
رواية ضي الفصل السابع عشر17 بقلم داليا السيد
بماذا؟
دخلت خديجة وقالت "النائب محمود زايد أرسل ليؤكد على دعوته لكِ لحضور حفل خطوبة ابنته غدا"
رفعت وجهها لها وهي تستوعب ما قالت فأجابت "نعم أذكر، هل لديّ مواعيد هامة اليوم؟"
أجابت خديجة "لا، كنت سأطالبك بالرحيل مبكرا أنتِ لا تنالي أي راحة"
قالت متجاوزة الراحة "لديّ عشاء عمل حددته منذ قليل بلغي عم سيد أني أريده معي، ما أخبار مصنع الشرقية؟"
أجابت خديجة "الأستاذ صفوت بلغني أن المفاوضات لم تنتهي بعد"
قالت "أريد صفوت وبلغي عماد أني أريد رؤيته غدا صباحا هنا"
هزت الفتاة رأسها وتحركت خارجة وهي تعلم أن رئيستها لا تهتم سوى بالعمل وأولادها
****
الحفل كان بقاعة فندق شهير جدا لأن الرجل ذو منصب كبير وأسرته لها تاريخ معروف، تعاملت معه بعدة صفقات قبل أن يصبح نائب وحاليا ابنه هو من يدير شركاته وهو يكبرها بأعوام قليلة لكنه يقتنص أي فرصة ليسقط بطريقها
فستانها كان بلون اللافندر الهادئ غير مفتوح كالعادة وفقط ذراعيها هي التي تتركها حرة مع فرير أخذه الرجل منها عند الدخول، رفعت شعرها كالعادة وتركت خصلاتها النارية كألسنة النيران تتساقط حول وجهها ومسحة تكاد لا تذكر من التجميل تزيدها إشراقا وجمالا وقوامها عاد كما لو أنها لم تنجب طفلان أحدهما قارب أن يصل لقامتها
بلحظة كان أمير ابن محمود زايد يتحرك لها برشاقة تحسده عليها ولا تنكر وسامته وأناقته وهو يبتسم لها بإشراقة حتى توقف أمامها وقال "كنت أنتظرك، تبدين فاتنة"
ولم يمنحها أي فرصة للاعتراض وهو يرفع يدها لفمه ويقبلها ولكنها جذبت يدها وتورد وجهها وهي تقول بهدوء مصطنع "ماذا تفعل أمير؟"
لم تذهب ابتسامته وهو يركز عيونه البنية عليها ويقول "أعبر عما يدور داخلي، أنا أعود للحياة برؤيتك ضي"
كم مرة واجها بتلك الكلمات وهي أوقفته؟ كم مرة شرحت له أنها متزوجة وأم لطفلان ولا مكان لأي رجال بحياتها سوى زوجها ولكنه لم يتوقف أو يتراجع بل كان يخبرها أن كل ذلك لن يوقف مشاعره
رأت محمود زايد يتحرك لها والأنظار توجهت تجاهها فابتلعت كلماته وهي تسقط عيونها على والده الذي قال "كعادتك تبدين فاتنة ضي، سعيد أنكِ لبيتي دعوتي، تعالي لرؤية ابنتي وزوجتي"
تحركت معه ولم تنظر لأمير الذي ظل يتحرك بجوارها وهي ترى شخصيات تعرفها حولها فتحني رأسها لتحيتهم كما فعلوا وبعضهم توقف لتحيتها لكن زايد كان يكمل رغما عنهم حتى وصلت للعروسة التي كانت رائعة وفاتنة بالفستان الأبيض
حيتها ومنحتها علبة مجوهرات صغيرة بها خاتم ماسي كهدية زواج وقد تعلمت تلك الأمور على مدار السنوات الماضية ثم تعرفت على زوجة محمود وظلت معها وهي تقدمها لزوجات الرجال الذين أكلتها عيونهم وبعد وقت كان بعضهم يلتف حولها ودخلوا بنقاش عمل جاد وهي لا تتراجع فمكانتها الآن أصبحت قوية ولا مجال للخوف أو التراجع
وقت العشاء أمير اختار مقعده بجوارها وقال "أنتِ تتجاهليني وهذا يغضبني"
تناولت الطعام وقالت دون النظر له "تعلم الرد أمير"
تناول طعامه وقال "الجميع يعلم أنكم منفصلين وقريبا ستنتهون بالطلاق"
الغضب لفها كما لفت وجهها له وهتفت "طلاق!؟ من الذي سمح لذلك الجميع بالتدخل بحياتي ومنح قرارات بدلا مني؟"
نظر لها وهو يرى النيران بعيونها فقال "أنتم لا تلتقون حتى بالإجازات ضي وهذا يثير القيل والقال"
لم تعد للطعام بل ظلت تواجه وهي تقول "لا أحد لديه الحق بالتحدث عن حياتي أمير"
اقترب من وجهها بوجهه وقال "بل لدي الحق ضي لأني أحبك"
تجهم وجهها أكثر وظلت تحدق به قبل أن تترك الشوكة والسكين بالطبق وتقول "وأنت تعلم أن لا حق لك بذلك"
وكادت تنهض لتذهب لكنه أوقفها "ضي اهدئي ولا تلفتي لنا الأنظار، الحب ليس اختيار يمكننا أن نختاره أو نرفضه، وقت رأيتك أول مرة سقط بحبك دون تفكير بمن أنتِ وما ورائك حتى عرفت الحقيقة وحاولت ضي، أقسم أني حاولت الابتعاد وإيقاف حبك لكني فشلت"
ظلت صامتة تنظر له وتسمعه حتى انتهى فقالت "ليس لدي ما يمكنني تقديمه لك أمير، أنا زوجة لرجل الكل يعرفه ولا خلاف بيننا كي يظن أحد أننا سننتهي بالطلاق كما وأنني لدي ابن كاد يصل لقامتي وطفلة عام وشهور وهذا لا يمحني أي حق بالنظر لرجل آخر"
ظل ينظر لها كما كانت تفعل حتى قال "يمكنني تقبل أولادك كأولادي ضي فقط.."
