
رواية ضي الفصل الثامن عشر18 بقلم داليا السيد
حل مؤقت
كريم كان معترض حقا على الرحيل لكن هي فقط من يمكنها التأثير عليه وهو يحبها بما يكفي ليطيعها لكنه لم يتحدث مع والده مرة أخرى أما جينا فظلت هي الأخرى متحفظة جدا معه ربما لأن الطبيعة غير الاتصالات وهي لم تعتاد عليه بعد
نامت الطفلة بين أحضانها ما أن ارتفعت الطائرة وكريم وضع عيونه بالتابلت الخاص به وهو جلس بجوارها وجهازه أمامه ووصلت المضيفة لها وقالت "هناك فراش للصغيرة مدام"
نهضت معها ووضعت الطفلة بالفراش وعادت لمكانها ولم ترغب بفتح جهازها كان رأسها مشغول بجولي وحالتها التي لا تتحسن حتى سمعته يقول "أنتِ لم تتحدثي معه؟"
رفعت عيونها له وهو ينظر لكريم الصامت فقالت "لا، لم يكن هناك وقت"
تأملها وقد ارتدت بدلة أنيقة جعلتها مثيرة مما يزيده رغبة بها ولكنه يعلم أن بينهم جدار عالي لم يتجاوزه وهي لا تسمح له، شعرها المعقود للخلف جعلها صغيرة جدا، عيونها المتعبة أطفأت البريق الذي كانت تضيء به حياته
سحبت نظراتها لكنه قال "افتقدك ضي"
لم ترفع عيونها له، لا ترغب بكلماته هذه، قالت "أحتاج الحمام"
ولم تمنحه فرصة لإيقافها وأبعد وجهه وهو ينفخ بقوة فهي تزيد من صعوبة الأمر عليه، فرك عيونه بأصابعه وما زال يستعيد كلماتها، هو أنا من اغتصبتها، نعم هي ما نهشها بلا رحمة، هي من دفعت ثمن أخطائه بلا ذنب وهو يطالبها بأن تتجاوز الأمر، كيف وهي لم تتحمل حتى لمسة يده، هي تفر من أي قرب لهما معا، لقد فقدها للأبد وطوال الشهور الماضية كان يظن أنه لم يعد يهتم بوجودها لكن صورة أمير معها أثارت جنونه وعندما رآها أمامه أدرك أنها ما زالت تسكن قلبه
لم تعد إلى جواره بل تحركت لكريم وقالت "ماذا تشاهد؟"
لم ينظر لها وقال "فيلم أنمي"
مررت يدها بين خصلات شعره الغزيرة وقالت "أعلم أنك لم ترغب بالذهاب لكن حادث جولي هو من فرض علينا ذلك"
قال بهدوء "أعلم ماما ولم يكن يمكنك تركنا وحدنا"
لم ترد فرفع وجهه لها وقال "هل سنعود؟ هل سيتركنا نعود؟"
أدركت أنه حقا غاضب من سليم فهو لم ينطق بكلمة بابا من وقتها، توقفت عن العبث بشعره وقالت "لم أفكر بذلك وقت قررت الذهاب لكن لابد أن تفهم أن بابا لديه الكلمة الأولى بتقرير مصيرنا"
ظل ينظر لها ثم أخفض عيونه وقال "وأنتِ ترغبين بالبقاء معه؟"
تجهمت ملامحها فهي لا ترغب بالقرب منه فقربها منه هلاك وبعدها أمان لكن لا تعرف ماذا تخبره حقا؟ نظرت لأصابعها وقالت بلا كذب "لا أعرف كريم، أنا حقا لا أعرف الصواب من الخطأ، أنا أريد راحتك أنت وأختك، سعادتي بسعادتكم"
كان ينظر لها فنظرت له فقال "أنا لا أريد البقاء معه ماما، هو لا يحبني ولا يحبك"
أمسكت يده ورفعتها لفمها ووضعت قبلة عليها وقالت بحنان "لا يوجد أب لا يحب ابنه حبيبي هو يغضب منه ويعاقبه عند الخطأ ولكن هذا لا يعني أنه يكرهه وهو أحبك حتى قبل أن يعرف أنك ابنه، هو كان غاضب منك لتدخلك بأمورنا لكنه أبدا لم يكرهك فهو رفض سفري معه دون وجودك معنا أنت وأختك، أنتم أولاده، جزء منه ولا يمكنه كرهك بأي وقت"
