رواية غزالة فى صحراء الذئاب
الفصـل الواحد الاربعون 41 والثاني والاربعون 42
بقلم رحمه سيد
" وعندمـا تعطيـك الحياة ظهرًا للسعادة، تحلق في الأفـق وترفرف مهـللاً، غير حاسبًا لدخيـل يعترض على رغبة قدر !!!! "
نهضـت شمس تغتسـل لتؤدي فريضتها وبداخلـها كم طاقة هائلة، لا تشعر كيف أخترقتها ولا حتى متى اخترقتها، ولكنها تحثها على القـدم في تلك الفرصة التي لن تعوض مرة اخرى !!
أقتـربت من مالك الذي كان ينـام بقلق تخلله حتى وهو مغلق العينين، وكأن والده زرع له جواسيسًا في كل مكان فلم يعد يستطع الأرتيـاح ...
بدءت تحسس على لحيتـه القصيرة بأصابعها الناعمـة،
إبتسمـت بحنـان لتدقيقها لتلك الملامـح التي شعرت أنها محفورة بسحرًا من الحنان والجاذبية .. يجذبك دون أرادة أو مجازفةً للشفاء منه !!!!
أجفلت وهي تشعـر بحركتـه، فاستعدت للنهـوض، ولكن كالعادة يجذبها له لتصبح فوقـه، حاستـه العاشقة تنذره بمجرد قرب من معشوقته الفاتنـة ..
نظـر لعيناهـا بهيـام، ولسانـه الذي يسقط اثيرًا لقلبـه الذي لم يتركـه فيه العشق خلجه إلا وتخللهـا، ردد :
- صباح الأناناس على أحلى واغلى الناس
ابتسـمت برقـة مغمغمة :
- صباح النور يا ملوكي، كل ده نوم، قوم يلا هنتأخر
قطـب جبينـه بعدم فهم من طلبًا للأبتعـاد مبهـم بالنسبة له، وسألها :
- هنتأخر على أية ؟
إتسعـت ابتسامتـه التي اسرتـه بجمالها وهمست مقتربـة منه غير عابئة بأي أنذارات :
-عشان نصـلي يا روحي
ولأول مرة تمـر عليه كلمة غزل من معشوقتـه دون الـرد عليها بما يرضى شوقه لها !!
" نصلي " !!!!!!!!!
كلمة صغيرة ولكنها فتحت بئرًا عميقًا، بئرًا لا ينتهي من المحرمات التي فعلها ..
سجائر .. مخدرات .. سهر وخداع ونسـاء، ولكن يبقى الخط الأحمر الذي يفصله بين ذاك البئر من السحق " لم يكن زاني يومًا "
كانت مشاكسات سطحية .. قبلة ومغازلة واستمتاع بالوقت لا اكثر !!!
وبحواس مخدرة همـس وكأنه لا يستوعب الكلمة :
- نصلي !! انا وإنتِ ؟
شعرت بسؤاله أنه يتأكد ان يد النور الممدودة له لم تكن وهمية او مؤقتة، وإنما عازمة على إنتشاله من ظلمات روحه القهرية !
فأومأت مؤكدة بابتسامة بريئة :
- أيوة نصلي، وأنت الإمام
إبتلـع ريقـه، يظهر لها ما يخفيـه طيلة حياتـه بحرج تجلى في نبرته الرجولية :
- بس أنا آآ مُش بعرف أصلي
مسدت على يده كطفلاً يخجل من والدتـه، وهي لن تترك ذاك الدور .. بل ستتقمصه وتظل مع طفلها حتى يكبـر وينضج كاملاً من كل النواحي وبما فيهم الدينية ...
ثم قالت بحـزم ليـن :
_ عادي يا حبيبي، أنا هقولك أزاي، وأنت شاطر هتتعلم بسرعة أنا متأكدة
وهل يحق له غير أن يعشقها أكثر ؟!
بالطبـع لا .. إن كان الشيطـان يحاول جعل لذاك العشق مخرجًا، هي سدته بالكامل الان، بل ووصمت وصمة عشقها المُهللة !!!!! !!
فأحتضنهـا بصورة فاجئيـة، يشدد من قبضته التي لم ولن تلين من حولها ابدًا .. يحمد الله على نعمـة رُزق بها فجأة !!!