قاطعته بحزم "هم لديهم أب بالفعل وسعداء به ولا يمكن أن يحل أحد مكانه وكذلك الأمر لي أمير أنا لا أفكر بالطلاق ولا بالزواج من رجل آخر لذا انساني وإن لن تفعل فلن تراني بعد اليوم"
ونهضت متحركة للحمام وأمضت وقت به تحاول تهدئة نفسها وهي ترى نفسها بالمرآة، جميلة، هي تعلم أنها جميلة لكن ماذا قدم لها هذا الجمال؟ هل منحها كل ما تحلم به البنات؟ رجل تحبه ويحبها؟ قصة حب عنيفة تهز حياتها؟ حفل زفاف وفستان أبيض وليلة العمر؟
لا لقد ضاع كل شيء ورحلت الأحلام للأبد وتبقى اليأس والألم والحسرة على السنوات التي تمر من عمرها دون أن تشعر بها
تجنبت أمير ما تبقى من الحفل حتى رحلت وعادت للبيت، الأولاد كانت نائمة فوضعت قبلاتها على وجنتهم كما تفعل كل ليلة وعادت لغرفتها وظلت واقفة أمام النافذة وقت طويل وهي تسمع اعتراف أمير بحبه لها، أغمضت عيونها والحزن ينساب داخلها بلا توقف ويتجدد بعروقها مع كل قطرة دماء تمر بها
الحب تراه بعيون من حولها لكنها ترفضه ولا تريده منهم ومن تتمنى حبه لا يراها من الأساس، هجرها وألقاها خلفه وكأنها لم تكن بحياته بيوم ما، لم يذكر يوما واحدا جيدا لهم معا، لم يرى كل ما كانت تمنحه له، نسى ما عاشوه سويا من السعادة والراحة بوجودهم معا، لم يذكر كيف كانوا أسرة سعيدة، وضع كرامته بالمقدمة وألقى بها خلفه غير مهتم بما فعله بها ولا بالألم الذي تسبب به
عادت للفراش وتمددت به وهي لا تعرف هل أخطأت يوم رفضت أن تعود معه؟ هل كان عليها تجاوز الأمر كما قال لأن الماضي انتهى والاغتصاب وقع ولا شيء سيتبدل بمعرفة الجاني؟
أغمضت عيونها وهي تعرف الرد فالألم زاد أضعاف يوم عرفت أنه كان الجاني، لم يعد بإمكانها تحمل لمسته ولا أنفاسه كان عليه أن يفهم أنها بحاجة للوقت وبحاجة له بجوارها كي تجتاز الأمر لكنه لم يفعل
"أنت غاضبة مني؟"
صوت بثينة جعلها تفتح عيونها لتراها أمامها فاعتدلت وبثينة تجلس على طرف فراشها وتكمل "أعلم أني أستحق غضبك فأنا أتحمل معهم ذنب ما أصابك"
ظلت تنظر لها ثم قالت "لا أرغب بسماع شيء"
أخفضت بثينة وجهها وقالت "لست هنا لذلك، فقط أطلب منك أن تسامحيني"
الحزن كان بعيون المرأة عندما نظرت لها وهي لم تكره بثينة بأي يوم لذا قالت "سامحتك، أنا بالأساس لم أغضب منك بأي يوم، يكفي حبك لابني وحسن معاملتك لنا، أنا حقا أحببتك كأم وحتى بعد أن عرفت الحقيقة لم أغضب منك فأنتِ حاولتِ محو الذنب بكل الطرق وهذا وحده يكفيني"
ابتسمت بثينة وقالت "لم أخطئ بأن لديكِ قلب طيب حقا وربما بيوم ما يدرك حفيدي أنه يخسر الكثير ببعادك عنه"
لم ترد وبثينة تمد يدها وتربت على يد ضي وتقول "أنتِ تستحقين الأفضل حبيبتي"
وتركتها وذهبت وهي لم تناديها فقد انتهى الحديث بينهم ولم يعد له أي داعي
بالصباح نزلت مبكرا وكريم سبقها وهو يأخذ حقيبته من هبة فقالت "صباح الخير حبيبي"
مررت يدها على شعره الغزير وقبلت وجنته فقال "صباح الخير ماما، لقد تأخرت، الباص على وصول"
جذب حقيبته وتحرك خارجا وهي تجلس على المائدة وفتحت هاتفها تتابع الأخبار عندما رأت خبر أفزعها حقا
