رواية امراة اوجعتها الحياه الفصل السادس6بقلم سوسو احمد


رواية امراة اوجعتها الحياه الفصل السادس6بقلم سوسو احمد

صباح مختلف… وخطوات تثبت الوجود ✦

حلّ الصباح التالي بهدوء لطيف يليق بالبدايات الجديدة. استيقظت إيمان مبكرًا كعادتها، لكنها هذه المرّة لم تستيقظ كزوجة منهكة تُساق إلى يومها بالإجبار، بل كامرأةٍ قررت أن تُصنع بنفسها، وأن تُعيد ملامح حياتها إلى صورتها التي ضاعت منها لسنوات.

أعدّت الفطور لبناتها، قبّلت جبين كل واحدة منهن، ثم خرجت من المنزل بثقة لم تشعر بها منذ زمن طويل. وقفت لدقيقة أمام باب البيت، أغمضت عينيها، وقالت في نفسها:

> «اليوم… لا أريد أن أكون ظلًّا لأحد. اليوم سأكون أنا.»

وصلت إلى الشركة في تمام الثامنة، فاستقبلتها البناية الشاهقة بمرآتها الزجاجية التي تعكس سماءً صافية كأنها تبشّرها ببداية بلا عواصف. دخلت البهو الواسع، فشعرت برهبة المكان للمرة الثانية، لكن هذه المرّة دون خوف؛ كانت الرهبة ممزوجة بالطموح، لا بالضياع.

استقبلها الموظفون بنظرات هادئة فضولية، فالوجوه الجديدة في الشركات الكبرى لا تمرّ عادة دون مراقبة صامتة.

قادها أحد العاملين إلى قسم التطوير، وهناك كان سامر بانتظارها — ببدلته الرمادية ونظارته ذات الإطار الرفيع، وابتسامة رجل يُتقن فنّ الترحيب. فتح لها الباب وقال بودّ عملي:

> "صباح الخير أستاذة إيمان. نورتِ القسم."

أجابته بثبات:

> "صباح الخير. أشكرك على حُسن الاستقبال."

بدأ سامر يعرّفها على زملائها ثم شرح لها طبيعة العمل والخطط التي ستشارك فيها. كان حديثه منظّمًا، صبورًا، ويكشف خبرته الطويلة وقدرته على قيادة فريق دون أن يرفع صوته أو يُشعر أحدًا بالنقص.

وبينما هو يحدّثها… تغيّر الجو فجأة.

فتح باب القسم بهدوء، لكن دخول صاحبه لم يكن هادئًا أبدًا. وسيم — ببدلته السوداء وقامته المنتصبة ونظراته التي تُشبه الأوامر العسكرية حتى قبل أن ينطق بكلمة — دخل المكان بخطوات واثقة، تفرض احترامها دون جهد.

توقّف الموظفون عن الكلام… ليس خوفًا، بل مهابة.

همس موظف لإيمان دون أن يلتفت:

> "هذا هو رئيس مجلس الإدارة… وسيم الصاوي."

التفت وسيم إلى سامر أولًا:

> "اجتماع الساعة التاسعة… لا تتأخر."

ثم وقعت عيناه على إيمان. كانت تلك ثاني مرة يراها بعد الصدمة العابرة أمام الشركة في اليوم السابق، لكن النظرة هذه المرة لم تكن نظرة عابر طريق… بل نظرة رجل لاحظ الحضور قبل الجمال.

قال سامر مبتسمًا وهو يشير إليها:

> "أستاذ وسيم، هذه الزميلة الجديدة… الأستاذة إيمان. ستنضم إلى فريقنا بداية من اليوم."

اقترب وسيم خطوة واحدة فقط — خطوة كانت كافية ليملأ حضوره المكان — ثم قال بنبرة حيادية رسمية، لكنها تحمل احترامًا واضحًا:

> "أهلاً بكِ في شركتنا. أتمنى أن تجدي هنا بيئة تُشبه طموحك."

أجابت:

> "أشكرك سيادة المدير… أتطلع لبداية موفّقة."

أومأ وسيم برأسه، ثم التفت ورحل كما دخل… بترتيب وصمت ونفوذ.

تابعت إيمان يومها، تتلقى المهام، وتبدأ في أولى خطواتها العملية. وفي اجتماعٍ مصغّر، ظهر مازن — مدير قسم العمليات، ورجل ذو شخصية قوية ونقاش حاد، لكنه ليس قاسيًا. تبادل معها الحديث باحتراف، وبدأ يختبر أفكارها، فلاحظ سامر سريعًا قوة حجّتها ووضوح ردّها. تبادلت الأقسام النظرات… ليس استغرابًا، بل احترامًا مبكرًا.

