
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثلاثون30 بقلم داليا السيد
غيرة
كان لابد أن تعلن للجميع أن لا شيء تغير بغياب الريس، رأت التساؤلات بعيون الرجال بل سمعت همهمات بأن صفوان سيحتل مكان الريس، ألم يكن ذراعه الأيمن!؟
الحزن سيظل لكنها عبأته داخل دولابها الخاص وأغلقت عليه ترابيس ستفتحها عندما يعود، ستبكي، تصرخ وتضعف بأحضانه
"الرجال تريدك صفوان، يريدون ذراع هارون الأيمن ليكون.."
أوقفها بلا تفكير "لا يهم ما يريده الرجال ليال، المهم ما أمر به هارون وأنا أخبرتك رسالته وأنت ترتدين قلادته، هو أنت من تتخاذلين عن مهمتك"
هجومه جعلها ترفع رأسها، أنس تجهم، لف وجهه لصفوان الذي كان مواجها لها بلا تراجع، قلبها دق بعنف من كلماته، طبول دقت على عقلها الخامل، هو على حق
"صفوان!؟"
لم تمنح أنس المجال للدفاع عنها وهي بالفعل مذنبة، تخاذلت عن تنفيذ أوامر الريس "هو على حق أنس"
ارتد لها ونظراته تتساءل ولكنها أجابت "أوامر هارون لابد أن تطاع"
وتحركت لتقف أمام صفوان، تواجه بحزم وقوة "لم أتخاذل صفوان، كنت أبحث عن زوجي"
انحنى ليقترب منها "لا تظني أنك وحدك من تألم لفراقه ليال، أنت لم تعرفيه أو تعيشي معه مثلنا، لم ترافقيه بالموت ولا بالمرح، لم تجاوريه بالحزن والفرح كما فعلنا معا، أعلم أن حبك له نما معك لكن ما بيننا وبين هارون مختلف ليال"
لمعت عيونها، تدرك كلماته وتفهمها جيدا "فهمت، لم أشكك يوما بما بينكم أنا فقط.."
وابتلعت الغصة التي علقت بفمها وأنس يتدخل "كلنا كان لدينا نفس الأمل ليال لكن لا شيء بيدنا"
رؤية الظلام بعيون أنس السوداء مثلها جعلتها تتنهد بألم "علينا بمتابعة مسيرته ليال، نكمل ما بدأه ولا نترك إرثه يضيع"
الكلمة مؤلمة ..
"هو ليس إرث أنس لأن هارون لم يمت، هي أمانة سنحافظ عليها حتى يعود"
صفوان من منحها الصفعة بكلماته القاسية "هو لن يعود ليال، لم لا تفهمين!؟ لقد تفجر أمامي، أنا رأيت اليخت وهو يتناثر والنيران تأكل ما تبقى منه، متى ستقبلين الواقع؟"
صفعته.. ضربته بكلتا قبضتيها على صدره بكل الألم والحزن المكبوت داخلها.. انفجرت بوجهه
"اسكت، لا تنطق كلمة أخرى هل تفهم؟ هارون لم يمت، لم يمت هل تسمعني؟"
وانفجرت الدموع المحبوسة من عيونها وصفوان لا يمنعها، كلهم كانوا ينتظرون لحظة الانفجار، كانوا يخافون عليها من الانهيار، أرادوا رؤيتها تبكي، تضعف لكنها كانت قوية
تعبت، تألمت يداها وسقطت رأسها على صدره تبكي بقوة.. الألم فاض حتى أغرقها وكتم أنفاسها والتف حول عنقها فخنقها، تحملت، عاندت، رفضت التصديق وتمسكت بأمل واهي تلاشي مع كل مرة تخرج مع الرجال وتعود بلا فائدة والآن ..
هارون رحل..
أمسكها برفق من ذراعيها ودفعها للمقعد الوثير فجلست وأنس يدفع كوب ماء بفمها، كانت تشهق من البكاء، الألم والحزن حتى هدأت والرجلان يقفان بدموع محجوزة داخل عيونهم لأجلها وأجل زعيمهم..
"هل نستدعي الطبيب!؟"
هدأت.. نفت برأسها ولم تنظر لهما، كانت تستجمع نفسها، تستدعي قوتها التي فرت منها "أنا بخير"
عيونها واجهت صفوان "تعلم أني.."
منحها نظرة أراحت قلبها "أعلم ليال، المهم أن تستعيدي نفسك وتتذكري أنك تحملين ابن أخينا وعليك المحافظة على نفسك لأجله"
هزت رأسها، هو على حق.. كل شيء يدفعها للتعايش مع غياب نصفها الآخر، ستغلق على قلبها قفصه وتضعه بالخلف وتضع مصلحة ابنها بالمقدمة
****
أزاحت الطعام من أمام حماها بابتسامتها البريئة وهو يمنحها نظرة امتنان، منذ وصلت وهي لا تتوانى عن الاهتمام به وتولي كل شيء بالبيت، منحت الفيلا حياة، ورود بكل مكان، زادت الأنوار بفعل رجال من محل تابع لهارون كانت تعرفه
تعديل على غرفة علي ثم غرفتها بألوان مبهجة غير الأسود والرمادي.. لم تعد حياتها مظلمة بل أنارت، تلونت بألوان الربيع
لكنها لم تنسى حزنها على أخيها والريس، سكنوا داخل الغرف المغلقة بالقلوب
"طعامك له مذاق خاص أحلام"
عادت بالدواء وابتسامة جديدة تصاحب العسلية اللامعة بعيونها "رشدي يعترض على دخولي المطبخ"
ابتسم وهو يتناول الدواء ثم منحها نظرة امتنان أخرى "لأنه يخشى على حفيدي، ولا تنسي الغثيان والدوار، هو يحملك ثلاث مرات باليوم مع كل وجبة تقريبا"
ضحكت والرجل ينضم لها وهي تذكر أن آخر مرة كان غاضبا وهو يحملها بعد أن سقطت بلا سابق إنذار وكادت تصطدم بالمائدة بالمطبخ
"أهوى صنع الطعام عمي"
جلست وبيدها كتاب ككل ليلة بجواره "اتفقنا على بابا أحلام لماذا تتراجعين دائما؟"
تورد وجهها، لم تظن أن تنال كل ذلك، زوج تسرب حبه لقلبها بدلا من الكره الذي كان يسكنه تجاهه، حماها تبدل هو الآخر، يمنحها حب وحنان أبوي صادق، الكل يمنحها ما لم تعرفه بالصغر
"آسفة بابا، خطأ غير مقصود، هل ترغب بإكمال الرواية أم نستبدلها!؟"
فتح الباب وإطلالة العابث الذي لم يعد عابث جعلهم يلتفتون له، أصبح يعود مبكرا، لو تأخر يهاتفها ويأمرها بدخول الفراش مبكرا وعندما يصل يأخذها بأحضانه..
