رواية غزالة فى صحراء الذئاب
الفصـل الحادي عشر 11 والثاني عشر 12
بقلم رحمه سيد
نظـر له الأخـر بعـدم تصديـق، سيجلـب الفريسـة له ويُقسمها مع غيره .. !
ومن قدم له هذه الفرصة من ذهب ؟! .. الأبلـه الذى يُدعي إبن خالتهـا ..
نظـر له بهدوء ثم قـال بصوت أجش :
_ لا يا عم مليش ف الحرام
رفـع "الشبح" حاجبه الأيسر وتابع متهكمًا :
_ لا يا راجل، امال ليك ف أية ؟
كـيف له أن يُطـبق شريعـة على شخـص حياته كالماء يطفـو فيه .. الحـرام فقط !
مصمص شفتيـه وهو يقول بحنق :
_ الحلال .. الحلال بس يا صاحبي
رمقه الأخر بريبة وهو يسأله :
_ مصاحبنى لية وأنت عارف إن عيشتى كلها حرام !
تنهـد وهو يقول بهدوء حذر :
_ المثل بيقولك أعرف صاحبك وعلم عليه
زمجـر فيه غاضبًا :
_ أنت عايز يعنى أنت دلوقتِ ؟
رفـع كتفيه وهو يردف بلامبالاة :
_ ولا حاجة، حبيت أنصحك، وبعدين أفرض البت دى متجوزة أو مخطوبة ، تفتكر لو عرفوا إن حد فبرك صورها كدة هيسكت ؟!
لم يرد عليه وإنمـا نظر على الجهـاز، وإن كان كلامه صحيح، ولكن السبيل الأصح بالنسبة له هو متعة نفسه فقط !!
نظر له مرة اخرى وهو يتشدق بــ :
_ مش مهم، مش هيقدروا يعملوا حاجة
ثقتـه الزائـده بنفسه هي من تقلقـه، يختـار الجـزء الذى يرغبـه فقط في حياتـه، ويُعتـم الجزء الذى يخبره أنه بشـر يتأثر كما يُؤثـر، وبهدوء حذر قال الاخر :
_ أنت حـر، بس أنا برة اللعبة دى
زم شفتيه متهكمًا :
_ جبــان
_ مش جبـان بس بخاف ربنا
قالها وهو يتجـه للخارج بهدوء، ليتابـع هو بحنـق :
_ على الله بس محدش يعرف هاا
نظـر له من فوق كتفيـه نظرة غامضة لم تريحـه، ليهتف بجدية :
_ سلام يا .. يا غريب
سيفسـد كل شيئ وأنتهي الأمـر، إن ناداه بأسمه الحقيقـي فهذا يعـد كتحذير لجدية الموقـف، وسقطـت كل محصناتـه أمام هجوم صديقه الوحيـد، فهو مؤمن لحد كبير بهذه الجملة ..
" خاف من صديقـك .. ولا تخف من عدوك"
********
لكل فعل رد فعـل، لكل تهديـد ذعر وخوف ورهبـة .. كلماتـه لم يذهب مفعولها هباءً، وإنمـا عملتها مراحل الرعب مرحلة مرحلة، ولم يغلـب هو في كشفـه، فقد كان يلمع بوضوح في حدقتاها، وأين ذهـبت شجاعتها تلك ؟!
مع أهداب الرياح .. زجتهـا نحو حافة الدمار وتركتهـا وحيـدة بين براثن شخص لا يرى سوى بريق .. الأنتقـام !!
كست نبراتها الذعر وهي تسأله :
_ أنت عايز مني اية ؟
تقـوس فمه بابتسامة ساخرة ارادت اختلاعها من ثغره، ليقول بعبث :
_ هكون عايز منك إية يعنى ؟
وكأنه يعيد عليها نفس السؤال لتتخبط في حيرتهـا أكثـر، وبأعين اُرهـقت من كثرة الدموع التى باتت سخونيتها تقليدية عليها أردفـت متوسلة :
_ لو سمحـت .. كفاية أنا تعبـت، أنا بتعاقب على حاجة ماعملتهاش، بشيل ذنب مليش يـد فيه والله حرام !
لمَ يلتمـس الصدق في نبراتهـا ؟! .. لمَ يستشعـر حزنهـا وآلامها كالمرأة المعكوسة أمامـه ؟! لمَ يجتاحه شعور بالشفقة نحوها !!
تغاضـي عن كل هذا وهو يتابع ببرود :
_ منا قولت لك قضاء وقـدر
لم تـرد، نعم الصمت أفضل حل الأن، الصمت هو الذى لن يزيد الوضع سوءً .. ؟
أمرهـا بصوت جـاد :
_ قومي
قالت متساءلة بتوجـس :
_ هنروح فين ؟
جذبهـا من مرفقهـا بقوة وهو يستطرد بنزق :
_ هتعرفي، بطلي أسئلة كتير !
تأففت متابعـة :
_ أمال أمشي وراك زى الحمارة كدة !!؟
هـز رأسه نافيًا ثم أجابها بسماجـة :
_ تؤ تؤ، امشـي ورايا زى أى زوجة مطيعة
كان لكلماتـه أثر واضـح عليها، ذكرتهـا لما هي فيه .. بوضعهـا، واخيرًا .. بأنها زوجـته ... !! وآه من تلك الحـروف التى قيدتهـا بحبال تخنقها مع الوقـت !
لم تـرد فقـال هو بغموض :
_ هنروح شقتـي، وإياكِ تعملى شوشرة
وايضًا لم تـرد، وكأنها تعاهدت أن تصمت، يكفيها إهانـات وألم !!
