رواية عاشق قهر النساء الفصل السابع والعشرون27 بقلم صباح عبد الله فتحي

رواية عاشق قهر النساء بقلم صباح عبد الله فتحي
رواية عاشق قهر النساء الفصل السابع والعشرون27 بقلم صباح عبد الله فتحي
في بعض الأحيان نتحامي في العدو ونظنه طوق النجاة، ولا نرى الحبل الذي سينقذنا من الغرق وهو بين أيدينا...

هكذا كانت شوق دومًا تظن أن عشق هو عدوها الذي يجب عليها التخلص منه. وها هي الآن تجلس في تلك الغرفة المظلمة تنتظره ليأتي إليها لينقذها من الموت الذي بغبائها ذهبت إليه بقدميها.

جالسة على الكرسي مقيدة كما هي، مطأطئة رأسها، وجبينها يتصبب عرقًا، وتورمت جفونها واحمرت حدقتاها من كثرة ما بكت. بكاؤها ليس خوفًا بل حزنًا وندمًا لتلك الحقيقة التي عرفتها. تمتمت إلى نفسها بصوت مرهق، خانقة البكاء: عمري ما تخيلت إني كان لازم أهرب من اللي كنت بتحامي فيه. معقولة الشخص اللي طول عمري كنت بفتخر بيه يطلع بالحقارة دي؟

رفعت رأسها تنظر للأعلى ودموعها تتساقط على خديها وهي تهمس، وكأنها تحدث روحًا خافية بداخلها لا يراها ولا يشعر بها أحد: تعالى يا عشق أرجوك، أنت آخر أملي. أتمنى ما تخذلنيش أنت كمان. أنا مش حمل صدمة جديدة.

-------------
بينما كانت شوق في تلك الحالة تنتظر منقذها، ملاكها الحامي، كان عشق يقف بصحبة رئيس المستشفى في غرفة ضيقة محيطة بالظلام، لا ضوء سوى ضوء تلك شاشات المراقبة. وبينما كان يقف عشق يراقب الشاشة ليعرف مع من غادرت شوق، شعر بألم في صدره، رفع يديه يتحسس مكان الألم، وسمع صوتها يهمس بداخله. تلفت حوله ظنًا أنها بالقرب، لكن لم يجدها.

هكذا هو ترابط الأرواح ببعضها، يجعلك كمن يمتلك الحاسة السابعة، تسمع وتشعر بما لا تراه العين. انتبه عشق إلى يد رئيس المستشفى توضع على كتفه برفق وهو يهمس باحترام: عشق بيه، هي دي الآنسة شوق أخت سيدك.

نظر عشق متلهفًا إلى الشاشة ليرى صورتها، وتعبيراتها القلقة بثّت بداخله الرعب، خوفًا أن يصل إليها متأخرًا أو يكون أصابها مكروه وهو بعيدًا عنها. اقترب من الشاشة وانحنى على لوحة التحكم وبدأ يسترجع الصورة. عقد حاجبيه متعجبًا عندما رآها تسير بكامل إرادتها مع شخص يسحبها من يديها. ثبت الصورة وقرّبها شيئًا فشيئًا ليرى من هو. اتسعت عيناه في دهشة وذهول وهو يتمتم باستغراب لنفسه: سامح... سامح إزاي لسه عايش؟ أنا متأكد إنه مات...

وقف مذهولاً للحظات ثم تحرك ليغادر الغرفة بخطوات مسرعة وهو يسحب هاتفه من جيبه وفتح الشاشة ليطلب رقم جورج، وإن أتاه الرد هتف قائلًا بنبرة أمر لا تسمح لنقاش: جورج، نص ساعة عاوزك تكون موجود في مقابر العيلة. كلامي مفهوم؟

----------

في الجانب الآخر كان يقف جورج محدقًا في وجه ياري التي تقف على مقربة، ترتجف برعب من تلك اللحظة التي تعالى هاتفه برقم عشق. وإن استمع جورج إلى حديثه هتف قائلًا بهدوء مقلق: تمام يا فندم، بس... في حاجة ضروري حضرتك تعرفها.

صمت يستمع إلى الرد، وعيناه معلقتان على ملامح ياري التي تتوسله بنظراتها ألا يخبره بشيء. وبعد ثوانٍ هتف مترددًا قائلًا: بصراحة، المدام مرام اتعرضت لحادث، وأنا معاها في المستشفى دلوقتي.

صمت لثوانٍ أخرى ثم قال: بصراحة مش عارف. بس هي بقالها ساعة في العمليات ولسه ما طلعتش.

صمت لثوانٍ أخرى ثم قال بقلة حيلة: أمرك يا فندم، مسافة الطريق هكون عند حضرتك... حاضر، هعدي أجيبه معايا وأنا جاي.

أغلق الهاتف ليستمع إلى صوتها المرتجف تقول: هو كده خلاص، عشق عرف كل حاجة وهيقتلني.

تنهد بهدوء قائلًا: هو أنا قلت له حاجة قدامك؟ كل اللي قولته إنها اتعرضت لحادث، وهو كده كده كان هيعرف. ادعي بس إنها تقوم بالسلامة وما تقولش له حاجة، لا هيقتلنا إحنا الاتنين مع بعض...

