الفصل الثاني 2
بقلم محمود الأمين
الدكتور نفسه ما كانش موجود، كنت هتجنن وبسأل نفسي هو أنا عقلي فوت، طلعت بره التلاجة وقولت أنا مش هتحرك من على الكرسي لحد ما البيه ييجي يستلم مني الوردية، وبعدها مش هاجي المكان ده تاني، عني ما اشتغلت.
فضلت قاعد مكاني، بس كل شوية كنت أسمع صوت حاجة جاية من جوه، وكل ما أجي أقوم أشوف في إيه أفتكر اللي حصل فأرجع أقعد تاني.
لحد ما جه عطية وكان باين عليه الانبساط واتكلم وقال:
_ إيه مالك عامل زي الفار المبلول ليه كده؟.. هو حصل حاجة ولا إيه؟
= مش حاجة واحدة يا عم عطية، دي حاجات كتير.. تعال يا عم استلم الشغلانة خليني أتكل على الله.
_ طيب إهدى بس وصلي على النبي وفهمني في إيه؟
= عليه أفضل الصلاة والسلام، ما فيش حاجة أنا بس عايز أمشي عشان أعصابي تعبانة.
...
كنت لسه بتكلم مع عطية وقتها لمحت نفس الدكتور اللي شوفته في المشرحة جاي ناحيتنا، فاتكلم عطية وقال:
_ أهو الدكتور عمر شرف، منور يا دكترة.
= مليون مرة قلتلك اسمها دكتور، في حالات جوه ولا لسه ما فيش حاجة جت؟
_ لا، من امبارح الدنيا هس، وما فيش أي حاجة دخلت.
= يستحسن برضه، أنا داخل المكتب.
_ تمام يا دكتور.
....
الدكتور مشي ودخل المكتب، وأنا سبت عطية ومشيت ورجعت على البيت. أول ما دخلت لقيت بابا قاعد على ترابيزة السفرة بيفطر، وأول ما شافني اتكلم وقال:
_ ها، إيه الأخبار يا بطل؟
= أخبار إيه؟.. أنا مش هروح المكان ده تاني.
_ ليه بس كده، هو إيه اللي حصل بالظبط معاك؟
= أنا شوفت حاجات صعبة، لو حكيتها لأي حد مش هيصدقني. وقبل ما تقولي عقلك الباطن ومش عقلك الباطن، أنا مش هقتنع.
_ طيب أنا موافق إنك تسيب الشغل، بس من بكرة تسافر وتروح تشتغل في أي محافظة سياحية زي ما الشباب كلها شغالة.
= بس أنا مش عايز أسيب هنا.
_ إنت حاسس بنفسك يا بني آدم، إنت عندك 29 سنة، مدرك يعني إيه 29 سنة؟
= عارف إني كبرت والمفروض كنت اشتغلت من زمان، بس أنا بدور على شغل مناسب ليا.
_ قصدك شغل تفصيل ليك.. اسمع، عاوز تسيب الشغل يبقى تسافر، لو مش عاوز تسافر هتستمر في المشرحة لحد ما تلاقي حاجة أحسن.
= طيب معلش أنا عندي سؤال.
_ اتفضل اسأل.
= هو مين الشخص اللي بيساعد الدكتور في أوضة التشريح أو اللي كان موجود يعني؟
_ واحد اسمه عبد العاطي، بس توفى من فترة، ومن ساعتها الدكتور رافض يجيب حد مكانه وشغال لوحده.
= طيب هو مات موتة طبيعية ولا اتقتل؟
..
أول ما قلت كده، لقيت بابا برق وبصلي باستغراب، وبعدها اتكلم وقال:
_ إنت جبت الكلام ده منين؟
= رد عليا يا بابا بعد إذنك، عبد العاطي ده اتقتل ولا مات موتة طبيعية؟
_ اتقتل على إيد واحد أبوه مات وكان مصمم ياخده من غير تشريح، ولما عبد العاطي وقف في وشه اتقتل. خلاص، إديني جاوبتك.
...
التوتر اللي ظهر على بابا، والطريقة اللي كان بيتكلم بيها وهو باصص للأرض، خلاني اتأكدت 100% إن بابا مش بيقول الحقيقة.
فدخلت أوضتي ورميت جسمي على السرير ونمت، وكانت نومة كلها كوابيس. كنت بشوف نفسي واقف في المشرحة وقدامي نفس الجثة المتحللة اللي بتخرج منها الحشرات من كل حتة، وكان ماسك سكينة وبيقرب مني.
وكل مرة كنت بصحى قبل ما يضربني بالسكينة، لحد ما صحيت على إيد بابا واللي كان بيطلب مني أقوم عشان ميعاد الشغل قرب. قومت ودخلت الحمام وجهزت نفسي عشان أروح الشغل، كنت مخنوق وعلى آخري.
واول ما وصلت المشرحه، لقيت عطيه ابتسم وقال
_ يعني جيت اهو؟.. اومال عملت فيها ليه 10 رجاله في بعض وقولت مش هاجي؟
= حكم القوي، لو كان عليا انا مش عايز اخطي هنا تاني
_ طيب وطي صوتك عشان الدكتور عمر بيشرح جثه جوه، ومش بيحب الصوت العالي وهو بيشتغل
= ماشي اتكل انت على الله
...
