الفصل الخامس عشر 15
بقلم صفاء حسني
وصل جاسر إلى المستشفى بسرعة، ونفسه تتوق لمعرفة ما حدث. كان القلق بادياً عليه، فسأل الدكتور عادل: "خير يا دكتور عادل، طلبتني مستعجل."
شرح عادل الوضع لجاسر، وطلب منه المساعدة. سأل عادل عن حالة خلود: "عملت إيه مع الحالة خلود؟"
طَمْأَنَ جاسر عادل بأنها تتحسن. رد جاسر بتفاؤل: "في تحسن، الحمد لله."
حكى عادل لجاسر عن حالة جديدة، أهلها يتوسلون إليه لمساعدتها. قال عادل برجاء: "طب في حالة، أهلها اترجوني أشوف حد يتابعها، البنت منهارة ورافضة تتكلم مع أهلها، وقطعت الكلام خلاص."
طلب جاسر معلومات أكثر عن حالتها. سأل جاسر بجدية: "طب ممكن أعرف اختصار عن حالتها؟"
بدأت الأم تتحدث بدموع وندم: "إحنا السبب، إحنا اللي ضيعنا أولادنا بالجري وراء الفلوس. ابني مدمن ومحجوز في آخر مرحلة، بعد ما ضيع أخته."
طلب جاسر منهم الهدوء، وأن يحكوا له ما حدث بالضبط. قال جاسر بهدوء: "اهدي يا أمي، وبراحة فهميني إيه اللي حصل؟"
حكى عادل القصة باختصار، قال عادل بإيجاز: "بالمختصر، هي كانت محجوزة على ذمة قضية، ولما أهلها عرفوا، رجعوا، لكن هي رفضت تقابلهم، وصرخت وحاولت تنتحر، وتم نقلها إلى هنا."
سأل جاسر عن تفاصيل القضية. سأل جاسر باستفسار: "قضية صعبة يعني؟"
حكى الأب لجاسر عن تفاصيل الجريمة، والصدمة التي تعرضوا لها. قال الأب بحزن: "مشتركة مع واحد في حريق مصنع، وبسبب الحريق انحرقوا بنتين من صاحباتها، اسمهم خلود وبسنت."
صُدِم جاسر من الاسم، وعرف أنها نفس البنت التي كان يعالجها. قال جاسر بدهشة: "تقصد مي؟"
أكدت الأم كلامه، وقالت إنهم يعرفونها. قالت الأم بتأكيد: "آه، أنت تعرفها؟"
حكى جاسر لعادل عن اعترافات مي، وعن الظروف الصعبة التي مرت بها. قال جاسر بتفهم: "الاعتراف كان قدامي، هي فعلًا اتعرضت لمواقف صعبة جدًا، وممكن ظهوركم قدمها مع حبسها، خلاها ترفضكم وترفض الحياة، لأنها بتعتبر أنكم السبب."
شعر عادل أن جاسر هو الشخص المناسب للحالة. قال عادل بثقة: "طب كويس إنك عارف خلفية كبيرة عن حالتها، ممكن تمسكها، لأن أسلوبك حلو وبيجيب نتيجة سريعة."
وافق جاسر على دراسة الحالة، والبدء معها بعد أسبوع. قال جاسر بالموافقة: "طب أدرس الحالة، وأبدأ بعد أسبوع، أكون أنهيت حالة خلود نهائيًا."
عادل: "تمام، في انتظارك..."
عند بسنت وحازم
(حازم يدق الباب على بسنت)
ذهب حازم إلى بسنت ليصالحها، لكنه لم يكن يعرف ما سيقوله. طرق حازم الباب بندم: "لولي، خلودة حبيبتي، حقك عليّ."
كانت بسنت مغلقة على نفسها، ومستعدة لمواجهته. قالت بسنت ببرود: "لا يا حازم، أنا مش هافتح، ومش هاتكلم معاك."