فأمسـك وجههـا بين يديـه الخشنة برقة تناقض ملمس بشرتـه، ومن ثم بصوت عاشق تزداد درجات حنانـه في كل ثانية ، قال :
- أنا أسف يا شمسي
سألته ببراءة تليق بمعالم وجهها المشدوهه :
- لية يا حبيبي بتقول كدة !!؟
وخرجـت تنهيـدة حارة تسبق الأعتذار الذي مس قلبها وبشدة :
- أسف على كل جملة ماعجبتكيش قولتها في حقك، أسف على صوتي اللي علي عليكِ في يوم، أسف على عنف أستخدمته معاكِ
ثم ثبت نظراتـه المخترقة على نظراتها المستسلمة للأختـراق، ليتابـع هامسًا :
- بس مش أسف على إني أجبرتك إنك تكوني ملكي، ولا أسف إنك بقيتي مراتي بالمعنى الفعلي
وأقترب اكثر حتى بات ملاصقًا كعادته في تلك الأوقـات، شفتـاه تتلهف لذاك الأقتراب، وأنفاسـه اشتعلت بلهب الرغبة والشوق ..
ليردف بنفس الهمس :
- لإني من اول ما عيني وقعت عليكِ وأنا هاموت عليكِ، مكنتش مصدق امتى تبقي ملكي
وشعـرت من دوامة تكاد تفقدها وعيها من كلمات الغزل التي تزيد من أطنـان خجلها الذي لم يزول منه !!
وقطـع شرودها تلك المرة دفئ شفتيه التي إلتهمت شفتاها دون القدرة على الثبات أكثر ..
وبحركة تلقائية لفـت يدها حول عنقـه تبادلـه قبلته الناعمة .. والتي سرعان ما تحولت لقبلات يوزعها على كل إنش بوجههـا .. وبالطـبع نالت رقبتها وكل جزء ظاهر منها جرعته الرقيقة من القبلات .. وشمس كدمية لم تعد لها القدرة على الرفـض، ولكنها قالت بصعوبة متلعثمة :
- مالك
نظر لها مغمغمًا بأنفاس لاهثة :
-روح مالك
اجابتـه بصوتًا رقيقًا يناسب حمرة وجهها التي طُبعت على كل ملامحها :
- هنصلي الأول .. لو سمحـت
ودون إرادة منه اومأ موافقًا بابتسامة هادئة .. وخبيثة بعض الشيئ :
-هنصلي، بس بعدها مش هاسيبك
ضحكت بخفة لتبعده عنها ناهضة .. تبعها هو للمرحاض لتتوضئ هي وهي تشـرح له، وبكل حركة تبتسم له ببراءة كأنها تشرح لطفل صغير ...
حتى انتهت وهو معها فسألته بخفوت :
-عرفت يا حبيبي
اومأ مؤكدًا :
-طبعاً يا قلب حبيبك
سحبته من يده للخارج بعدما انتهوا لتفرش المصـلاة متمتمة بسعادة لعاشـق بدء يحفـو أولى خطـوات السلام النفسي معها :
- يلا بقا يا ملوكي، أنا شرحت لك، يلا صلي بقا واقرأ اي سورة صغيرة مع الفاتحة، مثلاً الأخلاص
ثم سألته بابتسامة خافتة :
- أكيد عارفها صح ؟
اومأ بهدوء مرددًا وهو يتجه نحو اليسار، فهزت رأسها نافية وبلين يناسب شخصًا لا يدري أي مسار يتخذ نحو النور، قالت :
_ الإمام بيبقى على اليمين يا حبيبي
اومأ، ليبدءا بأول انارة للأيمان بحياتهم معًا .. راحة وسكينة لم تغمره منذ أن كان طفلاً عادت مُحملة بأطياف عشق !!!
وبعدما أنتهوا، قبل حبينها بحنو مستطردًا بصوت عاذب :
- ربنا يحفظك ليا يارب
ابتسمـت في حنو، همسـت بنفس الدعـوة التي تصل بقلوبهم :
- ويحفظك ليا يارب
وفي اللحظة التالية كان ينفذ كلمته " لن يتركهـا " .. حملهـا بين ذراعيـه المفتولتيـن ويداه تضغط على جسدها الذي ازداد اشتعالـه، وضعت رأسها بجوار صدره الصـلب .. وبعد قليل شعـرت به يضعهـا على فراشـهم، ينزع عنها - إسدالهـا - ببطئ مثير ويتلمس جسدها عن عمد وهو ينزعه، حتى باتت بقميصًا قصيرًا جدًا للنوم، همسـت وهي تـراه يقترب منها ليصبح فوقها :
- مالك، أبعد عني
إتسعت حدقتـاه من طلبًا لم يروق له ابدًا بل ولن ينفـذه وخاصةً بعدما إشتعل لهيبه، فقال بنـزق :
- نعم ياختي، ده لما تشوفي حلمة ودنك
هزت رأسها نافية، وبصوت طفولي أشبه للبكاء :
- ابعد عني، أنا مش عايزاك تقرب مني
عقـد ما بين حاجبيه في إنزعاج واضح :
- في إية يا شمسي، مالك ؟! أنا عملت لك حاجة !!