لم يرد ويده بيدها وظل صامتا وهي تنتظره حتى رفع وجهه لها وقال "ستطلبين مني الاعتذار له؟"
ثبتت بنظراتها عليه ثم قالت "وأنت لا تريد أن تفعل؟"
هز رأسه ثم قال "نعم فأنا لم أخطئ بشيء"
ظلت صامتة وهو المثل ثم بدلت الحديث عن الفيلم الذي يشاهده بعدها جي استيقظت وأثارت ضجة جعلتها تتحرك لها وتتولى أمرها وهو يتابعها وهي تتحرك بين الأولاد وأدرك أنها الأم التي كان يعرف أنها جديرة بمكانتها وهي نفس المرأة التي تنجح بإدارة الأعمال والواجبات الاجتماعية، هي حتى لم تتحجج بالعمل وبكل بساطة أمكنها تدبر أمورها وكأنها توقعت سفرها
نظراته لها كانت تمتلئ بمعاني كثيرة تتحرك داخله لكنه لم يعرف كيف يحدد ماذا يريد وكيف يستعيد حياته التي فقدها؟
****
أنطون قبض على يدها بقوة وعيونه كلها دموع وحزن وألم وهو يقول "هي تضيع مني ضي"
هتفت بألم لأجله وأجل صديقتها "ستكون بخير أهدأ أنطون، قلبك لن يتحمل كل ذلك"
ترك يدها ونظر لسليم الذي لحق بهم وهو يقول "ما الأخبار أنطون؟"
هتف بألم "هي لا تتوقف عن قيادتها المتهورة، بالمرة السابقة نجت منها لكن تلك المرة لم تنجو، جينو دائما يترك لها القيادة وها هي جنت عليه وعلى نفسها"
هتفت بألم "كفى أنطون، ستكون بخير إن شاء الله، أرغب برؤيتها"
هز رأسه وأشار لغرفة العناية الخاصة ومن الحاجز الزجاجي بدى جسدها الهزيل بين الأجهزة وبكت من أجل صديقتها الوحيدة التي عاشت معها أياما جميلة وها هي بين أيادي الله، أغمضت عيونها ودعت لها بالشفاء
أمضوا اليوم بالمشفى وكان عليها العودة لبيت أنطون لرعاية ماريا فتولى هو الأمر وظلا صامتين حتى أخذا ماريا من الجيران وعادا بيتهم وهي لم تدخله عندما وصلوا بالأولاد بل جانيت التي سعدت جدا برؤيتهم مرة أخرى
الآن وهي تحمل ماريا ذات الشهور القليلة تتأمل البيت وتشعر بدفء نسته منذ تركته ورحلت، بكل مكان به ذكرى لها معه ومع كريم، هنا كانت شهور حملها بطفلتهم، هنا احتضنها وهنا قبلها وهناك حملها بسعادة، بالمطبخ حملها أيضا ليرحل بها للمشفى لتلد ابنتهم
أغمضت عيونها وجانيت تلقاها بترحيب حار "مدام سعيدة جدا بعودتك، من هي؟"
رحبت بجانيت التي كانت تشير لماريا فقالت "هي ابنة جولي، لقد أطعمتها وأنا بالطريق، حقيبتها بسيارة سليم وهي بحاجة للرعاية"
حملتها المرأة وقالت "فراش جي ما زال موجود سيناسبها"
اتقبض قلبها من الكلمات وأخذت جانيت الفتاة منها وتحركت مبتعدة وسمعته يقول من خلفها "كل شيء كما هو" التفتت له فأكمل "لا شيء تغير"
ظلت تنظر بعيونه التي كانت تحمل كلمات كثيرة ولكنها لم ترد أن تسمعه فابتعدت وقالت "أرغب باستبدال ملابسي"
والتفتت لتذهب ولكنه أوقفها "بغرفتنا ضي"
لفت رأسها له فالتقى بعيونها فقالت "وتظن أن ذلك سيبدل شيء؟"
