رواية غرام في العالم السفلي الفصل التاسع والعشرون29بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل التاسع والعشرون29بقلم داليا السيد 
هارون بخطر
"هارون"
صرخت بقوة وفزع وهي تنهض جالسة بمنتصف الفراش من الكابوس الذي رأته وأنفاسها تتلاحق بحاجة للأكسجين
النهار لاح بالأفق ونوره ملأ الغرفة، متى نامت وكيف؟ 
كانت تنتظره لتخبره أنهما سيحققان حلمهم المشترك، أب وأم 
انفتح الباب بقوة وبدون أي إنذار مما أفزعها وجسد أنس يندفع للداخل ونظرات التحفز بعيونه والسلاح بيده "ليال، ليال هل أنت بخير؟"
استعادت نفسها وجذبت الغطاء عليها وهي تستوعب ما يحدث وأنس يضيء النور ويراها مفزوعة وقد رأت ثعابين تلتف حول هارون وتعتصره حتى انقطعت أنفاسه فصرخت وهي عاجزة عن إنقاذه
باللحظة التالية كانت أحلام تندفع لها هي الأخرى والفزع واضح على ملامحها "ليال، ليال ماذا حدث؟"
لم تكن تسمعهم، كانت ترى الكابوس أمامها وقلبها يقفز داخل صدرها راغبا بتحريره ليرحل باحثا عن حبيبها، الخوف هيمن والقلق وصل أوجه 
"أين هارون أنس؟ هارون بخطر، أين زوجي؟"
أحلام أحاطتها بذراعيها ورشدي يقف على عتبة الباب بروب البيت مبعثر الشعر 
"ماذا حدث؟"
أنس تقدم لها بالماء وهي تكرر السؤال "أين هارون أنس؟" 
يده ظلت بالكوب أمامها، أحلام بجوارها وأنس يجيب "صفوان معه، اهدئي"
أبعدت الماء بقوة ولم تعبأ بأي أحد ممن حولها، هارون بخطر، قلبها يعيث داخلها فساد ويخبرها أن من عاشت تحلم به ليس بخير 
"لا، هارون ليس بخير، هاتفه أنس، الآن"
تأملها لحظة قبل أن يخرج هاتفه ويتحرك للخارج "سأفعل، هل تهدئي الآن؟ أنا بالأسفل"
انسحب أنس ورشدي خلفه وأحلام تربت عليها "ماذا حدث ليال؟"
نفضت الغطاء ونهضت بقوة وإصرار "هارون بخطر أحلام، زوجي بخطر"
أحلام لم تستطع وقف مخاوف ليال.. الآن فقط تستعيد كلماته، سأجعل دمك دينا وثأرا لا ينسى.. 
نست الانتقام والليلة كان الموعد المنتظر..
تحركت للأسفل، تبحث عن أنس و..
توقفت بمنتصف الدرج ويدها تقبض على السور.. أفضل رجال هارون يقفون مجتمعين حول أنس الذي ما أن رفع رأسه لها حتى فعل الرجال مثله.. التقوا بعيونها للحظة ثم اخفضوا رؤوسهم باللحظة التالية وانقبض قلبها
نظرات أنس فرت منها بل وشعرت أنه نفسه يرغب بالفرار.. المشهد يكرر نفسه
أحلام وسعد... ليال والريس.. ريس قلبها وروحها، أكسجين حياتها، شهيقها وزفيرها..
نزلت، امرأة الديب لا تستسلم
وصلت.. صوت الصمت مخيف.. دقات قلوب الرجال تكاد تصل لأذنها.. انعكاس النهار على لمعان عيونهم الهاربة منها تخيفها، تهز كيانها
"هل هاتفته!؟"
ما زال داخلها نبضة واحدة بالأمل، هارون بخير.. 
حلم.. حلم مغلف بالفانيليا حوله الشيطان لكابوس..
لم يجيب، لم يرفع رأسه، لفت بنظراتها على رؤوس الرجال المنخفضة "رجال هارون الديب لا تخفض رؤوسها"
لم يستجيب أحد، ابكي صغيرتي، اصرخي، اضعفي فقط بين أحضاني..
وهي ليست بأحضانه وهو ما زال يخبرها، وأنا غائب أنت امرأة هارون الديب، أنثى الذئب التي لا تهزم ولا تستسلم
ولكنها تتمزق.. 
صوتها خرج عميق، هادئ مغلف بالقوة من جوف الحزن والألم "ارفعوا رؤوسكم"
منعت دموعها من أن تخطو خطوة واحدة تجاه مقلتيها، حبست آهات الألم داخل صدرها والرجال ترفع رؤوسها ورأت الدموع وأدركت..