قرر حازم أن يحكي لها كل شيء، لعله يغير موقفها. قال حازم برجاء: "طب لو قلت لك اللي حصل، هتسامحيني؟"
سيطر الفضول على بسنت، وأرادت أن تعرف ما الذي يخفيه. سألت بسنت بعدم تصديق: "هتقول بجد، والّا بتضحك عليّ؟"
أقسم لها حازم بأنه سيقول الحقيقة. قال حازم بصدق: "بجد يا أختي، افتحي بقى."
وضعت بسنت شرطًا لتطمئن. قالت بسنت بحذر: "بس بشرط."
فهم حازم خوفها، وحاول أن يطمئنها بالكلام. قال حازم بتفهم: "عارف شرطك، وفاهم خوفك، وخصوصًا لما سمعت قصة مي. أنا عارف إنك مش قادرة تقوليها في وشي، إنك بقيتي تخافي مني، عارف بتقولي في نفسك 'ما حازم كان أخو خالد، وكانوا بيتفرجوا مع بعض، ويشربوا...' بس والله العظيم، أنا عمري ما كنت بالسفالة دي، أو عمري أفكر أعمل كده معاكي، بس الفضل يرجع لبسنت إني اتغيرت."
(بسنت تفتح الباب)
فتحت بسنت الباب وهي ترتدي ملابس محتشمة، وتحاول أن تحافظ على مسافة بينها وبينه. سألت بسنت باستغراب: "إزاي هي السبب؟"
شعر حازم بأنها ما زالت خائفة منه. قال حازم بحزن: "للدرجة دي أنا مُرْعِبْ؟"
ذكرته بسنت باتفاقهم، وأنها تحتاج إلى وقت لترتاح. قالت بسنت بتذكير: "مش أنت قلت إنك فهمت خوفي؟ يبقى سيبني على راحتي."
وافق حازم على شرطها، ووعدها باحترام مساحتها. قال حازم بالاستسلام: "حاضر."
أصرت بسنت على معرفة ما الذي غيره، وكيف كان لبسنت الفضل في ذلك. سألت بسنت بإصرار: "أنت قلت إن بسنت كانت السبب في تغيرك، إزاي؟"
حكى لها حازم كل شيء، وكيف كان يراها زمانًا بطريقة خاطئة. قال حازم بندم: "في الأول إنتِ كنتِ بتحكي لي عنها، وكمان خالد، لكن بطريقة شهوة... كنت نفسي أشوفها بأي طريقة، وأنا اللي طلبت من مي تهدد أمي علشان تبعت دعوة ليه علشان أشوفها... ولما شفتها، انسحرت بيها أوي، وبعد كده استغليت تعبك، وبقيت معاكِ في كل حاجة، علشان كنت متوقع إنها لو عرفت إنك تعبانة مش هتسيبك، بس لما بقت تيجي وتفهمك إنك مش ينفع تلبسي لبس ده قدام أخوكي أو غريب، حرام، وسمعت كل الحوار ما بينكم، احترمتها أوي، وقلبي اتعلق بيها أكتر، ومش عارف إنتِ فاكرة لما زعقت ليكِ وطلبت منك تسمعي كلام بسنت..."
سألت بسنت عن سر اعتراف والدها، لتعرف هل ستنجح خطتها أم لا. سألت بسنت بفضول: "طب بابا قال لك إيه السبب، علشان أعرف خطتي هتنفع والّا لا؟"
وافق حازم على أن يحكي، لكنه ما زال مصممًا على خطتها. قال حازم باستسلام: "لسه مصممة؟ حاضر يا ستي. بعد ما نقلوكِ على المستشفى، طلب جاسر من الدكاترة تحاليل كتيرة، فاستغليت الفرصة وطلبت منه يعمل لي وليّه تحليل DNA، علشان أعرف راسي من رجلي، هل فعلًا أمي خانته والّا لأ."
(فلاش باك)
حازم: يطلب مساعدة جاسر، ويلح عليه أن يكتم السر: "ممكن طلب منك، بس يكون سري."
جاسر: يعده: "أكيد، اتفضل."
