رواية سفينة نوح
الفصل الثالث عشر 13
بقلم سلمي خالد ابراهيم
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيئًا قدير. 🤎🌻
( خائن..!)
لقد تركتهم يا أحمد..!
لم تتزوجها يا حسن...!
ماتت سُبل الراحة في الدنيا، هذا الكبد مخيف بالفعل فاللهم خفف عنا هذه الأقدار وأمنحنا الصبر مع كل ابتلاء وبلاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
رأى نصب الصوان من بداية الشارع، صوت الشيخ يتلو آيات القرآن بصوتٍ عذب متأثر بشدة، تأمل ملامح الناس وهم يرددون رحمة الله على أحمد وحسن، يبدو أن سيرتهما حسنة بين الناس، سار نوح يمسك بيد ذكرى التي صممت بشدة على الذهاب، وإلى جوارها فُلة، بينما كان سعدي يسير شاردًا مختنقًا مما سمعه، كلمات حسن وصراخه لا يزال يضرب بضميره بأن يسرع في أخذ حقهما، توقفا عند العمارة كبيرة، يقف رجل كبير يرتدى نظرة لا يستطيع منع دموعه من الهبوط، وإلى جواره رجل كبير يشهق ببكاءٍ كأنه طفلًا ضاع من أمه.
تحرك سعدي نحوهما يهتف بنبرة حاول ألتزام الثبات بها:
_ البقاء لله يا عمي.
رفع جلال عينيه الحمرواتان بشدة، وجهه الشاحب من الحزن، يردف بنبرة مختنقة باكية:
_ حسن راح.. ابني الوحيد راح خلاص.. كنت بكلم أبو حنين عشانه وخلاص خدتله معاد عشان نتقدم ليها.. سبت أبوك ضهره يتكسر يا حسن آآآه يا بني.
تألم سعدي من حديثه، يشعر بأن هناك سهامًا تضرب صدره، في حين تقدم نوح بعدما أشار لذكرى بالصعود إلى العزاء الحريم، يربت على كتف والد أحمد قائلًا:
_ البقاء لله يا حاج.
أحنى رأسه بألمٍ يشعر بأن عاتقه أنكسر ولن يتحمل شيء، يردف بنبرة باكية بالكاد يستطيع تشابك حروفه:
_ قالي هيسافر أسبوع ويرجع تاني بس مرجعش.. لو كنت رفضت لا كان سافر ولا حصلتله الحادثة العربية.
ضيق نوح عينيه بشكٍ، يغمز لسعدي بأن يسأل جلال عن سبب وفاة حسن، وبالفعل استجاب سعدي قائلًا بتأثر:
_ لا حول ولاقوة إلا بالله هما مش كانوا شغاليين في القاهرة إيه اللي نقلهم؟
أدمعت عين جلال يهتف بصوتٍ محشرج:
_ كان في زيادة في السفرية دي وحسن محتاج كل قرش عشان يتجوز بس راح قبل ما يعمل حاجة والعربية أتقلبت بيهم وهما رايحين.
_ أمتى يا حج كلمك وأمتى عرفت إن العربية أتقلبت؟
سأل نوح بتوجسٍ، ليجيب والد أحمد بوهنٍ:
_ بعد شغله بيومين جه قالي هسافر يومين وراجع.. وتالت يوم من شغله يوم السفر أتقلب بالعربية.
تعجب نوح من إجابته، ليسأله بحيرةٍ:
_ طب ليه معملتوش العزا علطول؟؟
عادت دموع جلال تسيل مجددًا على وجهه، يتذكر ما حدث منذ يومين، ليجيبه برجفةٍ وكأنه يريد إفراغ ما بجوفه:
_ الجثث محروقة وملهاش معالم وأضطروا ياخدوا عينة من الجثث يتأكدوا أنهم عيالنا وياريتهم مطلعوش هما ياريتهم.
أومأ نوح بتفهمٍ لما حدث، يربت على كتف جلال بمواساة، مردفًا بنبرة هادئة:
_ أعتبرني أبنك يا حاج ووقت ما تحتاج حاجة رنلي وأنا في ضهرك.. حسن وأحمد كانوا ونعمة الصُحاب وليهم حق عندنا وعايزين نرده.
لم يركز كلاهما بحديث نوح كثيرًا بل أكتفوا بإماءة صغيرة منهما، ليعود نوح يجلس بعيدًا وإلى جواره سعدي الذي أخذ يسبهم بأفظع الشتائم، لقد خدعوا الرجلان بجثث لم تكن حقيقي. تأمل نوح من بالعزاء حتى لاحظ أحد يجلس بحِلة سوداء راقية، أمعن النظر بشكله ونظر للطاولة الموضوعة أمامه ثم تنهد بصوتٍ مختنق عندما رأى ميدالية تحمل شعار الحوت، يبدو أنهم يتأكدون من عدم معرفة الحقيقة.. حقًا أنهم أوغاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لمحت ذكرى سيدة كبيرة وإلى جوارها فتاة يبكيان بشدة، بينما تجلس بالجهة مقابلة سيدة وحدها تبكي بحرقةٍ، تقدمت ذكرى نحو نعمة تهتف بحزنٍ:
_ البقاء لله.