خطوات من خلفها جعلتها تلتفت.. 
العملاق يتحرك شاحب الوجه.. سكن الأحمر الدموي مقلتيه وطغى على الأخضر فقد رحل وحل الجفاء بهما برحيل من كان يزرع الأخضر بحياتهم
ثأر لعزيز مات شهما.. ومات هو رجلا
توقف أمامها، العملاق لا يهتز ولكنه أصيب بزلزال بقوة خمس وعشرين درجة على مقياس ريختر أسقطه، نسفه، حطمه لركام
رفعت رأسها، تدرك بعيونه كل ما يرغب بقوله ولسانه لا يستطيع النطق به ولم تجعل الأمر سهل عليه
عاقبته.. أليس حارسه الشخصي!؟
"أين هارون صفوان؟"
لم تهتز نبرتها، لم تمنح الضعف أي فرصة لكن من أين تأتي القوة وهو من كان يمنحها القوة؟
لم يمكنه إلا أن ينطق، القوة بعيونها ونبرة صوتها استجوبته، استعملت طرق المنفذ بلا أدوات.. ألم يكن واجبه حماية الريس؟ كيف تركه وحده؟
"انفجر اليخت به وبجسار بعد أن اصطدم بسفينة حاويات"
ارتجف جسدها كله.. ترنحت والرجال اهتزت حولها وأحلام تهرع لها.. تساندها من الخلف، تلك الدموع لن تهزمها، لن تخلف وعدها مع زوجها
"سألتك سؤال صفوان، أين هارون؟"
حدق بها الرجال بذهول، صفوان ظل واجما لا يعرف بماذا يجيب فعاد يردد نفس الكلمات فرفعت رأسها مرة أخرى بمواجهته "وأين جسده!؟"
تراجع.. صمت ثقيل يهيمن حولهم.. الرجال تتبادل النظرات.. أحلام تبكي، رشدي جمد بالخلف وأنس حدق بها 
"ليال.."
نبرتها الحادة أوقفته "هل تركته بالمياه؟ لم تبحث عنه!؟"
أحنى رأسه، جذب صوته من عمق المحيط، خرج جافا فجرح حنجرته "اليخت انفجر ليال وتحول لأشلاء مبعثرة"
بلا ضعف اعتدلت "هارون الديب لن يتحول لأشلاء صفوان لنذهب ونبحث عن زوجي ورئيسك"
ولكنه لم يتحرك وارتفعت يده بينهم ونظراته تسقط عليها مما جعلها تفعل المثل
السلسلة.. دبلة زواجهم.. 
هارون يخبرها أن الوقت حان لتكون مكانه وأنه زوجها حتى بعد الموت
لمعت الدموع بعيونها تستأذنها بأن تفرج عنها وصفوان لا يصمت "أنت من سيحل مكانه"
ظلت جامدة.. يداها بجوارها دون أن تلمس حتى ملابسها، فقدت نبضها.. فقدت الشعور بأي شيء حولها..
"لا"
الرجال لا تفهم لكن لا تتحدث، رجل الزعيم الأول هو من عليه القيادة حتى يأتي من يكمل المسيرة والريس اختار..
زوجته..
"لا مجال للرفض ليال، كلمة الريس نافذة على رقاب الجميع"
رفعت وجهها له "هذا لو مات الريس، هارون لم يمت صفوان، أنت لم تبحث عنه ولن أنفذ كلمته إلا عندما أبحث عنه وأتأكد أنه.."
وترنحت.. الكلمة أقوى من أن تنطق بها
صفوان الأقرب قبض عليها بقوة وأحلام أحاطتها بذراعيها من جوارها لكنها تماسكت، قاومت الدوار ونظمت أنفاسها وحاولت منح صوتها أي قوة 
"أنا بخير.. ابن هارون يوافق على كلماتي، والده لم يمت"
أعلنتها.. هي تحمل ابن الريس..
تراجع الرجال.. أنس ردد "ابن هارون، ليال أنت.."
لم تلتفت له وغامت عيونها بدموع أقوى من أن تقاومها "أنا أحمل ابن هارون أنس والآن سنذهب للبحث عن والده، هارون لم يمت"
ومرة أخرى تخونها قواها.. الدوار أقوى منها، صفوان لم يتردد تلك المرة وهو يحملها ويتحرك بها للأعلى وخصمها الجديد يهزمها
سقطت باللا وعي
**** 
ظل الطبيب يتابع المحلول ينتهي عندما فتحت عيونها فالتفت لها 
"من أنت!؟"
حاولت أن تنهض لكن أحلام دفعتها برفق ورأسها مال بها والطبيب يتابعها "اهدئي مدام، أنت بحاجة للراحة، المحلول.."