وفجأة طوقتـه بذراعيها لتهمـس بدلال مغوي :
- أنا بحبك أوي يا ملوكي
قهقـه بعدم فهم، وقبل أن يقبلها قال مشاكسًا :
- ربنا يصبرني عليكِ يا مجنونة يابنت المجانين إنتِ والعيل اللي هيقرفني قبل ما يجي ده
دفعتـه عنها مرددة بحنق جلي :
-أبعد بقا، دلوقتي أبنك بقا قرف صح، كرهته وكرهتني أنا عارفة
أسكتها بقبلة دامية يعتصر فيها شفتاها بحزم، وحنان، ورقة ونعومة معًا، يـداه تتحسس منحيات جسدها بأشتياق، ليبتعد بعد دقائق معدودة مردفًا :
- ده انا بعشق أمك
وابتسمت بتلقائية لتلف يداها حول رقبته، فما زادته تلك الحركة إلا إنقضاضًا عليه يلتهم كل تفصيلة فيها برغبة وعشق لا يزولا !!!!!
************
و زينـة أمام النيـل في سيارتـها، تشكـوا له بما يجيش في صـدرها ..
ترجـوها أن يكن عاقلاً لدقائق فيديرها نحو الصـواب !!!
والدمـوع فقط من كانت تصاحبها في تلك اللحظـات .. فقط الدموع من كانت تجري بين عينيها البنية تضامنًا مع ذاك الحزن الذي يغمـر قلبهـا !!
اصبحت مؤخرًا تجهل الأسبـاب الحقيقية التي تدفعها لبعض الأشيـاء !!!!!!!
مثلاً ذاك الصديق الذي اقتحم عالمهـا الحالك فجأة .. ولا تدري لمَ سمحت له بذلك الاقتحام ؟!
ولكن وكأن التشابه بينهما كان كوسيلة إجبارية لقبوله في قائمة المرحب بهم في تلك الحياة البائسة !!
واهم ثاني عقبة في حياتها الان هو رد فعل مالك عندما تخبره ...
مالك الذي لطالما كان متهـاون .. الان ستخرج هي الوحش الذي يكمن بداخله !!!!
ووالدتهـا ...
ربـاه من شعورًا يخنقهـا من مجرد التفكير فيما تعانيـه والدتها المسكينة الان!!
هبطـت دمعـة حارة مسحتهـا مسىرعة لتنهض وقد عقدت العزم على الذهـاب لمن كان له الفضل في إفتعال اكبر جزء من الألم في حياتها !!!!!!!!!
وبالطبع لم يكن سوى " زياد " ....
***********
وأخيرًا استطاعت " خلـود " إبعاد جفنيهـا عن بعضهمـا .. لتبتعد تلك الغمامة السوداء التي أحاطت عينيها ...
فحلت مكانهـا صـورة " مراد " و " والدتها " واخيرًا " شقيقها " المكروه بالنسبة لها الان !!!!
وبحـور ساخنة غاصت وسط موجات من الحزن إحتلت عيناهـا ..
نظـرت لمراد فقابلت اللهفة الطبيعية على معشوقتـه، ثم لشقيقها .. ندمًا يقطر بوضوح من نظراته وملامحه الخشنة .. ثم والدتها التي قذفت بسهامها الجامدة بوجهها رغم كل ما سمعته !!!!!!
فنظرت للأرض .. الأرض فقط من ستستطيع أظهار ضعف نظراتها لها الان !
سمعـت صوت مراد المتسـاءل بقلق واضح دُس وسط نبرته :
-خلود إنتِ كويسة يا حبيبتي ؟
فلم يجد ردًا منها .. فعاد يسألها بقلق ازدادت درجاته :
- خلود ردي عليا طب ؟!!!
ولكن ايضًا ما من مجيب، وكأن حرفيًا أحبالها الصوتية توقفت عن العمل بأمر من العقل الذي لم يعد يستعب ما حدث !!!
فهزها مراد وهو يحثها على الحديث :
- خلود طب اصرخي، زعقي، اعملي اي حاجة، مينفعش تفضلي ساكتة كدة
ولكن ايضًا ما من رد !!!!
فنطق تامر بأسف شابه الحزن العميق ؛
- خلود أرجوكِ ردي، أنا اسف حقك عليا سامحيني يا اختي
ولم ينل منها سـوى ابتسامـة متهكمة دلت له بوضوح على مدى أستحالة ما يرجوه !!!
فقال مترجيًا اياها بحرارة :
- طب بلاش تردي عليا، ردي على جوزك اللي هيتجنن ده من ساعة ما اغمى عليكِ
وايضًا لم ترد .. فشعروا أنهم في بحرًا من صمت لن ينقذهم أي شيئ من بين غرقـه ابدًا !!!!!!!
وفجأة نهضت خلود .. فنظروا لها بقلق عادا والدتها التي كان البرود والجمود خلفيـة تخفي قلقها العارم على أبنتها الوحيدة ...