نظرت لها نعمة تحرك رأسها برفضٍ تام لما تقوله، تهتف بهسترية:
_ لالا معنديش حد مات أبني عايش.. قوليلي إنه عايش يا بنتي!!
أغمضت ذكرى عينيها تحاول كبح دموعها، بينما هتف لوجي بصوتٍ مختنق:
_ بس يا ماما أحمد كده هيتعذب في تربته.. لو عايزة تعذبيه كملي في الكلام دا يا ماما.
صمت نعمة فور سماعها لحديث أبنتها، تضع يدها على فمها، بينما ربتت ذكرى على يدها تهتف بحزنٍ هامس:
_ البقاء لله يا حبيبتي.
أومأت لها لوجي بألمٍ، تغمض عينيها في محاولة بائسة في السيطرة على دموعها، تحركت مع فُلة التي أتخذت حاجز الصمت، فكل شيء يذكرها بوالديها، لذا قررت الصمت حتى لا تدلف لحالتها أمامهم، أدت ذكرى واجب العزاء مع والدة حسن ثم جلسا بهدوءٍ يدعون بالصبر لهم، راقبت لوجي وهي تنهض من جوار والدتها تدلف لإحدى الغرف، لتنهض خلفها تشير لفُلة بأن تبقى مكانها حتى تعود، ثم أنطلق نحو الغرفة تطرق الباب بخفة، فتحت لوجي بوجهٍ يشع حمرة، عينان منتفختان من البكاء، شفتيها مرتجفة من ضغط الحزن، أمسكت ذكرى يدها ودلفت بها للداخل تغلق الباب خلفها ثم ضمتها بقوةٍ قائلة:
_ عيطتي يا حبيبتي!
أجهشت لوجي ببكاءٍ مرير، نوبة عنيفة، قاسية، اقتحمتها من البكاء لم تعد تسيطر عليها، ربتت ذكرى على ظهرها بحنوٍ حتى شعرت بهدوئها لتهمس بحنانٍ:
_ هديت؟
_ عمري ما قدر أهدى.. أخويا الوحيد راح بعد ما حقق حلمه وأشتغل.
عادت تلك النوبة مجددًا، تحاول السيطرة عليها ولكن هيهات وقد أنفلتت زمام الأمور لديها، تنهدت ذكرى بحزنٍ ثم قالت بصوتٍ حزين:
_ ربنا يرحمه.. هاتي تلفونك يا حبيبتي.
رفعت لوجي عينيها تبصر عليها، لتفسر ذكرى سريعًا:
_ هتكتبي رقمي وأخد رقمك عشان أكلمك.
أومأت لوجي بتعبٍ واضح، تنهض بخطواتٍ ثقيلة نحو المكتب تمسك بورقةٍ وقلم، ثم عادت لذكرى تمنحها إياهم قائلة بإرهاق:
_ خدي أكتبيه وأنا هسجله وأرن عليكِ تلفوني فاصل شحن.
شعرت بعجزٍ شديد أمام تلك الورقة، ياليتها لم تطلب من الأساس، أرتجف جسدها بألمٍ تتذكر كم الصفعات التي أخذتها على وجهها وكم لطمة تلون جسدها على أثرها، تلك الورقة الخبيثة وهذا القلم الماكر لقد كانا السبب في حرقها، أدمعت عينيها بضعفٍ تهمس بصوتٍ مختنق:
_ مش بعرف أكتب.
توترت لوجي من حديثها، وشعرت ببعض الحرج منها، لتمسك بالقلم وتبدأ بتدوين رقمها قائلة بحرجٍ:
_ أنا آسفة والله.. بصي دا رقمي رني عليا في أي وقت.
أومأت ذكرى بموافقة، تنهض من مكانها سريعًا قائلة بصوتٍ مختنق حاولت ضبطها:
_ أنا لزمًا أمشي عشان متأخرش على جوزي.
نهضت لوجي سريعًا تهتف بتوترٍ:
_ خلاص ماشي بس متزعليش مني.
ابتسمت بشحوب ترد بمجاملة:
_ مفيش حاجة يا حبيبتي.
أيقنت بأنها لازالت تعاني لتهتف بصوتٍ لايزال متوترًا:
_ طب هتأكد من كده لما ترني عليا ماشي.
حركت رأسها بموافقة، ثم غادرت الغرفة لتشير فُلة أن تتحرك معها، وبالفعل تحركت نحوها تشعر بتعجبٍ من ملامح ذكرى الشاحبة، سألتها بخفوتٍ وهما ينزلان الدرج:
_ مالك؟؟
حركت رأسها بنفيٍ، تردد بهروبٍ:
_ مفيش بس عايزة أروح بأسرع وقت.. خدي رني عليهم خلينا نمشي.