وفاة فاطمة قريبة بثينة بعد صراع مع المرض، تذكرت كلمات فاتن عنها منذ فترة عندما طلبت منها السماح وعن الشلل الذي أصابها بعد موت ابنها، حزنت للمرأة وما أصابها واستعادت كلمات فاتن أنه ذنبها ولكنها لم تتمنى أي سوء لأي أحد حتى هم
أبعدت الهاتف وشوقي الذي رفض تركها يضع الإفطار وهو يقول "مدام فاطمة توفت"
هزت رأسها وقالت "نعم عرفت من الميديا، زوجها يضع نعي على صفحته"
نظر لها وقال "هل يمكن أن تسامحيها مدام؟ هي الآن بحاجة لذلك"
وافقته وقالت "سامحتها عم شوقي وصدقني لم أحمل تجاههم أي ضغينة بأي يوم ولم يمكنني وقف كرههم لي"
قال بصوت ضعيف غريب عنه "قلبك أطيب منهم مدام"
رفعت وجهها له وقالت "لكن هذا لم يكن رأيك بي، أنت لم تحبني بأي يوم"
أخفض نظراته وقال "ليس مؤخرا مدام، لم أكن أعرفك جيدا بالسابق لكن بكل يوم أدرك أنكِ لستِ كما كنت أظن، ليست الأموال هدفك وأخلاقك هي ما جعلتني أتراجع"
ابتسمت وأخفضت وجهها وقالت "ستذهب العزاء؟ أعلم أن علاقتك بهم جيدة"
رفعت عيونها له فتجهم وجهه فعادت تقول "أنا سأذهب للعزاء ولو أردت الذهاب فلن أمانع"
وتناولت الشاي بالحليب ثم نهضت دون انتظار رد منه وهو يتابعها بنظراته مدركا أنه لم يقدرها حق قدرها
دخلت المكان المخصص للسيدات ورأت عدد قليل جدا جالس وبالطبع وجدت فاطمة تجلس وبجوارها امرأة شابة، بالطرف الآخر سناء وضحى بجوارها ولم تتبدل ملامحهم، تنفست قبل أن تتقدم من فاطمة الجالسة بلا وعي بما حولها وقالت
"البقاء لله مدام فاطمة"
رفعت فاطمة وجهها الباكي لتتراجع عندما التقت بوجه ضي، نهضت واقفة بتعب واضح وقالت "تمنت لو نالت السماح من كل من حولها"
هزت رأسها وقالت "لقد سامحتها مدام، سامحت كل من أساء لي بأي شيء فلو كان الله العلي الكبير يغفر فماذا أكون أنا كي لا أفعل؟ أنا لم أحمل أي مشاعر كره لأي منكم بأي يوم وقد أتيت لأبلغك بذلك"
بكت المرأة بقوة وقالت "لقد فقدت الجميع من حولي بسبب أفعالي، أنا أستحق"
ربتت على يدها وقالت "لا أحد يأخذ أكثر مما هو مكتوب وربما لو استغفرت الله وطلبت منه الرحمة لمنحك إياها فهو رحيم بنا جميعا"
مسحت دموعها وقالت "أنا أفعل وربما بيوم ما أستطيع زيارة بيته وطلب الغفران منه وربما أموت هناك"
صمتت قليلا ثم قالت "افعلي ما يطمئن له قلبك"
وتركتها وتحركت لتجلس وللأسف المكان الفارغ كان قريب من ضحى التي رمقتها بنظرات نارية وسقطت عيونها على دبلة الزواج بيدها فأبعدت وجهها عنها ولكن ضحى لم تتركها ما أن نهضت المرأة التي كانت بجوارها حتى أسرعت لتجلس مكانها
أبعدت ضي وجهها ولكن ضحى قالت "جئت تشمتي بنا أليس كذلك؟"
لم تنظر لها وقالت "لا شماتة بالموت ضحى لأننا جميعا ميتون"
لم تتراجع ضحى وقالت "وهل تظنين أني أصدقك؟"
نظرت لها وقالت "لست بحاجة لتفعلي فلا يهمني تصديقك لي من عدمه، ضحى أنتِ آخر اهتماماتي حقا"
الغيظ ضرب الفتاة وهي تقول "بالطبع فامرأة مثلك لا ترقى لأمثالنا، أنتِ بالكاد يتم اغتصابك وإلقائك بالشارع فهذا هو ما تستحقينه وهو فعل عندما اكتشف حقيقتك، لن يقبل بأن تكون زوجته مثلك"
ونهضت دون أن تنتظر ردها وهي لم تفعل لأن ضحى ضربتها بالصميم، هو بالفعل تركها، هجرها وهي لم تفهم السبب والآن ضحى وضعتها على الطريق الصواب، هو لا يقبل بأن تكون زوجته امرأة..
