رواية غزالة فى صحراء الذئاب
الفصـل الخامس والثلاثون 35 والسادس والثلاثون 36
بقلم رحمه سيد
والذهـول كان خير رسمة تسيطـر على ملامحـه الخشنة، ودقاتـه تحوم حول صدى جملته التي تركت اثرًا ناعمًا وواضحًا على روحه المتلهفـة !!
ولم يدري بنفسه سوى انه يقربها منه بشدة حتى لم يعد بينهم مسافة، فشهقت وهي تضـع يداها على صدره العاري مرددة بخفوت خجل :
_ مالك
وقـرب وجهه منها اكثر حتى شعـرت بأنفاسه تخترق مسامهـا لتخدر روحهـا وهمس بصوت لا يليق سوى بعاشق ولهان :
_ عيون مالك
إبتلعـت ريقها بازدراء هي تحاول دفعه مغمغمة :
_ أبعد بقا كفاية كدة
هـز رأسه نافيًا ويـداه تحـوم بحرية على جسدهـا وتابـع همسه المشتاق :
_ هو في حد بيكتفي من القمر، ويلا قولي إنتِ قولتي إية من شوية ؟
ردت هامسة بعد صمت دام لثواني تسترجع كلمتها المعسولة :
_ قولت آآ
ثم خبطت جبينها برقة وأردفت بخبث :
_ قولت إية ؟ انا مقولتش
شـدد من قبضتـه على خصرهـا بامتلاك ليتـابع بصوته الخشن :
_ لأ قولتِ، قوليها تاني دلوقتي
هـزت رأسها نافيـة بدلع :
_ تؤ تؤ، اما تسيبني اقوم هقولها
وجالت شفتـاه المتلهفة وجهها كله وسط همهماتها الخفيفة لتستقر على شفتاها تأكلها بشوق، ابتعد بعد ثواني وقال بخبث :
_ لا يا حبيبتي، هتقوليها وحالًا
اقتـربت منه هي هذه المـرة لتهمس بجـوار اذنـه بصوت اذاب الباقي من تمالكه لنفسه :
_ قولت بحـبك، بحبك وبمـوت فيك
وبلمـح البصر كانت هي أسفله وهو فوقها يشرف عليها بقامتـه العريضة ..
وهبـط بشفتـاه ينهل منها الشهد، يقبل كل جزء ظاهر منها حتى اخر رقبتها، فابتعد لحاجته للهواء ..
وانظاره مثبته على لمعة عيناها التي يعشقها وتابــع :
_ وعايزاني اسيبك، ده إنتِ بتحلمي، إنتِ مش هاتقومي من السرير ده لمدة شهر على الأقل
شهقـت بصدمة مرددة :
_ لا طبعاً أنت مجنون يا مالك
اومـأ مؤكدًا برومانسيـة :
_ أيوة مجنون يا قلب و روح مالك
ابعـدت شفتـاه عنهـا في محاولة بطيئة، لتستطرد عاقدة حاجبيها :
_ مالك كفاية بجد انا تعبت من الجوع، هموت من قلة الاكل
اقتـرب منها اكثر ليرد بنفس النبرة :
_ وانا تعبت من البـعد
ثم نظر لعيناها متابعًا بخبث :
_ ثم اني عايز اجيب عيل تانـي يا روحي
أتسعـت حدقتاها بصدمة طفولية لتدفعه قائلة :
_ مش اما يجي الاول حتى نبقى نفكر في تاني، و ابعد بقا
قهقـه بمرح وقال :
_ احنا لسة هنفكر، مفييش وقت يا شمسي، ويلا عشان هنسافر
سألته بنبرة واهنة :
_ لية ؟
اجابها وهو يغرس رغبته بين رقبتها ويداه تنزع عنها المتبقي من ثيابها وهمس :
_ هبقى اقولك بعدييييين
ثم انقـض عليها يشـبع جوعه و شوقه الذي بدى انه لا ينتهي !!!!!
************
ووصـل كلاً من زينـة و " جمال " الذين جلبـوا والدتها على الفور للمستشفى، كانت زينة تقريبًا في حالة هيستيرية لا تردد سوى كلمة
" مامااا قومـي "
ووالدها بجوارها يسير معهم ببرود وكأنه امر طبيعي يتكرر دومًا !!!