أومأ فُلة بدهشة منها ثم أمسكت الهاتف تتصل على نوح تخبره بأنهم يريدون المغادرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاحظ ملامحها الشاحبة وعينيها اللتان ترفضان النظر لأحد، تحاول الهروب من شيءٍ يأتي بمخيلتها كل لحظة، يديها اللتان ترتعشان بشدة تقبض على حقيبتها بقوةٍ كأن هناك من سيسرقها، أوقف السيارة بعد وصولهم، ثم نادى عليها بهدوءٍ ليتحدث معها ولكنها فتحت باب السيارة سريعًا تغادر قبل أن يسألها عن شيء، تصعد الدرج بخطواتٍ سريعة مهرولة للدخل كأنها لص يحاول الهروب من الشرطة، طرقت الباب عدة مرات تحرك قدميها بشكل اهتزازي كبير، أخيرًا فُتح الباب لتندفع إلى الداخل متجهة نحو غرفة تغلق الباب عليها أسفل ذهول حميدة التي فتحت الباب وداليدا التي دُهشت من سرعتها، لتهتف بقلقٍ:
_ هي مالها يا حميدة؟؟
مطت حميدة شفتيها بعدم فهمٍ، تدير رأسها نحو فُلة التي صعدت للتو وخلفها سعدي، علقت حميدة عاقدة حاجبيها:
_ هو فين نوح؟؟
_ قال عايز يقعد لوحده شوية.
نبس إجابته بتنهيدة بعدما جلس على الأريكة، في حين أغلقت حميدة الباب تسأل بقلقٍ:
_ هو أتخانق مع ذكرى؟؟
قطب جبينه بدهشةٍ يجيبها بتعجبٍ:
_ يتخانقوا فين؟؟ إحنا روحنا العزا ولما رجعنا لقينا ذكرى نزلت بسرعة وطلعت علطول حتى نوح نادها بس هي مردتش.
توترت حميدة أكثر وقررت النهوض لترى ما بها، ولكن أوقفتها فُلة تغمغم بحزنٍ:
_ سبيها يا خالتي.. طالما عملت كده يبقى مش عايزة حد يكلمها وبتهرب من الكلام.
انكمشت ملامحها بضيقٍ تردف بحزنٍ مشيرة نحو الباب:
_ يعني نسيبها كده من غير ما نعرف مالها؟؟
ربتت فُلة على كفها تردف ببسمة صغيرة:
_ ذكريات أكتر واحدة مش بتحب تشارك حزنها لحد أبدًا مهما كان درجة قربه.. حتى ستي الله يرحمها كانت تتشقلب قرد معاها وهي تفضل ساكتة يمكن تمثل الضحكة عشان تقنعنا أنها كويسة.. وبنضطر نسكت لما منلقيش معاها نفع.
عقدت حميدة ما بين حاجبيه، تعود وتجلس بحالة من الضيق الشديد، تحرك رأسها برفضٍ قائلة:
_ بس الحال دا مش هينفع خالص.
زفرت فُلة بتعبٍ تردف بنبرة هادئة:
_ والله يا خالتي نفسي ألقي حل بس للأسف مفيش.
عبست ملامح حميدة، بينما شعرت داليدا بالحزن لأجلها ولكن لم تنبس بكلمة فلا يوجد ما تتفوه به معهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت لملامحها المنعكسة بالمرآة تتأمل شحوب وجهها، ولونه الذي بُهت بشدة، رفعت أناملها تلامس وجهها وكأن هناك من لطمها على وجنتها، أدمعت عينيها بشدةٍ ثم بدأت تتساقط دموعها، ترفع يدها للدبوس تنزعه من حجابها، ثم أمسكت بتلك القماشة ونزعتها بقوةٍ، لا تطيق وضعها على رأسها مجددًا، أنسدل شعرها بعد حركتها العنيفة، كان متوسط الطول يصل ما بعد منتصف ظهرها، أغمضت عينيها تحاول كبح دموعها ولكن كيف وقد هاجمتها تلك الذكرى المخيفة...
****
_ يا ماما مش عارفة أمسكه.. مش عارفة.
صاحت بتذمر طفولي واضح، تدفع القلم بعيدًا بنفورٍ شديد، نظرت جميلة بعجزٍ فهما يجلسان لوقتٍ طويل لإنهاء واجبها الخاص بـ " حضانة"، نظرت للساعة فوجدت موعد عودة نادر على وشك الأقتراب، هتفت بحنانٍ لتلطيف هذا الأمر:
_ طب إيه رأيك أمسك إيدك ونكتب سوا.