"مساء الخير"
نال نظراتها قبل والده، تحسن صحة الرجل جعله يطمئن ووجودها بدل كل شيء حوله ومنح قلبه الراحة "كيف حالك الليلة؟"
جلس على طرف الفراش وبدا متعب ككل ليلة، تبدل الكثير بالفترة الأخيرة منذ رحيل هارون، أصبح يتابع عمله وبجواره أوامر ليال التي لا تنتهي
"بخير حبيبي، كيف حال العمل؟"
فك ربطة العنق ومنحها نظرة أصبحت تنتظرها ثم عاد لعلي "بخير، ليال لا ترحم، تريد تعويض ما فات بغيابها بعد موت هارون"
النظرات غامت بالحزن، كانت تكن لهارون كل الحب كأخ أكبر منحها رعايته وحمايته ولم يتخلى عنها "هي امرأة شجاعة وقوية"
لم يجادل "نعم، اسمها انتشر بشكل سريع، شهران اخترقت بهم كل مكان، وكأنها نسخة من هارون، الجميع يحسب لها حساب"
أحلام رمقته بنظرة غريبة لم يفهمها وهي لم تصمت "تنال إعجابهم وإعجابك؟"
الرجلان التفتا لها، علي ظل صامتا وهو ذوى حاجبيه بلا فهم "ليس إعجاب أحلام بل تقدير واحترام لامرأة أجادت الحفاظ على مكانة زوجها"
نهضت، تلك العمياء التي توقف العقول عن العمل ضربتها "أحتاج للراحة، طابت ليلتك بابا"
تابعها الرجلان بنظرات مبهمة من رشدي ولامعة متفهمة من والده "لا تتحدث كثيرا عن ليال أمامها"
التفت لوالده بلا فهم.. كلماته غريبة، ليال أصبحت أخت وصديقة عزيزة مؤخرا "لماذا!؟ ما الذي حدث؟ هل تشاجرا؟"
ابتسم الرجل بتفهم، حنكة الرجل مكتسبة من سنوات عمره الكثيرة "لا، لكنها تغار"
فتح فمه ليرد لكنه استوعب الكلمة.. تغار!؟ أحلام تغار عليه؟ كيف؟ ومتى؟ هي بالأساس لا تمنحه الاهتمام الذي يتمناه.. لا تمنحه الحب
الغرام..
"ليال صديقتها بابا"
ربت على يده بحنان والتفهم بعيونه "لا مكان للصداقة وقت الغيرة رشدي، هذا حال أي شخص يغار على حبيبه"
ردد الكلمة بلا صوت، حبيبه!؟ أحلام تحبني؟ صعب، ليس بعد كل ما فعله بها.. هو حتى لم يجرؤ على التفكير بذلك، حلم، تمنى، رغب بذلك لكنه لم يصدق أن ينال قلبها
"أحلام صغيرة وبريئة وما بقلبها يظهر بعيونها، اذهب وراضيها، الحزن ضار بالحمل"
عاد بنظراته لوالده والحيرة تنهشه والأفكار تتصارع داخل عقله، تدفعه للأمام والخلف كالأرجوحة بين نعم تحبني ولا، لا يمكن أن ينال قلبها
تحركت بالغرفة بلا هدى، تفرك أصابعها، ليال بلا رجل الآن، لم تنتهي عدتها بعد ولكن ربما.. لا هل جننت!؟ ليال تعشق هارون، لم تتقبل موته حتى اليوم
توقفت عندما اصطدمت به أمامها، لم تشعر بدخوله، نظراته كانت هادئة، تسبح بالرمادي الراحل للأزرق القاتم جدا.. أنفاسه هادئة تمنحها إيحاء بأنه يرتاح لقربها، التفت لتبتعد لكن قبضته على ذراعها دون قوة أو ألم كما كانت بالماضي بل رقيقة تليق برقة العسلية، أعادها له، لمواجهة نظراته والتساؤلات المندفعة لعقله
"ماذا بك!؟"
أفلتت يدها منه والتفتت مبتعدة، لم تستطع وقف الغضب، بل الغيرة يا عسلية.. تخدعين نفسك بأنه لا يعرف سرك، حماك فتن عليك.. وعلى قلبك
أنت مغموسة بالغرام حتى أخمص قدميك ولن يمكنك النجاة
"لا شيء، أريد أن أنام"
بطريقها للفراش أوقفها بجسده الماثل أمامها دون أن تدري متى وصل لها "ليال أغضبتك بشيء؟"
زاد الغضب بلا وعي، هي تحب ليال حقا، ليال تؤازرها دائما رغم أحزانها، تمنحها النصيحة والمشورة لكنها الآن زوجة
"ألا حديث لديك سوى عن ليال؟ ما سبب كل هذا الاهتمام المفاجئ بها؟"
لم تصدق كلماتها، هل تتحدث عن صديقتها؟ العاشقة لرجل لا تصدق أنه مات وتعيش تنتظر عودته؟ حبها لزوجها قصة تحكى بكل مكان، يكاد الرجال يحسدون هارون وهو ميت عليها..
"أحلام، ليال أخت وصديقة وزوجة شريكي، بيننا عمل وعمل فقط"
لم تتقبل كلماته.. ألم نتفق أنها عمياء
"كلماتك واهتمامك يعني شيء آخر رشدي، هل تراها تناسبك؟ ربما اشتقت لامرأة جديدة"
ابتسم، الجامد أصبح يبتسم كثيرا بحضرة الغرام "وليال هي تلك المرأة؟ لا أنكر أنها جميلة و.."
