
رواية حرب سقطت راءها الفصل السابع والعشرون27 بقلم نور زيزو
بعنـــوان " بــراثـن الهوى "
خرج "يزيد" من باب المستشفى يبحث عن "الجارحي"ليراه واقفًا يضع يديه خلف ظهره وشاردًا الذهن فيما حدث إلى "ليل" فأقترب "يزيد" أكثر ليقول بهدوء شديد:-
_ معاك سيجارة يا يزيد
نظر "يزيد" إليه بدهشة وقال:-
_ بس أنت مبدخنش يا معلم جارحي
_ معاك ولا لا
قالها بحزم ليخرج "يزيد" علبة السجائر وقدم له واحدة ليضعها بين شفتيه ويشعل "يزيد" له القداحة تحرق النار طرف السيجارة وبتطاير الدخان فقال:-
_ معرفش أوصل الخبر لعمتى آسيا أزاى ولا ....
قاطع قلقه وحديثه المتحجرة وتلعثمه الشديد الذى وضح مع كل كلمة بكلمة "يزيد" التى هزمت كل شيء ودبت الدهشة فى قلبه :-
_ جوزني ليل يا معلم جارحي
أتسعت عيني "الجارحي" وسقطت السيجارة من فمه من هول الصدمة مُستدير إلى "يزيد" يحدق بعينه الهادئة وكأنه لم يلقي بقنبلة فى وجهه الآن، مصدومًا من حديثه وأتسعت عينيه على مصراعيها من هول الصدمة وعيني "يزيد" ثابته لا تحمل بداخلها سوى نظرة واحدة مُحيرة ولم يتمكن "الجارحي" من ترجميها ، أم هى نابعة من شعوره بالذنب أم هناك شيء أخر يجهله ربما يشفق "يزيد" على ما حدث إلى "ليل" ، قال بدهشة من هول الصدمة :-
_ متدخلش في الموضوع دا يا يزيد
أقترب "يزيد" خطوة واحدة منه وقال بجديةٍ حاسمٍ أمره دون تفكير لثانية واحدة:-
_ أنا طالب أيدها منك يا معلم ، ليه بترفضني ؟ ، أنا أقل من المقام ولا مستاهلش أنسة ليل بنت أبو النور
ضحك "الجارحي" بتهكم من حديثه وقد عكس "يزيد" الرفض على طريقته الخاص وتقليله من شأنه فقال بجدية:-
_ أنت واعي أنت بتبرطم بتقول أى؟ ، أنا عمري ما أستقلت منك ولا قللت منك ، وأنت عارف مكانك ومعزتك عندي ولو خيروني من بداية العمر بين أن أدي ليل بنت أبو النور لزبالة زى عمران ولا راجل زيك يا يزيد، كنت حطتها على طبق من ذهب وقدمتها ليك، لكن دلوقت الوضع مختلف تمامًا
كز "يزيد" على أسنانه من الغيظ من كلمته الأخرى فقال بجدية ويديه تتحرك بتلقائية أمام وجه "الجارحي":-
_ الوضع مختلفش ولا حاجة، أنا جاي طالب أيدها منك يا معلم جوزهاني ، أنا رايدها
_ أنتِ عايز تتجوزها عشان تستر عليها ودا موقف شجاع منك يا يزيد لكن ذنبك أى؟
قالها "الجارحي" بنبرة خافتة وهادئة، صمت "يزيد" للحظة وعينيه تنظر فى عيني "الجارحي" بارتباك وقال بهدوء:-
_ عشان بحبها
أنفجر "الجارحي" ضاحكًا من كلمته ودهس السيجارة المُشتعلة بحذائه رافعًا ناظره إلى "يزيد" وقال بهمس وعينيه يتطاير منها الحدة:-