وزينة القلق لم يتـرك ذرة واحدة منها إلا واحتلها بمهـارة ...
دلفت والدتها مع الطبيب الى حجـرة الكشف فوقفت زينة امام والدها تسأله بجدية قويـة :
_ إية اللي حصل يا بابا
سألها ببـرود ثلجي :
_ اية اللي حصل ازاي محصلش !
كـزت على أسنانها بغيظ متابعة :
_ إية اللي يخليك تعمل في ماما كدة يا بابا هه ؟
رفـع كتفيه وهو يـرد بلامبالاة :
_ محصلش يا زينة ماتدخليش نفسك أنتِ بس
هـزت رأسها نافيـة بأصـرار شديد :
_ لا طبعاً لازم اعرف، دي كانت هاتموت في ايدك يا بابا
صـرخ فيها بنفاذ صبر :
_ يوووه إنتِ هتقرفيني بقا هيبقى أنتِ وامك كمان
واصرت على سؤالها الحاد :
_ حصل إية يا بابا ؟
تأفف وهو ينظـر للجهة المقابلة مجيبًا ببرود :
_ خناقة عادية من خناقات امك المعتادة
كـزت على اسنانها بغيظ واندرج سؤالها التالي تحت جزءً اخر :
_ واية علاقة مالك وانا بالموضوع ده ؟؟؟
إبتـلع ريقه بصعوبـة، وقد بدء التوتر في مهمته الوحيدة وهي الوضوح على ملامحـه فقال :
_ لا كانت بتتكلم بشكل عام مش على مشكلة بذاتها يعني
هـزت رأسها موافقـة بعدم اقتنـاع :
_ اممممم، ماشي يا بابا اما ماما تخرج هنفهم كل حاجة
إلتـوى فمه بابتسامة ساخرة :
_ مش لما تخرج الاول، يمكن ماتخرجش وتريحنا بقا
سألتـه بصدمة حقيقية :
_ أنت بتقول إية يا بابا !!!!!؟
قطـع حديثهم خروج الطبيب من الغرفة لتركض زينة باتجاهه متلهفة بتوجس :
_ طمني يا دكتور ماما عاملة إية ؟
سألها بجدية مناسبة :
_ أنتٍ بنتها ؟
اومـأت مؤكدة فتـابـع بأسف جاد :
_ بصراحة يؤسفني اللي هقولهولكوا
سألته زينة بتوجس :
_ قولي يا دكتور في إية لو سمحت ؟
تنهد وهو يجيب بدبلوماسية :
_ المدام عندها القلب !!!!!!!!!
وإن كانت لديها رغبة واحدة لمجيئ مالك فالان ازدادت تلك الرغبة لأضعاف !!!
*************
كـانت خلـود متسطحـة بجـوار مراد على الفـراش، وليلى في الغرفة المجاورة لهم، كلاهم ينظر للأعلى بشـرود تام ..
هو تمـوج بداخله رغبة صغيرة - جدًا - للأقتراب من " ليلى " زوجته الحبيبة التي حُرم منها مسبقًا !!!
رغبة قتلها برابـط عشقه الحقيقي والمتين لخـلود ...
خلود التي كانت اسمها يعبر عنها، هي خالدة بين جدران قلبـه للأبد !!
نظـرت هي لـه لتجـده شارد فهمسـت برقة :
_ مراد
نظر له وهو يجيب بهدوء :
_ إية يا حبيبتي ؟
وضعـت يداها على صـدره ونظرت في عينـاه مباشرةً لتستشف ما ارادتـه، ثم سألته :
_ لسة بتحبني ؟
نظـر لها بذهـول من ذاك السؤال الذي لم يتـوقع أنحـرافه على لسانها !!!