الجنون وصل لأقصى درجاته "اذهب لها إذن ولكن قبلها طلقني، لن أبقى مع رجل يرغب بامرأة أخرى وأخرى"
وكادت تذهب، تخرج من هنا والدموع تنتصر كالعادة، الاستسلام للبكاء من سيماتها الأولى ودموعها سكاكين تمزق قلبه لكن قلبه الآن يرقص من السعادة
"اهدئي يا مجنونة، أنا لا أرغب سوى بك"
الدموع تقف بينها وبين رؤية الحقيقة بعيونه، تغفل عن نبرة الصدق بكلماته، تستسلم لجنون غيرتها بلا هدى "اتركني، أنت خائن، خائن"
لم يتركها ، يداه تلفها بحزم رغم مقاومتها وجهه ثابت أمام وجهها، هادئ بلا تهور "أنا لم أعرف امرأة منذ عرفتك، هل تهدئي، أنت حامل"
هدأت، هل تصدقه!؟
الرجل الذي عرف نساء بلا حصر تاب على يدها؟ بكل يوم كانت تنتظر رؤيته مع امرأة أخرى، تسمع عن خيانته، عودته لحياته القديمة لكنها لم تسمع أو ترى أي شيء
"أنا لم أرغب سوى بك ولم أتزوج سواك ولن تكون امرأة أم لأولادي إلا أنت"
سكنت عيونها الدامعة على عيونه الصادقة، دموعها تلطخ وجهها، شعرها تبعثر كما يحب، الحمل ناسبها، جعل جسدها أكثر جمالا وإثارة له وحتى ملامحها زادت جمالا
"ربما الحمل جعلك.."
مرر أصابعه على وجنتها يمسح الدموع بابتسامته الجديدة "الحمل يجعلك أجمل، حمل بطعم العسلية، هل تغارين أحلام؟"
أغار!؟ كلمة اندفعت للقلب مباشرة، ألم تعترف لنفسها بحبه فما المفاجئ بالغيرة؟
نعم أغار، أغار عليك من عيني وقلبي ومنك ومن زمانك ومكانك، ولو أني جعلتك في عيوني لنهاية عمري ما كفاني
ملأت راحته وجنتها ووجهه يقترب من وجهها وأنفاسه تحط على بشرتها "أخبريني أن كرهك لي رحل ونبت مكانه نبتة حب صغيرة بقلبك تجاهي أحلام"
الضعف يهاجمها، يداها ترتاح على صدره بعد أن كانت مضمومة بقبضة مؤلمة، عيونها سقطت على شفتيه التي تواجه شفتيها
هي ليست نبتة، هي شجرة امتدت جذورها داخل قلبها وعقلها وسكنت كل كيانها لكنها خائفة..
"هذا الخوف أنا السبب به"
أغمضت عيونها.. ما بينهم لا يرحل، حاجز لا يريد أن ينهار، عليه أن ينسفه
"هل ستظلين تحملين الماضي حتى لو.."
فتحت عيونها لتواجه نظراته القريبة جدا.. شفتاه أيضا قريبة جدا.. أنفاسه قريبة جدا، دقات القلوب قريبة جدا جدا
"أحبك"
وانتهى الحديث، القبلة توقف كل شيء، كل المخاوف، كل احتمالات الكذب، أحبك.. كلمة لم تتخيل أن تسمعها منه هو بالذات
أبعدها لكن ليكمل "تصدقيني؟ تثقين بحبي؟"
لم يمكنها عدم تصديقه، قلبها يصدقه، عقلها يفعل "نعم"
رحلت يده لشعرها، يحب ملمسه الناعم "تغارين علي؟"
لم تستطع الهروب، الضعف يتملكها بقربه، بلمسته، بقبلته المدمرة لقوتها الواهنة "أنت زوجي، أليس من حقي أن أغار عليك؟"
عبث بشعرها، قربها أكثر حتى رحل الهواء من بينهم وبكلمات قليلة منح نفسه الرد "الشوق والغيرة أصدق صفات الحب وأجمل طقوسه، سأكتفي بالغيرة دون كلمة الحب منك حتى أنالها برضائك"
وعاد لنهاية الحديث، القبلة ليبدأ ليلتهم معا ولكن باختلاف، هناك اعتراف بحبه لها مما جعلها تكون امرأة متملكة للرجل الذي منحها قلبه واعتراف آخر بالحب لكن بلا تصريح سوى الغيرة مما جعله يمارس كل السبل لينال قلبها وثقتها
****
أسما تراجعت بعد موت هارون، الكل انشغل بالبحث عن هارون وصفوان أولهم، نساها بغمرة المصيبة، لم يفكر برؤيتها أو حتى التحدث معها بوجودها مع ليال..
هل أحبها حقا؟
حاولت مرة التحدث معه فكان رده صادما "ليال بحاجة لي، هي وابن هارون هما هدفي بالحياة الآن"
من وقتها ابتعدت، تراجعت أميال، تجنبت رؤيته، الرسالة وصلتها.. ما بينهم انتهى قبل أن يبدأ
والدها ظل بالمشفى، بطريقه للشفاء من الإدمان لكن نال فشل كلوي صرعه، جعله طريح الفراش وليال تكفلت بمصاريف المشفى بلا جدال
لم تخلع الدبلة رغم كل شيء، تحبه ولا تستطيع نزعه من قلبها، هذا ما تظنه، لكنها تدرك أن وجودها عائق بطريق مهمته.. حماية زوجة صديقه وابنه
الشيطان وسوس لها بمرة أنه يحب ليال ويرغب بها لكن نظراته وهو يتحرك بجوارها كظل لا يفارقها بأي مكان جعلتها تدرك أنه حارس شخصي يحمل فوق عاتقه الموت بسبيل حمايتها
ليال لم تنتبه لانهيار علاقتهم، لديها ما يكفيها، امتحانات الترم مرت بصعوبة ونجحت بمقبول لأول مرة..
"أحتاج مراجعة تلك البيانات صفوان لم لا تخبر أسما؟"
كان يجلس أمام مكتب هارون سابقا، المقر الرئيسي بالكمبوند، كانت لحظة صعبة يوم خطت هنا لتجلس مكانه لكنها تعلمت أن تتخطى الصعوبات واحدة وراء الأخرى
لم يرد، بالأساس هو منع نفسه من التفكير بها، حرم قلبه من الحنين والشوق، تجنب رؤيتها، منحها الرد الحاسم، ليال وابنها هم كل اهتماماتي
مرة أخرى، هل أحبها حقا؟
وفهمت أسما الرسالة، ابتعدت..
نظرت ليال له، صمته منحها جملة مفيدة، علاقة تمر بأزمة وهي السبب غالبا "صفوان أتحدث معك"
لم ينظر لها، لا يرغب بمواجهة لن تفيد بشيء، أنس حاول، منحه كلمات تأنيب من أجلها لكنه لم يتراجع "هاتفيها واخبريها بما ترغبين به"
تراجعت من طريقته، غاضب، حانق، متمرد على طلباتها لأول مرة وهي لا تفهم، تناست علاقتهم وسط دوامتها والآن هي تفتح عيونها لترى بوضوح، صفوان تقريبا يفارقها عند النوم، ألم تنتبه لذلك؟
نهضت، تحركت لتجلس أمامه ونظراته تتابعها، أنس مختلف كثيرا عن صفوان، هي تعرف مدى حبه لها وخوفه عليها لكن ليس مثل صفوان، هو ينفذ تعليمات هارون بحذافيرها
القلب الطيب كما كانت تخبر هارون عنه..