_ حبتها أمتى يا يزيد؟ قول كلام غير دا متخلنيش أغير رأيّ فيك، أنا لسه بقول أنك راجل
استدار "يزيد" إلى الجهة الأخرى ينظر على الطريق الذي أمامه ومرور السيارات السريعة شاردًا فى باطن عاقله وذكرياته اللحظية التى جمعتها معه ثم قال بنبرة خافتة ناعمة أكثر براءة ورقة على عكس المعتاد منه :-
_ عينيها البندقية وخصلات شعرها الأسود ناعمة زى الحرير ، بسمتها الدافئة اللى مليانة عفوية وبراءة، دموعها البريئة وأنكمشها فى جلدها ، لعبها في العشب الأخضر، حُبها للكتب وكوباية الشيكولاتة الساخنة وقد اى بتكره الشاى، حُبها للألوان الزاهية وقد اى بتكره الأسود والزحمة وعشقها للهدوء والأغاني القديمة وأم كلثوم ، أنشغلها طول الوقت بالمذاكرة وحُبها للقطط وقد أى بتخاف من الكلاب والحشرات، بريئة كأنها فراشة بتطير وسط نسمات الهواء بعفوية وجمال
ألتف من جديد إلى "الجارحي" الذى كان يحدق به مُصدومًا من حديثه عن "ليل" وحفظه لتفاصيلها البسيطة هكذا رغم أنه لم يكن يومًا مرافقًا إليها ، ليتذكر "الجارحي" حُبه إلى "قُدس" وحفظه لتفاصيلها وهذا الحُب كان كفيلة بأن يشعل نيرانه داخل قلبه، فربت على كتف "يزيد" بهدوء وقال:-
_ حفظتها كدة أزاى؟
نظر "يزيد" إليه بعينيه يلتهمهم الغضب والحزن على ما حدث لصغيرة جميلة مثلها وقال بهدوء:-
_ غصب عني يا معلم جارحي، ويشهد ربنا أن عمري ما أختلست النظر لحرمة بيتك ولا تعدت الحدود لكن غصب عني كانت شبه الفراشة اللى بترفف قصاد عيني وغصب عني كنت بتمنى أدوايها وأطبطب على حزنها
_ أنا موافق أجوزهالك بس يارب عمتى آسيا تتنازل عن غرورها وتقبل
قالها "الجارحي" بنبرة غليظة فأومأ إلى صديقه بنعم ، دلفوا معًا إلى المستشفى ليجدوا "فؤاد" ومعه "هادى" وهكذا "آسيا" التى سمعت من الطبيبة ما حدث لصغيرتها للتو لتصرخ بوجع ودلفت للغرفة مقهورة القلب ومنكسرة الروح، ألتف "فؤاد" إلى "الجارحي" وقال بنبرة حادة:-
_ حصل أزاى دا وليه ومين؟
_ مين عملها ؟
قالها "هادى" بمكر شديد فحسم "الجارحي" نظراته الغليظة وقال بنبرة هادئة:-
_ عمران، عمران اللى عملها وهو اللى سقط قُدس وحاول يقتل ليان وقُدس ، وكل دا ليه عشان فاكر أنك يا عمي سبب قتل أبوه
_ أبوه!!؟ أبوه مين دا؟
قالها "هادى" بصدمة قاتلة فقال "يزيد" بجدية غليظة:-
_ اللى دخلت السجن فيه ، ميعرفش أنك فديت عماد الدين فى الخناقة وشلت أنت التهمة عنه وخد ليل سلمة عشان يدخل وسطكم ويقرب منكم عشان يحقق أنتقامه
نزلت الصاعقة على عقول الجميع وأستند "هادي" على الحائط بضعف وقال بلهجة واهنة:-