لم يعد يعرف من تلك المرأة التي تقف أمامه، عيونها تخبره أنها هي ضي التي كانت له بيوم ما لكن كلماتها لا، كلماتها ترميه لسنوات الألم والخزي فلم لا تنسى وتعيش معه بدنيتهم التي كانت مليئة بالسعادة؟
اعتدل ليكون أمامها وقال "تعرفين أني أريد ذلك"
تألم قلبها ومع ذلك قالت "ولكنك لا تعرف ماذا أريد أنا ولا تهتم"
وتحركت من أمامه فهو بالفعل لا يعرف ماذا تريد لكنه يهتم لكن لا يعرف كيف يفعل الصواب فقط تشتت تركيزه بشكل يسقطه بالخطأ أكثر، تابعها وهي تختفي بالأعلى فأغمض عيونه وهو يردد "نعم ضي، أنا فعلا لم أعد أعرف ماذا تريدين؟ أنا لم أعد أفهمك بالأساس وأتمنى أن تعودي ضي التي أعرفها، بلا تعقيد ولا لوم أو عتاب لكن ذلك مستحيل"
مرت على كريم فوجدته نائما فلم توقظه، جينا أيضا كانت نائمة بالغرفة التي أعدتها هي وهو وقت كانت حامل بها، ربتت على وجهها واطمأنت عليها وجانيت دخلت فنظرت لها وجانيت تهمس "هل يمكن نقل فراش ماريا هنا مدام؟"
هزت رأسها وهي تنهض وهمست "نعم بالطبع ليمكنك متابعة الاثنان، أخبريني لو أرادت الصغيرة أن ترضع"
هزت رأسها وتحركت هي خارجة وظلت واقفة أمام باب غرفتهم وكل ما مضى كان يمر أمامها، الصمود أمام التيار بحاجة لقوة هي لا تملكها ولو قاومت حتى الآن فهل يعني هذا أنها ستكمل للنهاية؟ هي أصلا لا تعرف ما هي النهاية؟ الطلاق؟ هي لم تطالبه به، الانفصال؟ هي تجني ثماره المؤلمة مع كريم بل ومعه هو نفسه
أغمضت عيونها وتنفست وهي تفتح الباب ودخلت، كل شيء كما تركته كما قال، هي حتى تركت ملابسها ولم تطالبه بها، رائحة عطرها مختلطة بعطره ما زالوا بالغرفة، تحركت لترى كل شيء مكانه، هو نفس الفراش الذي تشاركاه شهور طويلة بسعادة، المقاعد هي نفسها التي كانوا يجلسون عليها لتناول الطعام أو التحدث وكثيرا ما كان يأخذها على أقدامه ليبدأ معها ليلة ممتعة بين أحضانه تنتهي بالفراش، سقطت دموعها وهي تتألم لكل ما تراه وتذكره فسقط على الفراش وأحاطت وجهها بيداها واستسلمت للبكاء وهي تخاف من نفسها وضعفها ولا تعرف ماذا ستفعل بالقادم؟
****
لم تراه ولم يأتي للغرفة مما جعلها تنام براحة رغم استيقاظها لماريا وجي مرات كثيرة حتى وصل النهار فانتهت من إطعام ماريا وجي الصغيرة وانضم لهم كريم ثم تركتهم مع جانيت لتنزل فوجدته يتحدث بالهاتف قد استبدل ملابسه بقميص أزرق على بنطلون جينز قاتم وترك أزراره مفتوحه كعادته ونفس السلسلة ولكنها كانت خاصتها التي منحته إياها بأول عيد ميلاد له معها وهي من أزالت القديمة ووضعت سلسلتها حول عنقه واندهشت أنها لم تراها بالأمس ولكن قميصه كان مغلق
انتبه لها وهي تتحرك له وعرفت أنه يهاتف أنطون وما أن انتهى حتى قال "جولي أفاقت لكن ما زالت بالعناية"
قالت بسعادة "حقا؟ الحمد لله، أرغب برؤيتها هل نذهب؟"
تحركت وهو معها للسيارة وما أن دخلت بجواره حتى قال "جينو"
