الفصل السادس عشر 16
بقلم صفاء حسني
بصوت مهزوز وكأنها بتتهرب من المواجهة، ناهد بتقول): "آه، بتوه في الكلام، عايز حاجة تبعد عني..."
(وهو بيقرب منها أكتر، بنظرة كلها تحدي، سيف بيسألها): "إنتِ ليه حبسة نفسك؟ خايفة من إيه؟ ليه مش عاوزة تصدقي إحساسك؟ خايفة تقربي مني وتضعفي، صح؟"
(ناهد، بتساؤل وخوف): "إحساس إيه؟ أنت عارف أنا لو صدقت إحساسي، أو طلع كلامك حقيقة يحصل إيه؟"
(سيف، بثقة): "أنا مستعد لكل حاجة."
(ناهد، بتحذير): "مش هتشوف وشي في اللحظة دي، يعني أنت تشكر ربنا إن يطلع إحساسي غلط."
(سيف، بحزن واضح): "ليه للدرجة دي بتكرهيني؟"
(ناهد، بعصبية): "أنت عايز إيه دلوقتي؟"
(سيف، بفضول): "عايز أعرف إنتِ رايحة فين؟"
(ناهد، بضيق): "رايحة على شقتي، وبعدها على البلد، استريحت؟ ابعد من وشي بقى، علشان اتأخرت."
(سيف، بإصرار): "أنا جاي معاكي."
(ناهد، بتحدي): "ليه؟ خوفت، ولا عارف إنك هتطلع كذاب، ولا واثق إنك خسران بكل الطرق؟"
(سيف، بابتسامة واثقة): "إنتِ عارفة إني مش بخسر إلا لما بيكون بمزاجي، وجاي معاكي."
(ناهد، باستسلام): "أنت حر."
(بتخرج ناهد وبتتكلم مع الدادة اللي موجودة، بلهجة كلها رجاء)
ناهد: "أرجوكي مش هأوصيكِ على روان ورامي، خدي بالك منهم أوي، لأني هأغيب يومين، وأنا عارفة إنك أنتِ اللي أخدتي بالك منهم وقت تعبي، هما حكوا ليا."
(الدادة، بتطمين): "اوعي تقولي كده يا بنتي، هما بسم الله ما شاء الله هاديين وفي نظام ماشيين عليه، وكل ما أسألهم يقولوا: آبلة بسنت هي اللي طلبت مننا كده، وإنهم بيسمعوا الكلام علشان مش تزعل منهم."
(ناهد، بدموع في عينيها): "أصل للأسف أنا حملت على بنتي الكبيرة جدًا، كانت هي الأم التانية ليهم، كانت الأم والأب ليهم، كانت دايمًا معاهم أكتر مني."
(الدادة، بتعاطف): "ونعم التربية، واضح من كلامهم الكتير عليها إنهم متعلقين بيها."