_ يعنى أنا السبب فى كل دا، ولا الذنب ذنب أبن أخويا اللى مات وسايبلنا أذاه حتى فى مماته ، ... لا أنا مش هسيبه وأنا كنت دخلت السجن مرة عشان أفدي ابن أخويا الرجل فهدخله تاني عشان أجيب حق شرفي وشرف بنتنا
أستوقفه "يزيد" قبل أن يتحرك غاضبًا ونار الأنتقام تحرك عقله وقلبه وتجعله لا يزن الأمور جيدًا فقال :-
_ أهدا يا معلم هادى ولو على الحق سيبهولى أنا ، حق ليل عندي أنا وهجيبه حتى لو فبطن الحوت
غادر من أمامهم عازمًا أمره على تحقق العدل لأجل الفتاة الصغيرة التى لا ترتكب أى ذنب فى الحياة غير أنها وثقت فى أحد أشباه الرجال ، أما فى الداخل كانت "ليل" طريحة الفراش و"آسيا" بجوارها تمسك يد صغيرتها باكية بحسرة على ما حدث إليها وقلب الأم بداخلها يمزق ضلوعها حسرة وقهرة، مسحت على رأسها بحنان وقالت بنبرة واهنة:-
_ حق على عيني يا قلب أمك، أنا اللى مأخدتش بالى منك، أنا اللى قصرت فى حمايتك والحفاظ عليكي
جهشت باكية بقهرة وقلبها لم يتحمل صدمة ما حدث ولا قسوة القدر الذى أفتك ببراءة فتاتها الصغيرة ولم يحن القدر على عفويتها ولا قلبها الناعمة، دلف "فؤاد" إلى الغرفة ورأي أخته مُنهارة هكذا بجانب صغيرتها فقال بهدوء ويده تربت على كتف أخته "آسيا" :-
_ وحدي الله يا آسيا ، قدر الله وما شاء فعل يا أختى
وقفت أمامه صارخة بجنون والصدمة تتملكها كليًا:-
_ لا إله إلا الله ، بس هعمل أى فى المصيبة دى،مسألتش نفسك بعد ما بنتى مبقتش بنت، سيبك من دا أنا بنتي عمرها ما تتجوز فى حياتها كلها، ونظرات الناس محدش هيقول أنها أتخطفت وشوية أنجاس أغتصابه وخدوا شرفها لا، الناس مبتقولش كدة، الناس هتقول الفضيحة أهى واللى ما يشترى يتفرج على بنتي ، منه لله حسبي الله ونعم الوكيل فيه وفى اللى كان السبب
ضم أخته إلى صدره يربت عليها بلطف ويهون عليها مصيبتها التى حلت عليها ليسمعا الأثنين صوت أنين مكتوم فألتف ليروا "ليل" أستعادت وعيها وقد سمعت حديث أمها القاسي كاملًا لتبكي بقهرة وعقلها لم يغادروا أبدًا ما مرت به وجسدها ما زال يحتفظ بكل حركة ولمسة، أقتربت "آسيا" من ابنتها تناديها بلطف:-
_ ليل
جهشت الصغيرة بأنهيار شديد وبدأت تصرخ بجنون ليمسكها "فؤاد" من ذراعيها بقوة يحاول السيطرة على أعصابها بينما ركضت "آسيا" للخارج تنادي الطبيب الذي جاء بدوره مع هلع السيدة وفور رؤيته لأنهيار "ليل" وهى تُمتمة بكلمة واحدة وسط صرخاتها:-
_ أرحموني... أرحموني
أعطها حقنة مُخدرة لتغفو فى نومها من جديد بين ذراعي "فؤاد"، نظر إلى "آسيا" التى تضع يديها على فمها من هول الصدمة والمشهد الذي ترى ابنتها به وصوت أنفاسها يعلو شيئًا فشيء......