التفتت له وبدت ملامحه قاتمة وهي تحاول أن تفهم ورددت "جينو ماذا؟"
لم ينظر لها ولم يرد وأخيرا فهمت فرفعت يدها على فمها وهي لا تصدق فقال "الأطباء توقعوا ذلك، إصاباته كانت خطيرة"
أبعدت وجهها وقالت "هي لن تتحمل الصدمة"
أجاب "لم يخبرها أحد هي بالأساس لا تعي شيء مما حولها"
انقبض قلبها ولم ترد فنظر لها وقال "أخاف على أنطون لو أصابها شيء"
التفتت له وقالت "لن يصيبها شيء، لديها ابنة بحاجة لها"
ظل ينظر لها ثم عاد للطريق ولم يرد ولكنها كانت خائفة والموت قريب منهم جدا جدا
أنطون لم ينهض عند وصولهم وبدا بأسوأ حالاته وعيونه عالقة بابنته من وراء الزجاج الذي يفصلها عنهم، جلست بجواره وقالت "كيف حالك؟"
لم ينظر لها وهو يقول "لست بخير ضي، جينو مات وهي بين الحياة والموت ولا أعرف ماذا سيحدث لها"
تألمت له وقالت "ستنجو بإذن الله هي فقط بحاجة لدعواتنا"
ظلوا معه اليوم حتى وصلت فيكتوريا وقبل المساء دخلوا لرؤية جولي التي فتحت عيونها وسط وجهها المتورم من كدماته وهمست "ماريا؟"
اقتربت منها وقالت "بخير جولي لا تقلقي، هي معي"
نظرت لها بتعب شديد وقالت "لا تتركيها ضي، لن تجد قلب أطيب من قلبك بدلا مني"
سقطت دموع ضي وهي تهتف بضعف "أنتِ لا بديل لكِ حبيبتي لأنكِ ستكونين معها"
أغمضت عيونها بتعب وقالت "لا ضي، جينو ينتظرني وأنا ذاهبة له، أخبري ابنتي أني تمنيت أن أظل معها لكن ليس بيدي"
بكت مرة أخرى فلمسها سليم وقال "ضي"
نهضت وهي غير قادرة على تحمل كلمات صديقتها وخرجت هاربة من نظرات أنطون المتألم لابنته وظلت تبكي وهي تدرك أن جولي لن تنجو وكلماتها تعني ذلك
لم يرحلوا لأن حالة جولي ساءت ورأوا الأطباء يحاولون إنقاذها لكن على منتصف الليل رحلت جولي وانهارت هي وأنطون وظل سليم واجما بلا كلمات والحزن ساد حولهم ولا مكان لأي شيء
****
أخيرا انتهت حفلة التأبين وعادوا للبيت ورفض أنطون العودة معهم وعاد بيته وفيكتوريا لم تتركه ولكنه لم يطالب بحفيدته بل ظلت مع ضي وضي نفسها تعلقت بالفتاة
اسبوع مر على وجودهم هنا بدأت الأمور تستقر وكان عليها مناقشته بأمر العودة فكلاهم لم يتناقش مع الآخر بأي شيء، هو كان ما بين العمل وأنطون وهي تابعت عملها من مكتبه بالبيت بلا تضرر وبين أولادها وماريا ولكن كريم كان له رأي آخر
دق باب المكتب ودخل وهو يقول "ماما هل أدخل؟"
رفعت وجهها له وانتبهت له فقالت "بالطبع حبيبي تعالى"
نهضت وتحركت له لتجذبه للأريكة وقالت "هل انتهيت من الكورس؟"
هز رأسه وقال "نعم، ماما أردت سؤالك عن عودتنا مصر"
ثبتت نظراتها عليه ولمعت عيونها وهي تبحث عن رد حتى قالت "لم أتحدث مع بابا بالأمر، تعلم أن أنطون لم يعد للعمل بعد وما زلنا لا نعلم ماذا سنفعل بماريا والأمور لا تسمح لي بمناقشته بالعودة الآن"
أخفض رأسه وقال "ودراستي ودروسي؟ أنا أرغب بالعودة"