يقطع حديثهم صوت باب غرفة العمليات يُفتح، وخرجت طبيبة تنزع قفازاتها بإرهاق واضح. تبادلوا نظرات القلق بينهم قبل أن يسمعوا صوت الطبيبة تقول: إنتوا أهل المدام اللي كانت في العمليات؟

أجاب جورج بهدوء مقلق: أيوه، إحنا. طمِّنينا عليها، هي عاملة إيه دلوقتي؟

الطبيبة بهدوء: للأسف اتعرضت لإصابة خطيرة في الدماغ، ومع ضغط الولادة دخلت في غيبوبة. وإحنا دلوقتي ولّدناها، والطفلة موجودة في الحضانة، والأم في العناية. هنعمل لها شوية فحوصات وأشعة علشان نحدد تأثير الإصابة عليها. وادعوا لها، 48 ساعة يعدّوا على خير علشان حالتها مش مستقرة. عن إذنكم.

تركتهم الطبيبة خلفها وتوجهت إلى غرفة مكتبها، فشهقت ياري في البكاء قائلة بخوف شديد: لو حصل لها حاجة، عشق مستحيل يسامحني.
---------

في مكتب جلال... وقفت كوثر وجهًا لوجه أمام قاسم، في يديها مسدسًا. وإن استمعت إلى حديث قاسم ارتجفت يداها وارتخت ملامحها، وخرج صوتها مهزوزًا مخنوقًا بالبكاء: أنتم السبب، أنتم السبب في كل حاجة أنا عملتها أو هعملها. أنتم السبب في اللي أنا وصلت له من حقد وكره. جاي بعد ما خلتوني أقتل قلبي بإيديا تقولي الكلام ده!

كان حازم يقف لا يفهم شيئًا مما يحدث. نظر إلى كوثر وهو يقترب منها بحذر محاولًا أن يأخذ السلاح من يديها:  كوثر لو سمحتي اهدي، ونزّلي اللي في إيدك ده، وأنا بوعدك هجيب لك ابنك بنفسي، حلو كده؟

شعر حازم بهدوء كوثر واستجابتها، فسحب السلاح من يديها. وفجأة صفعها بقوة أسقطها أرضًا وهو يصرخ في وجهها بغضب، بينما نظر قاسم إلى حازم مندهشًا من رد فعله التي لم يتوقعها: إنتِ اتجننتي؟ عاوزة تقتلي أخوكي!

نظرت له كوثر بكره قائلة وهي تضحك كالمجنونة: وإيه الجديد؟ ما أنا قتلت أبويا!

اتسعت عينا قاسم وحازم بدهشة. نظر لها قاسم مذهولًا قائلًا: إنتِ بتخرفي؟ بتقولي إيه؟

نهضت كوثر قائلة بابتسامة ساخرة: اللي سمعته... ودلوقتي قدامك حل من الاتنين.

نظرت إلى الصورتين على سطح المكتب قائلة: يا تقولي مين في دول ابني، يا نفس السم اللي قتل أبوك هيقتل شوق حبيبة قلبك.

اتسعت عينا قاسم برعب، اقترب منها قائلًا بغضب: شوق... شوق بنتي! عملتي فيها إيه؟ انطقي!

ابتسمت بسخرية وهي تقول بهدوء مريب: لسه ما عملتش فيها حاجة، بس بوعدك لو ما عرفتنيش مين ابني في دول، هجبلك جثتها لحد عندك. معاك عشر ثواني تفكر، وبعد العشر ثواني دول هعمل اتصال واحد بس هينهي حياتها، أنا بوعدك.

أحاط الصمت بهم. وقف كلٌّ من حازم وقاسم ينظران ألي كوثر بذهول، بينما أخرجت كوثر هاتفها من حقيبتها، وكان الوقت يمر بثقل شديد. نظرت كوثر إلى قاسم قائلة وهي ترفع سماعة الهاتف توهمه أنها ستجري اتصالًا: شكلك مش حابب تشوف بنتك تاني.

اقترب قاسم منها وقام بخطف الهاتف من على أذنها قائلًا بلهفة متوسلًا: أبوس إيدك يا كوثر، ما تعمليش حاجة في شوق، أنا ما صدقت لاقيتها.

ثم نظر إلى الصورتين بحزن وقام برفع صورة ساهر وقربها من وجهها قائلًا: ساهر هو ابنك الحقيقي. أنا ما حرمتكيش من ابنك يا كوثر، أنا حطيته قدام عينيك، إنتِ اللي حقدك عماكي عنه. وبدل ما تاخديه في حضنك بعدتيه.