إستقلا سيارتـه وعينيها تجـوب المكـان، وكأنها تسأله بحيرة " أين أنـا ؟ "
ولكن الإجابـة من " مراد " الذى إستشف حيرتها :
_ مش هتعرفِ أحنا فين، ريحِ نفسك
بعد فتـرة الاثنـان فيها صامتـان .. نسمـات الهواء المشحونـة تعبر عن حالة التوتـر فقط.. وصلا امام منزله، منطقـة هادئـة بعض الشيئ، ليست بواسعة الثراء وليست بمنطقة للفقـراء ..
ترجـلت من السيـارة وهي تسير بجـواره، لا تعرف الخـوف أم التوتر يأكلها،!!
دلـفـا إلي البناية تحت أنظـار حارس العمارة، الذى رحب بمـراد مسرعًا :
_ أهلاً أهلاً مراد باشا
اومـأ "مراد" بهدوء ثم أكمل سيـره بجوار خلود حتى وصلا أمام المنزل، أخرج المفتاح من جيبه ثم فتح بهدوء، أشـار للداخل قائلاً بسخرية :
_ خشي برجلك اليمين يا عروسة !
لم تعيـره أدني أهتمام وهي تدلـف بهدوء، أنتبهت لغلقـه للباب فقال هو بحـدة جدت عليها الأن :
_ هتقعـدى ف الأوضة دى
قالها وهو يشير لأحدى الغرف الصغيـرة، وفجأة أقتـرب منها، وقربـه ما أسوءه.. يجعل الدمـاء تفر هربًا منها وقلبها يعلن خضوعـه بين جنباته مرتعدًا .. !
فهتفت هي بقلق :
_ لو سمحـت أبعد كدة
ظـل ينظـر لحلكتيهـا اللامعـة، تجتاحـه رغبـة في الأقتـراب منها لمجرد ذعرها فقط !!
وإن كـانت رغبتـه غريبة بعض الشيئ، تنتشـر بداخله أكثر مع كل دقيقة تمر !
همس بقـوة غريبة اجتاحته :
_ مش هقرب لك دلوقتِ لإني مليش مزاج ليكِ دلوقتِ
وبنظـرة تمحصتها من رأسها لأمحص قدميهـا.. ونظـرة جعلتها تلعـن إستسلامها لذاك القـدر وقدومها معه قال متهكمًا :
_ بس وقت ما أحـب .. هاخد حقوقي كـزوج !
إتسعـت حدقتا عينيها من إعترافه الصريح والوقـح !! لا يخجـل .. لا يتردد .. يعلنها صريحـة دون أن يغلفها ببعض الغموض حتى !! .. أصبحت وكأنهـا في حفرة عميقـة تود إبتلاعها دون تردد ..
لم ترد على تصريحـه وأستطردت بتوجس :
_ طب وآآ وأهلي ؟
سألها دون تردد بجدية :
_ مالهم أهلك
نظرت له متابعة بحـزن توغل نبرتها :
_ أكيد هيستغربوا غيابي، ومش بعيـد يبلغوا الشرطـة
قهقه بسخريـة، كل محاولاتها للحماية منه لا تجـدى نفعًا، تحتمي منه بشيئ يخترقه بسهولة !
أستغربت هي من ضحكه فسألته بضيق :
_ بتضحك على أية ؟
رفـع كتفيـه وهو يقول بلامبالاة :
_ البوليس ميقدرش يعمل لى حاجة
وقـف أمامهـا تمامًا ليظهر فارق الطـول بينهمـا، ثم همس بما أزهلها للحظات :
_ مينفعش يروحوا يشتكـوا من الشرطة للشرطة !!!
********
كـانـت كما هي، تنظـر لهم بغيظ لم يشفي بعد، وبنظرات ملؤوها الكره ليحيى، يحيى الذى كاد يفقـد عقله أمام هـول كلماتهـا، يحيى الذى صدمـه الواقع وحتم عليه خسارتهـا فجأةً وابدًا !!
عينـاه مهددة بأنـدلاع ثورة حارقة ستحرق من أمامها حتمًا، ووالدتها ...
والدتها التى كانـت تقف مذهولة للحظات، الذئاب تود الإنقضاض على فريستهم التى كانت تحتضنها هي لتحميها !!
واخيـرًا هتف يحيى بغضب جامح :
_ يعنى أية هتبقي ليه ومعاه !
رفعت كتفيها ببرود متعمده إحراقه أكثر :
_ يعنى زى ما سمعت يا يحيى
أقتـرب منها يصيح فيها بحدة إعتادتها منه :
_ لأ ماسمعتش ومش هسمع، أنتِ هتبقي ليا أنا بس، سواء برضاكِ أو غصب عنك
رفعـت حاجبها الأيسر متهكمة :
_ فعلاً ؟
سينفجـر بوجهها من يمنعه عنها حتمًا إن ظلـت هكذا، زجرها بعنف قائلاً :
_ بطلي برودك ده بقا
زالت قنـاع البرود وظهر إحتقان وجهها وهى تبعد يده بقوة كالوباء وتردف :
_ أوعي تفكر إني حباه هو كمان، لأ خالص أنا كرهاكم أنتم الاتنين، بس المضطر يركب الصعب زى ما بيقولوا، أنا بين ناريـن، إما النار دى او دى، وللأسف أنا هختار ناره هو
ثم سألته بنبره أشبه للصراخ :
_ عارف لية ؟
لم يرد عليها بالطبع .. أين لسانه ليرد عليها من الأساس !! لقد لجمته الصدمة وقيدته من شراسة القطة التى كان يعتقدها ستظل خاضعة مهما حدث !!
