الفصل الثامن عشر 18
بقلم صفاء حسني
اتقدّمت بسنت بخطوات سريعة ناحية القبر، عيونها كلها غضب ودموع متحبسة، صوتها بيرتعش من شدّة الانفعال، لدرجة إنها نسيت تمامًا إن حازم واقف معاها.
باندفاع واتهام، قالت وهيّ بتشهق من الغيظ:
بسنت: "إنتوا بتعملوا إيه هنا؟! إنتوا حرامية مقابر، صح؟"
العمال اتفاجئوا من هجومها، واحد منهم اتكلم بانزعاج واستياء، ملامحه مش فاهمة اللي بيحصل:
العامل: "إيه البلوى إلّي بتتحدف علينا دي؟! امشي يا بنتي علشان نعرف نكمل شغلنا."
بسنت زادت حدّة غضبها، وصوتها ارتفع وهي بتهدد بعناد:
بسنت: "شغل إيه؟! محدش يقرب من القبر دا، فاهم؟! وأنا هتصل بالشرطة حالًا."
واحد من الموظفين حاول يبرر وهو بيرفع إيده مستسلم:
الموظف: "إنتي مجنونة ولا إيه؟! أصحاب الميت هما إلّي طلبوا مننا… امشي بقى، عايزين نخلص شغلنا."
في اللحظة دي، حازم قرّب منهم قلقان، صوته فيه ارتباك وهو بيبص ناحية ناهد:
حازم: "في إيه يا خلود؟"
بسنت قلبها مولّع، اتلفتت بسرعة وقالت باتهام وتخويف، صوتها مليان خوف وغضب:
بسنت: "الناس دي حرامية مقابر! عايزين يسرقوا الجثث!"
الموظف اتنرفز أكتر، وصوته علا وهو بيبص على ناهد كأنه بيستنجد بيها:
الموظف: "إيه البلوى دي يا مدام ناهد؟! هنخلص شغلنا ولا لأ؟"
ناهد انتبهت بسرعة، وجهها متوتر، قالت بتحاول تسيطر على الموقف:
ناهد: "أكيد يا فندم، وأنا جاية معاكم."
الموظف رجع يوضح ورفض كلام بسنت:
الموظف: "طب والآنسة دي عاوزة تبلغ الشرطة وهي مالهاش أي حق."
بسنت وقفت قدامهم بصلابة، دموعها نزلت من شدّة الإصرار، وقالت بقوة وهي بتوجّه كلامها للموظف:
بسنت: "لأ طبعًا! أنا ليا حق… أنا بنت الميت دا! واللي يفتح قبر بابا، أنا مش هارحمه."
ناهد حاولت تهديها، صوتها هادي بس فيه قسوة، عينيها متوترة:
ناهد: "اهدي يا بنتي، إنتِ واضح عليكي متلخبطة… وبلاش شوشرة أرجوكي، خلي الناس تشوف شغلها."
بسنت مش مصدقة، اتلفتت فجأة ناحية ناهد، دموعها غلبتها، وارتمت في حضنها وهي بتبكي بمرارة:
بسنت: "ماما… حبيبتي! وحشتيني! أنا كنت حاسة إني هاشوفك هنا."
لكن ناهد بعدت عنها ببرود، عينيها زائغة وصوتها فيه صدود وإنكار:
ناهد: "أنا مش عارفة إنتي مين… أنا فاكر شفتك قبل كده بس مش فاكرة فين."
حازم اتدخل بسرعة، صوته مليان قلق واستفهام وهو بيقرب أكتر:
حازم: "مالك يا خلود؟ إيه اللي حصل ليكي؟"
ناهد بصتلُه باستغراب، وقالت بحِدة:
ناهد: "خلود مين؟"
حازم اتلخبط، لكن حاول يذكرها بهدوء:
حازم: "خلود صاحبة بسنت… إنتِ نسيتي يا طنط؟"
ناهد لمعت عينيها باستغراب، وبعدها قالت بترحيب واستفسار:
ناهد: "آه، أهلا يا ابني… طب أختك مالها؟ وإنتو جيتوا هنا ليه؟"
حازم قال بحزن واعتراف، صوته مهزوز:
حازم: "علشان نزور بسنت… وحشتنا جدًا، وقطعت فينا."
