رواية مغسل الموتي الفصل الاول 1 بقلم مي علي


 رواية مغسل الموتي 

الفصل الاول 1 

بقلم مي علي

العرق البارد 

( قصة مغسلة الموتى )

الفصل الأول : شيخ الكار

عم "كامل" من صغره وهو في المهنة دي، بالظبط كده من وهو عنده سبعتاشر سنة

ملقاش شغلانة أنضف ولا أصدق من إنه يغسل الموتى في القاهرة اللي مفيهاش حد سامع التاني

تلاتة وتلاتين سنة بين جثث تلج، في أوضة بلاطها أبيض ومطفي، والبخور دايماً مولع في الركن

كامل مبيخافش من الميتين، بالعكس، بيرتاح لهم. دول ناس خلصت مشوارها، وهو كل مهمته يسلمهم نضاف لربنا

كانت الدنيا بتليل خلاص، والساعة قربت من اتناشر بالليل في مغسلة "مقابر الغفير" القديمة

الشارع ساكت خالص، وكامل مش سامع غير زنَّة لمبة النيون اللي فوق راسه وصوت عربية "الترحيلات" وهي بتصف جنب الباب

"السلام عليكم يا عم كامل"

"وعليكم السلام يا ابني

مين اللي جاي المرة دي؟" سأل كامل بصوته الواطي، وهو بيجهز المية الدافية والأدوات


"ده من بيت قديم قوي في الجمالية، لسه لاقيينه


اسمه 'عزت'، كان عايش لوحده بقاله سنين، ومات من يومين تلاتة كده

 

قال السواق وهو بيزق النقالة اللي عليها الجثة 

ريحة مش لطيفة شوية يا عم كامل، خد بالك"


رفع كامل الملاية البيضة وهو بيشم ريحة التحلل الخفيفة اللي متعود عليها


الراجل كبير في السن ورفيع، بس اللي شد انتباهه على طول هو وشه : وش فيه تجاعيد كتير، بس عليه تعبير غريبة 

مش تعبير حد مات مستريح، ولا تعبير وجع، لأ، كانت ضحكة مُتصنعة كده، واسعة ومغشوشة، كأن حد شد بقه عشان يضحك بالعافية ومسكه على الوضع ده قبل ما ينشف


"يا ساتر. .. إيه الابتسامة دي بس؟" 

تمتم كامل وهو بيستغفر ربنا


بدأ كامل يغسل الجثة بالراحة وبالروتين اللي اتعود عليه


 بس كل ما يغسل حتة في الجسم، بتظهر علامات كامل عمره ما شافها في حياته كلها :


الإيدين : إيدين "عزت" كانت متشنجة بطريقة مش طبيعية، صوابعها ماسكة في بعض كأنها بتقفش على حاجة مش باينة، بس باطن إيديه كان عليه أثر غريب


مكنتش جروح عادية، دي كانت خطوط رفيعة وغويطة زي الوشم أو الحرق، على شكل رموز مش مفهومة، مش حروف عربي ولا إنجليزي


العلامات دي كانت لسه جديدة، ومراحتش مع الصابون والمية


الجلد : جلد الراجل كان أبيض شاحب زي أي ميت، بس تحت ودنه الشمال بالظبط، لقى كامل بقعة صغيرة غامقة، شكلها زي لسعة سيجارة قديمة، بس لونها بنفسجي غامق


لما كامل لمسها بصباعه، حس بـ برودة جامدة جداً أكتر من برودة باقي الجسم، كأن الحتة دي متجمدة


العينين : كانت عينيه مقفولين، ولما كامل حاول يقفلهم كويس زي الأصول، مرضيوش يتقفلوا على الآخر، ففضلت فيه فتحة ضيقة جداً بتسمح بنظرة سريعة على بياض عينه، كأن الراجل ده لسه بيراقبه من الشق ده


كامل حس برعب بارد بيزحف على ضهره


سمى الله وقرأ آيات من القرآن عشان يطرد أي وسوسة 

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

مجرد تشنجات الموت يا كامل، متتوهمش"


بس الكلام ده مريَّحهوش الجثة دي مش زي أي جثة


فيه حاجة مرعبة ومتعمدة في العلامات دي الراجل ده كان إيه؟ ومات فين؟


لما خلص كامل التغسيل والتكفين، حط الجثة على نقالة الانتظار


بس وهو بيشد الملاية البيضا عشان يغطي وشه، شاف كامل الضحكة الغريبة دي للمرة الأخيرة، وحس إن الشق الضيق اللي في عينه فتح شوية، لحظة واحدة بس، ورجع زي ما كان


في الليلة دي، كامل مقدرش ينام في أوضته الصغيرة اللي لازقة في المغسلة فضل يفكر في وحدته؛ هو وجثة "عزت" في الأوضة اللي جنبه، ومئات الميتين اللي نايمين ورا الحيطة


عطش جامد، فقام يشرب وهو معدي جنب المغسلة، سمع صوت


مش صوت جاي من الشارع ده صوت جاي من جوة أوضة التغسيل


كان صوت واطي، زي تنهيدة مكتومة أو حشرجة قصيرة، وبعدها حركة خفيفة على البلاط


كامل وقف مكانه.د "مين هناك؟" سأل بصوت مهزوز ميعرفش يمسكه


سكوت

"مفيش حاجة يا كامل دي الفيران" حاول يقنع نفسه


بس بعد شوية، الصوت اتكرر، والمرة دي كان صوت كحت، كأن ضوافر طويلة بتحاول تحك في البلاط الأبيض


دقات قلب كامل بقت زي طبول بتخبط في صدره ممكن يكون الراجل مماتش؟ لأ، كامل عارف كويس الفرق بين الجثة والعيان


اتسحب كامل لحد الباب، وفتحه بالراحة خالص ضوء النيون لسه بيزن بص على الأوضة :

النقالة اللي عليها جثة عزت في مكانها

الأدوات مترتبة

مفيش أي حاجة


بس لما بص على جثة عزت، لقى الملاية البيضا اللي بتغطي وشه اتزحلقت شوية لتحت، كأن إيد سحبتها من عند دقنه، ومبينة الضحكة المتصنعة دي تاني


الحاجة اللي خلت الدم يتجمد في عروقه هي إنه شاف بوضوح، على البلاط تحت النقالة بالظبط، أثر مبلول زي بصمة إيد، بس إيد مش بتاعة بني آدم صوابعها رفيعة وطويلة وممسوحة


"الراجل ده مكنش طبيعي الراجل ده كان معمُول له عمل أو هو ساحر!" تمتم كامل وهو بيرجع لورا


افتكر كامل الرموز المحروقة على كفوف عزت دي مش مجرد علامات دي طلاسم

الفصل الثاني من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا


 

تعليقات



<>