فأبعدت مراد بحركة فجائية، ليمسك يدها قابضًا عليها بتساؤل جاد :
- خلود رايحة فين ؟
سارت بخطـى مترنجة نحو الخارج ممسكـة برأسها الذي تحوم فيه مائات من الأفكار المتهالكة !!!
ومراد خلفها تمامًا ينتظر حركتها بتوجس، ومن دون سابق إنذار ركضت للخارج بعدما إستعادة اتزانها من عقلها الذي ترحم بها قليلاً و.......... !!!!
************
بـدت الصدمـة واضحـة على وجـه زيـاد الذي لم يعـد يرى سوى وجه " زينـة " من بين كل الواقع من حولـه ..
عينـاه كانت مُثبتة عليها فقط بأمرًا من قلبًا كان الأشتياق حاكمة ..
زينة التي فاقت كل توقعاتـه في أفعالهـا !!!!!
زينـة التي كانت وستظـل شخصًا غامضًا جامدًا رغم قوة ضربة الظروف !!!!
زينـة التي كانت أكبر مثالاً للأحتمال والكتمـان !!!
زينـة التي لو كشفوا عما يحوم بين جنبـات صدرها لذُهلوا من كم الألم الذي يحتلها كليًا ...
واخيرًا إستطـاع تبديل الصدمة بهدوء ظاهري وهو يقول :
-أتفضلي يا زينة ؟
هـزت رأسها نافيـة بجمود :
-أنا مش جاية أتفضل يا زيـاد
سحبها للداخـل بليـن حاول زجـه بين لمساته علها تكـن ضمن أسباب الموافقة والرضا، ثم قال :
- طب تعالي نتكلم جوة مينفعش على الباب كدة، بغض النظر عن اللي جاية تتكلمي فيه
اومأت وهي تُيقـن خيوط الصدق التي تنسدل من كلماتـه ..
وما أن دلفوا وأغلق البـاب حتى هتفت من بين أسنانها :
-أظن كدة نقدر نتكلم
اومأ يحثهـا على الحديث في هدوء تــام :
- أتفضلي يا زينة، قولي أوامرك
ضيقـت ما بين حاجبيها في تعجب متساءل من كلمته :
- اوامري !!!!!؟
اومأ مجيبًا باستخفاف مرير إتضح لها كعين الشمس :
-أيوة، أصل إنتِ دايمًا بتيجي تديني أوامـرك وتمشي
اومأت موافقة ببـرود، لتسأله تمهيدًا لرغبتها الصادمة والقادمة :
- أنت قولتلي في التليفون إنك موافق صـح ؟
سألها بعدم فهم مصطنـع :
- موافق على إية بالظبط يعني ؟
ردت بجمـود :
- على الطلاق يا زيـاد
وبالتأكيد بعد ذاك البريق الذي سـاع عينـاها كاملـة، زفـر مغمغمًا باستسلام :
-ماشي يا زينة، براحتك، هطلقك حاضر
وظهـر شبـح ابتسامة منكسرة على وجهها، أي امرأة في نفس وضعهـا لكانت الان تحمل اكثر قدرًا من الحـزن لتخزنه ..
وبالفعل هي تحمله .. ولكن هنا السبب يختلـف !!!
هنا هي حزينـة لأنها صورة أمام الناس " الأنسة الغالية زينة " .. ولكن الصورة الأصلية والواقعية هي انها " مدام زينة العاهـرة " !!!!!!!!!!
حثـته على الأسـراع وكأنها ستحصل على جائزة غالية :
- طب يلا لو سمحت عشان عاوزة أمشي
اومأ متنهدًا .. لسانـه عاجزًا على فصل أخر رابط يجمعهم معًا !!!
عقل شُل عن الكلام المتوقع أن يصدر منه دفاعًا عن شخصيته الرجولية الشرقية ..
وتحت تأثير نظراتـها الشبه مترجية، نطقها عاجزًا عن فعل اي شيئ غيرها :
-إنتِ طاالق يا زيـنـة .. طالق .. طالق !!!!!!!!!!
***********
خرج مالك من المرحـاض عاري الصـدر يجفف شعـره الأسود الكثيف، ليقـع نظـره على شمـس التي كانت تجلس تمشـط خصلاتها الطويلة أمام المرآة ..
اقترب منها يحتضنها من الخلف، لتبعـد يده عنها بحركة تلقائية !!!
فعقد حاجبيه متعجبًا من تغير أصبح يتملكها دون سوابق !!!
ثم سألها :
- مالك يا شمس ؟ أية تاني !