لم تسمعه.. جذبت إبرة المحلول من ذراعها والدماء تبعثرت ودفعت يد أحلام بعيدا وهي تنهض "أين صفوان؟ لابد أن أبحث عن هارون"
"ليال اهدئي، ليال أنت لن تقوي على ذلك"
لكنها تماسكت، الطبيب اعترضها فدفعته، الدوار خف كثيرا وهي لا تهتم بالدماء التي تسيل على ذراعها، هناك دماء أخرى تنزف من قلبها
شعرها المبعثر وجهها الشاحب، فقط هارون
فتحت باب غرفتها وأحلام تلحق بها لترى أنس، صفوان ورشدي بغرفة الجلوس بجناحها، أنس كان الأول وهو يصل لها "ليال، أنت تنزفين"
نظراتها رحلت لصفوان المتجمد بمكانه "لن نترك هارون صفوان، لابد أن نجد زوجي، صديقك، رئيسك"
أخفض وجهه وأصابعه تقبض على السلسة، والدبلة تحفر براحته 
لم تشعر بأحلام ولا بأنس الذي كان بجوارها تحركت للعملاق ووقفت أمامه، وجهها الشاحب يؤلمه أكثر 
"لن أصدق أنه مات حتى أرى جسده أمامي صفوان، حتى لو مات أحتاج رؤيته، ألمسه ولو لمرة واحده قبل أن يرحل للأبد، أخبره أني أحمل ابنه، أحقق الحلم الذي تمناه، أخبره لآخر مرة أني لم أحب سواه"
سقطت دموع الجميع، ولا واحد منهم أمكنه التماسك
انفجرت العيون بالدموع.. انهارت كشلال يتساقط ناحتا الصخر، مفتتا إياه من قوته.
وهي تفتت معه، تكسرت، ولا تعلم كيف يمكنها جبر كسورها وهو ليس معها
"ليال، هارون.."
"هارون لن يموت بسهولة هكذا صفوان، سترد له دينك وتبحث معي عنه وأنت أنس"
والتفتت له ولم تهتم بدموعه ولا فراره من مواجهتها "هل صدقت أن هارون مات؟ ستتخلى عن صديقك؟ ماذا لوكان مصاب بمكان ما وبحاجة لنا!؟"
مسح أنس دموعه "معك حق، سنبحث عنه بكل مكان، تحت المياه وفوق الأرض وبكل مكان بالإسكندرية"
أحلام شهقت فجأة "دماء، ذراعك ليال.."
وبلحظة كانت هي الأخرى تسقط مغشيا عليها..
**** 
نفس الطبيب، نفس الفراش.. نفس الغرفة ونفس الكلمات "أنت بحاجة للراحة"
ليال كانت تقف بجوار الفراش، تبدو متماسكة لكنها كانت هشة، تكاد لا تستوعب ما يدور حولها فقط كلماته تعبث بعقلها
امرأة الديب لا تستسلم
ولكني لا أستطيع حبيبي، فراقك صعب، مؤلم، مميت، أنا أحتاج لك هارون، ابننا يحتاج لك، رجالك، عائلتك 
ثأرت حبيبي ولكنك تركتني، كيف سأعيش هارون، كيف سأواجه هذا العالم وحدي؟ 
"عندما تذكرين أني لم أرغب بامرأة سواك سيتوقف الألم، عندما تحملين ابننا سيتوقف الألم، عندما ترفعين رأسك أمام العالم بشموخ وأنت امرأة الديب الذي مات وهو يعيد شرف عائلته سيتوقف الألم ليال"
كلماته تتردد بأذنها، تخترق عقلها وروحها لكن لا شيء يوقف الألم هارون صوت أحلام يوقظها من ظلمات الكابوس "أنا بخير"
ترك الجهاز الذي بيده وقال "أنت بخير لكن الحمل أعراضه لن تبقيك بخير"
حمل!؟ 
حامل!؟ كيف!؟ الواقي كان رفيقه، بالأمس فقط لم يستعمله، أخبرها أنها الآن زوجته أمام الجميع، من حقهم حياة طبيعية، مزق العلبة كلها ومنحها لحظات من أسعد ما عاشته 
أغمضت ليال عيونها.. عليها أن تتعلم كيف تواجه الصعاب الآن حتى تجده وتعيد له كل شيء
تحافظ على مملكته من أجله ومن أجل ابنهم.. أنا الحارس على كل ذلك حبيبي حتى تعود، سأكون قوية كما أردتني
أنا امرأة الديب..