ناهد حركت راسها بحزن، عينيها لمعت بالدموع:
ناهد: "حقيقي يا ابني… والله فيكم خير… تعيشوا تفتكروا بسنت."
بسنت ما قدرتش تتحمل أكتر، صرخت بصوت مبحوح والدموع مغرقاها:
بسنت: "أنا عايشة! مش ميتة! أنا قدامك أهو يا ماما!"
حازم قرب منها، صوته كله رجاء:
حازم: "اهدى يا خلود… أنا كنت حاسس إنك لو زرتي بسنت، صحتك هتدهور."
ناهد بصت له بنبرة قاسية، وقالت بتوجيه واضح:
ناهد: "طب روحها يا ابني… علشان متتعبش."
بسنت دفعت حازم بعيد عنها، واقتربت من ناهد بتحدي، دموعها مش بتقف:
بسنت: "إنتِ بجد مش فاكراني؟ قلبك مش حاسس بيا؟ سيبك من شكلي اللي اتغير… مش حسيتي أول ما حضنتك إني بنت عمرك؟!"
وبنظرة كلها وجع واتهام، التفتت ناحية سيف اللي واقف، وقالت بصوت مهزوز:
بسنت: "ولا الحب الجديد خلاكي تنسي حتى روح بنتك؟"
ناهد انفجرت غضب، رفعت إيدها وهي بتصرخ باستنكار:
ناهد: "حب إيه وكلام فارغ إيه؟! هو ناقصاكي إيه تاني؟!"
بالاتهام والغيرة، بصوت بيرتعش من الغضب ودموع في عينيها، قالت بسنت:
"مش إنتِ اتجوزتي عمّي سيف وعايشة معاه في البيت؟! طب ليه مثلتي إنك بتضحي ومش قبلتي تعيشي مع عمّي فارس؟ ولا علشان دا أغنى منه، قبلتي على طول؟! حتى قبل ما أكمل سنة؟"
الكلمات وقعت زي السهام في قلب ناهد، وصوتها اتكسر جوّا صدرها، أما سيف فغلي الدم في عروقه، واقترب بخطوات سريعة، عينيه كلها نار، رفع إيده عليها وهو بيقول بنبرة تهديد:
سيف: "عيب عليكِ! تهيني واحدة في مقام أمك؟ في اللحظة دي، لازم تحسي وتقدّري."
بمنع وحماية، اندفعت ناهد بحاجة غريبة، وكأن في قوة خفية جواها بتحركها، راحت تمنع سيف من مد إيده على بسنت.
باندفاع وغضب، ناهد نزلت يده بعصبية:
ناهد: "إنت بتعمل إيه؟! أبعد إيدك عنها!"
سيف تراجع خطوة، نفسه متلخبط، وبرر بسرعة، صوته فيه صدق:
سيف: "أنا انفعِلت لما غلطت فيكي وأهانتك… لازم أدافع عنك."
ناهد بصت له بارتباك وصدمة، قلبها اتلخبط أكتر، سألت بتشكك:
ناهد: "بصفتك إيه؟ بتدافع عني؟ دي كانت صاحبة بنتي، روحها فيها، وأكيد البنت متأثرة…"
سيف رفع عينه ليها، صوته هادي لكنه واثق، فيه تلميح أكبر:
سيف: "إنتِ عارفة… بصفتي إيه."
ناهد اتوترت، قلبها بيرتعش من جواها، ردّت بإصرار متردد:
ناهد: "أنا قلت… لما أتأكد، ساعتها أبقى أفكر."
وبقلب مشوش، ناهد اقتربت من بسنت، حضنتها غصب عنها، وأول ما لفت إيديها عليها، حسّت بشعور غريب بيخبط في قلبها، حاجة بين الحب والخوف والشك.
بمواساة وتفسير، همست ناهد وهي بتحاول تقنع نفسها:
ناهد: "معلش يا بنتي… أكيد إنتِ مشتاقة لـ بسنت، ومتلخبطة بسبب المكان دا…"
لكن بسنت، دموعها نازلة بغزارة، صرخت برجاء موجوع:
بسنت: "أنا عمري ما أقدر أغلط في أمي!"