"ماذا حدث بينكم؟"
أسقط نظراته عليها، هي الوحيدة التي كانت بينهم، من منحته البداية لكنها تحلقت بالظلام منذ رحيل حبيبها وانغلقت على نفسها إلا معه وهو لم يكن ليمنح أحد اهتمامه سواها
"لا شيء"
مالت برأسها، تحاول قراءة ما بعيونه، صفوان ليس ممن يأخذ طريق ملتوي، واضح، صريح وجاد جدا "وماذا عن حبك لها، خطبتكم، أنت أعلنت ذلك صفوان"
نهض، قامته تتحرك معه بتوتر يلازمه عندما تهب صورتها أمامه، تفرمه وتدفعه للحائط كالطفل المعاقب "أعلم لكن الظروف تغيرت، لم يعد بإمكاني الدخول بعلاقة الآن"
تراجعت مدركة السبب، هي تفهمهم جيدا، أصبحت قريبة منهم حتى أصبحت تقرأ ما بين كلماتهم "لأن هارون لم يعد موجود"
التفت لها، الأخضر ذبل، يكاد يرحل للبني بشكل غير منطقي "ربما"
نهضت رافضة أسبابه وهو يعرف أنها لن تقبل، هي تؤمن بالحب وتؤمن بصديقتها، ستدافع عنها وتهاجمه "وقلبك!؟"
تفاجأ بردها وقد أخلفت ظنونه، هل تبحث عنه؟
"قلبي لا وجود له أمام واجبي"
نبرتها الحادة جعلته يفكر جيدا أنها ليست امرأة عادية، ألا يعترفون بذلك أصلا؟
"حقا!؟"
تعصب، أراد الفرار منها لكنها لا تمنحه مفتاح الكرار
"وهل واجبك تجاهي يعني الإخلال بوعدك لها؟ كلمة شرف منحتها لفتاة تعلقت بك وأصبحت لها طوق النجاة"
تجهم، هي لا ترحم، هارون كان أيضا لا يرحم، ابتعد، منحها ظهره المكدس بالعضلات، التمارين تضاعفت لإخراج الغضب والحزن
"الرجال تحرسها جيدا ولن يمسها شيء"
اختيار الكلمات لا يكون سهل خاصة مع امرأة عرفت الحب جيدا وقلبها أضعف من الفانيليا "جيد، ينقصها رجل يقدرها ويمنحها ما تستحقه وأظن أن هناك الكثير ممن يرغب بها"
التفت، الغضب كسى نظراته، احمرار وجهه وانشداد عروقه أنبأتها أنها أصابت هدف، تعلمت الرماية مؤخرا وبعض حركات الدفاع عن النفس دون خطر على الحمل، كان اقتراح أنس لأجل حمايتها وصفوان من تولى تدريبها
"الكثير مثل من؟ تحدثي ليال، هل هناك أحد يلاحقها!؟"
تحركت مبتعدة لمقعد زوجها، أرادت حكمته، نصائحه لأصدقائه "ولم لا!؟ أسما مهندسة ناجحة وجميلة ومن حقها.."
صوت قبضته على المكتب أوقفتها، لم ترمش وهي تواجه نظراته، لم تفزع بل أرادت ذلك الغضب "ليس من حقها شيء، لو كانت تحبني ستنتظرني"
"هل طالبتها بالانتظار؟ أنت تطردها من حياتك فعلى ماذا تغضب؟"
"ليال توقفي، تعلمين أنك تدفعيني لما لا نرغب به"
كانت تدرك ذلك ولكنه لا يدرك أنها ترغب بإعادته لعقله "إذن أعد التفكير بالأمر صفوان، ليس حبك لأسما وعلاقتك بها هي ما سيوقفك عن واجبك تجاهي، لا تتخلى عن حبك ولا عن حب امرأة أرادتك بصدق"
هتف بألم "وكيف امنح قلبي الحب وهارون.."
أغمضت عيونها، الألم يرتسم بصوره أمامها والرجال تخفيه لكنه يطفح على ملامحهم، كلماتهم وتصرفاتهم وهي تقاوم الهزيمة والانهيار مؤمنة أنه لم يمت وليس أمنية كما يدعي البعض
عاد لها ورأى الألم على وجهها فتحرك وانحنى عليها وتبدل الغضب لندم "ليال أنا آسف، لم أقصد.."
فتحت عيونها دون النظر له "أفهم صفوان"
ولفت وجهها له "وعليك المثل، أنا عدت للحياة بسببكم وعليكم فعل المثل، هارون كان سيرغب بذلك"
ظلا يتبادلان النظرات القريبة وانفتح الباب وصوت أسما يقطعهم "ليال هل رأيت.."
وتوقفت عندما رأت قربهم هذا.. شحب وجهها وهاجمتها الظنون بل اليقين، ألم يدفعها بعيدا عنه بسببها؟ ها هي ترى بنفسها..
التفتت وخرجت بلا أي كلمات وليال تنهدت "اذهب واشرح لها الأمر"
كان ما زال يحدق بالباب ورحيلها المفاجئ، عاد لليال "ليال.."
"صفوان اذهب، هي تظن أنك تركتها بسببي، من فضلك لا تدمر كل شيء بلا سبب"
اعتدل ولم يجادل، هو تألم للنظرة التي رآها بعيونها، أدرك أن ما فهمه هو ما فهمته ليال، ظنت أن بينهم شيء وعليه وضع الأمور بمكانها الصحيح
****
بحث عنها بالمكتب فلم يجدها، تقريبا هي أصبحت تعمل بالشركة والفندق
نظرات أنس رافقته "دخلت الحمام، كانت تبكي"
بالطبع تبكي، تظن أن ليال السبب، بينهم شيء، هل جنت!؟
انتظر أمام المكتب، لن يتحدثا أمام باقي الموظفين.. الجميع الآن يعاملونه معاملة مختلفة، لكنه منحهم المفيد..
ليال هي من أخذت مكان الريس وليس هو، تبقى إقرارها من المجلس والكبير هو من سيفعل..