حازم: يكشف عن شكوكه: "أنا هتجنن، وعايز أعرف إن كنت ابن محمود والّا لا، وعايز أستغل الفرصة، وتعمل لي وليه تحليل DNA؟"
جاسر: يتفاجأ بالصدفة الغريبة: "يا للصدفة! أكيد بسنت دي مع ربنا، وكده التحليل هيكون برضاهم، واتأكد. تمام يا حازم، سيب الموضوع ده لي، بعد يومين النتيجة تطلع."
(عودة إلى الحاضر)
حازم: يسأل جاسر بلهفة: "طمني، إيه النتيجة؟"
جاسر: يبشره: "أكيد ابنه، في تطابق كبير في كل حاجة، حتى في فصيلة الدم، وكمان طلعت أختك مش عندها سكر."
حازم: يرتاح: "أشكرك، دلوقتي أقدر أواجه وأنا راسي مرفوعة."
جاسر: ينصحه: "بس بعيد عن أختك، لأنها احتمال تخرج بعد يومين."
حازم: يتعهد: "مش تقلق."
في الشركة
يذهب حازم إلى الشركة، ويدخل المكتب الخاص بأبيه، ويجلس على المكتب وهو يضع رجلًا على رجل.
محمود: ينفعل لما رأى حازم: "إيه يا وقح! أنت طبعًا أمك مش عرفت تربيك، ملخومة في السرماحة."
حازم: يستهزئ به: "ههههه، أنت مش تعبت من الأسطوانة المشروخة دي اللي دايمًا تغنيها؟"
محمود: يطرده: "احترم نفسك، واطلع برا."
حازم: يرفض: "لا يا بابا، أنت اللي هتطلع برا، بس انتظر دقائق."
بعد دقائق تدخل سها: "خير يا حازم، ماله أبوك؟" وتجري على محمود: "أنت كويس؟"
محمود: بغضب: "أبقى كويس طول ما ابن عشيقتك ده يكون بعيد عني."
حازم: يسخر منه: "ههههه، مش بقول لك أسطوانة مشروخة؟ أنا والله ما عارف بتحبك على إيه، وبس علشان كدبت عليها، وقلت إنك تعبان، جاءت ملهوفة وخائفة عليك. وفي المقابل منك إيه؟ دايمًا تتهمها إنها خانتك، رغم إنك عارف إنها أشرف منك."
سها: تلومه: "عيب يا حازم، مش تتكلم مع أبوك كده."
محمود: ينكر بنوته: "أنا مش أبوها، ليه مصمم تفرضه عليّ؟"
حازم: يواجهه بالحقيقة: "للأسف أنا كمان كنت نفسي أكون مش ابنك، بس للأسف طلعت ابنك، وطلعت الست دي اللي أنا من يوم ما بدأت أفهم الدنيا كنت دايمًا بتكرهني فيها. نفسي أعرف السبب إيه؟" ويرمي نتيجة التحليل في وجهه.
حازم: يحتضن أمه بحنان: "أرجوكي كفاية تذلي نفسك بالطريقة دي."
سها: تعترف بحزن: "ما أنا عارفة إنك ابنه، وطول عمري بقول له كده، بس هو كدب الكدبة وصدقها."
حازم: يسألها بحيرة: "كدبت إيه يا أمي؟"
سها: تتنهد بحنين: "ياااااه، وحشتني الكلمة دي أوي."
حازم: يقبل يديها بندم: "سامحيني يا أمي، بس هو السبب إني كرهتك من كل اتهاماته، ويلقبني بأني مش ابنه، نفسي أعرف ليه شك فيكِ؟"
سها: تحكي عن الماضي: "علشان زي ما أنت قلت، أنا حبي ليه عماني لدرجة سمعت كلامه، كنت صغيرة، ضحك عليّ بحبه، ووافقت على كل حاجة عملها، لكن بعد ما اتجوزت اكتشفت إنه أقد أي حقير! استغل حبي وأخد كل حاجة، الشركة... في الوقت ده عرفت إنه أقد أي يخون صديقه، ويعرض الإنسانة اللي هتكون مراته لمواقف زي دي، ممكن يعمل أي حاجة علشان مصلحته. ولما وقفت في وشه، حلف ليشوه سمعتي ونجح في كده... باك وقتها حكت كل حاجة حصلت معهم، وإزاي هو خان صاحبه، وطلب من أمك تعمل كده. شوفتي أقد أي كنا عايشين في عائلة! إزاي عرفت ليه كنت بكرههم."