_______________________________
كانت "ليان" جالسة على الأريكة تنظر إلى الهاتف بشرود كأنها تنتظر أتصال من أحدهما، جاء "جلال" لها يحمل فى يده فنجان قهوته وقال بعفوية:-
_ الجميل سرحان في أى؟
أنزلت الهاتف جانبًا وقالت بنبرة هادئة والفضول يقتلها والأنتظار قد أحرق قلبها:-
_ محدش أتصل، كأنهم ما صدقوا خلصوا منى ولا قالوا فى داهية ، ولا حتى بابا فتحي ولا هادى اللى كان رافع سلاحه فى وشك عشان متتجوزنيش وسمح لنفسه أنه له السلطة والسيطرة عليا لأنى مجرد بنته البيولوجية، ودلوقت لا الأب الحقيقي سأل ولا حتى الأب اللى ربني سأل ، أنا كنت متوقعة أني هصحي النهاردة على صوت ضرب نار قدام باب القصر وجايين يأخدوني بالقوة منك ، ولا تفتكر أن قُدس جرالها حاجة
تبسم بعفوية وأخذ يديها فى قبضته بهدوء ونظر بعينيها اللامعتين وقال بلطف:-
_ أهدى يا ليان، أهدى كل دا تفكير، يا روحي لو كانوا مهجموش القصر فدا لان محدش يعرف مكان قصرى ومهما يسألوا مش هيعرفوا يوصلوا
تنحنحت بضيق من كلماته وقالت بسخرية:-
_ معتقدش أن الجارحي يصعب عليه حاجة زى دي متصبرنيش بكذبة متتصدقش
تنهد بهدوء وهو يهز رأسه بنعم ثم قال بلهجة واهنة:-
_ عندك حق لو الجارحي هيعرف يوصل ، بس أنا مش عايز لحظة الأنتظار وساعات الطويلة فى البص للتليفون يخلوا الشيطان يلعب فى عقلك ويكرهك فى أهلك ، أنتِ أكيد عارفة حاجة زي دى وعارفة أنهم ماقولش فى داهية زى ما بتقولي، انتِ متعرفيش اللى حصل أى ولا ظروفهم أى؟
هزت رأسها بنعم مقتنعة قليلًا بحديثه ليبتسم وينحني ليقبل يدها فقاطعه فى لحظته الناعمة وصول "كريم" مُندهشًا ليقول:-
_ جلال بيه
رفع رأسه بحرج وألتف إلى "كريم" الذي قال بدهشة:-
_ يزيد مساعد المعلم جارحي برا وطالب يقابلك
نظرت "ليان" بدهشة إلى "جلال" وما سمعته للتو قتل كل توقعتها ورفع أمالها فى بحث عائلتها عنها ليقول بهدوء:-
_ وصلوا للصالون وأنا جاى
وقف يهندم قميصه الأسود وأخذ فنجانه من جديد فى يده وقبل أن يتقدم خطوة وقفت "ليان" بجدية تقول:-
_ أنا هجي معاك
هز رأسه بنعم وأخذها فى يده للخارج ليروا "يزيد" يجلس على الأريكة ووجهه غاضبًا يتطاير منه الشر والحقد فهمس "جلال" بفضول:-
_ تعابير الوش دى بتقولى أنه مش جاى عشان موضوعنا خالص
نظرت "ليان" إلى وجه "يزيد" ولم تفهم حديث زوجها لكنها ترى بوضوح الغل والكره فى عيني "يزيد" فقالت بتلعثم:-
_ قصدك أى؟
_ دى مش أول مرة أشوف النظرات دى يا ليان، دى نظرات أنتقام ، تعالى
قالها بحزم وقد رأى الكثير من نظرات الأنتقام والكره فى أعين عملائه الكرام، وكل من جاء طالبًا للدم كان يحمل نفس تعابير "يزيد" الآن ، وصل أمام "يزيد" ليراها فى يده ولكنه لم يعرى أنتباه أو اهتمام لوجودها فقال "جلال" بينما يجلس بوقار وغرور:-
_ نعم ، قالولى أنك عايز تقابلني