أغمضت عيونها بألم وهي تدرك أن الماضي الذي أرادها أن تتجاوزه هو نفسه لم يتجاوزه، هو لم يتمسك بها كما أرادته أن يفعل وألقى باللوم عليها وهو يعلم أنها لم تكن لتتقبل العودة له بسهولة وأصبح هو البريء
انتهى القرآن فنهضت وفاطمة فاجأتها عندما جذبتها واحتضنتها بقوة وقالت "أنا آسفة ضي، آسفة على كل ما سببته لكِ من ضرر وأتمنى أن أجد شيء أصلح به ما تهدم بينكم"
حاولت أن تبتسم وهي تقول "لا عليكِ، اهتمي بنفسك وبابنتك ولو احتجتِ أي شيء هاتفيني وسأكون تحت أمرك"
بكت مرة أخرى وشكرتها وتحركت ضي خارجة تجاه السيارة عندما سمعت صوت قوي وغاضب يناديها "ضي"
تجمدت مكانها وهي لا تصدق أنه هنا ولا حتى عندما سمعته يناديها فبالتأكيد لن يأتي، لا، لن يفعل
"تحاولين إقناع الجميع بأنكِ سيدة الأعمال والخير"
رفعت وجهها له والتقت بعيونه التي تنبض بالغضب وارتجف جسدها من مواجهته وهي لم تكن تتوقع أبدا رؤيته
****
دخلت الفيلا وهو خلفها وقد دفعها لتدخل بجواره بالسيارة ولم يتحدثان طوال الطريق والسائق يركز على الطريق أمامه بصمت هو الآخر وتركت هي الأفكار تتلاعب بها بلا رحمة وهي لا تعرف متى وصل وماذا عنى بكلماته ومن الذي له الحق بالغضب؟
سمعته يقول "إلى أين؟"
توقفت وصوته الغاضب لا يعجبها فلم تنظر له وقالت "غرفتي، الوقت تأخر"
قبضته على ذراعها كانت مؤلمة وهو يلفها لتواجهه وترى نظراته التي تبدلت من الحنان للغضب ومن الهدوء للثورة كما هو صوته "أنتِ لن تذهبي لأي مكان قبل أن تبرري تصرفاتك المشينة لي"
ضاقت عيونها وهي تردد "تصرفات مشينة!؟ أي تصرفات؟ عن ماذا تتحدث؟"
لم يترك ذراعها وهو يهتف "وكأنك لا تعرفين بمغامراتك مع الرجال؟ صورك تملأ الميديا مع هذا وذلك وآخرها قبلة أمير زايد على يدك، هل نالها غصبا هو الآخر؟ واضح أن الاغتصاب هو طريقك المفضل مع الرجال"
صفعتها كانت بلا وعي، وكأنها تصفعه على كل ما فعله بها وما جاء اليوم ليكمله، ولم ترمش عيونها ولم تندم على صفعتها ولم تمنحه الفرصة ليستوعب ما فعلته وهي تدفع يداها بصدره لتبعده عنها وهي تهتف بغضب ودموع "أنا أكرهك، أكرهك"
وأسرعت بكل قوتها إلى الأعلى حيث غرفتها وما أن التفت هو حتى رأى كريم أمامه كان يقف على المدخل الزجاجي للحديقة والغضب يعتلي وجهه الصغير، تراجع سليم من رؤيته وقد تفاجأ به ولم يجد كلمات يلقيها بوجه ابنه بعد ما سمعه على والدته
"كريم"
تحرك خطوة تجاه الطفل الذي ارتد للخلف نفس الخطوة فتوقف بمكانه وهو يدرك أن ابنه لن يتقبل منه أي كلمة الآن، هو منحه رسالة من قبل أنه لن يقبل بأن تهان والدته حتى ولو كان منه هو، والآن لا مجال للتراجع فقد حدث ما حدث ولا مفر منه
كريم هو من تحدث وقال "لماذا تفعل بها ذلك؟"
شحب وجهه وهو لا يفهم سبب ضعفه أمام ابنه وهو الأب الذي لا يقبل أن يحاسبه أحد ولكن ألم يكن هو يفعل بمثل عمره تقريبا؟
أخرج السجائر وأشعل واحدة وقال "مرة ثانية؟"
هتف كريم بلا تفكير "إذا كنت تكرها طلقها"
رفع وجهه له والدهشة ترتفع معه والطلاق حل لم يرد بذهنه بأي يوم وهو أخبرها ذلك فهل ورد على ذهن طفلهم؟ قال بنبرة جافة "هي من ترغب بذلك؟"
أجاب كريم "هي ترفض إسقاط أي خطأ عليك أمامي"
زاد شحوب وجهه أكثر وأكثر وعيونه تفر من عيون ابنه فابتعد والدخان يصحبه وهو يقول "إذن لا تتدخل فيما بيننا"
تحرك الطفل ووقف خلفه وقال "وأتركك تؤلمها كلما تراها؟"
التفت لمواجهته بكلماته التي لا تناسب عمره ورفع يده بالتحذير وقالت "قلت لا تتدخل"
فتح فمه ليكمل لكنه هتف به بغضب وقوة "ولا كلمة أخرى"
ارتجف الطفل من صراخه القوي فتراجع ثم أسرع هاربا من أمامه ليصعد للأعلى وهو ينفخ الدخان بقوة وشوقي يتحرك تجاهه ويقول "الحمد لله على سلامتك يا فندم"
لم ينظر لشوقي وقال "شكرا شوقي، أين كنت؟"
أجاب "بالعزاء، المدام سمحت لي بالذهاب"
التفت له بدهشة وقال "سمحت لك؟ هي من تمنح الأذونات الآن"
لم يرد شوقي فابتعد عنه ولكن شوقي قال "اسمح لي ولكنها ليست كما تقول"
تفاجأ من كلمات شوقي والتفت له وشوقي شحب وجهه وسليم يقول "ماذا؟ ماذا قلت؟"
ظل شوقي جامدا كعادته وهو يرد "قلت أن مدام ضي لا تعاملنا على أنها السيد ونحن العبيد، أنا عنيت أن ما كان بينها وبينهم من خلاف وما فعلوه بها وبك سيجعلها لا توافق على أن أقوم بالعزاء لكنها وافقت بل وهي نفسها فعلت"
تحرك له حتى وقف أمامه وقال "فعلوه بي وبها!؟ لا أفهم"
رد شوقي بلا تفكير "هما الاثنان من سعى خلف رمضان ليخبر مدام ضي الحقيقة وهو أتى هنا كما أخبرتك وأراد ذلك وأنا منعته لكن لا أعرف كيف وصلت له ونفذ أوامرهم"
رفع يده بوجه الرجل وقال بقوة "أنت تهزي شوقي، هم لن يفعلوا بي ذلك، رمضان أراد المال و.."