خرج الطبيب ونهضت أحلام جالسة وذهنها يستوعب ما يحدث لها
حامل!؟ هل حقا سيكون لديها طفل؟
"أنت بخير أحلام؟"
انتبهت لليال، واجهت نظراتها "أنا حامل ليال ولا أعلم كيف حدث ذلك ولا ماذا سيفعل؟"
تماسكت، حفرت حفرة سكون بين جبل أحزانها وأفكارها وعقلها الشارد بضياع زوجها، فقط حتى تحمل مشاكل عائلته، عائلتها
امرأة الديب لابد أن تكون جديرة بمكانتها حتى بوسط دوامة أحزانها
"لا شيء أحلام، رشدي لن يفعل شيء، لا أحد لا يرغب بابن"
رحلت نظراتها العسلي للفراغ، شاردة وتائهة بلا هدى "وقد لا يرغب به"
حدقت بها وكان السؤال الحتمي "وأنت!؟"
عادت تواجها وقلبها يدفعها للرد الحاسم "بالطبع أريده، لن أتنازل عنه"
تنفست بهدوء لتمنح قلبها المتألم بعض السكينة "إذن ليس هناك مشكلة"
والتفتت خارجة، فقدت الصبر، بل لا مكان للصبر هنا والآن، عليها أن تبحث عن زوجها ولو كان مصاب تنقذه، هارون لم يمت
تبعتها أحلام والتقت بعيون زوجها التي رحلت الرمادية منها واحتل الأسود الساحة وتحرك لها "هل أنت بخير!؟"
هزت رأسها وعيونها عالقة به وهو يلمس ذراعها "هل.. الحمل!؟ أعني.."
ودمعت عيونها وما زالا أمام جناح ليال التي رحلت للأسفل حيث صفوان
أحاط رشدي ذراعيها بيداه وامتلك كل العسلية لنفسه "تعني ماذا!؟ أظن أن علي سيسعد عندما يعلم أنه سيحظى بحفيد"
سقطت الدموع وارتفع صدرها بأنفاسها القوية وهي تستوعب ما يقول "من العرفي؟"
لمس وجنتيها بأصابعه ومسح دموعها وهي تتعايش مع تبدل الرجل الذي عرفته والآن أصبحت لا تعرفه
"هو زواج أحلام والآن أصبح شرعي ولا جدال عليه، فقط ننسى ما كان ونفكر بالقادم"
ابتسمت وهي توافقه بذلك فجذب وجهها وطبع قبلة على جبينها ولفها بذراعيه  
**** 
وقوفها أمام صفوان كان يعني الإصرار، من منهم لا يرغب بعودة الريس والآن لا يشعرون بوجودها، الحزن سد آذانهم وأعمي عيونهم
كلاهم، هو وأنس يسقطون رؤوسهم بين أيديهم.. هو لا يجرؤ على الوقوف أمامها.. محمل بذنب لن ينمحي مهما مر الزمان
تخليت عن الريس..
"هل وضعت خطة للبحث صفوان؟"
رفع وجهه لها، الأحمر بعيونه واجها، أحرق ما تبقى من قوة داخلها لكنها قاومت، سبحت ضد التيار حتى انخلعت ذراعيها وما زالت تفعل
نهض واقفا، عملاق، فاقها بالكثير من الإنشات لكن لم يفوقها بقوتها على مواجهة الأمر.. هل تحبه حقا؟ وماذا يعني إيمانها بأنه لم يمت؟
فتح راحته وأسقط نظراته عليها ولكنها لم تتبع نظراته تلك المرة وجذب صوته من عمق القلب المطعون برحيل أعز الناس لقلبه ورفيق روحه 
"ليس قبل أن تأخذيهم ليال، أنت بمكانه حتى يعود، تلك أوامره"
ظلت جامدة بنظراتها عليه.. تقاوم شهيق يدخل ويرفض أن يمنحها زفير، تحارب الألم من قلبها المذبوح 
كلمات الديب أوامر وهو منحها أوامره، هل كان يعلم بمصيره؟
جذبت السلسلة وفتحتها ووضعت الدبلة بها بجوار القلب الفضي وارتدتها حول عنقها ثم عادت لعيون صفوان "هل نذهب الآن!؟"
***** 
لم تقبل عزاء من أحد ورفضت إقامة أي إجراءات.. البحث عنه دام أيام وليالي بلا راحة ولا نوم ولكن بكل مرة الرد واحد
"لا شيء"
انهزم الرجال من داخلهم وتراجعوا متخاذلين أمام فقدان الأمل وشعرت أن خيوط الحياة انسلت من بين أصابعها وامتلكها جمود الموت.. 