فاقترب منها حد الالتـصاق متساءلاً :
_ وإية اللي يثبت لك ؟
إتسعت ابتسامتها مرددة بمـرح :
_ حضـن
وبالطـبع اغتنم فرصة المـزاح ليحتضنها بقوة متشبثًا بها كطفل صغير يخشى البعد، يشدد من احتضانـه لها ليهمس بجوار اذنهـا :
_ أنا مش بحبك
إتسعـت حدقتاها بصدمة حقيقية فتـابع بهيام :
_ انا بموووت فيكِ
ابتسـمت بهدوء بينمـا هو انظاره كانت مثبتة على شفتاها التي كانت وكأنها تحمل دعوة صريحة للتقبيل فاستجاب الدعوة وإلتهـم شفتاها في قبلة داميـة، وبعد ثواني ابعدتـه عنها برقة هامسة :
_ مراد عاوزة أتكلم معاك
همس وهو يقبل كل جزءً منها :
_ بعدين بعدين
هـزت رأسها نافية بهدوء :
_ لا لازم دلوقتي يا مراد
إحتقـن وجهه بغيظ وقال :
_ إنتِ ما بيحـلاش ليكِ الكلام غير في الأوقـات دي !!
ضحكـت برقـة ودلال أذابت المتبقي من تماسكه فألصقها به يشعـرها بسخونـة جسده الذي كاد يشتعل من قربها ..
فاستطردت هي بجدية هادئة :
_ لا بجد عاوزة اكلمك في حاجة
تنهـد بحنق وهو يسألها :
_ اممم احكِ خير اللهم اجعله خير
تنهـدت قبل أن تقول بعـزم حقيقي وقوي :
_ عاوزة أروح لأهلي
ابتعـد عنها قليلاً مرددًا بنـزق :
_ يوووه تاني يا خلود، هو اللي هنعيده هنزيده ولا إية !!؟
هـزت رأسها نافية بأصرار :
_ لا بس مش معنى إني بسكت شوية ابقى نسيتهم، أنا لسة مُصـره إني اروحلهم
تنهـد تنهيدة عميقة وطويلة تحمل في طياتها الكثير والكثير ..
وأولهم واجب المواجهـه !!!!
نعم إن منعهـا من تلك المواجهه بقناع قلقـه الان يجب ازالتـه ..
لابـد من ترميم ما هدمه عدوها الشقيق !!!
ملأ رئتيه بالهواء عله ينعش خلايـاه ومن ثم أردف بصوت جاد :
_ ماشي يا خلود حاضر
هللت بفرح وهي تصفق بيدها :
_ بجد يعني أنت موافق ؟
اومـأ مؤكدًا بشبـح ابتسامة :
_ اه موافق
احتضنـته بفـرحة حقيقيـة :
_ ربنا يخليك ليـا ياااااارب يا حبيبي
ابتسـم بهدوء على تلك الطفلة التي يُسعدها أي شيئ بسيط ..
ليسمعها تغمغم بصوت خافـت :
_ هو ينفـع طلب كمان ؟
اومـأ موافقًا بضيق مصطنـع :
_ قولي قولي ما احنا مش هنخلص النهاردة
ابتسمت بخفوت قائلة :
_ عاوزة أكلم شمس صاحبتي من تليفونك
عقـد ما بين حاجبيه بتعجب قليل :
_ هو أنتِ ليكِ صاحبه ؟
اومأت مؤكدة باندفاع قوي :
_ ايوة هو حرام ولا إية يكون ليا صاحبه
هـز رأسه نافيًا وراح يبرر لها بهدوء :
_ لا ابدًا بس من ساعة ما اتجوزنا عمري ما شوفـتك بتكلميها يعني
تنهـدت وهي ترد بحزن نادم :
_ ماهو موبايلي مش معايا من ساعة ما انتم خطفتوني، واكيد هي مش عارفة توصلي وزعلانة مني عشان مش بكلمها
اومـأ بهدوء متساءلاً :
_ إنتِ حافظة رقمها ؟
اومأت بتأكيد :
_ اه طبعاً
عاد يقترب منها مرة اخرى وهو يقول بشقاوة :
_ تمام عشان تبقي تكلميها بعدين بقاا
شهقـت وهي تحاول دفعه :
_ مراد لا اكلمها الاول
ولكن لا حياة لمن تنادي كاد يلتهمها بشفتاه المتلهفة المشتاقة لعبيرها الخلاب ...