مشي عطية، وأنا فضلت قاعد شوية على الكرسي مش بعمل أي حاجة. وفي الوقت ده سمعت صوت سرينة الإسعاف بره، وبابا كان مفهّمني إني لما أسمع صوت سرينة الإسعاف أعرف إن في جثة جاية. طلعت قدام باب المشرحة ولقيت جثة لراجل في الخمسينات من عمره كان مضروب بالرصاص. نقلنا الجثة على التلاجة، والدكتور عمر قال: حطوها في درج رقم 8.
نفذنا كلام الدكتور وحطيناها فعلاً، واخدت البيانات من الراجل بتاع الإسعاف وسجلتها في الدفتر.
وبعد ما الدكتور عمر خلص ومشي، كانت الساعة داخلة على 3 الفجر. شغلت قرآن جنبي وقومت عملتلي كباية شاي، والغريبة إن ما فيش أي حاجة حصلت. قلت لنفسي: جايز اللي حصل امبارح ده يكون تشريفة ليا. المهم إن اليوم خلص وجه عطية عشان يستلم مني الوردية. سلمته كل حاجة والجثة اللي في التلاجة، وكنت خلاص خارج من باب المشرحة. وقتها في شاب عدى من جنبي وكان باين عليه العصبية، واتكلم بصوت عالي وقال لعطية:
_ أنا عايز جثة أبويا، جثة أبويا مش هتتشرح.
= إيه الكلام ده يا عم إنت؟ وجثة مين اللي إنت بتتكلم عنها دي؟ هو إنت فاكر الموضوع بمزاجك ولا إيه؟
...
سبت عطية يرغي معاه، وأنا بصراحة كنت على آخري وعايز أنام. رجعت البيت ونمت شوية، لكن بعد كام ساعة لقيت تليفوني بيرن وكان المتصل هو الدكتور عمر. طلب مني أجي بدري النهارده عشان عطية تعب ومشي.
وطبعاً كنت مخنوق، ولكن اضطريت أسمع الكلام ولبست وروحت فعلاً. استلمت الشغل وكان الدكتور عمر خلص هو كمان ومشي. فضلت قاعد شوية لحد ما بدأت أسمع أصوات صراخ جاية من جوه التلاجة. استعذت بالله من الشيطان الرجيم، وقومت اتحركت ودخلت جوه التلاجة. وقتها لقيت درج رقم سبعة بيتهز بعنف وكإنه بيقولي افتحني.
قربت من الدرج وأنا خايف، كانت إيدي بتترعش وجسمي كله مليان عرق. فتحت الدرج، وكانت الصدمة: الجثة اللي في الدرج تبقى جثة الشاب اللي كان داخل من باب المشرحة وبيكلم عطية عشان مش عايز أبوه يتشرح. كنت بترعش من الخوف، وده اللي خلاني خرجت بره التلاجة بسرعة. طلعت التليفون وحاولت كتير أوي أتصل على عطية، بس ما كانش بيرد عليا. ففتحت الواتساب وبعتله فويس، وقلتله:
( عطية رد على تليفونك، أنا عارف إن إنت اللي قتلت الراجل وعملت فيها تعبان عشان تلبسني التهمة. بس أنا بقولك أنا مش هشيل حاجة ما عملتهاش. وديني لو ما رديت عليا لاقتلك واشرب من دمك. سامع؟ هقتلك واشرب من دمك ).
خرجت من المشرحة على أقرب قسم، وعملت بلاغ باللي حصل. وقتها قعدت مع المقدم اللي اتكلم وقال:
_ إنت متأكد إن عطية ده هو اللي قتله؟
= أيوه يا فندم، وممكن الدكتور يكون مشترك معاه.
_ طيب إحنا هنيجي نشوف الجثة اللي في المشرحة، وبعد كده أكيد هنعمل استدعاء لعطية وللدكتور.
*******
روحت عشان أشوف الجثة اللي مبلغ عليها عامل المشرحة، وفعلاً زي ما قال كانت موجودة في درج رقم 7. وعلى طول اتحركنا على بيت عطية، وأول ما وصلنا هناك كنا لسه هنخبط على الباب لكن لقينا الباب موارب. زقيت الباب ودخلت، ووقتها اتصدمت.. وهقولكم ليه؟!
رجعت على مكتبي، لقيت نوح لسه مستنيني في المكتب، وأول ما دخلت اتكلم وقال:
_ قبضتوا على عطية يا فندم؟
= نقبض عليه ليه؟.. هو متهم بحاجة لا سمح الله؟
_ مش حضرتك المفروض رايح تقبض عليه بعد ما قتل الشاب ده؟
= لا، هو مش هيتقبض عليه. ده إنت اللي هيتقبض عليك يا أستاذ نوح.
_ أنا؟! بس أنا ما عملتش حاجة، أنا جاي أقدم البلاغ.
= عايز تعرف هنقبض عليك ليه؟ عشان لما دخلنا شقة عطية لقينا...