أصبحت زومبي.. ميت يعيش بلا قلب.. هنيئا بالعذاب
الصمت كان يحميها من مواجهة كلمات المواساة من كل من زارها، رجال أعمال.. شخصيات لها ثقل بالمجتمع.. أصحابه مالك وطلال، العاملين بكل فروع المجد والفنادق.. 
كل من عرف عن هارون الديب أتى وهي قابلتهم بصمت أحرجهم ولكن صفوان وأنس كانا يجيدان التصرف حتى انتهى كل شيء
لم تدخل جناحهم منذ تلك الليلة، خاصمت كل مكان حمل ذكرى جميلة لهما معا، سكنت بغرفة باردة احتوت أحزانها، ناشدت الدموع لتمنحها رفقة، حرارة، أنيس لكن بلا استجابة، جفت مقلتيها، تركها قلبها ورحل للمنفى وعقلها ثبت على فكرة واحدة
هارون لم يمت..
أصابك الغرام بالجنون.. أفقدك كل تعقل وستفقدين نفسك..
وما نفسي وأنت لست بها حبيبي؟
وما القلب بلا شريان الحياة..
وما الحياة بلا زفير وشهيق وهو كان الأكسجين..
الطعام كان لا يذكر.. النوم بكل عدة أيام عندما تسقط ساعات نادرة على أريكة مكتبه
اليوم عانت من دوار أشد من كل مرة كادت لا تفيق منه وغثيان صباحي لا ينقطع ومع ذلك كانت تصارعهم وحدها.. نفسها لا تستحق الاهتمام فلمن ستفعل؟
لم تعد ليال.. الفتاة المرحة المحبة ومزاحها ينال من الجميع، لم تصنع الطعام، لم تخرج للحديقة ورؤية الرجال 
تبدلت لامرأة جامدة، وكأنها اصطبغت بلون رشدي زيتون، الرجل لم يتركهم يوما، لكن أحلام رحلت لفيلا رشدي حيث طلب علي زيتون منها ذلك وفرحته طلت من نظراته
سيكون جد أخيرا.. 
منحت ليال أحلام كلمات مطمئنة قبل أن تتركها أحلام بلا رغبة بالرحيل، القوة التي تتظاهر بها تستهلكها، تستنزف كل خلية من خلاياها ومع ذلك لا شيء سيوقفها عن تنفيذ أوامر الريس
امرأة الديب لا تستسلم..
"ليال"
صوت أنس اخترق الصمت الذي ظل بجوارها ولم يتخلى عنها، التفتت له، ملامحه المرهقة لم تقل عنها ولا عن الجميع.. الحزن مخبأ بالقلوب قد يخرج بلحظات مسروقة لكنه يهرع للمخبأ لمواجهة رحيل الريس..
الأبيض أصبح الزي الرسمي لها.. ترى نظرات التساؤل بعيون الجميع من حولها عنه ولم تخبرهم أنه دليل على الأمل
ريس قلبها لم يمت سيعود والأبيض دليل على الأمل بعودته، لم تخلعه وطلبت من على النت الكثير، لم تستطع دخول أي محل وشراء أي شيء
"هناك من يرغب برؤيتك"
"من؟"
ظل صامتا وكأنه يتردد بإخبارها أو لا يرغب باللقاء ولكن تحرك ذلك الجسد من خلفه وظهور تلك العيون انتزع قلبها من مخبأه
عيون حبيبي..
"اتركنا"
النبرة الآمرة بالصوت العميق جعلتها تترك خيالاتها وتستعيد قلبها المسروق وتعتدل بوقفتها لتواجه من يأمر رجال الريس..