مطت شفتيها بعبوسٍ ثم أومأت بإيجاب لتنهي تلك الجلسة، وبالفعل بدأت جميلة بمساعدتها في كتابة ولكن فُتح باب الشقة وأغلق بقوةٍ مما جعل جميلة تنتفض بشدة، تنظر نحو ذكريات بقلقٍ من أن تُلقى بطشة نادر عليها، تركتها لتذهب له، ولكن أمسكت ذكرى يدها تردف برجاءٍ:
_ لاء متسبنيش عشان خاطري.. أنتِ قولتي هنكتب الواجب وتسرحي لذكرى شعرها.
حاولت نزع يدها عنها ولكن تمسكها بإصرارٍ غريب، لتهتف جميلة بخوفٍ ممزوج برجاءٍ:
_ ذكريات حبيبتي سيبي إيدي هشوف بابا عايز إيه وأرجع.
نفت برأسها برفضٍ صريح، تصيح بتذمرٍ وصل لمسمع الجميع:
_ لاء بابا مش مهم.. أنا بس اللي مهمة..
دقائق كان قد اقتحم الغرفة بأعينٍ حمراء تحمل غضبًا كالبراكين الثائرة، ينظر نحو ذكرى بشراسةٍ، بينما أرتجف جسد جميلة تخفي ذكرى خلفها قائلة بخوفٍ واضح يحمل رجاءًا صريح:
_ بالله عليك بلاش تعمل فيها حاجة.. دي عيلة متقصدش و... آآآه!!
أمسك بذراع جميلة بقوةٍ جعلها تصرخ بألمٍ يدفعها خارج الغرفة يهدر بعصبيةٍ:
_ أمشــــــــــــي غوري من هنا يــــــــــلا!!!
أغلق الباب بقوةٍ يحرك المفتاح حتى لا تقتحمها مجددًا، يستدير نحو ذكرى التي أرتجفت بشدةٍ تلتصق بنهاية السرير جوار الحائط، مد قبضته الفولاذية يمسكها من ذراعها بقوةٍ يغرز أظافره بها حتى صرخت بألمٍ، ترتجف بين يديه كعصفورًا صغير لم يجد عُشه ولا أمه، هسهس نادر بنبرة مخيفة:
_ عايزة ماما تعملك إيه يا ذكريات!!
أرتجف شفتيها وتبخرت الكلمات من رأسها، فلم تجيبه، ليرفع كفه يصفعها بشدةٍ على وجهها، صرخت ذكريات بألمٍ تسيل دموعها بغزارة، ليكرر نادر السؤال بصراخ أكبر جعلها تنتفض بشدةٍ، أجابته بصوتٍ مختنق من الدموع:
_ تساعدني في واجب وشعري أسرحه.
لم تتناسق الكلمات بل خرجت عشوائية ولكنها حاولت توضيح رغبتها، أظلمت عين نادر بشدةٍ، يدفعها بعيدًا لتسقط على الأرض تتأوه بألم شديد، نظر للكشكول الذي تدرس فيه، وقم بتمزيقه أمامها يردف بنبرة قاسية عنيفة:
_ أنتِ فاشلة ومش نافعة في حاجة ولا بتعرفي تمسكي القلم مع إنك كبرتي وبقيتِ بغلة فاهمة يا ذكريات!!
دفع الورق بوجهها ومعه ذلك القلم الأسود، أنطلق نادر نحو أحد الأدراج يبحث عن شيء حاد، ليقسط بصره على مقص صغير، انتشله من الدرج ثم أنطلق نحو يمسكها من خصلات شعرها بقوةٍ أسفل صراخها، تهتف برجاءٍ وجسدًا مرتجف بقوةٍ، تحاول التملص من يده:
_ عشان خاطري يا بابا بلاش شعري أنا بحبه طويل.. عشان خاطري بلاش.. والله مش هتكلم ومش هعمل حاجة تزعلك بس شعري لاء!!
إزدادت رغبته في تحطيم رغبتها، ليبدأ بقصه بقوةٍ، حتى أندفع طرف المقص برقبتها ليجرحها بقوةٍ، صرخت بقوةٍ من شدة الألم، تزداد دموعها شدة ورجفة جسدها تزداد دون رحمة، تهمس بضعفٍ:
_ رقبتي.. رقبتي أتعورت آآآه كفاية.
أكمل هو تمزيق أخر خصلات شعرها حتى بالكاد أصبح يصل لأسفل أذنها بصعوبة، نظرت للأرض ترى خصلات شعرها الملقاة بإهمالٍ، قطرات الدماء التي تقطر عليه، شعرت بأن هناك شيء بُتر من داخلها، لقد تدمر جزءًا قوي منها، استمعت لصوته الكريه:
_ المرة الجاية مش بس رقبتك هتتعور لا دا أنا هقطعها خالص.
لم تشعر بشيء بعدها.. لقد فقدت وعيها لم يتحمل عقلها ذلك السيناريو الأسود.. تدمرت خلايا عقلها وأصبح ينسج رحلة للهروب من هذا الواقع المرير، لقد بترت القسوة ذاتها لتصبح بلا هوية.