تابعت هي والألم يزحـف لنبرتها رويدًا رويدًا :
_ لإني لسة مشوفتش منه حاجة وحشة، لكن للأسف انت شوفت منك كل الوحش
هنا هتفت والدتها بعد طول صمت مسرعة :
_ طب يلا نسافر
عقدت شمس حاجبيها متساءلة ببلاهة :
_ نسافر فين ؟!!!
قالت مسرعة :
_ نسافر البلد، هناك محدش يعرفنا، ومش هيقدر يوصلنا الباشا ده او غيره
هـزت رأسها نافية وهي تغمغم بحزن :
_ وبابا !!
أجابتهـا بهدوء حذر :
_ أبوكِ اساسًا ف السجن ومش بنشوفه غير كل فين وفين، لكن أنتِ دلوقتِ مستقبلك أهم
هـزت رأسها نافيـة وهتفت بإصرار :
_ لأ مستحيل أسافر وأسيب بابا هنا وهو ممكن يأذيـه
ثم أبتسمت بسخرية :
_ وأنا اصلاً مستقبلي ضايع خلاص
ماذا عساها أن تفعل ؟! .. طالما رأت تلك اللمعة اللعينة في عينيها فهي لن تفعـل !
وهنا نطـق يحيى بجدية :
_ انا اصلاً مستحيل أخليكم تمشوا، إما اسافر معاكم
قالت شمس بضيق يشوبه السخرية :
_ اهو شوفتي .. قولت لك متعقدة من كل حته ومش هنعرف نهرب من الديابة دى
رفعـت إصبعها مشيرة في وجه يحيى :
_ بس تاكد أنى عمرى ما هكون ليك، وهعافر بكل جهدى لإني مبقاش لغيرك بردو !! .. والبركة فيكم كرهتوني في صنف الرجالة كله
زمجرت فيها والدتها بغضب :
_ بس يا شمس أسكتِ، لو مش هنسافر يبقي هتتجوزى يحيى
جحظـت عيناها، وكأنها ما زالت لم تتخيل تصرفـات والدتها التى تدفعها للجنون !!
ثم غمغمت :
_ أنتِ بتسكتينى أنا يا امي، بدل ما تقوليله بنتي مش حته اوضة هتشوفوا مين اللي هياخدها
صمت والدتها .. والصمت يجعلها تثـور وتثـور، وإن كان الغضب له رائحة لكانوا اشتموا رائحـة الحريق بداخلها !
ضربت والدتها كف بـكف وهي تلعن نفسها بضيق :
_ ياريتني كنت قبلت عرضه وبعت له الشقة، ياريتنى سمعت كلامـه
نهرتها شمس بحنق :
_ وأنا كنت مستحيل أخليكِ تعملى كدة
تأفف يحيى قبل أن يحذرها بحدة :
_ بلاش تلعبي معايا يا شمس عشان هتندمى
عقـدت ساعديها وقالت ببرود :
_ انا بحب أنـدم ملكش دعوة
هز رأسه وقال بتوعد شرس :
_ ماشي يا شمس ماشي بس إفتكرى إني حذرتك
اومـأت بلامبالاة، لم تكن تعلم نوايا ذاك الشخص الذى سيوديها للجحيم حتمًا.. في حين إنطلق هو للخارج والشياطين تتقافـز أمامه ..
********
_ يعني أية مخدتيش بالك يا زينة ؟؟؟!
قالها مالك الذى كان وجهه محتقـن، وعينـاه توحي بكم غضبه اللانهائى، وهو يدب على الحائط أمام الغرفة التى ترقد فيها والدتـه، وزينة لم تكـف عن البكـاء والنحيب، لا تعرف تبكِ حزنًا على والدتها أو حزنًا على السبب الذى جعلها تفعل ذلك في والدتها الحبيبة !!
وما اغضبه بحق وجعل الدماء تتصاعد في أوردته هو هذيانها وعدم إجابتها على اسئلته ..
أقتـرب منها يسألها مرة اخرى بصياح :
_ إنطقي قولى أية اللي حصل ؟
أجابته من بين شهقاتها بنفس الأجابة التى تثير جنونه :
_ قولتلك معرفش يا مالك معرفش
جـز على أسنانه بغيظ مكبـوت ثم قال حادًا :
_ يعنى متعرفيش وأية اللي عمل في الڤيلا كدة ؟
_ يووه يا مالك أسكت بقا
قالتها وهي تنظـر للجهه الأخرى بقلق، إن علم مالك سينهـدم كل شيئ فوق رأسها، ولكن الغاية تبرر الوسيلة ..
ولكن غايتها في المخدرات لا تبرر إيذاؤوها لوالدتهـا هكذا !!؟
نظـر لها مالك بتوعد وهمس :
_ بس قسمًا بالله لو عرفت إنك السبب ف اى حاجة يا زينة ما هسكـت وهنسي إنك أختي
نظـر له بصدمـة .. وتناسـت تمامًا ما كانت تخشـاه وهي تصيح فيه :
_ ماتلومنيش اصلاً وانت السبب
برقـت عيناه وإحتـدت وهو يسألها بتوجس :
_ انا السبب لية ؟؟
لم تـرد فزمجـر فيها عاليًا :
_ انا السبب لية يا زينة انطقي ؟
زفـرت قبل أن تجيبه بصوت أعلى منه متناسيه كل شيئ.. كل شيئ سيدمرها هى اولاً :
_ ايوة انت السبب لأنه عايز ينتقم لأخته منك ف بيردهالك فيا انا !!