خرج أنس وظلت بمواجهة من فرض نفسه على خلوتها.. تقدم ووقف أمامها وقبل أن يمنحها أي كلمات رفعت رأسها ومنحته نبذة عن أنثى الديب 
"لا أحد يأمر رجال الريس وببيته"
ضاقت زرقاء عيونه التي انغلقت، ومضت بعتمة تشبه عتمة هارون ولكن بفارق العمر، الملامح قريبة، تجاعيد الوجه تمنحه سنوات فاقت الستين واستقامة شفتيه تعني الحزم
"قوية، لهذا منحك مكانه"
لم يكن سؤال، بل إدراك ونظراته تسقط على السلسة وبلحظة ارتفعت لها النتيجة 
"لا أحد يصلح لمكانه سوى هو"
شفتاه منحتها شبح ابتسامة، حزينة، متألمة وربما نفحة ألم رافقتها نظرة عميقة جابت كل ملامحها
"لم تسألي!؟"
ظلت ثابتة، جامدة الملامح ولكن انفك صمتها "لست بحاجة لأسال، لدي الإجابة"
ورفعت يدها تتحسس السلسلة.. نظرته عادت للسلسة وظل واجما وعيونه انطفأت تماما ورحل منها كل نبض للحياة حتى رفعهم لها مرة أخرى
"لا عزاء ليال؟"
لم تتردد وهي تجيب "لا"
تفهم وتحرك مبتعدا مواجها مكتب هارون، وكأنه يراه أمامه، مضجعا بثبات وثقة، قوته نابعة من ثقته بذاته ونجاحه نابع من إصراره على تحقيق هدفه "ترفضين موته؟"
ظلت ثابتة دون أن تلتفت له، لا ترغب برؤية عيون زوجها على وجه غير وجهه "بل أعلم أنه لم يمت"
هو من التفت لها، ظهرها المنتصب بثقة لم تهزمها الأحزان جعله معجب بها، أجاد هارون الاختيار، أجاد كل شيء بحياته حتى رحل وترك ما حققه
"رغم الانفجار"
شبكت أصابعها معا تداعب خاتم زواجها "جثة واحدة من تم العثور عليها، غير مفتتة فلماذا لم يتم العثور على هارون و.."
لم تنطق اسم الشيطان.. أرادت حرقه ألف مرة ومرة.. لملمة رماده ونثره بالهواء حتى لا يكون له رجعة ويتلاشى من الوجود 
"هي جثة امرأة"
كان يتحرك عائدا لها ليواجها مرة أخرى "وكانت حامل"
لم تتفاجأ بل كانت تعرف كل شيء، هارون أخبرها يوم عثر عليها بالمقابر "مي، كانت رفيقته بالطبع كما تعلم"
أحنى رأسه ليصل لمستوى وجهها "لأول مرة تعجبني امرأة، امرأة تليق بهارون الديب"
لم ترد..
"كيف حال الحمل!؟"
وأخيرا شيء ما أثر بالجمود، هل يعرف بذلك؟
"أنا أعرف كل شيء ليال، كل شيء يخص كل من يتبعني ويخصني"
عادت للجمود، ما الفارق؟ العالم كله سيرى ابن هارون الديب وسيكون بمكان أبيه حتى يعود
"أنت وهو بحاجة لحمايتي، لن يمكنني ترككم"
غضبت، فتحت فمها لتمنحه رد لاذع لكن الغضب طريق السقوط، فقط لم تستطع منع نفسها من منحه كلمات توقفه، تخبره من هي "لست بحاجة لحمايتك، لدي رجال مخلصين"
ظلت العيون متواجهة، ثابتة لا ترمش حتى منحها المفاجأة الكبرى "حتى لو، حماية حفيدي مهمتي أنا"
واتسعت عيونها السوداء كعادتها عند سماع ما يذهلها.. حفيده تعني أن هارون...
"ابني"
وأكمل الجملة المفيدة، ورحل منها العقل وانهار التماسك وانفلت منها الزمام، ثارت بلا حسبان "لا تنطق بها"
اعتدل، الانفجار جعله يتراجع بذهول "ماذا تعنين!؟ هارون ابني، هذا ما لم يعلمه أحد"
عادت ثورتها، نيرانها، غضبها من أجل حبيب قلبها، هل كنت تعلم حبيبي أم لا؟
"وما الذي تبدل الآن؟"
أدرك نظراتها، تمردها، لم تقبل بما قاله "ما الذي تبدل؟ هل تدعين الغباء!؟ ابن هارون.."