كانت تعلم أنه لا يرغب بالبقاء وطوال الاسبوع كلاهم هو ووالده تجنبا بعضهم البعض وهي لم تجد فرصة مناسبة للتحدث عن أمورهم وكل شيء بينهم معلق، هما حتى لا يلتقيان إلا على الإفطار أو عند أنطون
أمسكت يده وقالت "يمكنك متابعة دروسك على النت وأنا سأراسل المدرسين لإرسال المهم لنا حتى تعود"
شعرت أن لديه كلماته وهو ما فعله وهو يقول "ماما هل حضرتك ترغبين بالبقاء هنا؟ هل تبدل رأيك وانتهت مشاكلكم؟"
تورد وجهها من جرأة ابنها لكنها اعتادت عليها مؤخرا منذ أدركت أنه نضج بشكل مفاجئ، قالت "لا كريم مشاكلنا لم تنتهي ولكننا هنا بسبب ما حدث لجولي وجينو وطبعا أنطون ولم يكن هناك فرصة لاتخاذ أي قرار"
سألها "ومتى ستفعلين؟"
ظلت تنظر له حتى حسمت أمرها "لو عاد بابا الليلة مبكرا سأفعل أو بالصباح"
هز رأسه وقال "هل ماريا ستعود معنا مصر؟"
لا إجابة لديها لذا قالت "لا أعلم كريم، أنطون وحده من يملك القرار بشأنها"
تفهم ثم نهض وقال "سأذهب لأرى جينا"
تركته وظلت مكانها ثم نهضت وتحركت للهاتف وبعد تردد ضغطت على رقمه وهو كان باجتماع لكن عندما رأى اسمها أمسك الهاتف وتركهم ونهض لبعيد وأجاب "نعم ضي هل هناك شيء؟"
رفعت رأسها للفزع الذي كان بصوته الذي شعرت بضعف وهي تسمعه ولكنها قالت "لا نحن بخير، هل ستتأخر الليلة؟"
نفخ دخان السيجارة بعد أن أشعلها وقال "لماذا؟ هل هناك شيء؟"
ابتلعت ريقها وهي تجلس على المقعد وقالت "لا فقط نحتاج لأن نتحدث"
بالطبع أدرك ما ترغب بالتحدث به فقال "مصر؟"
أغمضت عيونها ووضعت يدها على قلبها الذي يدق بقوة وقالت "نعم"
فرك لحيته ثم قال "لدي اجتماع الآن لا أعلم متى سينتهي، لو رغبتِ بانتظاري فافعلي"
أجابت "حسنا سأنتظرك"
ظل صامتا وهي أيضا، لا يرغب بأن تخبره أنها ستعود وتتركه، لقد عاد البيت بعودتهم وعاد للحياة بوجودهم، علاقته بكريم لابد أن تعود ولكن هي أولا
ناده مدير أعماله فنظر له ثم قال "لابد أن أعود لهم ضي"
كتمت دموعها وقالت "نعم إلى اللقاء"
وأغلق كلاهم وهو ينفخ الدخان بقوة ألمه الذي تمكن منه مؤخرا كلما فكر بأنها قد ترحل وتتركه مرة أخرى وعندما خاطبه الرجال أبعد افكاره جانبا لحين رؤيتها
شعرت بحزنها يتفاقم داخلها وهي لا تعرف ماذا تريد؟ هل ترغب بالعودة حقا أم استعادت نفسها هنا؟ لا، مصر حياتها التي تكتسب منها قوتها وتجد بها نفسها أما هنا فالحب والحنين يعصفان بها ويضعفان عزيمتها لذا عليها أن تعود فلا شيء تبدل منذ أتت هنا، هو نفس الرجل ونفس الرغبة فقط بوجودها وتجاوز ما كان فهل يمكنها تجاوز أي شيء؟
اطمأنت على الأولاد وقد ناموا ولكن كريم لم يفعل هي تسمح له بالبقاء مستيقظ ربما يجد بعض الراحة لذا لم تدخل غرفته رغم رؤية النور ونزلت لانتظاره بالحديقة فالجو بدا جيدا ولفت الشال حول أكتافها وتحركت لتجلس والسماء العاتمة هي ما تواجها، جورجينا مدبرة المنزل الجديدة وضعت لها كوب شكولاتة ساخن فابتسمت لها وشكرتها وتناولت الكعك الساخن معه وما أن انتهت حتى رأت سيارته الحديثة تدخل فارتجفت يدها وهي تضع الفنجان على المائدة ورأته يتحرك تجاها وهو يحمل الجاكيت على ذراعه فهي تعرف أنه لا يحب تلك القيود بالملابس إلا بالعمل ولكن سرعان ما يعود للقميص بمجرد التحرر من الاجتماعات