لوت فاههـا مغمغمة بضيق :
- أه طبعًا زهقت مني، مابقتش مستحمل مني كلمة
هـز رأسه نافيًا بملل من ذاك التغير :
- لأ يا شمسي، أنا مابزهقش ومش هزهق منك ابدًا
مدت له الفرشـاه مرددة بشبه ابتسامة تسللت لملامحها العابثـة :
- طب خد
سألها فاغرًا شفتـاه متعجبًا بحق :
- إية دا اعمل اية يعني ؟
رفعـت كتفيها، وبلامبالاة أجابته دون تردد ظاهر :
- سرح لي شعري يلا، أيدي وجعتني من كتر ما عمالة أسرح فيه
اومأ موافقًا على مضض :
- ماشي، خلي بس الواد ده يجي وانا هنفخ امك وامه
ضحكت برقـة وهي تراه يتمتم، فسألته بحزم مصطنع :
- بتقول حاجة يا مالك ؟
هـز رأسه نافيًا بابتسامة رسمها على ثغره اجباريًا :
- لا يا حبيبتي مابقولش، مابقولش خالص
وأوقفتهم فجأة طرقـات بطريقة مريبـة على البـاب وصراخ الخادمة :
- يا استاذ مالك .. ألحق يا استاذ مالك
هرع يرتدي التيشرت الخاص به مسرعًا، ليفتح الباب هابطًا للأسفـل بسرعة، فصُدم بالشرطـة بالأسفل ..
وسرعان ما سأله الضابـط :
- أنت مالك جمال السُناري ؟!
اومـأ مالك مؤكدًا بتوجس :
- أيوة أنا خير ؟
وبصوت قاتـم رد الضابط بما زلزل كيانـه :
- مطلـوب القبض عليـك بتهمة قتـل سمر الشهـاوي !!!!!!!!!!!!
***********
صمـت .. صدمـة .. نظـرات تائهه متشابكـة في سمـاء عدم التصديـق !!
تُرى هل يُفتـرض أن تكـون السعادة تتوغله الان، السعادة التي تنتشر بين نسمـات الهواء لهزيمة اكبر عدو الأبدية !!!
ولكن يبدو أنه من سيدفـع ضريبة تلك الهزيمة المفحمة بالنصر !!!!!
مستنقـع من الخـداع يكبر في حياتـه يومًا بعد يـوم ..
وصوتًا داخلـه يصرخ بهـلع " لم أفعـل " ...
ولكن بالطـبع كلهـا خيالات بين جنبـات صدمتـه الجامحـة ...
وسـؤالاً هادئًا على عكس ثورتـه النفسية الداخلية للضابط :
-ممكن أفهم أزاي ده حصل !!
رفـع الأخـر حاجبه الأيسر، وبتهكم من متهم يرسـم البراءة بمنتهى البراعة، قال :
-لا والله يعني حضرتك مش فاهم ولا عارف أنا بتكلم عن أية ؟
وبدون تردد هز رأسه مؤكدًا في تعجب :
-أيوة، أنا حالاً عرفت منك أنها ماتت أصلاً
وبصوتًا جامدًا رد الأخر :
-حاجة ماتخصنيش، كل ده تقوله في القسم بقا
ومازال " مالك " يتمسـك بكل قوتـه بأخر طرفًا للثبات يحفـو من امامه مغادرًا وهو يردف :
-ممكن أعرف إية دليلك الأول ؟
اومأ مجيبًا ببساطة لم يتكلفهـا :
-سلاح الجريمة بتاعـك أصلاً يا أستاذ مالك، الظاهر إنك من لخمتك نسيته عند المجني عليها
ولم يدع نقطة للثبـات بداخله إلا وقضى عليها بكلامه، فصرخ فيه مالك منفعلاً :
-لا طبعاً، دي واضحة زي عين الشمس إني مش أنا، لو انا يستحيل أسيب دليل مهم زي ده ورايا !!!!!
وبالرغـم من عقلانيـة تصرخ بالتظاهر بين حروفـه، إلا انه رد عليه بدبلوماسية :
-القانون مابيعترفش إلا بالدليل يا أستاذ
ثم أشـار - للعساكر - بحركة صغيرة ومباغته من يـده .. ولكنها قطعت أخر املاً لدى مالك،
وصرخت شمس بهلـع :
-لا مستحيل، مستحيل أكيد كذب
هبطت من السلم بخطى شبه راكضـة غير عابئة بأي شيئ سوى معشوق يسحبه الظلام له مرة اخرى !!!
اقتربت من مالك حتى أصبحت امامه، وبصوت غلفـه الدمـوع القهرية همست :
-مالك أوعى تسيبني هنا لوحدي
مسـح دموعها التي خانتها لتسقط على وجنتاها الساخنـة، وبثبـات هو يفقـده .. حاول التمسك به ولو لثواني وهو يخبرها :
-حبيبتي متقلقيش، بأذن الله المحامي هيخرجني منها بسهولة لأن ربنا عارف إني مظلوم وأستحالة أقتل
اومأت بابتسامـة منكسـرة، وإن حاولت التحلي بالهدوء والصبـر .. يبقى ذكر أسم جمال المُزعزع الوحيد لهدوءها المزيف !!!!!