قاطعه شوقي "سبق وأخبرتك أن مدام فاتن أتت هنا وأرادت إخبارها لكني أوقفتها فكان الحل هو رمضان"
أشاح بيده وابتعد وهو يقول "لم يعد يهم من فعلها فقد وقع المحظور وانكشفت الحقيقة"
لم يرد شوقي للحظة ولكنه عاد وقال "ولا تظن أنها تستحق بعض الرأفة بعد كل ما عانته؟"
التفت له بكل الغضب الكامن داخله والذي دفعه لاستئجار طائرة خاصة ليصل لها ويسمع تفسير لما رآه على الميديا، هتف به "الرأفة وهي تستمتع بحياتها وأنا بعيد مع هذا وذاك؟ الرأفة و.."
توقف وهو يستجمع نفسه ويدرك ما يقول فابتعد وهو يطفئ السيجارة فقال شوقي "هي لن توقف المعجبين عنها وهي بلا رجل لجوارها، هي جميلة وصغيرة وناجحة وتثير الإعجاب بحق"
عاوده الغضب فالتفت له بقوة "ولكنها ما زالت زوجتي وكان عليها إيقافهم جميعا"
تحرك له شوقي وخرج من الجمود وهو يقول "بماذا؟"
رفع وجهه له والتقى بعيونه السوداء الفارغة من أي معاني وتاهت منه الكلمات وهو يبحث عن رد ولكنه فقط ردد "بماذا!؟"
أجاب شوقي "نعم بماذا؟ بتخليك عنها بأشد أوقات حياتها احتياجا لك؟ بظنونك بها وهي أشرف امرأة عرفتها؟ بتحملها مسؤوليات أكبر من أن تحملها امرأة مثلها وبعمرها دون كلل أو شكوى؟ بماذا أردتها أن تدفعهم عنها وهي لم تجد منك أي شيء؟"
كلماته كانت مميتة وبالصميم، أنطون حاول أن يفعل معه المثل لكنه لم يكن بتلك القوة ولا إسقاطه بمكانه من التخلي عنها وعدم تقدير المرأة التي تستحق أفضل مما منحها
ابتعد وقال "أرغب بقهوة"
أحنى شوقي رأسه وقال "أمرك"
وابتعد وارتفعت نظراته للمكان الذي اتخذته بيتا لها، جميل، أنيق وبسيط ككل شيء بها، لطالما كانت بسيطة بكل شيء ومع ذلك لم يرى بجمالها أحد
***
دقات على باب غرفتها وصوت كريم "ماما هل أدخل؟"
مسحت دموعها والتفتت للباب وقالت "نعم حبيبي تعالى"
دخل الطفل ونظراته كلها لها وخوف بعيونه عليها حتى وقف أمامها وقال "هل أنتِ بخير؟"
لم تفهم سؤاله لكنها قالت "نعم حبيبي فقط مجهدة فقد كان يوم طويل"
ظل صامتا قليلا ثم قال "أنا سعيد لأنكِ والدتي ولم ولن أتمنى أم سواك"
سقطت دموعها وبلا سؤال عن سبب كلماته جذبته لها فقد شعرت بالحاجة لأن تحتضنه وهو لف ذراعيه حولها وهي تبكي بلا صوت ثم قبلت رأسه وقالت "وأنا أحبك جدا ولا يمكنك معرفة ماذا تعني تلك الكلمات لي"
كان يلف بعيونه على وجهها وقال "أنتِ تستحقينها ماما ومن فضلك أنا لا أريد أن أعود معه روما ولا أريده بحياتنا"
شعرت بصاعقة تضربها وتدفعها للخلف بلا رحمة فهي لم تفكر بأن يكره الطفل والده بأي يوم ولا أن ترى ذلك الألم بعيونه ولا تفهم سببه، احتضنت وجهه براحتيها وقالت
"ماذا حدث كريم؟ هو بابا من تتحدث عنه وهذا لا يجوز"
لمعت دموع بعيونه وهو ينظر لها ويقول "هو لا يحبك ماما ولن يحبني بأي يوم، أنا لن أسامحه لأنه يؤلمك ويغضبك، لن أسامحه لأنه سبب دموعك"
سقطت دموعها غصبا عنها وهي تحاول تمالك نفسها، هل سمعهم بالأسفل؟
سألته "لماذا تقول ذلك؟ هل تحدثت معه؟ هو هنا من أجلك أنت وأختك"
سقطت دموعه رغما عنه وذكرها أنه ما زال طفل رغم أنه يرفض أن يعيش طفولته وقال "هو أتى كي يثور بوجهك وينعتك بتلك الصفات، أنا سمعته ماما، كنت ألعب بالحديقة وعندما رأيتكم معا أسرعت لأقابله وسمعت ما حدث، أنا لم أعد أرغب بأن يعود لنا"
سمعته يقول بغضب "ألم أخبرك أنكِ أنتِ سبب تصرفاته معي؟ أنتِ من تجعليه يتطاول علي"
فزع كلاهم منه والتفتوا له وما زالت تلف ذراعها على كريم الذي ارتجف من صوت سليم الغاضب وملامحه أيضا الغاضبة وهو يتقدم ليقف أمامهم وانكمش كريم بجوارها وكأنه يحتمي بها منه وهي أدركت ذلك وتماسكت أمام الطفل وحاولت أن تبدو هادئة وهي لا تبعد نظراتها عنه وقالت
"كريم اذهب غرفتك الآن"
لم يترك وجهها وهي أيضا حتى أدركت أن ابنها يتشبث بها فالتفتت له وما زالت تمسكه من ذراعيه ونظرت بعيونه الباكية وقالت "حبيبي هل تهدأ وتتركنا الآن؟"
كان يرتجف بين يداها وهي شعرت بالخوف عليه وهو يقول "لا أريد تركك وحدك"
هتف به "ألا تسمع الكلام أبدا؟ اذهب غرفتك الآن"
انتفض جسد الطفل بين يداها فرفعت وجهها له بغضب وهتفت "لا تصرخ به هكذا"
هتف بها "بل سأفعل ما أشاء، إذا لم يكن بمقدورك تربيته على الوجه الصواب فسأفعل أنا فأنا والده"