(بتبص ناهد في عيون سيف وبتبدأ تتكلم، وفي الوقت ده سيف شاور للدادة تمشي، وفضلت ناهد تتكلم وتقول اللي جواها، بصوت مخنوق ووجع في قلبها)
ناهد (وهي بتنظر في عيون سيف اللي هي الوحيدة دليل إنه حسام، وبدأت تبكي وتتكلم): "بعد ما سابني جوزي اللي المفروض كان سندي، ومن وقتها وكل العالم أصبح ضدي، شك وخيانة، وكان لازم أقدر أحافظ على التوأم اللي في بطني، وكمان طفلة في التاسعة من عمرها، ممكن في أي لحظة عمها ياخدهم مني، ونزلت اشتغل، لما القاضي حكم إن لو البنت عايشة في مستوى قريب من مستوى الجد والعم يبقى تفضل مع أمها، وقتها بعت شقة الإسكندرية، وأرض بابا، واشتريت شقة في مستوى راقي وقريب من بيت جدهم، وكمان مدرسة غالية، وقتها أصبحت بسنت هي اللي كفيلة بأخواتها مع أمي، وبعد ما أمي ماتت، هي بقت الأم والأب لأولادي، شافت كل القسوة مني والجفاء، معشتش سنها، كانت دايمًا مسؤولة عنهم، كانت مطالبة تتعلم، وكمان تراعي أخواتها، أما أنا نزلت سوق العمل، أو حرب، وكان لازم أحارب الكون علشان أحتفظ بيها، وبدموع، لكن للأسف مش عرفت، وعلشان كده روان ورامي متعلقين بأختهم أوي أكتر مني، أنا مش فارقة معاهم، وده اللي اكتشفته بعد موتها إنهم مش بيشتاقوا لي، بالعكس، مشتاقين لبسنت، وممكن في سرهم اتمنوا أنا اللي كنت أموت... وهي حبيبتي، أيام كتيرة حذرتني وطلبت مني أقضي وقت مع أخواتها، لكن كنت معذورة، ما باليد حيلة، كان لازم اشتغل في اليوم فترتين عشان عمهم فارس مش ياخدهم مني، ولما راحت اكتشفت إن مش هي بس اللي راحت مني، بالعكس، هما كمان راحوا، لأن هي اللي كانت همزة الوصل ما بيننا، علشان كده مهما غبت، مش يفرق معاهم غيابي."
(وبعد ما انتهت ناهد من كلامها المكتوم اللي معذبها، التفتت ومش لاقت الدادة، فسألت بقلق)
ناهد: "هي راحت فين؟"
(سيف، ببرود): "هي مين؟"
(ناهد، بتعجب): "أنت عايز تجنني؟ الدادة اللي بترعي الأولاد."
(سيف، بيرسم الشخصية الجادة وبيرد): "مشيت من بدري، أو الأصح أنا مشيتها، لأن مش ينفع حد في البيت هنا يعرف القصة المأساوية اللي أنتِ بتحكيها، علشان أنتِ في نظرهم مراتي، مفهوم؟ آه، وريهام، القاضي اللي دايمًا بتتكلمي معاها، ابعدي عنها، أولًا، مش من مستواكي، ثانيًا، ما دام عايزة تتأكدي، وتفتحي القبر، كنتي بلغيني، وأنا كنت ساعدتك، مش من نفسك."
(ناهد، بغضب): "قصة مأساوية، وكمان بتراقب مكالماتي؟ ياه على الجبروت اللي أنت فيه يا شيخ! هو أنا في سجن؟"
(سيف، بجدية): "آه، في سجن طول ما أنتِ في إمبراطورية سيف، ومفيش خروج."
(ناهد، بعناد): "أخرج غصب عنك، ومش كده وبس، وهاخد أولادي في حضني، وأخرج من سجنك، لأنك السبب التاني اللي بعد أولادي عني، وسع من طريقي، هتأخر."
(سيف، بتحكم): "أنا قلت مفيش خروج، صح؟ إلا لما أعرف رايحة فين؟"
(ناهد، بزهق): "أوف، على شقتي علشان أجيب الفلوس علشان أديها للموظفين، في مانع؟"
(سيف، بتصميم): "أكيد في مانع يا ناهد، لأني رجلي على رجلك، مفهوم؟"
(ناهد، بتأفف): "اللهم صبرني يا رب على البني آدم ده، طب خلاص أجهز علشان هتأخر."
(وبعد دقايق، سيف في وشه انتصار، ناهد ما بين نفسها، بخبث)
ناهد: "أنت مش عارف إنك جيت لقضاك، لأن هناك هاعرف إن كنت حسام أو سيف، لو الشكل اتغير، أكيد الجسم مش بيتغير، أوب راحت مني فين دي؟" (وبتبتسم) "لازم أعمل شوية لؤم لو بسيط علشان أعرف الحقيقة."