وبين طيـات شوقه همسه
" يارب تستحملي الصدمة يا خلود " !!!!!
************
كـان يحيى على فراش المستشفـى، لجوار " غريب" الذي جلبـه للمشتشفى بعد أن رآه بهذه الحالة عن طريق - الصدفة في زيارتـه له - ..
شعـر يحيى أنه على فراش المـوت !!!
يشعـر الموت تمثل له في هيئة ذاك الألم اللعيـن .. وبعقله خاصةً ليدس تلك الذكريات وافعاله الشنيعة امام عينيه !!
وغريب .. غريب الذي أذاه هو .. الان هو من ساعـده !!!!
وللقدر حكمة لا تختفي ...
نظر لغريب وهو يقول بصوت واهن :
_ أية اللي حصل يا غريب ؟
اجابه الاخر بهدوء :
_ ولا حاجة يا يحيى
وسألـه مرة اخرى بصوته المُرهـق :
_ أنت اللي جبتني هنا ؟
اومأ غريب مؤكدًا :
_ أيـوة انا
واستمر في سؤاله المتوجـس :
_ الدكتور قالك إية ؟
رفـع كتفيه وهو يرد بجدية :
_ لسة ماقالش يا يحيى، إن شاء الله خير
اما هو فلا يعتقد - الخير - مكافأة على ما فعله طيلة حياته !!!!
ودلف الطبيب بعد أن طرق الباب بهدوء، ليسأل يحيى بابتسامة هادئة وجادة :
_ اية الاخبار حاسس بأية دلوقتي ؟
هـز رأسه وهو يجـيب بوهـن :
_ احسن شوية بس حاسس الألم لسة ماراحـش
تبـرم وجه الطبيب وهو يهتف :
_ ماهو للأسف مش هيروح بسهولة
سأله يحيى بهلـع :
_ يعني إية يا دكتور ؟
اجابه بجدية أسفـة :
_ يعني للأسف عرفنا إن عندك ورم في المـخ، لازم تعمل عمليـة
إبتلـع ريقه بمرارة وكأنه كان متوقـع ذاك الرد القاسي من الله ثم القدر على ما بدر منه !!!!
ليسأله هامسًا :
_ وإن ماعملتهاش ؟
رفـع كتفيـه مرددًا بشفقـة على ذاك الشاب الذي بدى من مظهره مسكين :
_ كنت أتمنـى لكن في خطر على حياتك مع استمرار وجود الورم
سأله بتنهيدة حارة خرجت من اعماقه المتألمة :
_ ونسبة نجاحها كام يا دكتور ؟
اجابه بهدوء :
_ للأسف الشديد نجاحها مش مضـمون يعني 40٪ بس !!!!!!!!!
***********
جلسـت شمـس على الأريكـة امام التلفـاز تأكل بجـوع بادي في طريقتهـا المتلهفـة، وكأنها لم تصدق ان خرجـت من أسر ذراعيـه !!
تقـدم مالك منها ليضحك على هيئتها تلك، سمعتـه فاستـدارت لتلاقي صدره العاري وعضلات صدره البارزة ..
فشهقت بخفوت وهي تهمس ببعضًا من الخجل :
_ اية ده يا مالك، روح إلبس التيشرت
هـز رأسه نافيًا وهو يجلس بجوارها .. بل ملتصق بها وكأنها مغناطيس تأثيره لا ينتهي !!!!
وقال بخبث دفين :
_ لأ انا مرتاح كدة .. مرتاح جدًا كمان
إبتلعـت ريقها وقد تكفلت نظـراته بإيصـال رغبتـه التي لا تنتهي منها .. بإتصالهم الحالم ..
فابتلعت هي ريقهـا وهي تأكل الطعام بسرعة محدودة !!