هتف كريم "أنت لست والدي، أنا لا أريدك، أنا أكرهك، أكرهك"
تحرك بغضب تجاه الطفل لكنها دفعته خلفها وانتصبت واقفة أمامه بلا خوف وهي تقول "واجهني أولا قبل أن تمس شعرة منه"
تجمد مكانه وربما عيونها المشتعلة بنيران الغضب أوقفته وأعادته لمكانه وجعلته يرتد عما كان يدفعه شيطانه له، عندما توقف التفتت لطفلها وانحنت عليه وقالت "حبيبي هل تهدأ الآن؟"
مسحت دموع الطفل براحتيها وهو يهز رأسه فقالت "حسنا اذهب لغرفتك ولا تخرج منها حتى أحضر أنا إليك هل اتفقنا؟"
هز رأسه فوضعت قبلة على جبينه وتركته يهرع مسرعا للخارج واعتدلت هي لمواجهته وهو قد ابتعد للداخل وأشعل سيجارة ربما يوقف نيرانه التي تحرق كل ما حوله، متى سيدرك خطأ تصرفاته؟
تنفست بقوة ومسحت دموعها وهي تستعد للمواجهة الحتمية والتي قد تنهي كل شيء بينهم للأبد فقد وصلوا للنهاية ولم يعد من الممكن الاستمرار بعد ذلك
سمعها تقول "والآن ماذا؟"
التفت لها وكاد ينفجر بما يحمله داخله لكن عيونها الجميلة أوقفته فجأة وكأنه الآن فقط رآها وأدرك كم افتقدها، رفع السيجارة وأحرقها بأنفاسه ثم ابتعد من أمامها وقال "أنتظر تفسير لتصرفاتك"
لم تتابعه وهو يتخطاها وإنما ظلت بمكانها وقلبها يدق بقوة وهو يسألها هل لديكِ القوة على مواجهته؟
قالت بهدوء كي لا يسمع كريم مرة أخرى أي كلمات قد تؤلمه وتزيد موقفه من والده "أي تصرف بالضبط فمن الواضح أن لديك الكثير ضدي؟"
التفت لها ولكن ظهرها هو كل ما واجهه، فستانها الأسود رائع رغم سواده يظهر قوامها الذي لم يتبدل بعد أن وضعت ابنتهم، ما زالت وستظل جميلة للأبد
قال "أمير!"
كانت تدرك حقه فيما يقول فهي لم تظن أن تنزل صورة كهذه على الميديا، التفتت له لتلتقي بعيونه التي هدأ الغضب بها فقالت "أعلم أنه تجاوز معي ولكني أوقفته، هو أخبرني أنه يعتقد كما يعتقد الجميع أننا بطريقنا للطلاق وأنه.."
ضاقت عيونه وتحرك تجاها وهي توقفت وتساءلت هل أخطأت بصراحتها؟ توقف أمامها وقال "طلاق!؟ من الذي تحدث عن الطلاق!؟ هي فكرتك إذن"
هزت رأسها بالنفي وما زالت تحدق به وهي ترد "فكرتي كيف وأنا لم أناقشك بها؟ الطلاق هذا لامرأة ترغب بإكمال حياتها على هواها كما تفكر أنت ولكن أنا كل ما يهمني أولادي، أنا أعيش لهم كما عشت لكريم قبل أن ألقاك"
هي على حق ولكن لم تكفيه الكلمات وهو يقول "نعم لذا نسيتِ أنكِ زوجة ونسيتِ أني ما زلت موجود"
ابتسمت بمرارة وهي تجيبه "نعم موجود، لا لم أنسى ولكني لن أسير وراء الناس وأخبر كل واحد منهم أن، أن زوجي موجود"
شحب وجهه من سخريتها المغلفة بالألم وفهم المعاني الخفية وراء ما تقوله وعندما ظلت عيونها تواجه ابتعد للمطفأة وطحن ما تبقى من السيجارة بها وقال "لن تفعلي بل تستمتعي بإعجاب الرجال بك وتقبيل يدك وإمضاء السهرات هنا وهناك تاركة أولادك للمربية"
نظرت لأصابعها بلا رؤية لهم وقالت "أنت تعلم أن ذلك ليس صحيح، لست تلك المرأة"
التفت لها وقال "أي امرأة أنت إذن؟"
التفتت له هي الأخرى وقالت "لم أتعلم الحديث عن نفسي ولم أحاول تصحيح فكرة أي أحد عني فلا أهتم سوى بما أنا عليه وإذا لم تكن أنت زوجي تعرف أي امرأة أكون فلا داعي لأي كلمات مني"
تجهم وجهه والجميع اليوم يهزمه بالكلمات وعليه أن يهدأ كي يجيد التفكير فقال "وهذا يعني أن لا شيء بينك وبينه؟"
رفعت رأسها وحاولت أن تتمسك بالهدوء المزيف وهي ترد "هذا سؤال مهين وإجابتي تعني قبولي بالإهانة وأنا لا أقبل إهاناتك هذه مرة أخرى فقد استكفيت منها"
ظل واجما وهو لا يعرف المرأة التي تقف أمامه وقد كبرت كثيرا بالشهور السابقة ولم يعد يرى الخوف بعيونها منه ولا الحنان ولا السعادة
لف حول نفسه والكلمات تضيع منه فقال "تعلمين أن كريم يأخذ منحنى جديد بعلاقته بي"
هو يتجاهل علاقتهم وهي لا ترغب بأن تنساق معه ولكنها فعلت وقالت "وأنت تظن أني السبب"
لم ينظر لها وهو يقول "ملأتِ رأسه بكلمات عني حتى كرهني والآن يطالبني بطلاقك"
شحب وجهها وهي لا تصدق أن طفلها طالبه بذلك ولا تعرف كيف قال ذلك؟ عندما لم ترد التفت لها وقال "لا تجيبي"
نظرت له وقالت "أنا لم أخبره أي شيء عنا لطالما تمنيت أب لابني وعندما كنت أنت ذلك الأب فلم أمانع وحتى عندما ثبتت أبوتك له كنت.."