سألها مرة اخرى بملامح واجمة :
_ اخته مين ويردهالي ازاى !!
اجابته متهكمة :
_ اخته الي انت وهمتها بالحب وإنتحـرت بسببك
هـز رأسه نافيًا بصدمة، غفلت عن عقله تلك التى تقول ..
" كما تديـن تـدان "
وكانه القاضي يسأل فقط فسألها بتوجس :
_ عمل فيكِ حاجة يا زينة ؟؟
لم ترد .. صمتت ونظرت للأرضية بسكون غريب أثار جميع معانى الخوف في قلبه الجامد ولأول مرة ..
********
في السجـن كـان صابر ممدًا على فراشـه، ملامحه اصبحـت واجمة وذابلـة، وقد تكونت الهالات السوداء تحت عينـاه، كان يتنفس بصعوبة شديدة، يضع يده على جسده الذى أصبح هزيل بسبب تضاعف المرض عليه وامامـه احدى الرجـال ينظـر له بهدوء وهو يلتقط أنفاسـه الأخيـرة، حاول صابر الحديث بصعوبة وقال :
_ حمدى
اجابه المدعو بحمدى مسرعًا :
_ اهدى يا عم صابر عشان ماتتعبش أكتر
تنـفس بصعوبة وهمس بوهن :
_ انا خلاص شكلي هموت
أمسك بيده وهز رأسه نافيًا بهدوء :
_ لا متقولش كدة أنت هتبقي كويس
هـز "صابر" رأسه نافيًا وتابع بصوت جاهد في إخراجه :
_ قول قــ قول لشمس بنتى لو حصل حاجة إنى كاتبلها ورقة هتفهم منها كل حاجة
اومـأ الأخر وهو يحثه على الحديث :
_ فين .. فين يا عم صابر؟
_ في الخزانة اللي فيها هدومـي
قالها وهو يبتلع ريقه بإزدراء ثم استطرد :
_ قولها تخلى بالها من نفسها، لان الناس دى بتدور على الفلاشة اللي ممكن تلف حبل المشنقة حوالين رقبتهم
ثم صمت برهه وتابع توصياته :
_ وأوعى يبيعوا البيت عشان لو باعوه آآ
لم يكمل جملته وظل يلهث بشدة واخر جملة تردد بها صوته :
_ قولها إنى بريئ وماقتلتش حد وهما اللي اتهمونى فيها
وخرجـت روحه لربها، تاركـة ذاك الجسد الذى اُهلكت بداخله .. بهذه الدنيا الذى ظلمته مرارًا وتكرارًا ..
مسح حمدى على وجهه وقد ظهرت شبح ابتسامة شيطانية على ثغره وهمس :
_ ربنا يرحمك يا عم صابر .. للأسف كان معاك حق بس مين هيعرف بقاا !!
*********
كـان مالك يسير متجهًا لداخل البنايـة، وعينـاه تشـع غضبًا جمًا، تتقافـز دقاته ليهدء عليها قليلاً ولكنه غاضب .. غاضب وغضبه لن يطفأه إلا شيئً واحدًا، زواجه من تلك الفتاة ليثبت لنفسه أنه يفعل ما اراده .. أنه رياح شديدة غاضبة لا يتحداه اى شخص .. يرغب في اى شيئ يهدء غروره .. وفجأة وجد يحيى يقطع طريقه ببرود فصاح فيه غاضبًا :
_ ابعد من وشي دلوقتِ أحسن لك
هـز رأسه نافيًا ببرود وقال :
_ لا لا عيب عليك ده انا جاى لك ف خدمة
سأله مالك بنفاذ صبر :
_ خدمة اية ؟
اخـرج يحيى ظرف به صور لشمس من جيبه ثم مد له يده قائلاً بخبث :
_ مش واجب بردو تسأل على اللي هتتجوزها يا برنس
نظـر له مالك بطرف عينيه ثم اخذ الظرف في لمح البصر يفتحه لتتسـع حدقتا عيناه بصدمة بالغة و.....
الفصل الثانـي عشر :
مشكلة خلف الأخرى تتراكـم فوق بعضها وكأنها يتعاونـوا على تلك المسكينـة التى تركـض إليها المصائـب ركضـًا وتستقبلهم هي بصـبر وثبـات لم يهتزوا شعـره ودون خروج حاجـز واحد للأعتـراض ..
وكان مالك لا يـرى في هذه اللحظات سوى تلك الصـور، تلك الصور التى وضعت غشاوة على عينـاه لن تـزول، تتجسـد أمامـه لتهـد كل جـدار من الأحـترام صنعته شمس يومًا لها أمامـه .. !
بينما يحيي يقف والأبتسامة الخبيثة تعلـو ثغـره، أغرقهـم الاثنـان في طـوفان من العذاب .. والندم لن ينتهـي، ليبتعد هو وكأن شيئً لم يكـن !!
نظر له مالك نظـرة من كثرة المشاعر التى تملؤوها عجز يحيي عن تفسيرهـا، لم يعرف أهي حزن .. كسرة .. غضب أم سعادة والمبررات تكثـر !!