رفع "يزيد" كيس قماش من جنبه ليفرغ محتواه على الطاولة أمام "جلال" وكان حزم كثيرة من المال الذي لا يُعد مما ادهش "جلال" وهكذا "ليان" ليقول:-
_ المقابل
_ جلال
قالتها "ليان" بحزم ليقول بغرور وثقة متنهية:-
_ مش قولتلك دى نظرات أنا عارفها، مطلوب أى يا يزيد بيه
_ رأس عمران
قالها "يزيد" بهدوء شديد لتفزع"ليان" ووقفت أمامه بصدمة قائلة:-
_ أنت جاي عشان تخليه يقتل ، أنا وقح
صرخ "جلال" بها بحزم شديد قائلًا:-
_ليــــــــــــــــــــــــــان
غضب جدًا من تصرفها وتجرأها لتخطيه والتحدث بأسمه وأهانة رجل جاء لطلب خدمة يقدمها "جلال" بطبيعة عمله، نظرت إلى "جلال" بغيظ من صرخته به بينما نظرت إلى "يزيد" بضيق شديد عاقدة حاجبيها من الغضب، سأل "جلال" بهدوء شديد قائلًا:-
_ أشمعنا عمران، أنا مبقتلش من غير سبب مقنع
جلس "يزيد" أمامه بهدوء وأجاب على سؤاله بمكر أكثر:-
_ أسبابي متخصكش لكن يكفى أن أقولك أنه بيسعى للأنتقام من حرمك المصون
كلمته أوقفت عقل "جلال" نهائيًا وجعلته يحملق بوجه "يزيد" بتردد لأول مرة فتبسم "يزيد" على ما نجح للوصول له بخبثه وقال:-
_ لو تعبت نفسك شوية وطلبت من رجالتك يعرفه ماضي عمران، هتعرف أنه بيسعى للأنتقام من مدام قُدس وحرمك دكتورة ليان لأن ببساطة هو شايف أن باباهم المعلم هادي السبب فى موت أبوه ودا سبب كافى، وبعدين أنا توقعت فى طريقى ليك أنى لما أطلب منك طلبي هتقوله أنه الله يرحمه مات أمبارح مش لسه عايش للنهاردة، أصلا بصراحة متوقعتش أن مجرم زيك يكون لسه منتقمش من اللى أذى مراته وبسببه كانت هتموت فى أوضة العمليات ، مش ليقة عليكِ
وقف "جلال" من مكانه وهكذا "يزيد" ليمسكه "جلال" من لياقته بقبضته بقوة من تعديه الحدود فى الحديث ليبتسم "يزيد" بهدوء وأخرج من جيبه صورة لـ "عمران" مع زوجته التى رآها "جلال" سابقًا بوضوح فى كاميرات المراقبة الخاصة بالمستشفى ، ليترك "يزيد" ويأخذ الصورة من يديه وعينيه يتطاير منها الشر ونار الأنتقام التى أشعلها "يزيد" بكلماته الآن وقد نجح فى نبش الماضي ونار كبرياء "جلال" فقالت "ليان" بهدوء:-
_ أنت جاى ليه يايزيد، جارحي هو اللى بعتك صح؟
هندم "يزيد" ملابسه بعد أن هزمه "جلال" وقال بهدوء:-
_ أنا جاي طالب خدمة وبدفع ثمنها، أنا لازم أقتل عمران وماليش فى الدم لكن جوز حضرتك يا دكتورة له فى الدم وبيشرب منه عادي يعنى
_ روح وخد فلوسك معاك
قالها "جلال" ثم غادر الصالون وذهب إلى حيث مكتبه ليذهب "كريم" خلفه وغادر "يزيد" من القصر بدون أخذ ماله ، نظرت "ليان" إلى باب المكتب بخوف من أن يخضع "جلال" لمكر "يزيد" ......
__________________________________
كان الهدوء يعم المكان تمامًا والعائلة باكملها تتناول الغداء فى صمت على السفرة وعلى مقدمة السفرة يجلس "الجارحي" وبجواره من اليمين زوجته الجميلة وعلى اليسار والده "فؤاد" وبقية العائلة ، قاطع الهدوء فتح باب الشقة ودخول "سنية" تقول:-
_ الشيخ مبروك وصل يا معلم جارحي
_المأذون!!