وسرعـان ما قالت قبل أن يلتفت :
-طب هاجي معاك
وبرفض قاطـع غير قابل للنقاش أجابها :
-لا طبعاً مينفعش، خليكِ في البيت وماتخلطتيش بحد، خليكِ في أوضتك بس يا شمس
وبالطـبع كـان كلامـه المُبهم بالنسبة للأخرون، عندها هي يتضـح .. وكأنه شفـرة لا تُفـك إلا معهـا ..
وهي ستمتثل لأوامـره، ولن تختلط بشيطان الأنـس مادام هو لم يكن معها،
ولكن مهلاً ... هل لها الشجاعة من الأسـاس لتختلط به ؟!
بالتأكيد لا، هي أضعـف من أن تـزج نفسها في مواجهة ستخسر هي بها معه !!!
وتقريبًا .. كان يودعها بابتسامة صفراء وهو يشير لطفلهم :
-خلي بالك من نفسك، وبلغي المحامي هتلاقي رقمه على موبايلي
اومأت وهي تمنع نفسها بصعوبة من البكـاء هامسة :
-حاضر يا مالك، متقلقش
وإلتقـت نظراتهـم في نظـرة نبعـت من أرواحًا وقعت مرة اخرى اسيرة تحت رغبة خفية للقـدر !!!!!
نظرة كانت منكسرة من كلا الطرفين، كانت كمن يودع رفيقـه بأجبار ...
لتنقطـع مع مغادرتـه مع رجال الشرطـة، تاركًا خلفه تلك المسكينة تواجـه ذئبًا لا يرغب سوى في إفتراسهـا !!!!!!!
*************
وتقريبًا لم يمـر الكثير من الوقـت حتى وجدت شمس باب الغرفة يقرع بقوة، وكأن تلك الطرقات تمثـلت لها في مقدمـة للصدمات التي ستتلقاها على التوالي !!
وبأقـدام تجرهـا عنوة، اقتربت من البـاب تهمس بحروف لم تتعدى شفتيها :
-مييين !!؟
وكانت الأجابة حادة وغاضبة :
-إنتِ اللي مين ؟
ولكن .. " عند ذكـر الأنثى يُذكر اللين " وكأن صوت الأنثى كان كفيلاً أن يبعد أي افكار لقدوم العداء عن عقلها - مؤقتًا - تنهدت بأرتيـاح فطري عند سمـاع صوت فتـاة، فاستدرات ثم فتحت الباب ببطئ حتى إلتقت عيناها بنظرات زينة الحادة كسيفًا لا يتردد في قطـع أي دخيل !!!
وسرعان ما جذبت شمس من ذراعها وهي تسألها بحدة مفرطة :
-إنتِ مين وإية اللي جابك هنا يابت إنتِ
أبعـدت شمس يدها عنها بهدوء، وبنفس الهدوء الذي جعل زينـة تكاد تفقد عقلها، أجابت :
-أنا شمـس
زفـرت وهي تكمل اسئلتها كقاضي لا يملك وقتًا للتفاهم :
-أيوة يعني يا ست زفته، شمس مين وإية اللي جابك هنا ؟!!!!
لم تعطيهـا فرصة للرد فألقـت باتهامتها التلقائية تجاه تلك البريئة القلقة :
-اه إنتِ اكيد واحدة من اياهم بابا هو اللي جابك صح ؟!
وكأن عقرب لدغت شمس، فأصبحت تهـز رأسها بسرعة نفيًا :
-لا ابداً، أنا مليش أي علاقة بوالدك
مهلاً ... لطالما لا توجـد لها علاقـة بوالدهـا، قد يُمكن أن تلهمها فرصة للدفاع عن نفسها !!!
تلك الفرصة التي لا تُعطى لمن يقـرب شيطان الأنس ولو بعلاقة سطحية !!!!
بينمـا شمس عَلى النفور والرفض أفق عقلها من مجرد ربط أسمها بذاك الشيطان الذي تهابـه ..
فأسرعت تسأل زينـة بجدية مناسبة للموقف :
-إنتِ زينة صح ؟
اومأت زينة موافقة، ثم سألتها في تعجب :
-أيوة بس عرفتي منين، وبردو ماقولتليش إنتِ مين ؟
وبشيئ من التوتـر لأحتمالية تكذيبها ردت :
-أنا آآ أنا مرات أخوكِ
إتسعت حدقتا عينا زينة بحركة تلقائية !!
وهل أستطـاع اخيها المتهور .. الطائش .. الذي لا يهتم سوى برغباته أن يربط نفسـه بفتاة كهذه !!!!
وليس أي رباط .. رابط متين أبـدي إن لم يجـدوا كاسر له !!!!!