تحرك لها بغضب وقال "أخبرتني أنكِ لم تكوني ترغبين بأن أكون والده، أليست هذه كلماتك؟ أنت تفسدين ما بيني وبينه"
هزت رأسها بلا وعي وهي ترد "لا، ليس حقيقي، أنا كنت أتمنى ألا تكون أنت الوحش الذي سلبني الحياة، خشيت لو علم أنك من فعل بي ذلك يرفضك ولكنه تقبلك وأحبك وأنا تقبلت الأمر ولم أحاول يوما تدمير ما بينكم ليس لأجلك بل لأجله هو"
قبض على ذراعها بقوة وهتف "أنا لا أعنيك أصلا أليس كذلك؟ لا يهمك ما يغضبني وما يسعدني، لم أعد أمثل لك أي شيء"
نفضت ذراعها منه وتراجعت وهي ترد "كما هو أنت، أنت من سار بذلك الطريق وأخذتني معك إليه"
ظل يحدق بها وكلماتها حقيقة فقال "أنتِ أردتِ الانفصال"
أنا قلت ذلك ولكن تمنيت أن تتمسك بي، تكن بجواري وأنا أعاني وأتألم ولكنك لم تهتم
قالت بصعوبة "وأنت لم تمانع"
هتف "أخبرتك أني أنتظرك ولكنك لم تفكري يوما بالعودة"
هزت رأسها مرة أخرى وهي تخاطب نفسها، وأنت لا فائدة منك كل ما تفكر به هو نفسك فقط
تماسكت بآخر قوة داخلها وقالت "لم أخبرك أني سأعود، حياتي هنا"
ابتعد وقال "يمكنني إجبارك على العودة"
ردت بهدوء غريب "جسد بلا روح"
التفت لها وأدرك الإصرار بعيونها وخطأ ما يفعله فتحرك لها وقال بهدوء اقتبصه منها "ضي تعرفين أني لن أفعل ذلك، علينا إيقاف كل ما يحدث ونعود لحياتنا لا يمكن أن نظل هكذا"
الآن تخبرني ذلك؟ قالت بدموع تجري بلا شعور منها "ليس بعد ما قلته وفعلته، أنت بكل مرة تدمر كل شيء وتنتظر مني أن أحيا على الحطام ولكني لا أستطيع ولا أحد يمكنه أن يفعل"
ظل واجما أمامها ونظراتهم معلقة فيما بينهم وهو يستوعب كلماتها حتى قال "ما زلتِ ترفضين العودة إذن؟"
أغمضت عيونها وهي تدرك أنه لا يفهم ولن يفهم أبدا، رأى كم تبدو ملامحها غامضة ولا يفهمها، دموعها هذه غير مفهومة له وهو لا يعرف ما الذي تريده منه؟
عاد وقال "أنا لا أفهم ماذا تريدين؟"
فتحت عيونها وهمست "لا شيء، فقط أعود لحياتي الهادئة التي كنت أعيشها، أنت تعرف جيدا أني لا أرى سوى أولادي وعلاقتك بكريم سأحاول إصلاحها بقدر استطاعتي وابنتك موجودة يمكنك.."