قالتها "مديحة" بدهشة من مجئ المأذون إلى منزلهم وهم فى حالة من الحداد على "عماد الدين" الذي لم يكمل عشرة أيام على موته ، مسح "الجارحي" فمه بالمنشفة الصغيرة تاركٍ طعامه مع وقفه وقال بهدوء:-
_ دخليه المكتب وأنا جاي.. خلص اكلك يا عمي وهاتي أبويا وتعال
مسكت "وصيفة" يده وهو يمر من جانبها وقالت بقلق:-
_ هتطلق قُدس ولا أى؟
_ قُدس دى بنت قلبي ، مالهاش طلاق عندى، هعيش وهموت وهى مراتي وحلالي
قالها ببسمة دافئة وعينيه ترمق صغيرته المُدللة بُحب ثم وضع قبلة على جبين "قُدس" بحُب وقال بهمس فى أذنها:-
_بحبك
تبسمت بخجل شديد من كلمته الناعمة وسط كل ما يمر به من أحداث وحزن يخيم على قلوب الجميع لكنه يدلل صغيرته وكأن العالم ينتهي بين عيونها الجميلة، دلف إلى المكتب وكان "يزيد" يجلس مع المأذون فقال "الجارحي" بهدوء :-
_ ورقك جاهز يا شيخنا ؟
هز رأسه بنعم وقال بهدوء:-
_ عايزين بطاقة العروسة بس
دلف "هادى" وهكذا "فؤاد" مع "آسيا" تحمل فى يديها بطاقة هوية "ليل" والحزن يخيم على ملامح وجهها فقال "الجارحي" بهدوء:-
_ أفردي وشك يا عمتى، مش عايزين حد برا يحس بحاجة ومش هتلاقي زي يزيد لليل
أجابته بعيون دامعة من الحزن:-
_ كتر خيره يا جارحي ، سترني أنا وبنتي
عقد المأذون قرآنها لتصبح زوجة له فى أغرب موقف وطريقة للزواج، غادر المأذون ليقول "فؤاد" بلطف:-
_ أطمنى يا آسيا، إحنا كمان أتفقنا مع يزيد أن يعيش هو ليل معانا فى العمارة هنا فى شقة عماد لحد ما تطمني على ليل وهى كمان تتقبل الحياة وترجع تضحك بعدها براحتهم بقى
_ كتر خيرك يا يزيد
قالتها بهدوء شديد فتحدث "الجارحي" بهدوء:-
_ لو حد من برا سألك قولي أنه طلب أيدي ليل يوم وفأة عماد وكتب الكتاب تم فى هدوء عشان حالة الحزن والحداد اللى إحنا فيها مش عايزين حد يعرف حاجة عشان نفسية ليل وصحتها
هزت رأسها بنعم وغادرت المكتب والجميع يقتلهم الفضول من حضور المأذون والسؤال يقتل عقولهم لمن جاء، خرج "الجارحي" مع "يزيد" وقال بهدوء أمام نساء العائلة:-
_ باركوا ليزيد أتجوز ليل
أتسعت أعين الجميع ووقفت "قُدس" بصدمة من مقعدها وفتحت فمها من هول الدهشة وكيف هذا حدث؟ ولما تزوج "ليل"؟ ولأى سبب؟ ، تحركت من مكانها ليسألها "الجارحي" بهدوء:-
_ رايحة فين؟
_ رايحة أتكلم مع ليل فيها حاجة دى
قالتها بضيق من إخفائه للامر عنها ليُجيب بجدية صارمة:-
_ اه متروحيش، يزيد عايز يتكلم مع عروسته شوية ، متبقيش عزول