تابعته وهو يتحرك لها برشاقته المعتادة وهو يقول "مساء الخير"
أجابت "مساء النور، هل ترغب بالعشاء؟"
نظر لها وقال "لا، هل ناموا؟ الأولاد؟"
هزت رأسها وهي تفر منه ولا تنظر بعيونه وقالت "نعم فقط كريم يتأخر قليلا وأنا سمحت له بذلك"
لم يجادلها لكنه قال "هو يرفض التحدث معي"
أخيرا واجهته بعيونها التي تلمع بالبريق الذي يعشقه وقالت "أنت مشغول؟"
اقترب من المائدة وقال "لم يشغلني عنه أي شيء، ولا عنك"
تورد وجهها وهو بالفعل كان يضعهم بالمقدمة وقتما كانوا هنا، أبعدت عيونها وقالت "هل حاولت معه؟"
عاد لمكانه وقال "هو يربط كل شيء ببعضه ضي"
نظرت له فأكمل "بنا"
ظلت تنظر له حتى قالت "أريد أن أعود"
تجهم وجهه رغم أنه كان يعلم ذلك لكن أن تلقي الأمر بوجهه فهو ما يؤلمه جذب السجائر وأشعل واحدة ثم قال "ولم لا تبقين؟ هنا بيتك"
أبعدت وجهها وقالت "كان"
حاول أن يظل هادئا وهو يقول "بل ما زال وسيظل للأبد"
لم ترد فدخن السيجارة وقال "كما جربنا الانفصال بمصر جربي البقاء هنا ضي تعلمين أن هنا أفضل لأولادنا ولا تنسي ماريا، أنطون لن يمكنه رعايتها ولن نمنحها لدار تبني نحن الأجدر بها من أجل جولي"
نهضت وهي تفرك يداها والقرار صعب وهي لا تريده، تحركت بلا هدى فنهض وتحرك لها وقال "لنوقف كل ذلك ضي ونبدأ من جديد"
ظل وجهها منخفض بلا رغبة للنظر له وهو يعلم أنها تفر منه فاقترب منها لكنها تراجعت فتعصب وقال "ضي أنا زوجك"
هزت رأسها وهي تنظر له بدموع وقالت "تعلم أن بيننا الكثير مما يوقف زواجنا"
هتف "لا شيء يوقف زواجنا سوى أنتِ ورغبتك وهو ما أحترمه حتى تمري من الأزمة"
أشاحت بيداها وقالت "أمر من الأزمة؟"
لم يبتعد من أمامها وقال "وماذا يسمى ما تمرين به، أنت لا تتحملين حتى قربي"
قاومت الدموع وقالت "وأنت ماذا فعلت من أجلي؟"
تجهم وجهه وسؤالها فاجأه وتراجع وهي تكمل "طلبت مني أن أتجاوزها وكأنها لم تكن أليس هذا ما طلبته مني؟"
حدق بها قبل أن يقول "لأن ما وقع قد وقع ونحن كانت لنا حياتنا قبل أن نعرف ما كان فما الجديد؟"
هتفت به "وأنت؟ هل تجاوزت أن خيري أضر بك بيوم ما وأنك لم تحقق انتقامك منه بل وانتصر عليك وخدعك؟"
هو من ابتعد تلك المرة لأنه بالفعل لم يتجاوز ذلك بالمرة بل هو لم يتجاوز ما يريدها تجاوزه أصلا ولكن هو يريدها معه
لم يجيب لأن لا إجابة لديه وهي أدركت ما لديه فقالت "نحن لا يمكننا أن نرى بعضنا البعض بدون تلك الليلة وتلك الذكريات سليم"
أغمض عيونه وهو يدرك صحة كل كلمة من كلماتها، أكملت "أعلم أنه لا مكان لي هنا و.."