---------

في غرفة العناية... كانت ترقد نيلي على الفراش محاطة بالأجهزة الطبية، وجالس نيل على كرسي صغير بجانب الفراش يمسك يديها بإحكام، وهو غافل على الكرسي من شدة إرهاقه وحزنه على ما أصاب معشوقته العنيدة. شعر برجفة في يديه، فاستيقظ مفزوعًا على صوت أنين موجوع. اقترب منها بلهفة وقلق قائلًا: نيلي حبيبتي، إنتِ سامعاني؟

كانت نيلي تستعيد وعيها من أثر البنج ولا تدري ما تقوله، وكان صوتها بالكاد يُسمع، فاقترب نيل منها أكثر ليسمع ما تقول: أنا رجلي فين؟ مش شايفها. 

نظر نيل إليها مستغربًا، ثم اقترب من قدميها يتحسسهما كالأحمق ليتأكد من وجودهما، ثم عاد إليها وهو لا يفهم ما يحدث: نيلي حبيبتي، إنتِ اتهبلتي ولا إيه؟ ما رجلك موجودة لسه الحمد لله أهي.

أجابته بصوت ضعيف: إنت رجلي صح؟ تعال في حضني، وحشتني.

عقد نيل حاجبيه بتعجب وهو ينظر لها بخوف وقلق: أنا من رأيي أنادي على الدكتور أحسن. ثواني وارجعلك، مش هتأخر، اتفقنا؟

كان سيتركها ويغادر، لكنه توقف على سماع صوتها قائلة وهي ترتجف: أنا سقعانة قوي، حد يغطيني.

نظر لها بحزن، ثم عاد وجلس بجانبها يعانقها بحذر خوفًا أن يؤلمها بسبب الجروح، وحبًا واشتياقًا إليها. نظر إلى وجهها المتعب والكدمات المحيطة به أثر الحادث، وعقله استرجع ذلك المشهد المرعب. ف تغلغلت الدموع في عينيه ودفن رأسه بين كتفها ورقبتها، وهو لا يصدق أنها ما زالت حيّة بين يديه. أما هي، فكلما خفّ عنها أثر المخدر زاد ألمها، وتعكرت ملامحها بوجع مكتوم. أثناء ذلك خرج صوته مهزوزًا مخنوق بالبكاء: مش مصدق إنك لسه عايشة، حقيقي أنا مش مصدق. علشان خاطري ما تخوفنيش بالشكل ده تاني، علشان خاطري يا نيلي. كنت مفكر إني قوي ومافيش حاجة ممكن تخوفني، بس... إنتِ رعبتيني بجد.
------------

النهار في آخره، وغسقت شمس ذهبية بدفئها، والليل في بدايته وسطع قمرٌ فضيٌّ بنوره، ليزيّن سماءً غيومها باللون الرمادي.

وقف عشق أمام قبرين؛ أحدهما لسامح كما يظن، والآخر لزوجته نور. وقف بجانبه جورج وطبيب الشرع، ينتظران أن ينتهي بعض الرجال من فتح المقبرة وإخراج جثمان سامح من داخلها. وكلما اقترب الرجال من الجثمان ازدادت معهم رائحة نتنة لا تُطاق. شعر جورج بالغثيان فابتعد سريعًا ليفرغ ما في معدته.

 أما الطبيب فكان يعرف أن ذلك سيحدث، فكان يرتدي كمامة. أما عشق فكان صامتًا شاردًا، وبفضل شروده لم يشعر بما يحدث حوله ولم يتأثر حتى بالرائحة كغيره.
انتهى الرجال من الحفر، وأخرجوا الجثمان من المقبرة. انتبه عشق إلى يد الطبيب توضع على كتفه، وهنا شعر عشق بالضيق بسبب الرائحة، فأخرج منديلًا سريعًا ووضعه على أنفه وهو ينظر بتقزز إلى الجثة، أثناء ما قال الطبيب: أستاذ عشق، أنا هاخد عينة منها، بس إنت متأكد إني مش هتأذى في شغلي بسبب الموضوع ده؟

نظر له عشق بحدّة قائلًا: خلص، شوف إنت هتعمل إيه بدل ما أحطك مكانها.

شعر الطبيب بالخوف منه، فاقترب سريعًا من الجثمان، انحنى عليها وأخذ منها بعض خصلات من شعر رأسها وقطعة صغيرة جدًا من العظام، ثم ابتعد عنها وهو يقول: تمام كده، التحليل ساعة بالكتير والنتيجة هتكون ظهرت.

نظر له عشق وهو يقول بحدّة ونبرة لا تقبل النقاش: معاك نص ساعة، التقرير يكون عندي.

ثم نظر إلى الجثمان قبل أن يتحرك ليغادر، وجورج يلحق به واضع يداه علي معدته وملامحه تعكرت بألم مكتومًا وشعوره بالغيثان يضيقه. بينما وقف الطبيب عاقدًا حاجبيه بضيق، أثناء ذلك كان الرجال يرفعون الجثمان ليعيدوه إلى مرقده. لكن لفت انتباه الطبيب شيء ما يبرق حول عنق الجثمان، فصرخ قائلًا بلهفة:عشق بيه، ثواني! في حاجة على رقبتها.

توقف عشق قبل أن يصل إلى سيارته على صوت الطبيب يناديه، وتبادل النظرات مع جورج باستغراب قبل أن يعود أدراجه ليرى ما يوجد، قائلًا: هي إيه؟
تعليقات



<>