ضحك البعض على جملته وخجل "يزيد" من كلماته وخرج ليصعد مع "آسيا" إلى شقة "عماد" التى أصبحت الآن شقة "يزيد" للزوجية وفتحت الباب وأعطته المفتاح وهى تقول:-
_ أنا متشكرة جدًا يا يزيد لو عشت عمرى كله أشكرك مش هيكفي اللى عملته معايا أنا وبنتي ، بالله عليك خلى بالك منها
ربت على يدها بلطف وقال بهدوء:-
_ متخافيش عليها معايا أنا هحطها تاج فوق رأسي
هزت رأسها بنعم بعد أن سمعت كلماته الهادئة التى طمأنت قلبها قليلًا ثم قبل يدها بلطق وقال:-
_ دعواتك لينا يا حماتي
تبسم بخفة ودلف إلى الشقة وأغلق الباب ونظر حوله وكانت الشقة جميلة جدًا وأثاثها أبيض اللون وألوان الحائط زاهية مهدئة للنفس والعين ، رأى "ليل" نائمة على الأريكة تضم قدميها إلى صدرها مُنكمشة فى ذاتها ولا تشعر بقدومه او دخوله فتنحنح بهدوء وقال:-
_ سلام عليكم
لم تُجيب عليه فأقترب خطوة منها حتى وقف أمام الأريكة ليرى دموعها تسيل فى صمت ولم تجف فأنحني قليلًا ليجلس على ركبيته أمام الأريكة وقال بخفوت:-
_ ليل
رفعت نظرها إليه وقد عادت من شرودها إلى الواقع المرير لتفزع من رؤيتها له وتنتفض من مكانها فشعر بغصة بداخله من خوفها وقال بهدوء:-
_ أهدئي أنا يزيد
_ أنا مش عايزة أشوف حد، ولا حد يشوفني، أطلع برا مش عايزة أشوف حد
قالتها بهلع والخوف يحتلها برجفتها ورعشة جسدها التى لا تتوقف من الخوف فأقترب منها بخطوة هادئة وقال:-
_ حاضر أنا هدخل أقعد فى أوضتي ومش هتشوفي وشي بس أهدئي ولو أحتجتي حاجة نادي عليا
مر من جانبها بحذر حتى لا يزيد من خوفها ورجفتها فقالت بتلعثم شديد:-
_ أنت أتجوزتني ليه؟
أبتلع لعابه بتوتر وجوابه أما سيطمئنها أو سيزيد من نار حزنها فكان حائرًا فى أختيار الرد الأنسب لحالتها وضعفها وقبل أن يصل للجواب الأنسب سمعها تقول:-
_ أنا بقيت فضيحة وعار للعيلة… بقيت منتهية الصلاحية، والكل شايفني وصمة عار
هزَّ يزيد رأسه غير مستوعب ما آلَت إليه هذه الفتاة، ولا كيف استطاعت أن تنعت نفسها بهذا القسوة بعد حادثة الاعتداء عليها وفقدانها أغلى ما تملك وذنبها الوحيد أنها كانت البوابة التي دخل منها "عمران" ساعيًا لانتقامه من عائلتها، فأحرقتها نار انتقامٍ لا ناقة لها فيه ولا جمل.كأن الكلمات أثقل من أن تُستوعَب، لم يرَ أمامه فتاة تُدنِّس نفسها، بل روحًا سُحقت تحت أقدام جريمة، قلبًا انتُزع منه الأمان عنوة، وجسدًا لم يكن يومًا إلا بيتًا طاهرًا اقتُحم بلا إذن.