تخيل عزيزي المشاهد طفلة صفعها الواقع بمرارته.. وهي ذاتها صفعة يتعرض لها شاب يافع في العشرينات من عمره. لم تدخل جميلة لتساعدها أجبرها على جلوس معه وعدم تركه في حين ظلت ذكريات تُبتلع بصندوقها الأسود لتصبح أول ذكرى صفحة وقص شعرها الطويل أغلى ما تمتلكه، أتى صباح اليوم التالي لتصبح ندبة بارزة بسبب عدم خياطتها.
*****
أزاحت شعرها إلى جانبها الأيسر، لتبرز رقبتها من جانبها الأيمن، تتأمل تلك العلامة الطويلة البارزة بوضوح، سالت دموعها بألمٍ، ثم تحركت نحو الفراش تضم ذاتها لعل محاولتها البائسة تمنع شعورها بالبرودة، جلست على الفراش تدثر وجهها وسط الوسادة تضمها بقوةٍ، ثم بلحظةٍ أجهشت ببكاءٍ مرير فلازال الجرح حيّ يؤلمها بشدةٍ بكل مرة تعجز عن إمساك القلم أو تسريح خصلاتها المموجة.
ـــــــــــــــــــــــــ
_ أطلـــــــــــــعي برة!!
صرخة عنيفة أطلقتها بتلك الخادمة الأمريكية، لتهرول الأخرى إلى الخارج بعدما أدت مهمتها في تنظيف الغرفة، تغمغم بكلماتٍ لاذعة على هند، بينما بقيت الأخر تضم الفراش لها بألمٍ، تسيل دموعها بصمتٍ من عجزها الواضح، نعم قامت بالعملية ولكن لم تعد تمتلك الرفاهية في عمل تلك الجلسات الطبيعية، يعلم بخططها في الهروب منه، لذا قرر معاقبتها وتركها عاجزة بتلك الطريقة. لقد ماتت الحياة بنسبة لها، كل ما تريده الابتعاد عن تلك العائلة، فهي أصبحت تكره كل ما يربطها بالشرنوبي.
شهقة مفاجئة متألمة صدرت منها فجأة، تحرك رأسها برفضٍ، تحاول نفض تلك الأفكار، إنقباضة متألمة على قلبها جعلتها تشهق باستمرارٍ، تريد التنفس بحرية ولكن هناك ما يمنعها، كمن كان غريق وعندما وجد فرصة للنجاة أمسكها أحد يشدها بالقاع.
وجدته يقف يتأملها بصمتٍ، لتدير رأسها بعيدًا عنه، ترفض رؤيته، لم تكن يومًا والدي..!
_ عاملة قلق ليه يا هند؟
سؤالٌ بارد آلية، ربما الإنسان الآلي سيسأل بإهتمامٍ عنه، أغمضت عينيها بألمٍ، تتذكر ما يحدث معها منذ مغادرتها من المشفى، عادت تنظر له مجددًا بأعينٍ حمراء، وجهٌ شاحب يشبه الأموات، نظرة بائسة في حرب خاسرة، تجيبه بصوتٍ مقهور:
_ مش عارف ليه؟؟ عشان مش عارفة أدخل حمامي لزمًا مساعدة من الخدامة!! بسببك كشفت ستري وجسمي للغريب... بقيت عاجزة مش عارفة أساعد نفسي ومانع عني جلسات.. عرفت عاملة قلق ليه؟ عشان أنا بموت كل مرة محتاجة مساعدة من حد وأنت سبب!
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، يجلس جوارها على الفراش ثم نظر لحدقتيها اللتان تحترقان ألمًا، ينبس بصوتٍ هادئ يحمل برودة غريبة:
_ لو مهددتش بالهروب كان زمانك بتتعالجي دلوقتي..بس أنتِ عايزة تتعالجي وتهربي لأختك ودا عمري ما هسمح بيه يا هند..
صمت قليلًا يتأمل ملامحها الباهتة، يكمل بنبرة تحمل حنين لزوجته:
_ لو كنتِ أنتِ بنتي الوحيدة كانت الحياة مشيت عادي.. على الأقل اللي رحمك مني ملامحك اللي شبه أمك.. بس للأسف ليكِ أخت أكبر منك وهي على عكسك ملامحها قريبة من أكتر إنسان بكره في حياتي..
حدقت به بذهولٍ لأول مرة تسمع تصريحه هذا، لترد بعدم تصديق:
_ بتقول إيه؟؟ وهي مالها بملامحها؟؟ دي حاجة بتاعت ربنا!!
مد يده يمسح على خصلاتها ببطء مخيف، جعلها ترتعش بشدةٍ، تخشى أن يبرحها ضربًا لن تستطيع الهروب منه، ردد نادر بشرودٍ:
_ زمان أتخلصت من العقبة الوحيدة اللي في حياتي وبعدته عن حياتي.. والنهاردة ذكريات هي العقبة الوحيدة ولزمًا أتخلص منها.. كانت جميلة بتمنعني في كل مرة وعشانها بس سبتها بس المرة دي مش هسيبها لزمًا أتخلص منها قبل ما جميلة تفوق.