عند بسنت
تسمع بسنت القصة وتبكي، ويملأ قلبها الوجع على ما تحمله أبوها. "بابا اتعمل فيه كل ده من عمي ومن صاحبه! يا ترى حصل إيه تاني معاك يا بابا؟"
بسنت: تقرر فجأة: "أنا عاوزة أزور قبر بسنت دلوقتي."
حازم: يقلق عليها: "مش هنستني جاسر؟"
بسنت: ترجوه: "أرجوك يا حازم، أنا عاوزة أروح."
حازم: يوافق: "حاضر يا خلود، اجهزي وأنا في انتظارك..."
عند ناهد
ناهد: مغلقة على نفسها الأوضة، ومش قادرة تواجه أحد. "أنا مش أقدر أتكلم معه، وهحبس نفسي في الغرفة، منتظرة الناس يقوموا بالإجراءات."
ريهام: تحاول أن تخرجها من الحالة التي هي فيها: "ما أنا اتصلت بك علشان أقول لك تعالي، علشان رايحين النهارده، وعايزين يعرفوا القبر فين."
ناهد: تسأل بلهفة: "بجد! أنا جاية حالا، نتقابل فين؟"
ريهام: تحدد المكان: "في عبود، والّا إنتِ متعودة تركبي من مكان تاني؟ إحنا قولنا ناخد ميكروباص خاصة بينا."
ناهد: تمام كده، أنا بركب من هناك دايمًا، بس هعدي على شقتي أجيب حاجات، ونتقابل هناك كمان ساعة."
ريهام: خلاص، ابلغهم بالاتفاق، ومش تنسي الفلوس، أي حاجة تحت الحساب."
ناهد: مش تقلقي، سلام."
تقوم ناهد وتغسل وجهها من البكاء، وتقف قليلًا أمام صورة بسنت وتتكلم مع نفسها: "أنا جاية يا بسنت أزورك... كنتِ بتقولي إني بحب أخواتك أكتر منك... لا والله أنا عملت كل حاجة لأجلك أنتِ... كنت خايفة ياخدوكم مني، وقلبي يوجعني عليكِ... بس للأسف حصل اللي كنت خايفة منه... أنا من غيرك ضايعة، حاسة إني بقيت يتيمة من غيرك، يارب صبرني يارب... وكمان عمك الجديد ده دخل الشك في قلبي، أنا لازم أجي أتكلم معاكِ وأخد رأيكِ، أعمل إيه زي ما طول عمرنا بناخد رأي بعض."
وتدخل لتأخذ شاور، وتخرج تلبس، وتأخذ شنطة معها، وتخرج من باب الغرفة، فتجد سيف أمامها.
سيف: "رايحة فين؟"
ناهد: "ملكش دعوة، مش همك، الأولاد أهو عندك، سيبني أنا في حالي، ممكن؟"
سيف: "لا مش ممكن، علشان اللي إنتِ بتفكري فيه مش قانوني."
ناهد: "واللي أنت عملته كان قانوني يا حضرة المحترم؟ تستغل تعبي، وترفع دعوة، وتاخد أولادي في حضانتك، وتكسبها وأنا مش عارفة، وتهددني تاخدهم من حضني! إيه بقى الفرق ما بينك وبين فارس؟ فعلًا أخوات تشرف! واحد يدمر حياة أخوه، ويشوه سمعة مراته، وفي الآخر يحرض على قتل بنت أخوه، والتاني يعمل مؤامرة ويهمل في صيانة الكهربا اللي احترقت بها بنتي!"
سيف: "حيلك حيلك! كل الهجوم ده علشان بسألك رايحة فين؟ وخايف عليكِ علشان تتوّهي في الكلام ومش تقولي رايحة فين."