قال بنبرة هادئة، وعيناه معلقتان بها بحزنٍ ثقيل:
_ما تقوليش كده… إنتِ ستّ البنات كلهم
جهشت باكية، حزنٌ عارم يفتك بقلبها، وجسدٌ مليء بالكدمات والخدوش شاهدٌ صامت على ما مرّت به.كانت الكدمات على جسدها لا تزال تنبض، وجروح صغيرة تحكي حكايات أكبر من حجمها، لكن الوجع الحقيقي لم يكن مرئيًا…كان في الارتعاشة التي تسكن أطرافها، في نظرة العيون التي فقدت ثقتها بالعالم، في ذلك الانكسار الخفي حين تتذكر أنها حاولت المقاومة...ولم يكفِ اقترب "يزيد"، والخزي ينهش روحه لأنه لم يكن هناك، ببطء شديد خائفًا أن يلمسها فتصرخ، أن يقترب فيؤذي دون قصد، اقترب خطوة أخرى، والشعور بالذنب وتأنيب الضمير ينهشان صدره. ضمّها بحنان إلى صدره، مطوّقًا إياها بذراعيه بحذرٍ شديد،كمن يحمل شيئًا مكسورًا لا يحتمل الضغط وكان يعرف الآن أنها لن تعود كما كانت، وأن ذنبه لن ينام، لكن إن كان هناك شيء واحد يستطيع فعله فسيفعل لأجلها وهو أن يكون الجدار بينها وبين أي عتمةٍ قادمة. ليسمع صوت هزيمتها حين انهارت تمامًا في بكاءٍ موجع، غارقة في دموعها الحارّة بدأ يربّت على ظهرها ببطءٍ ودفء، بينما كانت شهقاتها تتعالى، صدرها يرتجف، وأنفاسها تخرج بصعوبة وسط بكاءٍ لا يرحم.
همس لها بنبرة واهنة:
_ كله هيبقى تمام… وأنا معاكِ يا ليل
أبعدها قليلًا عن حضنه، وانحنى بسبب قِصرها أمامه، نظر في عينيها، وأمسك بيديها الباردتين بين كفّيه قائلًا بجديةٍ دافئة:-
_عشان تعدّي المحنة دي وتقدري تتجاوزي اللي حصل، دايمًا قولي لنفسك: إنتِ ضحية مش فضيحة…
قولي: أنا المجني عليها، مش المجرمة.
إنتِ ستّ البنات، وحورية من حوريات الدنيا.
نظرت إليه تستمع لكلماته التي انسكبت كبلسمٍ على روحها المجروحة. هزّ رأسه مطمئنًا، كأنه يحاول أن يسيطر على ارتباكها وخوفها معًا.
استقام ليضمّها من جديد، لكنها هذه المرة سبقتْه، لفّت ذراعيها حول خصره، تتشبث به بقوة، وكأنها تختبئ من قسوة العالم داخل جسده القوي العريض.
______________________________
خرج "عمران" من مبنى العمارة التى يسكن بها مع زوجته المُدللة يمسك يدها بسعادة رغم ما حدث معه ليركب سيارته معها، فتح المصابيح الأمامية لسيارة نقل أمامها ليغمض عينيه من قوة الضوء وحين فتحهما كانت سيارة النقل تقترب منهم بقوة حتى أصطدمت بسيارته ولم يكتفى السائق بهذه المرة فعاد بالسيارة للخلف ومرة أخرى دهس السيارة بقوة حتى جعل سيارة "عمران" عبارة عن كوم خردة مطوية على الجثتين بلا رحمة وليكرر فعلته مرة ثالثة حتى يطمن أن لا أمل فى نجاة هذا الثنائي وغادر وهو يفتح هاتفه على محادثة تحمل أسم الصياد وكتب رسالة :-
_ تم
فى الجهة الآخرى كان "جلال" واقفًا فى شرفة غرفته يتطلع إلى حديقة قصره والحراس الموجودين بالأسفل فى كل أنش فى القصر والغرور يتملكه وكأنه ملك متوجًا على عرش عالمه ويحمل فى يده كأس من النبيذ الأحمر يحرك المشروب بداخله فى حركة دائرية حتى رن هاتفه مُعلن عن وصول رسالة له فأخرجه من جيب بنطلونه ونظر فى الرسالة ليبتسم بمكر بعد أن جاءه التأكيد على مقتل "عمران" وقد حقق أنتقامه من أجل "ليان" طبيبة قلبه الجميلة وأرتشف كأسه بكبرياء على رأسه كالتاج ثم قال بتمتمة غرورية:-
_ ما عاش ولا كان اللى يلمس شعرة من ليان