ثم قـال " مالك " بصوت هادئ أشبه لهدوء ما قبل العاصفة :
_ جبت الصور دى منين ؟
مـط " يحيي " شفتيـه ثم رد عليه بما ليس له علاقة بسؤاله :
_ مصـدوم مش كدة؟
صرخ به " مالك " وشرارات غاضبة تتطايـر من عينيه السوداء :
_ بقول جبتهم منين أنطق أحسنلك
رفع " يحيي" كتفيه ولم يتخلي عن بروده لحظة وأجابه :
_ يهمـك فــي أية؟ المهم إني أنقذتك من التدبيسـة السودة دى بس
جـز "مالك" على أسنانه كاملة بغيظ وسأله مرة أخـرى :
_ يهمني كتير، جبتهم منين ؟؟
تأفف " يحيي " ثم قال بنزق :
_ يووه ! كل اللي على لسانك جبتهم منين جبتهم منين، ده بدل ما تخـش تديها قلمين وتقطع علاقتك بيها !
وبمهـارة تحـكم "مالك" في غضبه الجـم وهو يردف بجدية :
_ شيئ لا يعنيـك يا أستـاذ
جحـظت عينـا "يحيي" بصدمة، لا لا لن تذهـب خطته هباءً .. وكيف الأن بعدما أعتقـد أنه أجتـاز أول مرحلة بنجـاح ؟!!
وكأن هذا "المالك" يملك الحاسة السابعـة أو شيئً كهذا !!
دارت هذه الكلمات في خلد "يحيي" فابتسم "مالك" نصف أبتسامة صفراء :
_ يلا بقا مع السلامة أنا مش فاضي لك
واخيرًا خرج " يحيي " من صدمته ليقول مسرعًا :
_ أنت حـر، أنا حبيـت أوعـيك بس للي الناس كلها عرفاه وأنت معمي عنه!
نظـر له "مالك" بطرف عينيه هادئــــًا وسأل :
_ ناس مين وعارفيـن أية ؟
تابع "يحيي" ببراءة مصطنعة :
_ إن لما أبوهـا دخل السجـن وأخد مؤبد، البت دارت على حل شعرها عشان تعرف تصـرف على نفسها هى وأمها
لا يعـرف لمتي سيكبح غضبه ويرتـدى ذاك القنـاع البـارد، ولكن ما يعرفه جيدًا أنه ليس لأى شخص يستطع البـوح بما يجيش بصـدره وخاصةً هذا الشخص ..
خـرج صوتـه حادًا صارمًا :
_ مايهمنيش كلام الناس، ومن هنا ورايح محدش هيقـدر يجيب سيـرة حـرم مالك جمـال السُنـارى بكلمة !
مـط "يحيى" شفتيـه وقال بلامبالاة اصطنعها رغمًا عنه :
_ تمام براحتك أنا كدة عملت اللي عليا
اومـأ "مالك" ونظراتـه تقطـر غيظًا مكتومًا لو أنفجـر سيدمر ما أمامه حتمًا وقال :
_ كتر خيرك متشكرين
همس يحيى بغضب جم :
_ ماشي اما نشوف اخرتها
بينما ستـدار متجهًا للأعلي بخطوات هادئـة، خطـوات أوهـمت ذاك الثعبـان أن خطته لم تجـدى نفعًا، ولكن بالحقيقة هي حققت أعلي مراتب النجـاح الخبيث !!
********
للحظـات أعتقـدت أنه يمـزح معهـا، أنه يجعل الضيق يعتريهـا ليشعر بالنشـوة فقط، ولكن .. تلك النظـرات الواثقـة والثبـات القهـرى و.. ماذا ترغـب أكثر لقد قرأتهـا بين سطـور عينـاه، خطط لكل شيئ قبل أن يقتـرب منها حتى، الان فقط تشعر بالغبَاء !!!
أخرجـها من صدمتهـا صوتـه الخشـن وهو يقـول :
_ أية مالك مصدومة كدة لية ؟
همـست فاغرةً شفتيهـا :
_ هآآه !!
رفـع حاجبـه الأيسر يسألها باستمتاع رهيب يجتاحـه :
_ هي الصدمة كبيرة للدرجة ؟!
هَزت رأسها وهي تقول متساءلة ببلاهة :
_ أنت فعلاً ظابط ؟
تتأكـد .. تتأكد رغم كل الذى تـراه، وكأنها ترغـب في أن ينفـي حالاً ما أستوعبتـه، ولكن ما المانع ليؤكد لها غباءها بقوله البـارد :
_ بُصـي هو مش بالظبـط كدة، لكن تقـدرى تقولى شغال مع الشرطة، ومش لازم تعرفى تفاصيل بقـــا
أسبلـت أهدابهـا تتساءل مرة أخـرى ببلاهة :
_ طب أزاى !!
تأفـف بضيق وصاح بنفـاذ صبر :
_ يووه، هي شغلانة بقا كل شوية لية وأزاى ؟
ترقـرت الدمـوع في عينيها السـوداء، لا تعـرف لها سبب معيـن، ولكن من الواضح أنه الألـم بشكل عام مهما أختلفت أشكاله !! غمغم هو بضيق حقيقي :
_ بتعيطى لية دلوقتِ ؟
هتفـت بنعومة أكتسبتها من بكاءهـا المفاجئ :
_ طب ومتعرفش بقا إن المتهم برئ حتى تثبت إدانتـه
اومـأ ولأول مرة يجيبهـا بهدوء، وكأنها أستخدمت السلاح الصحيح هذه المرة :
_ أيوة، ولذلك أنا لسة ماعملتلكيش أى حاجة
تهتهت هي متهكمة :
_ لا والله !