كان يستند بظهره على الحائط، ذراعيه أمام صدره، ساق مرفوعة على الحائط ونظراته جامدة أمامه.. هل يمكن لأي عاقل أن يرى ليال مع رجل سوى هارون؟
التفت عندما سمع خطواتها تتحرك تجاهه، اعتدل وهي توقفت، الأحمر بعيونها عنى البكاء، كيف ظن أنه يستطيع الابتعاد عنها!؟
حتى أحزانه على هارون لم توقف قلبه عن حبها لكن ليال كانت بحاجة له لتعرف كل شيء عن العمل وهي ذكية ولم تأخذ الكثير هو من تأخر عن امرأته
تحرك هو لها ليوقظها من الجمود الذي سيطر عليها، ارتفع وجهها لقامته، الممر كان خاليا من أي أحد
تجنبته لتذهب، غير أنه تحرك ليوقفها فعادت للجانب الآخر ففعل المثل، رفعت وجهها له ليرى الألم والحزن بعيونها فلعن نفسه لأنه السبب
"كفاك جنون وتعالي لنتحدث"
هي ليست مجنونة، هي أدركت الأمور وعرفت أن لا مكان لها بحياته وليال..
"ليال أخت وصديقة وزوجة أخي ورفيق حياتي ولا مجال لأي شيء مما رحل لعقلك"
سقطت دمعة حزينة من عيونها، هل تصدق كلماته وهي رأتهم بهذا القرب "من المفترض أن أصدق وقد تركتني وأنت تخبرني أن ليال وابنها هم كل اهتماماتك واليوم.."
نبرته حازمة، قاطعة لا تقبل نقاش "نجلس أولا ثم نتحدث أسما"
توقفت عن الجدال، لم يتعارفا بما يكفي.. ارتدت خاتمه وبعدها انقلبت الدنيا، رحل الزعيم، اختفى صفوان من حياتها وليال وابنها الأهم
تحركت والغضب يفيض من خطواتها، خرجا من الفندق ولأول مرة تدخل جواره منذ شهور.. ليال من أصبحت تحتل تلك المكانة
مطعم ليس ببعيد جمعهم، الرجل نال الطلبات ورحل بصمت، صمتهم كان مماثل والنظرات زائغة حتى قطع صوته الصمت "كانت تتحدث معي عنك وأنا بغباء ذكرت هارون وموته فتحركت لأواسيها عندما اخترت أنت ذلك الوقت"
تتحدث عنها!؟
"ليال تتحدث عني!؟"
سقطت نظراته على أصابعها، خاتمه بيدها، لم تخلعه رغم كلماته المؤلمة لها "تسأل عن علاقتنا"
شحب وجهها، قلبها صقيع بارد، عقلها تخدر ولم يعد يفكر، حياتها أصبحت فضاء لا أحد يجاورها فيه، الشقة فارغة.. صبحي ابتعد خوفا من رجال صفوان
"أنا لم يمكنني التفكير بنفسي وهارون يضيع أسما، لا أحد يعرف ماذا كان يعني لي"
تراجع الغضب داخلها وكلماته تمنحها باب جديد فتحته لترى ما لم تكن تعرفه "الكل يعلم أنك كنت ذراعه الأيمن"
أخفض نظراته لسطح المائدة الفارغ كحياته بعد رحيل الريس.. لا شيء يملأ مكانه، ربما ليال وانتظار ابن هارون يمنحونه سكينة مؤقتة، زائفة ما أن تختفي من ذهنه حتى يحتله الألم ويمزقه الفراق
"هارون منحني الحياة أسما، أنقذني من حكم بالإعدام، تولى كل شيء يخصني، كاد يموت بدلا مني مرات متعددة، ما بيننا أكبر من أن تعبر عنه الكلمات، فراقه صعب، مؤلم"
لم يرفع وجهه، دافنا نظرات الحزن بالمائدة.. ليال الوحيدة التي تدرك الألم مثله.. كلاهم يواسي الآخر لكن لا شيء يعوض فراقه "أنا آسفة"
رفع وجهه المتجهم لها، الرجل قطع النظرة، وضع الطعام وانصرف "آسفة لأني لم أتفهم علاقتكم جيدا"
هز رأسه ومنح الطعام اهتمامه وما زال لديه ما يقوله "عرفت أن والدك شفي من الإدمان"
تناولت الأرز ورفعت عيونها له "نعم ولكنه تسبب له بفشل كلوي وكل يومين يجرى له غسيل كلوي، لا أعلم ما إذا كان سينجو أم لا"
"لا تعجبني إقامتك وحدك بالشقة، لولا الظروف لتزوجنا"
حدقت به، هل حقا ما زال يرغب بها؟ استوعب نظرات الحيرة بعيونها فتوقف عن الطعام ومنحها ما أرادت أن تسمعه "ما حدث لم يبدل رغبتي بعلاقتنا أسما فقط أردت تأجيل الأمر حتى تستعيد ليال نفسها وأنا أتخطى الأمر"
لم تجد كلمات.. كانت تحاول تجاوز ليال لكن بلا فائدة بالنهاية هي امرأة والغيرة ليست ملموسة لإيقافها "ليال، صفوان أنا لا أفهم هل حياتنا ستعلق بليال؟"
لم يفر من نظراتها، واجه استفسارها بهدوء وثبات "نعم أسما، لن أغشك أو أخدعك، هارون وضع ليال بعنقي وهذا أمر لا يمكن تجاوزه"
تراجعت بالمقعد والضيق ارتسم على ملامحها، ليال لن تظل بينهم، لن تقبل بذلك، ولا أي امرأة ستفعل "ومن المفترض أن أتقبل الأمر، هل تدرك ما تقول؟"
أنهى الطعام وتراجع بالمقعد بتفهم لنظراتها الغاضبة "بالتأكيد أدرك فأنا لا أهذي بالكلمات أسما، ونعم عليك بتقبل الأمر لأن حماية ليال عملي الأول ولا شيء سيوقفني عنها، أنا تقريبا لا أفارقها إلا عند النوم"
الغضب ارتفع، الغيرة تطحنها، لا مجال لقبول كل هذا، تبقى أن يلازمها بغرفة النوم "ولم لا تصحبها داخل غرفتها أيضا؟ أين أنا من حياتك صفوان؟"
نفخ والكلمات تثير الغضب وهو يحاول أن يشرح لها الأمر، لا أحد سيتفهم ما يحدث "أنت امرأتي أسما ومن المفترض أن تتفهمي وضعي وتسانديني بمسؤولياتي"
الجنون، الغضب، الحيرة والضياع هو ما يلفها حقا "عندما أعرف مسؤولياتك سأساندك صفوان، أنت لا تشاركني أي شيء سوى ليال وليال ثم ليال، هل تدرك أنك تتحدث معي عن امرأة أخرى ترغب بأن تمنحها كل اهتمامك وأنا لا؟"
وضع الرجل القهوة والشكولاتة الساخنة وهو اعتدل بجلسته غير واعي لنظرات البنات من حوله، هو لا يذهب لتلك الأماكن إلا نادرا حاليا لعدم وجود هارون، والآن نظرات البنات تعني الإعجاب ببنيان فولاذي ووسامة تليق به
هو لا يهتم سوى بالمرأة التي اختارها وتصيبه بالجنون "أنا أفعل أسما، وجودنا هنا يعني ذلك، رغبتي بك تعني ذلك لكن أنا أحب الوضوح والصراحة، كان عملي حماية هارون وظله الذي لا يفارقه ومن بعده ليال"
نهضت واقفة وهي تعلن عن رفضها لذلك، هي امرأة ترغب بكل شيء وليس أنصاف الأشياء..