ومع اقتراب نهاية الدوام، التفت سامر إليها وقال بابتسامة مطمئنة:

> "بداية موفقة يا إيمان. سنحقق الكثير هنا… فقط لا تفقدي ثقتك."

أغلقت حاسوبها، جمعت أغراضها، وغادرت القسم بخطوات ثابتة. كان اليوم طويلًا، لكنه جميل… جميل لأنه يومها هي.

وفي نفسها قالت:

> «قد لا أحتاج رجلاً كي أعيش… لكني أحتاج فرصة كي أتنفس. واليوم… تنفست لأول مرة.»

دون أن تدري… كان ذلك اليوم هو الخيط الأول الذي سيربط القدَر بين قلبٍ محطّم… ورجل لا يعرف الهزيمة.

عادت إيمان إلى بيتها في المساء، والهدوء يملأ المكان. البنات كنّ مشغولات بواجباتهنّ، لكن نظراتهنّ تتقاطع مع أمّهن بين الحين والآخر، يراقبن كل حركة وكل ابتسامة جديدة، كأنهنّ يلحظن تحولًا بدأ يلوح في روحها.

جلست إيمان على أريكة الصالة، أغلقت عينيها للحظة، واستسلمت لأفكارها. اليوم لم يكن مجرد بداية عملية… بل كان بداية شعور جديد، شعور لم تختبره منذ زمن بعيد. وسيم، بابتسامته الخفيفة ونظراته الثابتة، استقر في عقلها بطريقة لا يمكن تجاهلها، ومع كل تلميح اهتمام منه، شعرت بشيء يرنّ داخل قلبها، مزيج من الدفء والفضول والحذر.

وفي ذات اللحظة، تذكرت المواقف القديمة، الكوابيس الصغيرة التي كانت تراودها أحيانًا، الأصوات المرتفعة، واللوم غير المبرر، والخوف الذي رافقها سنوات. شعرت بإحساس مزدوج: رغبة في التقدم، وخوف من الانكسار مرة أخرى.

تقدمت مروة، الأكبر، وجلست بجانبها، تنظر إليها بعينين مليئتين بالحب والاهتمام:

> "ماما… أنتِ بخير، صح؟ اليوم بدوتِ مختلفة… سعيدة؟"

ابتسمت إيمان بحنان، مسحَت على شعرها، وأجابتها بصوت خافت لكنه صادق:

> "نعم، مروة… أشعر أنني بدأت أجد نفسي مرة أخرى… وأنني أستطيع مواجهة أي شيء."

تدخلت أميرة ونسمة، كل واحدة منهن بابتسامتها الصغيرة، ليحضرن مشهدًا من البهجة البسيطة والدفء العائلي. كان هذا المشهد، رغم بساطته، يذكّر إيمان بأن القوة ليست في النجاح وحده، بل في القدرة على إعادة بناء حياتها، وحماية من تحب.

ومع حلول الليل، جلست إيمان على شرفة الغرفة، تتأمل الأضواء البعيدة للمدينة، ويدها تلتقط فنجان القهوة الذي تركته بجانبها. شعرت بشيء من الأمان، وبصوت خافت همست لنفسها:

> «اليوم كان أول يوم أختبر فيه أن أكون أنا… لا الخوف، لا الماضي، فقط أنا.»

لكن قلبها لم ينسَ وسيم، لم ينسَ تلك النظرات الصامتة، ولا الاحترام الذي أحاط به كل كلمة قالتها. كان هناك وميض صغير من المشاعر، شعور لم تسمح لنفسها بالاعتراف الكامل به بعد، لكنه موجود… حاضر في كل ركن من يومها.

وهكذا، اختتمت إيمان يومها الخامس:

تثبيت الذات والخطوات الأولى في عالم العمل الجديد،

بداية وميض المشاعر تجاه وسيم،

وبداية مواجهة خفية لماضيها الذي يطلّ من الظلال، ليذكّرها بأن الحياة ليست دائمًا سهلة، لكنها تحمل معها فرصًا للشفاء والحب.

كان هذا اليوم بمثابة توازن دقيق بين الاستقرار المؤقت والقلق الخفي، توازن سيُمهّد لأحداث أعنف في الفصول القادمة، حيث المشاعر ستتصاعد، والقرارات ستصبح أصعب، والقدر سيبدأ في لعب دوره.

              الفصل السابع من هنا

لقراءه باقي الفصول من هنا 

 

تعليقات



<>