اجابهـا بتهكم أكبر ولكن شابه بعض التوعـد المخيـف :
_ اه والله، لتكونى مفكرة إن جوازى منك ده كدة عقـاب ؟
لم تـرد فتابع وقد قرر العزف على ألحـان قسوتـه المميتة :
_ لأ لأ، ده لسة العقـاب جاى بعدين لو عرفت إن ليكِ يد فــ حاجة
ملامحـها باهتـة، يكتسحها شيئ من الأستسلام الموجـع لقدرها المؤلم أكثر، وغلفت نبرتها بالقوة وهي تسأله :
_ يعنى أية اللي هيحصل بالنسبة لأهلى ؟
مسـح أرنبـة أنفه بطرف إصبعه ثم قال :
_ ولو إني أشك إنك تفرقي معاهم أوى، لكن هقولك الحل
نظـرت له بهدوء، ولم تستطـع إخفاء بريق الأمل من جـوف نظراتها، لتجـده يحطمهم بل ويدمي قلبها بألم أبـدى :
_ أنتِ هتقوليلهم إن أنا وأنتِ بنحب بعض، وإننا اتجوزنا بموافقتـك
هـزت رأسها نافية وهي تستطرد بجزع :
_ مستحيييل
شيئ متوقـع رفضهـا، ولكن ما هو غير متوقـع إحتقـاره لها لهذه الدرجـة، فتابـع بقسوة إكتسبها من معانـاة الأيـام :
_ خلاص براحتك بس أنا مش مسؤل عن اللي هيحصل لهم ؟
سألته بقلق بطـن لم تستطع مداراته :
_ يعنى أية ؟
رفـع كتفيه مجيبًا ببساطة :
_ زى ما سمعتى، اللهم بلغت اللهم فاشهد
يذكـر الله !! ، أيعلم من هو الله بالأسَاس، تصرفه معها يناقـض كلامـه وتصرفاتـه تمامًا، وكأن قسوتـه مسلطة عليها هى فقط !!
_ ماشي ... موافقة
همسـة مستسلمة خرجـت منها، جعلتـه يشعر بالنصـر ولكن .. بجوار الشفقة التى لم تـزول، ويبدو أنها لن تزول إلا بعد أن تجعل ينحرف لسبيل لا يرغبـه !!!
********
وصلـت " زينـة " أمام البناية التي يقطـن بهـا "زيـاد" ثم ترجـلت من سيارتهـا مسرعة، لا تدرى ماذا ولا ما ستفعله .. إدمـان يدفعهـا مرة تلو الأخـرى نحو حافـة الدمـار، وهي تسيـر دون أن تحظـي بتنبيه لخطورة ما تفعـله ابدًا ..
وصلت أمام منزله، فطرقت الباب مسرعة دون تردد، لتجـده يفتح لها بعد ثوانى وهو يرتـدى شـورت أسـود قصير فقط، وجسـده الأسمـر ظاهر امامهـا والابتسامة المستفـزة تعلو ثغـره والذى هتف بحبـور قائلاً :
_ زينة جاية بيتي مرة واحدة، لا حصلنا الشـرف بصراحة
تجتاحـها رغبة جامحـه في قتله .. في الإنتقـام منه لما فعله بهـا، ولكن مهلاً .. في الوقـت المناسب ستشبع رغبتها تلك حتمًا !
رسمـت الأبتسامة التى رفضت الظهور بصعوبة وقالت :
_ أزيك يا زياد ؟
اومـأ زياد بتعجب :
_ بخير، أزيك أنتِ ؟
هـزت رأسها وهي تشيـر للداخـل ببرود ظاهرى :
_ تمام، طب مش هتقولى أتفضلى ولا اية
يـزداد التعجـب ويتكـور بداخله اكبر مع كل ثانيـة من تبـدل تلك المخلوقة التى لم يقـرأ بين سطـور عينيها سوى الغرور أو الكـره، حتى عينيها يبدو أنها احكمت التحكم فيها جيدًا ..
أشـار للداخل ولم يستطـع اخفاء الاستغراب :
_ أتفضلى اكيد يا زينة ده أنتِ نورتـي
لا تهتم مجامـلة أم صدق .. فرصـة له أم فرصة للقضـاء عليه، ولكن ما يهم الان حقًا هو سبب تلك الزيـارة !!
جلسـا على الأريكـة بهدوء، هدوء يعكس الأمواج المتلاطمـة داخل كلاً منهما، وهى .. لم تخجـل من مظهـره .. لم تتـرد .. لم تطلب منه إرتداء تيشـرت !!
وكيف ستخجـل إن كانت غشـاوة الأدمـان على عينيهـا تمنع تأثير اى شيئ عليها !
أنهكتـه محاول كتم تعجبه فقال بهدوء حذر :
_ ها قوليلي بقا تشربي أية ؟
_ قهوة مظبوطـة
قالتها بصوت قاتم .. هادئ دون النظـر له، فأومـأ هو بدوره وأتجـه للداخل بهدوء، فيمـا تفحصت هي المنزل بعينيها، تبحث عن اى أثـر للمخدرات التى يخبأها ولكن للأسف .. لم تصل عينيها لأى شيئ .
دقائـق مرت أستنفـذت فيهم كل قواهـا لتحمل الألم الذى بدء يداهمها من جديـد ..
_ أتفضلي قهوتك
قالها وهو يتقـدم منها حاملاً الأكـواب بيده، وكأنه يضبط نفسه ليـراها وهو في قمة ضعفها فقط !!