(سيف، باستغراب): "أنتِ اتجننتي صح؟ بتضحكي على إيه؟"
(ناهد، بتعاسة مصطنعة): "ولا حاجة، اللي يعيش معاك ملهوش الحق يضحك." (وتاخد بعضها، وتنزل)
(سيف، بجدية): "أنت زودتها معاها أوي يا حسام، مش كفاية الشك اللي هي فيه، كمان معاملتك دي، بس كان لازم أعمل كده، لأن شخصيتها زي القطة والفار، لازم تستفز وتفكر في حاجة علشان تنسى حاجة."
(ناهد، من تحت، بصوت عالي): "هتتهبب تيجي، ولا أروح؟"
(روان، بقلق): "أنتِ رايحة تاني يا ماما؟"
(ناهد، بحنان): "خلي بالك من رامي يا روان، وأنا مش هتأخر، هسافر يوم واحد وأرجع."
(روان، برجاء): "حاضر يا ماما، بس ارجعي، مش تتأخري زي آبلة بسنت."
(ناهد، بوجع بتحاول تخفيه): "قولي يارب يا روان."
(روان، بطفولة): "يارب، بس على إيه؟"
(سيف، بلطف): "هو لما ندعي ونقول يارب، لازم سبب يا روان؟"
(روان، ببراءة): "لا يا عمو سيف."
(سيف، بفضول): "طب ليه بتسألي؟ وفين رامي؟"
(رامي، جاي من بعيد، ومتجه على أمه، لكن سيف بيلحقه)
رامي: "أدي الرسالة دي لماما."
(سيف، بتساؤل): "مين اداها ليك؟"
(رامي، ببراءة): "عمو فارس نادى عليّ وطلب أدي الرسالة دي لماما، ضروري."
(سيف، بهدوء): "طب ادخل أنت، وأنا هديها لماما، أوكي؟"
(رامي، بطاعة): "أوكي."
(سيف، بعصبية بينادي الأمن والخادمة): "هو أنتم بتشتغلوا هنا ليه؟ مش علشان تحرسوا البيت والأولاد؟"
(الأمن بيردوا بخوف): "آه يا فندم."
(سيف، بغضب): "مش واضح، واحد غريب اتكلم مع الأولاد، ومحدش فيكم انتبه."
(واحد من الأمن بيرد بتبرير): "هو قال إنه بيكون عم الأولاد."
(سيف، بازدراء): "إيه الغباء ده؟ هو أي حد يقولك أنا عم الأولاد تخليه يتكلم عادي؟"
(الأمن، بتأكيد): "لا طبعًا، لكن الطفل اتعرف عليه."
(سيف، بتهديد): "اتعرف عليه؟ أنا مشغل بهايم عندي! امشي غور من وشي، والكل يفتح عينه، مفهوم؟ لو شفت نملة قربت من البيت وأنتم سمحتوا ليها تدخل حسابكم معايا هيكون عسير."
(الأمن، بخنوع): "حاضر يا فندم."
(سيف، بأمر): "والأولاد عينكم عليهم، محدش يقرب منهم، ومش يخرجوا لأي سبب من هنا، لو آخر يوم في عمركم."
(الأمن، بتأكيد): "تمام يا فندم."
(وقف سيف في ركن وقرأ الجواب، أم ناهد منتظرة بغيظ)
سيف (اتعصب جدًا): "يا ابن... والله لأوريك، أنت كده لعبت على عداد عمرك..." (وبيتصل بالمحامي)
سيف: "ألو، في لعبة اتلعبت، وإحنا مش واخدين بالنا، ولازم تتأكد منها."
(المحامي، بتساؤل): "لعبة إيه؟"
(سيف، بيحكي اللي قرأه في الجواب)
(المحامي، بتعجب): "إيه الصدفة العجيبة دي؟ البنت وأبوها مش غريبة دي؟"
(سيف، بغضب): "أنا مش بهزر، وعاوز تتأكد ليا من المعلومة دي، قدامك ساعة زمن، وأنا أحاول أقنع ناهد مش تعمل اللي في دماغها."
(المحامي، بتأكيد): "حاضر، ساعة، وكل التقارير تكون معاك."