وفجأة ركعت على الأرض قدامها، مسكت رجلها برجوع وتوسل:
بسنت: "أرجوكي صدقيني! أنا بسنت… بنتك إنتِ! ناسيه الطقم دا؟ مش إنتِ جبتيه ليا في عيد ميلادي؟! طب عندي دليل تاني… الفلوس إلّي أخدتها من جدي، وإنتِ قلتيلي أحتفظ بيها… فَكّري أرجوكي يا ماما! أنسي شكلي إلّي اتغير، مش كان بإيدي… لكن أنا مش ناسيه كل ذكرياتنا… ٨ سنين يا ماما! كنا إيد واحدة… آه، أوقات ضعفت وتأثرت بكلام عمّي فارس، بس دا مش معناه إني أخسرك للأبد!"
وفجأة… صوت تصفيق جاي من وراهم، كسر اللحظة، صوت استهزاء يقطّع القلوب.
باستهزاء وتشفٍ، ظهر فارس، عينيه كلها خبث، وقال وهو بيصفق ببرود:
فارس: "واوو! الأم الحنونة الجميلة اللي رفضت تتجوز علشان تحافظ على وعد حبيبها، وعملت المستحيل علشان بنتها… فجأة مش عارفة تتعرف على بنتها وحبيبها؟! عرفت بقى إنك كدابة؟ آه، فكّرينا كده… مش قلتي: أنا بحب جوزي وبنتي، وعمر ما أبعد عنهم، ومش محتاجة منك فلوس؟! صح؟! بس للأسف… حبيبك سابك وسافر، وصدق إنك خونتيه معايا! ودلوقتي بنتك كمان سابتك علشان تعيش حياة الترفيه اللي إنتِ حرمتيها منه… مين بقى كان صح؟ ومين كان غلط؟! ما تردي يا ناهد… أنا أكتر واحد حبك، وكنت مستعد أعمل المستحيل علشان تحبيني… بس عمرك ما حسيتي بيا!"
سيف حاول يوقف طعناته بكلمات كلها إخلاص:
سيف: "بس أنا ما تخلّيتش عنها! ولا عمري هتخلى… واللي حصل معايا مكانش بإرادتي! صدقيني يا ناهد… والله ما افتكرتكيش إنتِ وبنتي إلا لما شوفتكم من سنة في النادي. قبلها كنت فاكر نفسي اسمي سيف…"
بسنت قامت واقفة بسرعة، الدموع مغرقاها، وصوتها مليان دهشة:
بسنت: "إنت بابا حسام؟! أنا مش مصدقة نفسي… استغربت نفسي إن أول ما شوفتك، حسيت إني مع أبويا…"
سيف اتنفس ببطء، صوته مخنوق:
سيف: "وأنا كمان وقتها حسيت إني أعرفكم… لكن كنت فاقد الذاكرة… بس مش عارف ليه… إزاي…"
وهنا ضحكة شيطانية دوّت في المكان.
فارس قال بوقاحة وهو بيكشف الخيانة:
فارس: "هههههه… أقولك أنا! إزاي نسيتهم؟! وإزاي حصل معاك كل دا؟ مش محتاجين تنبّشوا في الجثث يا ناهد علشان تعرفي… لأني أنا ورا كل حاجة حصلت! فاكرة لما جيتلك في بلدك وطلبت منك بلاش تتجوزي أخويا؟! أنا بحبك وبعشقك…"
فلاش باك – الماضي
المكان: ساحة الجامعة.
ناهد قاعدة على مقعد في انتظار المحاضرة، بتذاكر ووشها هادي. فجأة ظهر فارس قدامها بابتسامة مصطنعة.
ناهد (بدهشة واستنكار): "مين حضرتك؟!!!"
فارس (محاولًا يتقرب): "أنا فارس… صديقك هنا في الجامعة… مش فاكراني؟"
برفض وتجاهل، رفعت ناهد راسها من الورق اللي كانت بتذاكر فيه، وملامحها فيها برود واضح، نظرتها مستقيمة لكنها مش عايزة تطوّل الكلام مع حد:
ناهد: "لمؤاخذه لا والله، حضرتك عايز حاجة معينة مني؟"
فارس ابتسم ابتسامة واسعة متصنّعة، عينيه فيها لمعة إعجاب متصنّع، وقال وهو بيحاول يلطّف:
فارس: "ههه… عايز حاجات كتيرة."