نهض من جوارها ينظر نحو هند سريعًا ثم غادر من الغرفة، بينما وضعت هند يدها على صدرها بألمٍ ترى ظُلم والدها الذي وقع على شقيقتها وعليها، لقد أخذها سبيلًا في أنتقامه من ملامح ذكريات..!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباحًا...
أستيقظت بجسدٍ متعب تنظر حولها بتشويشٍ واضح، ثم رأت الباب يدفع للداخل تدلف منه فُلة تردف بنبرة هادئة:
_ كويس إنك صحيتي كنت جاية أصحيك أصلًا.
_ ليه هي الساعة كام؟؟
مطت فُلة شقتيه تجيبها بعبوسٍ:
_ الساعة 2 الضهر.
انتفضت ذكرى بفزعٍ تنظر نحو النافذة ثم قالت بعتاب:
_ محدش صحاني ليه؟ هو نوح مسألش عليا؟؟
أجابتها بلامبالاة:
_ نوح مرجعش البيت من إمبارح أصلًا ولا دخل معانا.
توقفت ذكرى عن أخراج ملابسها تنظر نحو فُلة بقلقٍ تتمتم بنبرة مرتجفة:
_ يعني إيه مرجعش؟؟ هو مش المفروض يطلع معانا إمبارح؟
توترت فُلة من شحوب وجه ذكرى، ترى رجفتها بتلك الطريقة، ظنت بأنها تحمل نفسها الذنب لتجيب بعفوية أطاحت بذكرى:
_ يا حبيبتي أكيد مخدش باله إنك متقصديش تسبيه وهو بيناديكِ.. هو لما يجي فهميه.
_ يناديني إيه؟ هو كلمني إمبارح؟؟؟
علقت ذكرى بصدمة واضحة، لتجيب فُلة بدهشة متوترة:
_ هو أنتِ مسمعتهوش وهو بينادي عليكِ قبل ما تنزلي من العربية وأنتِ سبتيه ومشيتي!!
وضعت ذكرى يدها على وجهها تحاول السيطرة على أفكارها السوداء، هل سيتركها؟ سيبتعد بعدما أغرقها بالحنان؟ ولِم لا؟ لا تمتلك شيء لتمنحه إياه! هي كتلة بشرية مدمرة فقط لا تستطيع فعل شيء واحد بنظرها!
رفعت بصرها تنظر بضياعٍ نحو فُلة ثم قالت برجفةٍ ضربت كلماتها:
_ هو.. هو مقلش رايح فين؟؟
عضت على شفتيها بندمٍ من حديثها، بينما نظرت لها بضياعٍ واضح ثم قالت وهي ترتدي ملابسها لتغادر تلك الغرفة:
_ سبيني يا فُلة دلوقتي.
أومأت تغادر الغرفة سريعًا، بينما بقيت ذكرى ترتجف بألمٍ تهمس بصوتٍ مختنق:
_ ليه لـيه تعمل فيا كده!! ليه تعلقني بيك وتمشي!
بدأ عقلها بنسج الكثير من الأفكار، لتزداد إنقبض قلبها بشدةٍ ويزداد ضيق أنفاسها، غادرت الغرفة بعدما وضعت الحجاب بإهمالٍ لتجد سعدي وسفيان يجلسان جوار بعضهما على الأريكة، فقد عاد بعدما أنهى عمل عدد من الجلسات ليتفرغ لهم، بينما داليدا وحميدة يتحدثان كالعادة وفُلة في المطبخ، بدأت تتحرك بعشوائية شديدة بالردهة، تفرقع أصابعها ببعضهما البعض في حركة متوترة زائدة، تهمس لنفسها بكلماتٍ مختنقة حتى أصبحت عينيها تارة تسيل دموعها وتارة تمنعها وتسيطر عليها..
راقب سفيان أفعالها وأدرك أن ذكرى الآن بحالة نفسية سيئة، عاد بنظره نحو سعدي الذي تعجب من حركات ذكرى المفرطة، ثم قال بنبرة هامسة دون أن تنتبه له:
_ أنزل دلوقتي استنى نوح تحت وقوله ميزعلش من أي رد فعل ذكرى هتعمل.
استنكر سعدي حديثه، ليهمس له بسخطٍ:
_ أنت عايز واحد يقول لواحد متزعلش من مراتك.. أنت أهبل يا سفيان؟؟
حدجه بضجرٍ ثم نهض يمسك بهاتفه قائلًا بهدوءٍ:
_ هنزل أكلمهم يقفلوا العيادة يومين عشان أعرف أبقى معاكم.
_ روح يا حبيبي سحقتك السلامة.