قهقـه بمرح مرددًا متعمد اغاظتها :
_ كفاية يا شمس بطلي طفاسـة بقا هاتخربي بيتي
شهقـت وهي تضـع يدها على فاهها، لترد بعدها بحنق :
_ ما أنت السبب أنت وأبنك
رفـع حاجبه الأيسر يسألها بابتسامة لعـوب :
_ انا وابني .. لية عملنالك اية يا مفتريـة ؟؟؟
تنهـدت بغيظ مكملة :
_ أنت منعتني اكل لحد ما جوعت كدة، وهو السبب اصلًا في جوعي ده
غمـز لها بطـرف عينيه قائلاً بمكـر :
_ طب بمناسبة الجـوع، أنا لسة ...
قاطعت اقترابـه البطيئ منها بشهقة وهي تبتعد للخلف مردفة بخجل :
_ بس اسكت خالص انت ما بتزهقش ولا بتكتفي
اقترب اكثر يهمس امام شفتاها التي كانت تعض عليها :
_ تؤ تؤ، قولتلك مابكتفيش منك .. ابدًا
عضـت على شفتاها السفلية اكثر وهي تعمض عيناها، ومنع اقترابه هذه المرة صوت هاتفـه الذي صـدح معلنًا عن وصول إتصال قد يكون مزعج ..
فانهض متأففًا يجيب ببرود :
_ الووو
وسرعـان ما تجهم وجهه وشرد .. لينطق بكلمة واحدة وجادة :
_ انا جاي
ثم اغلق وهو يتناول التيشرت الخاص به ليرتديـه، فسألته شمس متوجسة :
_ خير يا مالك في إية ؟
اتجـه للخارج وهو يقول بجدية زائدة :
_ مش وقته
ثم خـرج دون كلمة اخرى تاركًا اياها تتخبط في حيرتها من تغيره المفاجئ !!!!!!!!
**********
كانت " ليلى " في الغرفـة التي خُصصت لها، تتسطـح على الفـراش وتضم صـورة " حمدي " تتعمـق الصورة بعيناهـا وكأنها تناجيها .. تسألها بصدمة " من أنا ؟!!! "
سطـور عيناها متزاحمة بين الحزن والاشتيـاق .. والضيـاع !!!
من هي .. أين الحقيقة .. كيف حدث ذلك ؟!
ولكن بالطـبع ما من مجيب !!
فجـر بوجهها قنبلته ليتركها تتلاقهـا لتحطمها اشلاءً دون تفسير واضح !؟
تلمسـت صورته لتهمس قائلة بشرود ضائـع :
_ أنا تعبت بجد تعبت، مابقتش عارفة مين الصادق ومين الكذاب !
وتلقلقـت الدمـوع في عيناهـا وهي تتـابع همسها المتألم :
_ أنت وحشتني اوي يا حمدي، كنت صديق وأخ وسند .. وحبيب !!
وتوقفت عن مس الصورة ثم نظرت لها وكأنها تحدث شخصًا امامهـا فقالت هامسة بحرارة :
_ أنا بحبك أوووي يا حمدي، بحبك اوي اوي
وطُـرق الباب فنهضـت تمسح عبراتها المتسللة لوجنتاها .. ثم هندمت ملابسها وخصلاتها الثائـرة لتتجه نحو الباب تفتحه بترقب، فوجدت مراد ...
تعجبت قليلاً وهي تسألـه بخفوت :
_ خير يا حضرت الظابط في حاجة ولا إية ؟
هـز رأسه نافيًا وهو ينظر لعيناها تمامًا متساءلاً :
_ مالك، كنتِ بتعيطي ولا إية ؟
هـزت رأسها نافيـة بسرعة :
_ لا مـ ماكنتش بعيط ولا حاجة
ثم سألته هادئـة :
_ لية حضرتك قولت كدة ؟
أشـار لها أن تخـرج مرددًا بجدية :
_ عنيكِ بتقول كدة، وتعالي عاوزك بره
ونظـرتها كانت عبارة عن تساؤل مبهم
" يفسرني ويفكك ألغازي في لمح البصر " !!؟
تبعتـه وكأنها مُبرمجـة .. لتراه يجلس وهو يشيـر لها بالجلـوس فجلست على بعد مسافة .. فتنحنح وهو يسألها بجدية :
_ مالك ؟
رفعـت كتفيها تجيب بنفس الجدية :
_ مليش
كـز على أسنانـه وهو يسألها :
_ مالك ؟؟؟
تنهـدت وعزمـت على الافصاح عما يجيش بصدرها من نيران مشتعلة ترغب فيمن يطفأها !!