قاطعته بنبرة الديب وليس امراته "ابن هارون يخص هارون وليس أحد آخر"
العناد يرتفع، الكبرياء يأخذ المقدمة "أنا لست أحد ليال، انتبهي لكلماتك أنا الكبير"
لم تتراجع ولم تهزها نبرته الغاضبة، ستظل قوية ولن تهزها نفحة ريح تمر بها "لم تكن تتحدث ككبير منذ لحظة، كنت الجد الذي يبحث عن حفيد لا يخصه، ابن لابن لم تمنحه حقه كابن فمن الذي ترغب مني التعامل معه الآن؟"
وجم وجهه، جمدت نظراته عليها.. زم فمه مرة أخرى وارتجفت شفتاه والصمت سيد الموقف.. كلاهم يتحدث بلغة العيون بانتظار من سيتراجع أولا وامرأة الديب تعلم أنها تحمل الراية فلن تتراجع..
التفت.. فر من نظراتها التي حملت عتاب، تأنيب، لغة حتى هارون نفسه لم يدفعها بينهم وها هي امراته تفعل
"لم يكن من السهل الاعتراف به"
لم ترد، ألم راحتها جعلها تدرك أنها تضم قبضتها بقوة من الغضب، غضب لزوجها الذي تحمل وجود والده معه دون الاعتراف به
"أنا من أسرة لها مكانة ثقيلة بالمجتمع، مكانتي ميراث من أبي وجدي ولم يكن من الممكن غفران خطأ كهذا، وريث الديب لن يكون غير شرعي أو ابن.. خادمة"
أغمضت عيونها.. الألم ينحر قلبها بلا رحمة، لماذا تتلقى الصفعات كلها بوقت واحد؟ كيف تطلب مني القوة هارون وسط كل ذلك
"هو لم يرحمني، رفض حتى منحي قربه مني، أتى هنا ليبتعد"
فتحت عيونها.. 
"هل كان يعلم!؟"
التفت لها، الأحمر سكن حول الأزرق.. وميض دموع بعيدة لا مجال لأن تأتي أو تقترب، الكبير لا يبكي، لكنه الآن الأب.. أب قاسي، أناني فاقد لمعاني الأبوة
"علم وهو بالعشرين من عمره، من أخبره كان يرغب بالمال، عرف السر وباعه لهارون"
تراجعت، اهتزاز جسدها جعلها ترغب بالجلوس وجلست.. السر أثقل من أن تحمله
"وأنت كنت تعلم بأمره"
تحرك مبتعدا.. مرور الذكريات مؤلم
"لابد أن تتخلصي منه، لا يمكن أن يكون لي ابن منك، والدي سيقتلك ويقتله"
بكت، سقطت بالأرض تلمس حذائه بفمها وتترجاه أن يترك لها ما ستعيش له، رفعها بذراعيه، يتألم مثلها.. الحب الوحيد بحياته لكن حب لا أمل له، بل لا مكان له بالواقع، الخيال فقط مكانه
"خديجة، لابد أن تتفهمي وضعنا، علاقتنا خطأ، طفلنا غير شرعي ولن ينال قبول من أحد، والدي سيحرق كل شيء وأنت بالمقدمة"
الرجاء هو كل ما استطاعت فعله "أرجوك أنا لا أريد منك ولا من أسرتك أي شيء، سأرحل وأختفي ولن تعرف حتى مكاني فقط دعني أحتفظ به"
هزها بقوة الألم الذي احتل قلبه وعقله "لا، لا يمكنك الرحيل، تعلمين أني أحبك، أريدك معي أنا.."
نفضت يداه ودموعها تغرق وجنتيها.. لم تكن جميلة الجميلات لكن جمالها بسيط، طبيعي وغير متصنع، أخذت قلبه من أول نظرة واستسلمت له بورقة، عرفي
ما بال الجميع يراه طريق للملذات؟
هو طريق فعلا ولكن نهايته دمار.. هلاك.. سقوط بالظلام 
"أنت أناني، لا تفكر سوى بنفسك وأهلك، اذهب لهم وتأكد أني لن أطالبك بأي شيء، لم أعد أريدك، أنا أكرهك، أكرهك"
لا تعلم كيف تألمت لألم امرأة لم تعرفها.. ربما لأن أحلام كانت نسخة مكررة، فقط حظها كان أفضل ورشدي أنقذها من الهاوية
"كيف نجت!؟"
لم ينظر لها.. السيجار احترق بين أصابعه، الدخان خرج حلقات كدوامة تلتف حول صاحبها تذكره بدوامة الماضي.. والحاضر
"هربت"
أخفضت وجهها وهذا بالطبع الحل الوحيد للنجاة..