اومـأت وهي تلتقـط كوب القهوة بين أصابعها المرتجفـة، بدءت تشربها تحت نظراتـه المتفحصة التى اخترقتها، فقال هو متساءلاً :
_ بردو مفهمتش سبب الزيارة
تركـت الكوب لتقول دون تردد بنبرة حملت الرجـاء في طياتهـا :
_ زيـاد أنا بموت فعليًا، مش عارفة أعيش حياتى طبيعية، مش عارفة أعمل أى حاجة، أربعة وعشرين ساعة بدور على المخدرات بس، المخدرات اللي أنت مش عاوز تديهانـي، أرحمنى بقا
هتف هو بتشفي :
_ وهو ده اللي أنا عاوزه
اومـأت وقد اغرورقت عينيها بالدموع :
_ أنتقامك أتنفذ، اديني المخدرات بقا وسيبنى ارجـوك !!
لم يتأثـر، لم يهتـز .. كان يطالعها بجمود استغربت هى قوتـه، استغربت جبروتـه لهذه الدرجة !! ولكن كيـف لك أن تلـوم قلب سقط تحت تأثيـر الأنتقـام ممن تسبب بفقدان أعز ما يملك ؟!
تنهـد قبل أن يقـول بخبث تزحزح لنبرته :
_ انا انتقمت خلاص، بس بردو مفيش حاجة من غير مقابل
عقـدت مابين حاجبيهـا لتسأله بعدم فهم حقيقي :
_ مش فاهمة !! عايز اية يعنى
حـك ذقنه بطرف إصبعه يصتنع التفكـير، ثم خـرج صوته جادًا وقاتلاً لها :
_ عايــزك .. في مقابل الهيرويـن !!!
*********
واحيـانًا عندما تـرى المصيبـة تركـض نحو شخصًا ما وأنت بيدك الحـاجز لمتنعها عنه، لا تتردد في إنقـاذه مهما كان الثمـن، واحيانًا اخرى تفكر بالموانـع من إنقاذه، مثل وفاءه لصديقـه !!
نقـل عنـوان شمس بسرعـة من مذكـرات "غريـب" أو كما يطـلق عليه " الشبح " .. لا يهمه كيف حصل صديقه على ذاك العنـوان .. مؤكد أنه من ذاك الأبله "يحيى" ولكن ما يهمه الان بحق، هو أن ينقـذ تلك المسكينـة من براثـن ذئاب تحركهم مشاعر هوجاء !!
حصـل على نسخـة من الصور التى نفذها "غريب" لتكـن الدليل القاطع لما سيقصـه على شمـس ..
وصـل أمام العمارة التى وُصفـت في العنوان، ثم أخذ نفسًا عميقــًا قبل أن يتقـدم من حارس العمارة الذى هب واقفـًا يسأله :
_ خير يا حضرت ؟ مين أنت ؟
تنحنح " بسام " بهدوء وقال :
_ أنا عايز الأنسة شمس، هي ساكنة في العمارة دى
غمغم الرجل بتفحص :
_ اممم طب اتفضل
سأله " بسام " مسرعًا :
_ انهو دور لو سمحـت ؟
اجابه باقتضـاب :
_ الأرضي ده
اومـأ بسام ممتنًا، وغادر مسرعًا باتجـاه منزل شمس، طرق الباب عدة مرات حتى فتحت له شمس منزعجة من طرقه المستمر :
_ أية في أية الدنيا خربت ؟!
كـان مذبهـل بطلتهـا المشرقـة، عيناها تجذبانك وكأنهما مغناطيس !!
ولكن مغناطيس قاتـل، بالفعل وكأنها رسمة على ورق دونها فنان محتـرف !
حتى الصور التى كانت معهم لم تعطيها حقها الصحيح في وصف جمالهـا، من يراها لا يقـدر سوى أن يحملق بها، وكأنها ربطتـه وأثـرت عليه بمهارة !
تنحنحـت وقد زحفت الحمرة لوجنتاها عند تحليقه بها فقالت متلعثمة :
_ آآ انت آآآ أنت عايز مين ؟
_ عـايـزك !
همسه خارجـت من باطن الجزء الراغـب بداخله، ثارت القشعريرة المعتـادة بجسدهـا الفظ عندما تلحظ نظرات مثل نظراتـه فصرخت بجزع :
_ نعمممم !!
هـزت رأسه نافيًا وسارع يبرر :
_ لا والله مش قصدى كدة، أنا قصدى يعنى عايزك ف موضوع مهم
هـدأت ثورتها قليلاً لتسأله باستفهام :
_ موضوع أية ؟
نظـر حوله وهو يقول بجدية :
_ مش هينفع عالباب كدة !
عقـدت ساعديها وهي تقول ببرود :
_ أسفة مفيش حد صاحى او موجود عشان اقولك اتفضل، انا يعتبر قاعدة لوحدى
اومـأ هو متفهمًا، ومن دون قصد منها اعطتـه دفعة ايجابية ليكمل ما جاء إليه ..
أخـرج الصور من جيب بنطاله ومد يده لها قائلاً بهدوء حذر :
_ دى صور ليكِ
سألته بتوجس وهي تفتح الظرف :
_ صور ليا أنا، ومعاك انت ازاى !!!
تنهـد وقال جادًا :
_ أفتحـي الأول الصـور بس
فتحتهـم بهدوء لتتسـع حدقتـا عينـاها لترى ما لا تتوقعـه ابدًا، هربت الدماء من بين خلايـاها وأحمـر وجهها كحبه الطماطم من الخجـل، حلقـت فوق سمـاء طاغية مؤلمـة، للحظـات فكرت بالركـض من امامه، أصبحـت تشعر انها الان مُـعراه أمامه، وان كانت ترتدى ملابسهـا الان !!!