فردت بخفـوت حزين لاحظه :
_ حاسه إني تايهه جدًا، مش عارفة أصدق مين وأكذب مين !
تنهـد بقوة وهو يقـول :
_ تصدقيني انا لان انا اللي بقول الحقيقة
ابتسمت بسخرية وأردفت :
_ ما هما قالوا كدة بردو، أنا عاوزة دليل ملموس يا حضرت الظابط
سألها هادئًا :
_ وإن مفيش ؟
رفـعت كتفيها تجيب بلامبالاة مصطنعة :
_ يبقى طبيعي مش هاصدقـك
ابتسـم بغموض وهو يهمس :
_ الدليل معايا
سألته عاقدة حاجبيها :
_ إية هو ؟
نهـض متجهًا للداخل وهو يستطرد بخشونـة :
_ شهادة وفاتـك اللي طلعناها !!
وبعد دقيقة كان يجلس لجوارها يمسك بتلك الورقـة بهدوء وبعد أن رأتها سألته بصدمة :
_ أزاي اقنعوك إني مُت ؟
نظـر امامه بشرود يتذكـر تلك الأيـام التي كان يُعانـي فيها حرفيًا .. يرى ألوانًا مختلفة للألم والحزن والأشتياق المميت !!!!
ليهتف بعدها :
_ ورونـي جثـتك .. كنتِ مابتتنفسيش، او يمكن أنا من لخمتي فكرت كدة، بعدها لقيت ناس اصدقاء وصلوني المستشفى وأنتِ معايا، بس قالوا إنك ميتة، أنا ماقدرتش أشوفك، ماقدرتش أشوف الجثه اللي مفروض إنها إنتِ، فابالتالي روحنا دفنا الجثـه اللي كانت شبهك او يمكن ده كان ماسـك .. معرفش، اللي اعرفه إني كنا متدمر، ووالدتك ماتت من الصدمة والقهر
عند تلك النقطة شهقت بصدمة وهي تضع يدها على فاهها !!
منبـع الحنان التي افتقـده كل هذه المدة الان ستفتقده للأبد !!!!
لم تتذكـرها .. ولكنها شعرت بالحزن والكسرة للمرة التي لا تذكر عددها !
وسألها هو هذه المرة :
_ عايزك تحكيلي كل حاجة بالتفصيل، حتى لو وصلت لـ كلتِ إية وشربتي إية ؟
اومـأت بحبور مرددة :
_ بس اول عايزة أسألك هو .. هو ازاي يعني معرفتش تمسك على الناس دي حاجة وأنت ظابط يعني
ونظراتـه كانت توحي بمدى الضيق الذي اعتراه وهو يجيبها بقلة حيلة :
_ أنا ظابط مع وقف التنفيذ يا ليلى !!!!!!!!!!!!
***********
جلست " زينـة " بجـوار والدتها التي كان وجهها شاحـب، علامـات عنف والدها تبدو واضحة على وجهها، وجهها كان وكأنه - خريطة - لرسم مدى معاناتهـا التي بدت أبدية !!!!!
أمسكـت زينة يدهـا وهي تسألها بابتسامة صفراء :
_ حاسه بأية دلوقتي يا ماما ؟
اجابتها بوهـن :
_ الحمدلله على كل حاجة يا حبيبتي
زفـرت زينة قبل أن تسألها بجدية :
_ أية اللي حصل يا ماما ؟
تهربـت من حصار عيناها وهي تقول بتوتر :
_ مـ محصلش يا زينـة دي آآ دي مشكلة صغيرة بس
كـزت على أسنانهـا بغيظ وهي تُصر متساءلة :
_ مشكلة صغيرة تخليه يعمل فيكِ كدة يا أمي ؟ حصل إية ؟
هـزت الاخرى رأسها نافية :
_ قولت مافيش يا زينة هو بالغصب ولا إية !؟ دي مشكلة عادية
نهضـت زينة وهي تقـول بجدية قوية :
_ خلاص يبقى انا هقول لمالك هو يشوف في إية
ثك رفعت كتفيها متابعـة :
_ واهوو بالمرة يعرف الموضوع اللي يخصـه
هـزت والدتها رأسها نافية بسرعة :
_ أوعي يا زينة، اوعي تكوني قولتيله إني دخلت المستشفى أصلاً !!