"بحثت عنها بكل مكان بمصر لكنها أجادت الاختباء حتى فقدت الأمل، بعد عشر سنوات وصلني خطاب" 
رفعت وجهها له "عشر سنوات"
جلس أخيرا أمام مكتب ابنه الغير معترف به، هزمه موته واليوم تهزمه الذكريات "ابن عمي استلم البيت القديم وقتها، وجده بصندوق البريد فأرسله لي.. عرفت أنها وضعته بملجأ ولم تذكر السبب ولا اسم الملجأ ولكني عرفته وعثرت عليه"
"لكنك قلت.. أنت لم تخبره وقتها؟ لم .."
وصمتت وهو حدق بالفراغ المشغول بالدخان، خيالات تمثل الماضي كله أمامه ونظراته زائغة بينهم "كنت الكبير ليال، وهو كان طفل مشاغب و.."
قاطعته بلا ذرة رحمة "أنت بلا قلب حقا"
لف وجهه ليقابل الغضب بالظلام الحالك بمقلتيها "عندما نحتل تلك المكانة نضع المشاعر خلفنا وننساها ليال، مكانتنا تجردنا من ذاتنا وتنسينا كل شيء"
لم ترد لكنها كانت تزدريه بلا إخفاء لمشاعرها "كل ما أمكنني تقديمه له هو أني انتشلته من الشارع ليكون من رجالي حتى عرف السر واختار الرحيل بعيد"
أدركت ما فعله هارون ولو كانت بمكانه لفعلت المثل "كان تصرفه طبيعي"
ظلت تواجه نظراته الجامدة بلا تردد "عرضت عليه مكانة أكبر بكثير، أردته نائب لي، بجواري، صدقيني أحببته أكثر من جسار"
ضاقت عيونها ولم تفهم فجذب السيجار لفمه ومنح صدره الجزاء المناسب "جسار ابني هو الآخر لكن من ابنة صديق والدي، منحتني نفسها بلا اهتمام للشرعية وماتت عند ولادته، مربية جيدة تولته ببيت بعيد حتى عرف بي وطالب بحقه، لم يشبه هارون بأي شيء"
نهضت والمفاجأة لا ترحمها، تمزقها، ترفعها وتتركها لتسقط مرتطمة بالأرض "جسار أخوه!؟ كل هذا الكره والصراع حتى الموت بين أخين وأنت لم توقفهم؟ أي أب أنت؟"
لم ينظر لها، تقدمت لتقف أمامه.. تواجه هروبه، تمنحه ما يستحق، الألم
"أنت لا تستحق ولا واحد منهم، أنت تستحق جهنم"
نهض "كفى"
لم تهتز "لماذا أتيت!؟ لماذا تخبرني كل ذلك؟ تظن أني سأرثو لحالك وأواسيك على ظلمك لابنك وأمه من قبل؟ أنت لا تستحق أي رحمة"
"لماذا لا تفهمين؟"
أشاحت بيداها، تضرب الهواء معبرة عن رفضها لهذا الجنون "أفهم ماذا؟"
انحنى، وجهه يصل لوجهها، لم تعد ترى عيون هارون بل عيون الشيطان، جسار ابن والده لكن هارون لا يمت لذلك الرجل بصلة.. هارون أراد أن يكون أب يمنح أولاده الحب والحنان لكن ذلك الرجل لا يعرف عن الأبوة شيء
"تفهمين أني منحته اسمي، هارون محمد محمود الديب، أنا منحته الصفة الشرعية والأوراق الرسمية، هو وريثي الشرعي، جسار لم ينال ذلك"
صمتت لحظة تحاول إدراك كلماته حتى منحته ما وصل لها "بالسر، لكن لا أحد يعرف بذلك"
للحظة ظل جامدا ثم رفع وجهه "لي زوجة ولا يمكن صفعها بالماضي"
ابتعدت ولم تجد كلمات.. 
"ليال لابد أن تفهمي أني هنا لحمايتك وحماية ابنك وأنت.."
التفتت عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تماما كالريس، انغلقت نظراتها "أنا أخبرتك أني لست بحاجة لحمايتك ولا وجودك بحياتي"
"أعلم أنك غاضبة لذا سأذهب الآن وأمنحك وقتك وبعدها تتعرفين على قواعدنا ليال، الكل يتبع خطاي ولا أحد يخرج عنها حتى أنت"
وتحرك خارجا وهي بمكانها تستوعب كل ما دار هنا منذ لحظات، هارون ابنه!؟ جسار أخوه!؟ ذلك الرجل ترك أولاده هكذا بلا اهتمام؟ 
تركهم يدمرون بعضهم البعض بلا رحمة
بأي قوة يحيا ذلك الرجل وبأي قلب تحمل هارون ذلك

تعليقات



<>