(سيف، بإصرار): "مش تقرير، الحقيقة ومين اللي لعبه؟ وإن كانت حقيقية، أو تأليف من الزفت ده علشان يحرق قلب ناهد على بنتها، وتعيش في أمل جديد..."
(المحامي، بتفكير): "يبقى مفيش حد يوضح لينا، أو قريب جدًا من خلود إلا الدكتور جاسر."
(سيف، بأمر): "تمام، قرّبه بأي طريقة."
(المحامي، بطاعة): "علم، وينفذ..."
(ناهد، بعصبية): "يا رجل الأعمال، لو مش فاضي، أنا أوقف تاكسي."
(سيف، ببرود): "أنا قلت على رجلي، ولو مش عاجبك يبقى ارجعي."
(ناهد، بضيق): "اللهم طولك يا روح، أنت مصدق الكذبة اللي أنت كذبتها إني أنا زوجتك، وليك حكم عليّ؟ أنسى يا بابا، ويكون في علمك حتى لو الشك طلع حقيقة، ملكش حق، مفهوم؟"
(سيف، ما بين نفسه، بقلق): "الموضوع أكبر مني ومنك، لو طلع إن بسنت فعلًا عايشة، وملامحها اتغيرت زي ما هتكون صدمة عليكِ، أنتِ مش هتقدري تستوعبي الشك، وعاوزة تتأكدي قبل ما تسمعي اللي حصل، وممكن يكون الكلب فارس عايز ينتقم، ويوقعنا مرة تانية مع محمود."
(ناهد، بملل): "يالا يا أستاذ، لو هنتحرك."
(سيف، بابتسامة مصطنعة): "ههه، آه، حاضر يالا."
(وصلت ناهد على البيت، وقابلتها الجارة اللي قدامها)
(الجارة، بود): "أهلًا يا بنتي، أخبارك إيه؟ كنتِ فين؟"
(ناهد، بابتسامة مجاملة): "أهلًا يا أمي، كنت مسافرة."
(الجارة، بتذكر): "أنا قلت كده لبسنت لما جاءت، وأكيد هي راحت ليكي هناك."
(ناهد باستغراب، واعتقدت إن الست بتخرف، أما سيف سألها بفضول)
سيف: "إمتى جاءت يا حاجة؟"
(ناهد بصوت منخفض): "مش تاخد على كلامها، هي سنها كبير، وبتفوت منها ساعات" (وبتفتح الباب، وتدخل).
(سيف بيكرر السؤال تاني بإلحاح): "إمتى شوفتيها؟"
(الجارة، بتساؤل): "هي مين؟"
(سيف، بتوضيح): "بسنت يا أمي."
(الجارة، بتذكر): "آه بسنت جاءت من شهر ونصف، وفضلت تخبط على الباب، وتصرخ وتقول: أنا بسنت، وكان في واحد معاها دكتور، بيتهيألي مش كان مصدقها خالص، وهي طلعت المفتاح وفتحت الباب، وقعدت شوية، وبعدها خرجت."
(قبل ما يسأل سيف فجأة ناهد بتصرخ، بيجري سيف عليها ويشوفها منهارة، ويشوف على الدولاب مرسوم بالدم مكتوب عليه)
مكتوب على الدولاب: "هي مش ماتت المرة اللي فاتت، بس المرة دي أنا هقتلها بجد"، (إمضاء فارس).
(ناهد بتفتح الدولاب، وإيديها بتترعش، ومش بتلاقي هدوم بسنت، أو حتى الفلوس...)
ناهد (بانهيار): "فين هدوم بنتي؟ وفين الفلوس؟ أكيد في حرامي جي وسرق، بس اللي يسرق ليه دولاب بنتي بس ويكتب الكلام ده ليه؟ وساب بقيت الشقة؟" (وبتعيط بشهيق فظيع).
(سيف، بحنان): "طب اهدي" (وبياخدها في حضنه، وبيمشي بيده على راسها) "أرجوكِ اهدي، كفاية عياط، والله لأدفع فارس التمن..."
