئة، بسنت قامت تضمها بحب:

= وإنتِ طيبة يا مي، إيه أخبار النونو؟


بلمس وحب، مي تحط إيدها على بطنها وتضحك:

= مجننّي، أنا مش عارفة أشكرك إزاي إنتِ وحازم... رغم اللي عملته معاكم إلا إنكم ما تخلتوش عني، وكنتم دايمًا بتزوروني. ولولا وقفة جاسر الشاب القمر ده، مكنتش خفيت.


بمزاح وغيرة، حازم يضحك ويقول:

= يخربت عقلك! إنتِ بتعاكسي جوزك قدامنا؟ يتغر يا بنتي.


بتبرير وتوضيح، مي ترد بسرعة:

= مش بيتغير، ديل الكلب عمره ما يتعدل.


بضحك وتشجيع، بسنت تمسك إيد مي وتضحك:

= يتغر براحتُه، مش جوزها. أخرج منها إنت يا حازم، إحنا ما صدقنا الضحكة ترجع على وشها.


بإقصاء وتحدي، حازم يعقد إيده:

= يعني أطلع منها أنا؟


بتأكيد وموافقة، جاسر يتدخل ضاحك:

= آه طبعًا، إنت مش هتقدر عليهم.

باستسلام واعتراف، حازم يرفع إيده مستسلم:

= عندك حق، وقعونا في شباكهم، أولاد اللذين...

والكل يضحك.

بكشف عن الحقيقة، مي تقول وهي متذكرة:

= مين اللي وقع مين؟

               الفصل العشرون والاخير من هنا

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>