اقترب منها وقاطعها وهو ينظر بعيونها قائلا "أنا أتحدث عنا ضي، أنا وأنت، ما زلت أريدك معي، أريد لزواجنا أن يعود كما كان أن ننسى ما حدث ونعود لحياتنا"
هي أيضا أرادت ذلك ولكنها لا تعرف كيف تفعل وهو لا يرى أنه أوجعها بيوم ما، رفع يده ولمس وجنتها ولكنها انتفضت وهي ترى ذلك الوحش يرتد لها ووجدت نفسها تهتف
"لا"
تجمدت يده بالهواء وشحب وجهه وشعور بالإهانة يضربه وهو يقول "لا!؟ أنا زوجك"
هتفت بلا وعي "أنت مغتصب"
لم يدرك كيف يرد وهي تلقي بتهمته بوجهه وهو ما زال يفر منها لكنها لم تمنحه الفرصة فقال من بين أسنانه "ضي كفى، تعرفين أني لم أكن أعرف أنه أنتِ"
أشاحت بيداها وهي لم تعد تدرك ما تقول فالماضي يعميها عندما يقفز بالحاضر وهتفت "ولكنه أنت من فعل بي ذلك فهل تظن أن الأمر سهل تجاوزه كما قلت؟"
هتف بقوة "أنتِ من لا يرغب بتجاوزه"
لم تعد تتحكم بنفسها لا من أجل ابنها ولا من أجل المستقبل ولا من أجل أي شيء وهي تقول "لأني لا أستطيع، لا أستطيع تحمل لمستك بعد ما عرفت أنه أنت، لا أستطيع تحمل أنفاسك التي تذكرني بتلك الليلة لا يمكنني ذلك وأنت لم ولن تفهم، كل ما يهمك أنك لم تعنيني أنا ولكن هو أنا من كنت بذلك الفراش مخدرة ومربوطة ولا أستطيع دفعك عني أو الصراخ لطلب النجدة، هو أنا من تم اغتصابها بذلك اليوم وأنت من فعل بي ذلك، هو أنا من سرقت حياتي وتدمرت وتفتت بلا رجوع"
تراجع من الألم الواضح بنبرة صوتها ودموعها وملامح وجهها، الألم يتقطر منها مع كل كلمة وشهقة بكاء، لا هو لم يستوعب كل ما تقوله، هو لم يفكر بما قالته هو وجد مبرر لنفسه أنه لم يكن يعرف أنها هي ولكنه لم يهتم أنها هي من اغتصبها بلا رحمة ليحقق انتقامه من خيري
ابتعد كما فعلت ولم يعد هناك كلمات، بكل مرة ينتهوا عند نفس النقطة لأن هي نقطة البداية وهي نفسها نقطة النهاية
دقات على الباب جعلتهم ينتبهون وهو يرد فانفتح الباب ورأوا هدى تقول "مستر أنطون على الهاتف المنزلي حضرتك لا تجيب هاتفك ويقول الأمر هام"
انتبه كلاهم للأمر فقال "حسنا"
خرجت هدى وأخرج هاتفه الصامت ليرى اتصالات كثيرة من أنطون فهاتفه ليصرخ به أنطون "أين أنت؟ لم لا تجيبني؟"
ابتعد وهو يقول بقلق "الهاتف كان صامت أنطون.."
قاطعه بقوة "جولي وجينو أصيبوا بحادث خطير على الجبل وتم نقلهم المشفى وبحالة خطر"
رفع رأسه وهتف "ماذا!؟ متى حدث ذلك وماريا أين هي؟"
أجابه "لم تكن معهم، كانت عندي، هم رغبوا بإجازة سليم، ابنتي تضيع مني، حالتها حرجة جدا"
أغمض عيونه وهو لا يعرف ماذا يفعل فقال "اهدا أنطون ستكون بخير إن شاء الله، سأكون عندك بأقرب وقت"
سأله "لا أعرف ماذا أفعل مع ماريا، ما زالت صغيرة جدا"
نظر لها وهي تنظر له بلا فهم فقال "يمكنك الاستعانة بمربية أنطون حتى تستعيد جولي"
هتف بألم "الأطباء لا تمنحني أي أمل"
لم تقاوم أكثر وهي تتحرك له وتجذب الهاتف من يده وتهتف "ماذا بها جولي أنطون؟"
ترك لها الهاتف ودخن سيجارة وهي تسمع أنطون والفزع ظهر على وجهها وهي تردد "لا، لا تقل ذلك ستكون بخير"
كان بكاء الرجل مسموع وهو يقول "لا ضي، لن تكون بخير الأطباء ليس لديهم أي أمل، لا هي ولا جينو ولا أعلم ماذا أفعل مع ماريا، فيكتوريا ليست هنا بل عند أولادها وأنا تائه، جولي وماريا بحاجة لكِ ضي، أرجوكِ دعي خلافاتكم جانبا من أجلهم وتعالي"
أغمضت عيونها وقلبها الطيب يضعف أمام رجاء الرجل الذي كان صديق جيد وكذلك جولي، فتحت عيونها وقالت "حاضر أنطون سنحجز بأول طائرة ونكون عندك، لن أترك جولي أو ابنتها ولا تقلق إن شاء الله ستكون بخير"
التفت لها وهي تمنح أنطون قرارها وكأنه ليس موجود، أن ترحل معه هو كل ما تمنى لكن ليس من أجله بل من أجل صديقتها وهو ما يؤلمه بحق
أنهت الهاتف ومنحته له دون النظر بعيونه وقالت "لابد أن أكون معها، أنطون طلب مني ذلك"
حدق بها وهو يقول "كنت ترفضين العودة؟"
لم تنظر له أيضا وقالت "وما زلت هي مجرد زيارة حتى أطمئن عليها وسأعود"
رفع رأسه وقال "لن تتركي الأولاد هنا وحدهم"
نظرت له فوجدت الإصرار بعيونه ومع ذلك قالت "المربية موجودة و.."
انحنى تجاها وهو لن يترك تلك الفرصة تفوت دون انتهازها ربما وجودها معه يهد الجدار الذي بنته الذكرى بينهم فقال "لا، لن أوافق على سفرك إلا والأولاد معك"
رفعت رموشها لتلتقي بعيونه الجامدة وأنفاسها تتسارع بصدرها بحثا عن الهواء الذي يسرقه منها بحضوره وأدركت أنه يضعها بخانة ضيقة لا منفذ منها سوى هو وجولي تستحق؛ كانت معها بولادتها وبجراحة كريم وبكل أزماتها واليوم عليها أن ترد أي شيء
حسمت أمرها وهزت رأسها فنفخ بقوة وكأنه يريح قلبه وصدره بقرارها وابتعد وهو يعود لهاتفه وقال "سنعود على الطائرة التي استأجرتها للحضور جهزي نفسك والأولاد"
لم تجادل ولكنها كانت تعرف أن عليها مواجهة كريم والذي أخبرها منذ قليل أنه لا يريد العودة له