قالها سعدي ببسمة باردة، بينما لم تعيره ذكرى أي أهتمام، بل ظلت بتلك الحالة الهستيرية، في حين غادر سفيان الشقة بعدما منحته حميدة موافقة، هبط على الدرج سريعًا يفتش بجيبه عن الهاتف، ثم وقف بمدخل المنزل يتصل بنوحٍ وما أن أجابه حتى قال:
_ أنت فين؟
أجابه بتعجب:
_ داخل على البيت دلوقتي.. بتسأل ليه؟
_ لما تيجي سلام.. سلام.
أغلق معه سريعًا ينظر بشارع حتى وجد سيارته تصف جانبًا يترجل منها بجسدٍ متعب. تحرك نوح نحو المنزل يزفر باختناقٍ لتعسر القضية، ولكن تفاجأ بسفيان أمامه يهتف بتوترٍ:
_ بص هقولك على حاجة وبعدين هبقى أشرحلك.
رفع حاجبه باستنكارٍ ليسترسل سفيان بنبرة تزداد توتر:
_ ذكرى فوق لو عملت أي رد فعل متتعصبش وسايسها.
_ لولا إنك صاحبي كنت رزعتك قلم عوجلك بوقك!!
كلماتٌ غاضبة نبس بها دفعه واحدة توضح شراسته، ليسرع سفيان بتوضيح:
_ يا بني أفهم.. مراتك دلوقتي مش في حالتها الطبيعية ومعرفش إيه نوع رد الفعل اللي هتاخده ومفيش وقت أشرحلك هي فيها إيه!!
لانت ملامحه قليلًا وشعر بوجود خطبًا ما بالفعل، فحديثه نابع من مهنيته، قرر الصعود ورؤية ما يحدث، فعلى ما يبدو أن ذكرى ستريه جانب جديد في شخصيتها، دقائق كان يدق الباب ليفتح له سعدي قائلًا بتهكم:
_ حمدالله على السلامة يا بيه.
استدارت ذكرى تنظر له بأعينٍ حمراء، ملامح غاضبة معاتبة، تقدمت نحوه بخطواتٍ بطيئة، يحاوطها الضياع، ثم قالت بعتابٍ واضح، تتساقط دموعها واحدة تلو الأخرى:
_ أنا آسفة بس متعملش فيا كده تاني!!
قطب جبينه بعدم فهم، يحاول تفسير حالتها ولكنه فشل، بينما تراجع سفيان وسعدي بعيدًا تاركين لهما مساحة، عادت تسترسل بصوتٍ مختنق:
_ أنا مش هسيبك وأمشي لما تناديني بس متسبنيش.. متعملش فيا كده! أنا ممكن أموت لو عملتها فيا!! أنا عارفة إني مفيش فيا حاجة حلوة وكلي عيوب بس غصب عني أتعلقت بيك.. أوعدني أنك مش هتسبني.
تقف كطفلة مذنبة، فعلت أكبر آثم بحياتها ثم تترجى آلا تعاقب عليه، مد يده يمسك كفها فلم يشعر سوى برودته ورجفته، تبدلت ملامحه من دهشة لقلقٍ شديد، يهمس بصوتٍ هادئ:
_ أهدي يا ذكريات أنا عملت إيه؟؟
حركت رأسها برفضٍ لأي حديث، فقط تريد سماع جملة واحدة، رددت بنبرة باكية تزداد شهقاتها عنفًا:
_ مـ.. متسبنيش.. أوعدني.. أ.. أوعدني يـ.. يلا.
توتر من رؤيتها ترتجف بالكامل، ليسرع بضمها له قائلًا بحنوٍ:
_ أهدي.. أنا مش هسيبك أوعدك.. أهدي.
دثرت وجهها بصدره تجهش ببكاءٍ مرير، تشعر بالاختناق من فكرة تركها، تهمس بضعفٍ ولا يزال صوت نحيبها يعلو:
_ أنا خوفت أوي وأنت مش موجود.. كنت بضياع وتايهة يا نوح.. أنا مرعوبة دلوقتي مرعوبة أوي!!
زاد من ضمه لها، يحاول أن يهدهدها بحنانٍ دافئ، يهمس بلُطفٍ:
_ متخفيش يا ذكريات أنا هفضل معاكِ.. خلي واثقة فيا ومتخفيش من حاجة.. أتقوي بيا يا حبيبة نوح.
تشبثت به أكثر أسفل نظرات سعدي وسفيان، بينما راقبت فُلة ما يحدث وعضت شفتيها بندمٍ على حديثها معها، في حين راقبت داليدا وحميدة ما يحدث ولكن لم يتدخلا..
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ذكريات عاملة ايه دلوقتي؟
سألت حميدة بإهتمامٍ بالغ، ليجيبها بتنهيدةٍ مسموعة:
_ نامت شوية.