هل كنت تحلمين بالعملاق؟ كيف تتمردين عليه؟ ام أنك تحلمين الآن بشيء آخر؟
"وأنا لا أقبل هذا الوضع صفوان، إما أنا أو ليال"
ظل يحدق بها وهو لم يرغب بذلك ولا أن تتطور الأمور لتلك الدرجة "اجلسي أسما، اجلسي ولا تفعلي ذلك، لا تضعي نفسك أمام ليال"
لم تقبل، لا مجال للمساومة أبدا "ولكني أفعل صفوان وأنتظر الرد"
لم ينهض، ظل واجما، السواد ارتفع لمقلتيه، هارون، حياتهم، ليال برقبتك صفوان والآن ليال وابنها و.. العناد
"ليال"
الدموع بلحظة كانت تخترق عيونها وشحب وجهها وهي لم تفكر وهي تجذب خاتمه وتضعه على المائدة وتتحرك خارجة والدموع تغشى رؤيتها
لم يحبها.. لم يراها بأي يوم، ليال حبيبته، هي المرأة الوحيدة التي يريدها ولم يرد سواها وهي تنسحب بكرامتها..
*****
لم يخبر ليال بما كان وهي انشغلت مع أنس بأمور العمل حتى تراجعت بتعب وكأنها تنسى حملها وطفلها الذي يأخذ منها الكثير
"هل نكتفي الآن زوجة أخي؟"
أغلقت الجهاز والتفتت لأنس "أين ذهب صفوان؟ سنذهب بدونه؟"
نهضت جاذبة حقيبتها وأنس يجيبها "ثار شجار بالملهى الليلي وهو رحل لرؤيته ولم يعود"
تحركت للخارج وهي تهاتف صفوان "أين أنت؟"
الرد كان هادئ رغم أنه كان يمارس هوايته مع أحدهم "عمل بالملهى"
الرجال التفت حولها وهي تخرج من الشركة وأنس يفتح لها السيارة، لم تعد تجلس بالأمام "لم تخبرني ماذا فعلت مع أسما؟"
ابتعد عن الرجل الذي ينزف أمامه ونظراته زاغت بالغرفة الباردة من حوله "ربما عندما أعود ليال"
قاد أنس وهي تدرك من نبرته أن الأمور لم تكن جيدة فأغلقت وهي ترى الكورنيش، المكان الذي كان يقف بسيارته يراقبها منه، التفتت للمكان وأنس يراقبها.. تألم لأجلها
هاتفها يعيدها من الذكريات لكنها لم تجيب.. كانت مع حبيبها الذي كان معها بكل يوم من عمرها كما كانت تفكر به بكل لحظة وتتمنى رؤيته، حاوطها بالأمان.. منحها حياة لم تكن لتنالها بدون وجوده، كان الحب، نبض القلب، السعادة
كانت تضحك له ومعه، أحبت الحياة بحبه، كل الرجال من حولها لا شيء، هي لا ترى سواه، ذكرياتهم معا.. ضحكتها وهي تجلس فوق ساقيه تداعب خصلاته، تمنحه قبلاتها، تتدلل عليه وهو يلفها بحنانه وحبه
طلبات الفانيليا أوامر
أغلقت عيونها بألم، أنا أنهار ببعدك عني هارون، فراقك يمزقني يقتلني، أنا أعيش ولا أعيش، فاقدة لكل ما حولي، أخبرني ماذا أفعل حبيبي؟
"ليال الهاتف"
انتبهت لصوت أنس عندما رأت اسم أحلام على هاتفها فأجابت، كلاهم تتابع الأخرى بالهاتف، رشدي أوقف ظنونها ومكانة ليال لديها ظلت بمكانها
عودتها للبيت لم تكن أفضل شيء لها لأنه يمنحها الوحدة والوحدة تعني هارون وهي اليوم ممتلئة لذا ما أن دخلت حتى تحركت للمكتب وثمية تتبعها وأنس معها "العشاء جاهز مدام"
جلست على الأريكة مغمضة عيونها "ليس الآن، أرغب بأي شيء دافئ ثمية"
الهاتف يعود مرة أخرى وصفوان يدخل، رقم غريب لم تهتم فهذا طبيعي "نعم"
"ما زلت تذكريني؟"
ارتجفت يدها بالهاتف وارتفعت أنفاسها وهي تحدق بالفراغ ، هل اليوم هو يوم الماضي كله؟
"أرغب برؤيتك ليال، دعي رجالك تسمح لي"
رمشت عيونها وصفوان يقترب منها عندما لاحظ شحوب وجهها وردد بحزم "ماذا هناك؟"
لم تنظر لصفوان، ذلك الباب سيظل مفتوح إن لم تغلقه، المرة السابقة تسرب لغرفتها وهارون من ربت عليها لكن اليوم بدون هارون "سأجعلهم يفعلون"
"جيد"
ظل صفوان يواجها منتظرا منها الرد وأنس جالسا محاولا إيقاف غضب صفوان "ماذا هناك!؟"
انتبهت لنبرة صفوان فرفعت وجهها له واستعادت شجاعتها بوجودهم معها "شريف يطلب رؤيتي، امنح الرجال الإذن"
تلون وجهه بالأسود وانغلقت نظراته وأنس هو من بدأ "لا ليال، لن نسمح له"
صوت صفوان كان أعمق من المحيط "ليال، هو لن يخطو هنا، هارون لم يكن ليسمح بذلك"
أبعدت وجهها وردها كان هادئ "ولكن هارون ليس هنا صفوان وعلي مواجهة كل شيء، لابد من إغلاق هذا الباب وإلا سيظل يطاردني للأبد"
"لن يجرؤ على المساس بك، فقط دعيني أتعامل معه وأنا جدير به"
صفوان لا يتقبل أي نقاش فيما يخص أمنها وهي تعلم ذلك لكن هناك أمور لابد من أن تنهيها وحدها كما بدأت تفعل
نهضت والتقت به ووقف الاثنان بالمواجهة وهي ضئيلة جدا بجوار جسده الضخم ولكن ليس للحجم أي معنى بجوار ما بينهم
سوداء عيونها لمعت أمام الزرع المحترق بمقلتيه، غاضب، ناقم، قلبه مهزوم من امرأته لكن عقله بواجبه وسداد دينه
"أعلم أنك جدير بكل ذلك، لو لم تكن لما وثق بك هارون بحمايتي لكن هناك أمور لن يحلها سواي وأنا علي مواجهته صفوان، لن يتركني لو ظل يشعر بأني خائفة"
انحنى ليصل لوجهها والرفض يباري الموافقة، كلماتها مقنعة وجديرة ولكن عليها معرفة الحقيقة، اللعنة هارون لماذا فعلت بي ذلك؟
"ليال هل تعرفين ماذا يعمل والدك بالضبط؟"
السؤال جرها لسنوات كثيرة للخلف، سنوات ترغب بنسيانها الآن وللأسف كل شيء محفور براسها ولم يمكنها أن تمحوه "نعم"
لم يبتعد وهي ما زالت تواجه نظراته الغاضبة التي تخبرها أن ما تفعله خطأ لكن هي تعرف جيدا أنها امرأة هارون والفرار من المواجهة لا يليق بها
"لا، أنت لا تعرفين شيء، هارون لم يخبرك ما كان يعرفه، والدك كان يعمل لحساب.."