هـزت زينة راسها نافية بهدوء قاطـع :
_ لا لإنه اساسًا جاي مش عاوزة أقلقـه بزيادة
تنهـدت بارتيـاح هامسة وهي تضـع يدها لجوار قلبها :
_ كويس
سألتها بأصرار قوي :
_ إحكي يا امي هاتفضلي مخبية لحد امتى يعني ؟
نظـرت امامـها بشـرود لتقول :
_ أبوكِ كان بيكلم حد بيقوله ابدئ التنفيذ أنا مش هاستنى عليه اكتر من كدة حتى لو بالاجبار، مش معني انه ابني هايضيع لي مصالحي !
فغـرت زينة فاهها بدهشـة لتسألها :
_ طب وهاتعملي إية يا ماما، إنتِ قلقتيني على مالك !!
رفـعت كتفيها قائلة بحدة :
_ أكيد مش هاسكت يعني
سألتهـا زينـة بتوجس :
_ هاتعملي إية يا ماما يعني مش فاهمة ؟!!
واجابتها كانت دون تردد :
_ هامنعه بأي طريقة
وصمتت برهه تسترجع كل أفعالـه الشنيعة التي كانت كالسراب لا تنتهي ..
ثم تابعـت بغـل :
_ حتى لو اضطريت اقتله بس ميأذيش ابني !!!!!!!!!!!!
************
كانـت شمس تجـوب المنـزل بتوتـر رهيب .. تتساءل بينها وبين نفسها في كل ثانيـة
" أين ذهب بهذه السرعة ؟! "
ما الذي يمنعـه من البـوح .. ما الذي دفعه للإسـراع ؟!
اسئلة .. اسئلة .. وما من مجيـب يريح بالها المحتار !!
وقفـت امام الشرفـة علهـا تستطيـع رؤيته وهو قادم فتتنهد بأرتياح ..
ولكن للأسف لم تـراه، شعرت بالألم يبدء يحيط بطنها من كثرة التوتر الزائد !!
جالت عيناها في ارجاء المنزل وهي تشعر بحركة ما
حاوطت بطنها بحركة دائرية وكأنها تحميـه من العدو المجهول !!!
وقالت هامسة بخـوف بدء في الانتشار :
_ مين !!!
ولكن بالطبـع ما من مجـيب ..
ازدادت الحركة امام باب المنـزل وطرقة واحدة على البـاب ثم اختفاء الحركة !!!!
اقتـربت من البـاب ترى من - العين السحرية - لتجد ظرف أبيض فقط امام الباب ..
خشيت الظهور الان فانتظرت حوالي ما يقرب نصف ساعة لتفتح الباب بعدها ملتقطة الظرف بسرعة ثم اغلقت الباب مرة اخرة في اقل من الثواني !
وبدءت تفتـح الظـرف رويدًا رويدًا وبداخلها تدعو أن يكون خيرًا
ولكن من أين يأتي الخير وهي وسط ذئابًا لا تعرف معنى للخير !!!!!
وفتحتـه لتتـسع حدقتا عينيها وهي تقرأ الكلام المـدون
" هديـة حصري وجديدة ليكِ إنتِ بس، ياريت تعجبك " !!!!
بجوار شيئً لم يروق لها ابدًا !!
و - أسفًا - يدفعها للتصديق !!!!!!!!!!!
************
سمعت " كريمـة " طرقـات على الباب فانهضت متلهفة على امل ان تجدها ابنتها الغائبة " شمس "
ابنتها التي اشتاقتهـا حد الموت !!!
ولكن خاب املها وهي تـرى رجلاً تقريبًا في الأربعون من عمـره .. ملامحه هادئة لا تنم عن شرًا إطلاقًا ...