أومأت بتفهمٍ، لتتولى داليدا تلك الدفا تردف بنبرة قلقة:
_ هي ذكريات عملت كده ليه يا نوح؟
نظر نحو والدته بتدقيقٍ، ثم أجاب ببسمة هادئة:
_ متقلقيش يا حبيبتي.. هي بس كانت قلقانة عليا لما مرجعتش وأول مرة تحصل معها مش واخدة على كده إنما أنتِ خبرة الله أكبر.. صح ولا إيه؟؟
ضحكت بخفوت ترفق إماءة موافقة، ليذهب نوح ويجلس على الطاولة حيث اجتمع سفيان وسعدي، ليهتف بجدية بالغة:
_ سفيان.
انتبهت جميع حواس سفيان، ليسترسل نوح بنبرة لا تحمل نوع من النقاش:
_ أنت هتتنكر وتقدم في الشركة الحوت.
جحظت عينيه بصدمةٍ من المهمة الموكلة له، ينتفض من مكانه بفزعٍ مردفًا بتوتر:
_ أنت عايزني أروح برجلي لتجار أعضاء!!!!
أومأ نوح ببسمة بادرة، يحدقه بنظرة مغتاظة يشير على سعدي مغمغمًا:
_ طب ما تودي سعدي.. أنا مال أمي!
_ سعدي وشه معروف ولو كشفه عليه هيتعرف إنه ظابط.. أنت الوحيد اللي دكتور وفاتح عيادة خاصة مش شغال في مستشفيات.. ممكن نعمل إن عيادتك أتقفلت أو أي فيلم.
عبست ملامح سفيان بضيقٍ، ليسترسل نوح بجدية:
_ أكيد مش هنسيبك يا سفيان.. وهنبقى معاك خطوة بخطوة.
مر وقت ينظر لنوح بيأسٍ من تغير قراره، ثم قال بتنهيدة موافقة:
_ خلاص ماشي.
_ تمام يلا بينا.
أشار له بأن ينهض، ليقطب جبينه بتعجبٍ يسأله باستنكار:
_ في إيه ياعم عايز تخلص مني بسرعة كده ليه!!
ابتسم باستخفاف يغمغم بسخطٍ:
_ قوم يا خفيف هتيجي عشان تركب السماعة في ودنك بحيث نسمع كل حاجة ونبقى معاك خطوة بخطوة.. ونعمل تحاليل المطلوبة، لزمًا ننجز قبل ما ينفذوا صفقة تاني... وبكرة ولا بعده تروح لهم.
تناهد سفيان بضجرٍ، ثم نهض معه يسب حظه السيء الذي أوقعه في تلك القضية المعقدة..
ـــــــــــــــــــــــــــ
أمسك بالسكين يقطع قطعة لحم مطهي على الفحم، يتناولها بنهمٍ شديد وهو ينظر لمن يجلس أمامه رافضًا تناول الطعام معه، توقف عن تمزيق اللحم بقسوةٍ ثم قال بصوتٍ هادئ خبيث:
_ لماذا لا تتناول طعامك يا عزيزي؟؟
حدجه بنظرة نافرة كاره، يشيح بوجهه بعيدًا في رفض لعرضه، ليسترسل الأخر بالامبالاة:
_ أووه لا تخبرني أنك ترفض تناول هذه القطعة اللذيذة.. أنها لحم بقري مميز لا تقلق.
عض على شفتيه بضيقٍ منه، ينظر له بحقدٍ، في حين ابتسم الأخر يعلق بنبرة ماكرة:
_ حسنًا سأعرض اتفق لتعلم أني أمتلك قلب رحيم.. إن تناولت طعامك سأجعلك ترى طفلتك التي أتيت بها لهنا، ما رأيك؟؟
تشدق بعينيه نحوه بقهرٍ، ثم حاول كبح دموعه على حاله وحال طفلته المسكينة، لا يعلم ما الذي حدث لها، فقط يسمع صوتها من بعيد عندما يريدونه أن يتناول الطعام، مد يده برجفةٍ يقطع اللحم بصعوبة ثم تناول أسفل نظراته الخبيثة، يهتف برضٍ:
_ أحسنت عزيزي.
أغمض عينيه يكبح لجام غضبه، بينما أتى أحد الحرس يهتف بنبرة جادة جامدة:
_ بروفيسور.. لقد أتنا خبر بأنهم سيرسلون الطبيب جاسوسًا.
كشف عن أنيابه ببسمة مريضة، يمسك بكاسة ماء يرتشف منه القليل ثم قال بنبرة جعلت قلب الأخرى يهوي رعبًا:
_ حسنًا.. أخبر السيد محفوظ صاحب شركة الحوت.. بأن يتركوه يعبث بالشركة بل ويرى بعض من تلك العمليات ثم يخبره أن تلك اللعبة السذاجة تحتاج لأصدقاء أوفياء.. ويتركه يغادر.
أومأ الحارس بطاعةٍ ثم غادر، بينما نظر ذلك الصهيوني ببسمة بادرة خبيثة هامسًا بفحيح:
_ دعنا نرى كيف سيكشف نوح الخائن في فريقه...!