"صفوان" نبرة أنس كانت حادة، نادرا ما يغضب أنس أو يتدخل بالجدال، يمنح صفوان المقدمة وهو بالجوار
ابتعد صفوان ولكنها ظلت عالقة بينهما والأمر تطور لسر هي لا تعرفه "لماذا أوقفته أنس؟ لحساب من يعمل؟ صفوان أجب"
أغمض عيونه وتنفس بقوة مدركا تهوره، لم يمنع هارون الأمر عنها بدون سبب لذا كان عليه التأني "تلك العصابات التي تمثل خطورة وأنا أخاف عليك منهم"
صفوان لا يكذب وهي لا ترى الصدق بكلماته "ما الذي تخفيه عني؟"
التفت لمواجهتها، نظراته سقطت عليها وهي تقف بقوة وشجاعة ولكن احترام هارون وقف بينهم "لا شيء ليال، أنا لا أقبل بأي مجازفة تمثل خطر على حياتك"
ظلت صامتة والتفتت لأنس الذي حدق بصفوان بنظرات نارية ففهمت أنهم لن يتحدثا فلم تجادل "امنح الرجال الأمر بدخوله، أنا لست جبانة لأهرب من رؤيته"
التمست القوة من مقعد هارون وهو يحتضنها واللافندر ملتصق به، لم تبعد زجاجته بل أخذتها للغرفة الباردة التي تنام بها تحتضنها وتجد بها ونيس بالليل
دق الباب ورجل من الرجال يفتح لتراه يدخل، ما زال كما تذكره فقط السنوات رسمت خطوط كثيرة على وجهه، الشيب لمس شعره القليل، جسده ما زال بعافيته، السجن لم ينال منه الكثير، نظرته سقطت عليها وهي بالأبيض، تجلس بهدوء لا يعبر عن تأجج النيران بصدرها
رفضت الخوف واختارت الغضب.. ماذا كان يرسم لها سوى طريق الإجرام؟
"ألن يذهبا؟"
استعادت نفسها وهو يقف بين أنس وصفوان وكلاهم ينتظر إشارة منها وسينقضون عليه ككلاب الحراسة تنهشه حتى الموت
"أنس، صفوان"
كلاهم كانا يرغبان باعتصاره حتى آخر قطرة دماء به، الرجل الذي لم يهتم بطفلة وجرها للرذيلة بلا رحمة
مال صفوان تجاهه وحملت نبرته التحذير المفزع وشريف ارتجف منه، من الذي لا يعرف المنفذ ولا يهابه؟
"لو فكرت بلمس شعرة منها فلن يرتد لك نفسك"
وتحرك خارجا وأنس ظل لحظة يحدق به "لا تظن أن هارون مات، كلنا هنا هارون"
وخرج هو الآخر لكن دون غلق الباب وهي ما زالت بمكانها، الابيض التصق بها حتى أصبح جلدها الثاني، لا يمنحها سوى الأمل بعودة حبيب قلبها ولم تهتم بنظرات الدهشة بكل من يراه عليها
لن تأخذ الأسود يكفيها الظلام الذي تعيش فيه منذ رحيله وقد أصبح البرواز لصورتها القاتمة والحزينة..