إنتشلتها شمس من صدمتهـا تخبرها :
-أرجوكِ مش وقت صدمة، تعالي لازم تتصرفي معايا
سألتها زينـة متوجسة :
-إية في اية ؟
تنهـدت شمس بقـوة أقنعت نفسها بواجب التحلي بها :
-مالك .. جم خدوه .. البوليس
شهقـت زينـة بقوة اثر الصدمة التي قذفتها بها، إنتشلتها من صدمة لتدفعها في دوامة من الصدمات وهي تسمعها تكمل ؛
-عشان .. عشان آآ بيقولوا إنـه قتل .. سمر
ذُهلت سمـر حرفيًا .. لا تدري لمَ يعاندهم القـدر هكذا !!!!!!
يُعاقب البرئ ويُكافئ المتهم !!!!
إنعكاس في الرغبـات، يجعلها ودت لو صرخت بأنهيار ....
وسألت شمس بصوت حانق وعاجـز :
-أزاي، مالك مستحيل يعملها
اومأت شمس، وقد انخلطت الدموع على صوتهـا وهي تردف :
-عارفة، والله عارفة .. أنا أتصلت بالمحامي زي ما قالي، وزمانـه على وصول
فيما هتفت زينـة بلمعان في جوفيها غريب :
-أنا متأكدة إن بابا هو اللي عمل كدة
اومأت شمس متأسفة على فتاة أعتقدت أن الصدمة لن تنحاز عنها عند معرفتها، ولكن وكأنها مُهيئة بحاجز قوي من شيطان الأنس !!!!!!!
لتصـرخ زينة فجأة :
-احنا لازم نتصل بـ مروان، أيوة مروان هو الوحيد اللي هيقدر يتصرف كويس
وبالطبـع لم تغفـو شمس عن تذكر " مروان " .. مروان والذي صدقـت زينة في قولها عنه
" هو من سينجد مالك " بل وربما .. هو من سيُعدل إنقلاب ما يحدث !!!!!!
***********
وأخيرًا أستطاع " مراد " الأمسـاك بــ خلود التي لم تتوقف عن الركض لحظـة ..
كانت وكأنهـا تركض من مستنقـع من الكسرة والصدمـات !!!
ولكنه بـات كالوحـل يجذبه لها مرة اخرى كلما أبتعدت !!!
وكأن الألم أقسم ألا يتركها إلا وهي مُدمـرة كليًا ..
ولكن لمَ لا يتركها الان !!!
هي بالفعل دُمـرت وبجدارة، ولكنه .. وفي، نعم نعم .. وفي لا يترك صديقـه بتلك السهولة بالطبـع !!!!!!!
ظـل يحاول إستعادة رباطة جأشـه قبل أن يصيج فيها منفعلاً :
-إنتِ مجنونـة !!!
اومأت ببـرود، قبل أن يخـرج صوتها متلبسًا حالة اللامبالاة :
-أيوة مجنونة، أنا فعلاً فاضلي تكه وأدخل مستشفى المجانين
تنهـد بقوة يغـرز أصابعه في شعره بقوة وكأنـه يسلب منها شحناتـه الغاضبة، واخيرًا إستطـاع التحلي بالهدوء وهو يخبرها :
-طب ممكن تيجي نروح بيتنا ونتكلم بالهداوة كدة
هـزت رأسهـا نفيًا مُصرًا :
-لأ، أنا عاوزة أتكلم مع شمس
حاول معها بخفـوت لتغيير قرارها الغير صائب وهي في هذه الحالة :
-حبيبتي مش هينفع، لازم تهدي الأول وتعرفي راسك من رجليكِ
-لأ، هروح لشمس ودلوقتي
قالتها والعنـد هو من اخرج حروفها تلك، فتنهـد وهو يقول بصوت جاد :
-خلود مش هينفع، الأول لازم تروحي وتهدي وتتكلمي مع مامتك تطمنيها عليكِ بقا
هـزت رأسها نافيـة، وكأن الضوضـاء التي تزداد بداخلها مع كل ثانية لن تهدئها إلا شمس فقط !!!!!!
فاستسلم وهو يومئ :
-ماشي يا خلود، هوديكِ لشمس
اومأت في حبور :
-متشكرة
سألها بصوتـه الأجـش مستفسرًا :
-عارفة عنوانهـا ؟
اومأت مؤكدة :
-ايوة في المعادي
أمسـك يدها برقة، ليشير لأحدى سيـارات الأجـرة ليستقلاهـا معًا بعدما اخبرت السائق بالعنـوان ...
فيما كانت هي على نفـس شرودها، هي من تتمسك بالشرود تلك المـرة، هي من تغوص فيه وكأن غيره لن يجدي نفعًا !!!
وتلقائيًا وجدت نفسها تميل برأسهـا لتضعها على كتفـه ..