ناهد عبست، ضيقت عينيها، ورفعت حواجبها باستنكار:
ناهد: "هو إنت بتضحك على أسلوبي في الكلام؟ جيّ تتمسخر عليّ؟"
سيف – اللي كان واقف بعيد بيراقب المشهد من غير ما حد ياخد باله – شدّ نفسه فجأة، اتغيرت ملامحه، اتقبضت ملامحه وانكمشت حواجبه، حس بغيره غريبة وخوف إن فارس يقرب منها.
فارس رفع إيده بإشارة هادية وهو بيبرر:
فارس: "حيلك، ما قصدش والله، بس كنت عايز أسألك إنتِ ليه بتتكلمي كدة؟!!"
ناهد ردت ببساطة وعفوية، ضحكة صغيرة باهتة خرجت منها:
ناهد: "عادي، هو دا كلامي في حاشة تانية!"
فارس، عينيه لمعت أكتر، صوته اتغير وبقى فيه اعتراف مفاجئ:
فارس: "آه… أنا معجب بيكي وبحبك."
الصدمة انعكست على ملامح ناهد، وشها احمرّ من الخجل، إيديها ارتعشت وهي تحاول تخفي ارتباكها بالكتب:
ناهد: "نعم يا ابوي! بتقول إيه؟! أنا مش باكل بالكلام المعسول دا… طرقني كدا، أنا عايزة أذاكر."
سيف وقتها اتوتر، صدره ضاق، ضربات قلبه عليت، لأول مرة حس بخوف إنه يفقدها وهو لسه ماعبرش.
لكن فارس ما استسلمش، ابتسامته متسلطة، ونبرته مليانة إصرار:
فارس: "طرقني؟!!! هو أنا غلطت إني كنت صريح معاكي وجيت أعترف بحبي ليكي؟"
ناهد رفعت إيدها بإشارة رفض، صوتها ثابت رغم ارتباكها:
ناهد: "ولا غلطان ولا حاجة… لكن أنا بنت من الأرياف، مش بفهم في الكلام بتاعكم دا. أنا جايه أتعلم وبس. البنت عندنا متعرفش غير التعليم والجواز."
سيف في اللحظة دي حس بارتياح غريب، ابتسامة صغيرة ارتسمت على وشه من بعيد، ملامحه ارتخت لما سمع إنها مش مهتمة بالكلام.
فارس مال برقبته لقدام، صوته ناعم ومتلطف:
فارس: "جواز مرة واحدة؟ مش نتعرف على بعض ونفهم بعض؟ أكون خلصت جامعتي واتقدملك…"
ناهد شدّت الكتب أكتر على صدرها، رفعت حواجبها، وهزت راسها بالرفض:
ناهد: "لا يا بوي، مفيش اللي اسمه تعارف دا… نكمل تعليمنا، ووقتها يحلها ألف حلال."
فارس غمّز ابتسامة فيها إصرار:
فارس: "يعني إنتِ بتحبيني زي ما بحبك…"
ناهد لفّت وشها الناحية التانية، تهربت بعصبية:
ناهد: "اللهم طولك يا روح… قلتلك يا أفندم أنت…"
فارس ضحك بخفة:
فارس: "اسمي فارس. قلت إيه بقى؟ بتحبيني؟"
سيف اللي بيراقب من بعيد قبض إيده، وشه اتشدّ، الغيرة فضحت نفسها في ملامحه، اتنفس بحدة وكأنه بيقاوم إنه يدخل بينهم.
ناهد قطعت الحوار بسرعة:
ناهد: "هو حضرتك مش عندك محاضرات؟"
فارس رد ببرود، وهو يفضل يلّح:
فارس: "عندي… بس إنتِ أهم."
ناهد قامت من مكانها بسرعة، ملامحها متوترة لكنها مصرّة على إنهاء الحديث:
ناهد: "لا يا بابا، لا أهم ولا يحزنون. روح اتكل على الله، الله يسهلك، وسيبني في المادة المعقربه دي أشوف هفهمها إزاي…"
فارس وهو بيبعد خطوة بخطوة، صوته متودد:
فارس: "اسمي فارس… مش أفندم. متنسيش يا قمر."
وساعتها كان سيف، اللي واقف بيراقب، وشه مزيج من الغيرة والفخر. الغيرة علشان شاف فارس بيحاول يقرب منها، والفخر علشان شاف ناهد بترفضه بكل ثقة.