فيما قال هو ليدارى حرجهـا :
_ واحد صاحبي هو اللي أشتغل على الصور، بس أنا قولت أجى احذرك لان أكيد في نسخ تانية للصور دى
ويا لـها من صفعـة مؤلمة من "يحيى" نعم يحيى لقد أتـم تهديـده .. أتم تهديـده وفعل ما يجعل رأسها بالأرض دومًا، هدم كل الجدران التى بنتهـا هى لبنـاء حياتها القادمة .. !
غمغمـت بصوت يكاد يسمـع :
_ أزاى .. مين عمل كـدة !!
أجابها بفتـور مهدئًا اياها من حالة الصدمة المسيطـرة عليها :
_ يحيى، أنا معرفش يقرب لك أية، لكن هو بعت الصور دى لصاحبي ده عشان يفبركها والسبب أنا اجهلـه
هو يجهـله لكن هي تعلمـه حد التأكيـد، لا بل سبقت لها معرفتـه ولكن لم تبالي !!
هل يجـوز قتل يحيى الان ؟! مؤكد نعـم، تـود الإطاحة به بقدر الغليـان الذى تشعر به الان، وذاك الشعور المؤلم ... شعور النفـور منها هي.. من شمس بذاتهـا !!
سألتـه مرة اخرى دون أن تنظر له :
_ طيب متقدرش تجيب لي باقي الصـور دى لو سمحـت ؟
هـز رأسه نافيًا بأسـف :
_ للأسف لأ، اولاً عشان هو مايشكش فيا ولو شك انا مش ضامن رد فعله، غير كدة لو جبتلك المطبوعين، اكيد هو شايلهم ف حته على الجهاز وممكن يعمل غيرهم !
وكأن القـدر يقدم لها مبرراتـه لدفعها في طريق ذاك الذى يدعى " مالك " والزواج منه، الاثنـان حفرتـان .. لكن هو جوفـه المظلم أفضل من جوف يحيى المضيئ ولكن المهلك !!!
ولم يعـد امامها خيـار اخر.. الشيئ الوحيد الذى سيحفظها ويضمن لها عدم ايذاء والدها والحفاظ على سمعتها كأنثي هو زواجها من " مالك " ... !
********
كـانت تجلس بهـدوء على الأريكـة، تستعيد ذكريات ما مر معها منذ دلوف ذاك الدخيل الي حياتها، لم تجد سوى القهر والخوف والقلق فقط !!
فجـأة وجـدت طرقات سريعة وقوية بعض الشيئ على الباب، نهضت مسرعة تعدل من وضعية حجابها ثم اتجه للباب لتفتح، لتُصق بـ مالك امامها، لم يعطيها فرصة حيث فاجئها بمسكة يده بمعصمها جيدًا وهو يقول بجدية :
_ يلا مفيش وقـت هاتى بطاقتك حالاً
فغرت فاهها مستنكرة :
_ لية فيه اية ؟
زمجر فيها غاضبًا :
_ قولت هاتى بطاقتك
استـدارت وفي لمح البصر كانت قد جلبت بطاقتها، وكأن الخـوف هو فقط من يحركها ويتحكم بها الان ..
سألته مرة اخرى بتوجس :
_ فيه اية ارجوك فهمنى ؟
تأفف وهو يجيبها بخبث :
_ مفيش وقت المأذون مش هيستنى كتير
مأذون !! اى مأذون هذا ؟! مؤكد أنه المأذون الذى سيخـط شهادة وفاتها !!
نعم فهي تعد شهادة وفاتها وليس زواجهـا، واى زواج هذا الذى يبني على جدران مهشمة !!!
_ مأذون اية ؟
سألته وكأنها تسأل لتؤكد لنفسها تلك الأجابة المأسوية التى تدمر خلايـا حرفيًا دون رحمة !!!
فأجاب وهو يجـز على اسنانه بغيظ :
_ المأذون اللي هيكتب كتابنا يا حبيبتى
حاولت نزع يدها من قبضته وهي تصيح فيه وكأنها ادركت للتو ما يحدث :
_ انت مجنون، انا مش هتجوز
وصلا امام باب المنزل فنظر هو في عينيها مباشـرة ليقول حادًا :
_ مابقاش في وقت للرفض دلوقتِ، خشي بهدوء وأتقي شر الحليم إذا غضب
وها هو تهديـد اخر صريـح .. وكأنما اعتادت على التهديدات فقط منهم !!!
_ سيبني بقا ارجوك لو سمحت
همست بها وتكاد تستسلم بيأس، ليقول هو بتصميم وقد لمع في عيناه بريق غريب :
_ ابدًا، من بعد النهاردة اسمك هيبقي جمب اسمى دايمًا !
دلفا الي المأذون الذى ينتظرهم، ومروان صديقه واخر كشهـود، جسدها تبلد من كثرة الصدمـات، وشحب وجهها كشحوب الموتي ..
جلسـا بهدوء وبدء الشيخ بكتابة قسمية بداية تعذيبهـا، الشيئ الذى سيسمح له بالتحكم في مقاليد حياتها شتى !!!
لم تشعـر سوى بسؤال الشيخ وايماءه بسيطة منها و...
" بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير "
تدمـر كل شيئ وانتهي الأمـر، انتهي نفورها ورفضها .. انتهت موجـات عدم استسلامها لذاك القدر لتتهشم بصرخـة ارادته ورغبته، لتبدء اندلاع ثورة حارقة، بدايتها كلماته وهو يقول بخبث دفين شابه التوعد :
_ مبروووك يا .. يا مراتـي، يلا بقا أوريكِ اوضة نومنـا !!!!!!!!