فيما ملس هو على منابـت شعرها بحنان، بجوار همسه الهادئ :
-أنا حاسس بيكِ صدقيني
لم تنظـر له وإنما اجابـت بنفس همسـه الناعم :
-انا تعبانة أوي يا مراد، حاسه إن كل حاجة جاية عليا، أمي كنت بقول لنفسي معاها حق، إنما اخويا هبررله أزاي، أنت بعد ما خبيت عني هبررلك ازاي
زفـر بقوة مخجرًا تلك الشحنـات من بين جوفيـه، ليتـابع :
-انا كنت خايف عليكِ يا خلود، كنت بحاول أأجل الصدمة دي قدر الإمكان خوفًا عليكِ مش رغبة في اني اخبي عنك
قطـع حديثهم صـوت هاتفـه الذي بدء يـرن، فأخرجه بهدوء ليجيب :
-الووووو
-...................
-إية ازاي !!!!!
- ...................
-خلاص خلاص سلام أنا هتصـرف أنا
- .....................
أغلق ليمسـك يـد خلود مرتبًا عليها بجدية تناسب همسـه الحازم :
-هوديكِ عند صاحبتك، وهروج مشوار ضروري جدًا نص ساعة وهرجع أخدك
اومأت خلود موافقة بلامبالاة تعمدت إظهارها له ...
ليصلـوا بعد قليل الى المنزل الذي من المفترض أن تقطـن به شمش ...
ففغـر مراد فاهه وهو يهمس مصدومًا ونظره موجه امامه :
-اية ده ... ازااااااي !!!!!!!!؟
*************
-إلحقنـا يا بااااشا، يا جمـال بيـه إلحقنـا
صـرخ بها أحدهم وهو يقتـرب من جمال الذي كان يدخـن بشراهه جالسًا في الهواء الطلـق الهادئ والذي لا يناسب حالة ضيقـه وقلقـه العارم !!!!
ينصـب وينصب الكثير مت الخيوط الشيطانية الخبيثة دون كلل او ملل من الفشل !!!
لينظـر للرجـل متأففًا قبل أن يسـأله :
-في إية يا زفـت أنت
إبتلـع ريقـه بتوجـس، يخشى من إنفجـار قنبلته بوجهـه هو، فتلعثم قائلاً :
-الاول ممكن تهدى يا باشا
صاح فيه جمال مزمجـرًا بحنـق :
-ما تنجـر هو اختبار، أنا حر ابقى هادي ولا مش هادي أنت مش هتقولي أعمل اية !
هـز رأسه نافيًا بهـدوء متوتـر بوضـوح :
-لا بس الموضـوع ده اللي هقوله لجنابك يعني مُش سهل، فعشـان كدة عايزك تهدى الاول
كـز على أسنانه بغيظ مغمغمًا :
-ما تنطق يااض، إية اللي حصل اخلص ؟
أغمـض عيناه بخوف قبل أن يقـول :
-ابنك مالك سلم كل الورق للبوليس النهاردة والبوليس ابتدى يدور عليك
بدء تنفسـه يأخذ منحدر اخر في الاضطـراب، وبالرغم من ذلك قال :
-بردو قولهم ينفذوا، وفي اسرع وقت !!!!!!!!!!!
*************
وصـلت شمس الى المنـزل مرة اخرى بدون زينـة، تشعر أنها تحمل هموم الكون كله فوق كتفيهـا !!!
تشعـر أن روحهـا تكاد تُمزق من كثرة المشاكل التي تعصف بها دون توقـف لتمهل روحها واجب الصمـود.. !!!!
دلفـت إلى المنزل ثم اتجـهت الى غرفتها على الفـور ملتزمة بكلام مالك ....
وآآهٍ من مالك وأبتعاده المفاجئ بعد كل القرب الذي عاشـوه،
وكأن جرعات البُعد الذي كان من المفتـرض أن يأخذوهـا فأبعدوها، الان يأخذوها مع بعضها بصدمات !!!!!!!
وشعـرت بمن يسير خلفها، ولكن الأكيد ليست بزينة ..
زينة التي اخبرتها أنها ترغب في الانفراد بنفسها قليلاً بعد تيقنهم أن مالك لن يخرج من السجن إلا بعد الاثبات القوي !!!!!
والخوف بدء ينهش في التماسك المتبقي داخلها ...
فالتفتت بارتعاد تهمس :
-مين هنـا !!؟
ولكن ما من مجيب بالطـبع، فنظرت امامها مرة اخرى وكادت تركض لغرفتهـا تحتمي بهـا ..
ولكن كيف الركض الان وهي شعـرت بمن يكممها فجأة من الخلف، فمن من دون سابق إنذار سقطت فاقدة الوعي بين ذراعيـه !!!!!!!!!!!!! الفصل الثالث والاربعون من هنا