فسألته بهدوء مترقبـة :
_ خير يا أستاذ عايز مين ؟
اجابها بسؤال مماثل :
_ إنتِ الحاجة زوجة المرحوم صابر والد شمس تقريبًا ؟
اومـأت بتوجس متساءلة :
_ خير أن شاء الله ؟
نظـر للخـارج وهو يسألها بجدية لائقة :
_ طب ينفـع نتكلم جوة لو سمحتي ؟
ترددت قليلاً قبل أن تترك الباب مفتوحًا وهي تشير له مرددة :
_ طب اتفضل يا استاذ قول اللي عندك
تنهـد وهو يبدء حديثه بقوله بصوته الأجش :
_ أنا معايا حاجة كانت تخص الأستاذ صابر، واعتقد دلوقتي إنها تخصكم انتم
زفـرت بقوة وهي تسأله :
_ إية دي ؟ ياريت تتكلم على طول يا استاذ وتقولي انت مين
اخـرج من جيبـه النوتـة الصغيرة التي كانت تخص " صابر " ليجيبها :
_ انا اسمي حسنين، كنت مع المرحوم في نفس السجن
سألته كريمة وهي تشير - للنوته - مستفسرة :
_ وإية دي يعني !؟
اجابها بتمهل :
_ دي نوته كانت بتاعت الاستاذ صابر، كاتب فيها حاجات كتير واعتقد انها مهمة جدًا، وانا مش ادها فجبتها لكم
نفذ صبرها وهي تصيح فيه بقوة :
_ ماتقول يا استاذ الموضوع كله هو انت هتنقطني كلمة كلمة ولا إية ؟
هـز رأسه نافيًا وهو يعطيها النوته هامسًا :
_ أنا كانت مهمتي في السجن إني اشيل الزبالة وارميها واصنفها، لقيت النوته وماكنتش متبهدلة، فضولي اخدني افتحها لقيت اسم الاستاذ صابر وكاتب حكايتي وبراءتي، بدءت اقرأ واتصدمت من الكلام اللي بيحكيه بالتفصيل، فخليتها معايا وانا مش فاهم حاجة، لحد ما خرجت من السجن وبصعوبة لعرفت اجيب عنوانه وجيت على هنا علطول اسلمهالكم
والقـلق كان ينهـش فيها .. قلق من سرًا قد يفتح جروحًا قديمة ويسبب جديدة داخلهم ؟!!!
اضطـرب تنفسها وهي تأخذها منه بتردد لينهض هو مغادرًا بعد أن اسقطها في حفرة عميقة من الظلمات طالبًا منها ان تُنيرها هي !!!!!!!!
*************
وكانت ملامـح شمس مبهمة، تنظـر امامها بشـرود تام وهي ممسكة بذاك الظرف الذي بدل حالها تمامًا !!
وبدلاً من تزاحم التساؤلات الذي كان يعصف بكيانها ..
اصبح تزاحم من الشكـوك تأكلها كالصدئ في الحديد !!!!!!
تنتظـر رجـوع ذاك الذي يدعى مالك بفـارغ الصبـر ...
واخيرًا رأتـه يدلف من الباب ببرود تـام بعكس العاصفة الثائرة بداخلها !!
وسألها ببرود يتناسب مع حاله :
_ مالك يا شمس قاعدة كدة لية ؟؟
نهضـت مقتربـة منه، تتفحصـه علها تكذب ما رأته، لتصدم بتواجد احمر شفاه على رقبتـه ..
شهقـت وهي تقترب منه اكثر متساءلة باختناق :
_ إية ده يا مالك ؟
نظـر لمَ تنظر ليبتلـع ريقـه مجيبًا ببعضًا من التوتر :
_ ده .. آآ ده بس
وقاطعتـه هي بحدة صارخة :
_ وإية ريحة البرفان الحريمي اللي في هدومك دي ؟؟؟؟
اغلق عيناه بضيق حقيقي ليمسـك يدها ضاغطًا عليها بقوة وهو يقول بخشونة :
_ صوتك ما يعلاش عليا، سامعة ولا لا
ترقرت العبرات الساخنة بين عيناها لتدفـعه صارخة بصوت أعلى :
_ لاااا مش سامعة ورجعني القاهرة مع ورقتي وحالاً