التفت لها ولأول مرة ترى كل ذلك الألم بعيونه وهو يواجها ويقول "بل مكانك هنا ضي، هذا هو بيتك وبيت الأولاد وحياتكم هنا، فقط ابقي ولن أطالبك بأي شيء"
اقترب حتى وقف أمامها ولمعت عيونها وسط ظلام الليل والعتمة لتزيد قلبه دقا وهي لا تجد شجاعة لمواجهته ومع ذلك هي تفعل، صمتها جعل الأمل يرتفع داخله فعاد وقال "ضي هذا البيت ظل مغلق منذ رحيلك ولم تعد له الحياة إلا بعودتك، لم يمكنني البقاء به يوما واحدا وأنتم لستم به، أنا بحاجة لأعرف أولادي لا أن ينشئوا بعيدا عني، علاقتي بكريم لابد أن تعود فهو ابني ووريثي ولا يمكنني ترك كل ذلك خلف ظهري"
وأنا!؟ تمنت لو سألته ماذا عني أنا بحياتك؟ أنت تريدني هنا من أجل ما تحدثت عنه لكنك لا تريد ضي، الفتاة التي اغتصبتها ولا يمكنك أن تعيدها لك كزوجة بل فقط من أجل ما تحدثت عنه
آخر كارت لها استخدمته "كريم لا يرغب بالبقاء"
تجهم مرة أخرى وظل ينظر لعيونها اللامعة بدموع لا ترغب بنزولها ثم قال "هو يعلق بقائه بكِ ولو أنتِ وافقتِ سيبقى"
أخفضت وجهها وقالت "وأنا لا أريد البقاء، لن يمكنني أن أكون ضي التي عرفتها وعشت معها، أنا تبدلت كثيرا منذ..، تبدلت ولم يعد بإمكاني منحك أي شيء"
ظل صامتا وهو يدرك كلماتها وظل يفكر وهي تعني انفصال بنفس البيت وهذا أهون بكثير من انفصال ببلاد مختلفة تفصلها بحار، ابتلع ريقه وقال "أخبرتك أني لن أطالبك بأي شيء، لديك عملك الذي يأخذ وقتك وأولادنا الذين هم بحاجة لكِ كما وأن ماريا ستزيد من مسؤولياتك لكن ربما نحتاج لأن نكون زوجين طبيعيين أمام الجميع، كلانا شخصية اجتماعية لها اسمها ووجودنا معا بشكل جيد سيؤثر على مكانتنا"
دموعها جفت فجأة وهذا الطلب الذي يلقيه بوجهها يجعلها تشعر بأنها امرأة لا قيمة لها أمامه ولو اعترضت لأدرك ضعفها ورغبتها بالمزيد أو ظن أنها امرأة عابثة كما كان يظن
نظراته كانت تحمل رجاء وهي قالت "حل مشكلتك مع كريم وامنحني وقت للتفكير"
والتفتت لتذهب وهو تركها تذهب وعيونه تتبعها وهي تختفي من أمامه وهو يدرك تماما ما هو بطريقه له، لكنه حل مؤقت وربما مع الوقت تلين وهو يحاول اكتساب قلبها له من جديد فقك عليه حل أزمته مع كريم قبل أن ينتظر قرارها