أنا ليال هارون الديب ولست ليال ابنة شريف، الخوف لم يعد يجرؤ على المساس بي ولا حتى أنت يمكنك زرع نسمة فزع داخلي
توقف أمام المكتب وعيونه حادة، ترمقها بنظرات غامضة لم تحاول فهم معانيها وانتظرته أن يتحدث لن تمنحه أي ترحاب أو إيحاء بأن وجوده مرحب به
"تظنين أنهم يوقفوني عنك؟"
لم ترتجف كما تمنى، لم تتراجع، لقد نضجت كثيرا ولم تعد الطفلة التي ترتعد من نظراته لها "أنا لا أظن أي شيء، ماذا تريد؟"
ولم تتحرك بل ظلت جامدة بمكانها وهو يقترب ويرمقها بتلك النظرة التي أخافتها بتلك الليلة، أنفاسه باردة لا مكان للدفء والحنان بها واليوم لا تخيفها بل لا مشاعر داخلها تجاهه، لا حب، لا كره لا رغبة بذلك اللقاء
تجهم وجهه من مواجهتها، بتلك الليلة كانت ترتعد، فزعة، تهاب حتى النظر بعيونه لكن من تجلس أمامه الآن امرأة أخرى يكاد لا يعرفها، ثابتة، جامدة جمود الصخر
هل منحها هارون تلك القوة؟ أم أمواله فعلت بها ذلك؟
"أريدك، أنت ابنتي ليال أم نسيت؟ أخبرتك أنك كنت تلميذتي الماهرة"
لم تتبدل ملامحها، لم تعد تلك الكلمات تهزها أو تثير الماضي داخلها، ما مرت به محى الضعف من داخلها "بالتأكيد استعادة ذكريات لا أهمية لها ليس سبب زيارتك"
تجهم وجهه من طريقتها وربما لم يتوقعها وظل يحدق بها لا يفهم ما الذي تبدل بها "وكأنك تبدلت لشخص آخر، هل موته جعلك هكذا؟"
لا أحد يتحدث عن هارون بالموت أمامها، دقت على المكتب بقوة وغضب وهي تنهض وصوتها يمنحه نبذة عن امرأة لا يعرفها "هارون لم يمت، والآن ليس لدي الليل كله من أجلك فقط أخبرني سبب زيارتك بلا داعي لمقدمة سخيفة مبتذلة"
تراجع، كرجل إجرام عاش بالسجن وسط مجرمين كان من الصعب أن يتراجع أمام امرأة كما تراجع الآن أمام النيران المشتعلة بعيونها، هارون لم يمت، هل أصابها رحيله بالجنون؟
سيطر على نفسه، جذب حقيقته للسطح، نفث سمومه بوجهها "ليست مقدمة ليال، أنا هنا من أجلك، عالم زوجك يجعلك بحاجة للحماية وأنا هنا لذلك"
النور يشع على نواياه، تحركت لتقف أمامه، لم تختبر شجاعتها فهي تخطت تلك المرحلة بل وتحركت للمستوى الأعلى، هو من يخاف منها الآن، ترى خوفه، تشم رائحته
"وأنت من سيحميني؟"
نظراتها له كانت مغلقة، لا تمنحه أي شيء عما داخلها، حاول تخطي جهله بالمرأة التي تواجهه وأكمل ما أتى من أجله "بالطبع، أنا والدك"
مالت رأسها بلغة الاستنكار وهو أكمل بلا فرصة لتفكر بكلماته "كل هؤلاء الرجال تطمع بك، لا تنخدعي بأنهم يقومون بحمايتك، هم يرغبون بإزاحتك وأخذ مكان هارون"
وأدركت اللعبة، الخطة، أيا كان ما أتى لأجله "وأنت من ستحافظ على مكان هارون؟"
ابتسم بخبث، ظن أنه أحرز الهدف وهز الشباك وانطلق لينال تحية الجماهير "هل لديك شك بذلك؟ أنا، أنا لابد أن أكون مكانك بالعمل وأنت تعودي البيت، هذا العالم بحاجة لرجل لا فتاة مثلك لا تفهم شيء عنه"
"أي فتاة تعني؟ ليال شريف؟ أخطأت العنوان فقد رحلت مع الطوفان، من تقف أمامك هي ليال هارون الديب، لا شيء يهزها ولا أحد يمس طرفها إلا وسأحرقه بمكانه"
ارتعدت أصابعه بجواره، نظراتها تبدلت، نبرة صوتها تحمل التهديد والوعيد، هي فعلا لم تعد ليال شريف
"ليال لا تنسي أنني والدك ولا يجب.."
مزقت السكون من حولها بنبرتها القوية "لا يجب ماذا؟ لا يجب أن أقف أمامه وأخبره أني أعلم ماذا يريد مني؟ ما يجب أن أقوله هو أنني لا أريدك هنا"
اقترب، لف قبضته حول ذراعها وقد ظن أنه سيخيفها كما كان يفعل ونسى أنها لم تعد طفلة السابعة أو التاسعة "أنا أحق بكل تلك الأموال وليس فتاة غبية حمقاء مثلك"
بلحظة كانت تتخلص من قبضته وكان بإمكانها لوي معصمه كما علمها صفوان لكنها حررته وهتافها وصل لصفوان "أنت لا حق لك بأي شيء هنا، والآن أنا اكتفيت بإمكانك الذهاب قبل أن يمزقك المنفذ فهو يقف بانتظارك"
التفت ليرى صفوان بالفعل يسد باب المكتب، عضلاته مشدودة عن آخرها، الأحمر كسى وجهه ونظراته لا تبشر بالخير
"ليال توقفي، لابد أن تفهمي أن ما تفعلينه خطأ"
تراجعت للمكتب، الكلمات لا مكان لها "الخطأ هو تركك تذهب دون المساس بك لكن ما زلت أذكر أنك والدي لكن بالمرة القادمة لن أضمن خروجك سالما"
"ستندمين"
وتحرك ليقف أمام صفوان الذي أسقط نظراته عليه والرجل تحداه بلا تراجع وليال نطقت لتفصل بينهم "صفوان"
الصمت أجابها وهلة حتى تنحى صفوان عن الباب فمر شريف من جواره واصطدم بنظرات أنس ولكنه أكمل طريقه وهي تسند رأسها على أصابعها، قوة زائفة تلك التي واجهت بها شريف، قوة استنزفتها، أرهقتها
"ليال هل أنت بخير؟ ما كان عليك مواجهته"
كان يقف أمام المكتب والدوار لا يتركها.. لا أحد يشاركها تلك اللحظات لذا ظلت هادئة حتى رحل "كان لابد أن يدرك أني لست فريسة سهلة، أرغب بالراحة"
ونهضت وهو يسرع لها ولكنها رفعت يدها لتوقفه وشحوب وجهها منحه نبذة عن حالتها، لم تمنحه نظراتها وهي تتخطاه وأنس من بعده وتحركت للغرفة الباردة
الفراش لم يمنحها أي راحة، لم يمكنها وقف الدموع، منحتها حريتها، أفرجت عنها وانتهت مدة حبسها وصدر قرار بالخروج من الحبس
متعبة.. متألمة.. ملفوفة برداء الفراق والوحدة سقطت بالفراش
أفتقدك حبيبي.. لم أظن أن تتركني بأي يوم.. فراقك بطعم المر الذي يحرق بالفم
السلسلة ارتاحت على الوسادة أمامها، خاتمه بجوار القلب، قلبه، خاتمه، قبضت عليهم بأصابعها وقلبها لم يعد يعرف سوى الألم، الأنين
أفتقدك هارون، أفتقدك بشدة، فراقك صعب ولا أعلم إلى متى سأظل ثابتة
الوسادة ابتلت ولم تتوقف دموعها، حتى والنوم يسرقها كانت تبكي، لم تراه بالحلم كما تتمنى كل يوم، لم يزورها ويخبرها عن مكانه
وتظن الأيام أنها ستنتصر عليها وتهزم إيمانها بأنه لم يمت؟
أوهام..