رواية ظلال متقابلة الفصل الثامن 8 بقلم خضراء القحطاني

             

رواية ظلال متقابلة

الفصل الثامن 8 

بقلم خضراء القحطاني


لا تريد أن يسمع صوتها مك*سورًا. لا تريد أن يراها ضح*ية.

كل ما كانت تريده أن يعيش ابنها حياة عادية بعيدًا عن ص*راعات الكبار.

في تلك الأثناء، في العاصمة، كان صالح اليوسف يراقب كل شيء بصمت.

علم من أحد رجاله أن ليلى اختفت مع ابنها، وأن سامر يواصل نشر الأكاذيب عنها دون توقف.

فأرسل أحد رجاله الموثوقين ليبدأ بالبحث عنها رجل يعرف كيف يعمل بهدوء، رجل اسمه إياد.

اتصل به صالح عبر مكالمة مشفرة، وقال بصوتٍ ثقيل:إياد البنت اللي كنت بتحاول تحميها زمان، هي بنتي.

ساد صمت طويل على الطرف الآخر قبل أن يرد إياد بصوتٍ خافت:كنت عارف من البداية، يا باشا.

عايزك تلاقيها قبل سامر بأي ثمن مش عايز ولادي يضيعوا أكتر من كده.

في نفس اللحظة، كانت ليلى تجلس في زاوية المكتبة، تمسك كتابًا عن الفلسفة.

صفحة تتحدث عن الهروب كوسيلة للبقاء جعلتها تبتسم بم*رارة.

تذكّرت وجه إياد، ويده التي أمسكت يدها يوم الميناء، ودموع ابنها على كتفها في تلك الليلة الطويلة.

همست لنفسها:مش عايزة أهرب تاني بس لسه مش قادرة أواجه.

رن هاتفها فجأة.

رقم غريب، لا اسم له.

ترددت للحظة ثم أجابت.

جاءها صوت هادئ، مألوف رغم البُعد:ليلى أنا إياد.

تجمدت مكانها، واهتزت الكتب بين يديها.

لم تدرِ ما تقول بين الخوف والحنين، بين الرغبة في البقاء والهرب مرة أخرى.

لم يكن سامر اليوسف يعرف الهزيمة، لكنه هذه المرة لم يرد فقط أن ينتصر بل أن يُ*دمر.

منذ ته*ديد والده له بإغلاق الشركة وسحب الدعم المالي، تحوّل الغ*ضب في داخله إلى ن*ار باردة، لا تش*تعل بعن*ف بل تلتهم بصمت.

جلس في مكتبه الفخم، أمامه شاشة ضخمة تعرض تقارير مالية وشبكة من المعاملات السرية.

على وجهه ارتسمت ابتسامة جانبية وهو يقول لمساعده:كل الناس بتفتكر إن الح*رب س*لاح وصوت بس الح*رب الحقيقية صامتة، بتبدأ من ملف صغير.

فتح سامر ملفًا إلكترونيًا يحمل اسم الشركة الرئيسية لمجموعة والده، وبدأ ينقل بعض المستندات إلى حسابات أخرى باسمه المستعار.

كان قد خطّط لكل خطوة بدقة: تحويلات مالية غير قانونية، عقود م*زوّرة، وتوقيعات رقمية مطابقة تمامًا لتوقيع والده.

في المساء، جلس صالح في مكتبه الواسع، أمامه فنجان قهوة لم يلمسه منذ ساعة.

كان يشعر أن شيئًا غريبًا يحدث تراجعات في الحسابات البنكية، شائعات مالية بدأت تنتشر في السوق، وتقارير تتهم الشركة بعمليات غس*يل أموال.

نادى على مديره المالي:مين اللي عمل التحويلات دي؟ مين فتح الحسابات الجديدة؟

رد الرجل متلعثمًا:يا فندم التوقيع توقيعك أنت.

ضرب صالح بيده على الطاولة بعن*ف، وقال:توقيعي؟! ده ت*زوير واضح سامر هو اللي ورا ده، أنا متأكد!

رفع الهاتف واتصل بابنه، لكن سامر لم يرد.

كان يعلم أن والده سيكتشف، وكان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا.

في مكان آخر، في فيلته الخاصة، وقف سامر أمام المرآة يعدّل ربطة عنقه وهو يقول لنفسه بصوتٍ منخفض:دلوقتي الكل هيشوف صالح اليوسف متهم، مش رجل محترم وهيعرفوا إن بنته ما كانتش أكتر من لعبة خ*بيثة في إيده.

كان يملك خطة ثانية أكثر خ*بثًا أن ينشر تسجيلات قديمة تجمع ليلى وكريم أثناء زواجهما، وأن يحرّف مقاطع منها لتبدو كأنها اعترافات بج*رائم مالية أو ع*لاقات غير شرعية.

لم يكن يهمه الحقيقة المهم أن يُ*دمّر الصورة التي تحاول ليلى الحفاظ عليها.

في اليوم التالي، تصدّرت عناوين الصحف:اتهامات خطيرة تطال مجموعة اليوسف التجارية

مصادر: ابنة صالح اليوسف متورطة في معاملات مشبوهة

وفي زاوية صغيرة من إحدى الصحف، عنوان صغير بالكاد يُرى:اختفاء غامض لأحد كبار موظفي الشركة قبل التحقيقات بساعات.

كان إياد يقرأ تلك العناوين في مقهى بعيد، وجهه متجهم، وعيناه لا تبرحان الصفحة.

همس لنفسه:سامر بدأ الح*رب فعلاً.

ثم أخرج هاتفه، أرسل رسالة قصيرة إلى رقم مجهول:احمي ليلى بأي ثمن هو مش هيسيبها فـ حالها.

في نهاية اليوم، كان سامر يقف أمام نافذة مكتبه الزجاجية، ينظر إلى المدينة المضيئة تحت قدميه.

ابتسم بثقة وقال:دلوقتي يا ليلى، حتى الهروب مش هينفعك الكل هيصدق إني أنا المظ*لوم وإنتِ السر اللي لازم يختفي.

كانت السماء رمادية في ذلك الصباح، والمدينة غارقة في ضبابٍ خفيف يشبه حالها.

وقفت ليلى أمام نافذة شقتها الصغيرة، فنجان القهوة بين يديها ارتجف كما لو أنه يشاركها القلق.

لم تشربه. فقط ظلت تحدّق في البعيد في اللاشيء.

كانت تعرف أن الأخبار انتشرت كالن*ار في الهشيم.

صورها، اسمها، عنوانها القديم كل شيء صار في متناول الناس.

حتى زملاؤها في المكتبة بدؤوا يتجنبونها بصمت خائ*ف، وكأنهم يخشون العدوى من سمعتها المشوهة.

في اليوم الأول، حاولت أن تُكذّب ما يُقال.

في اليوم الثاني، بكت حتى انقطع صوتها.

وفي الثالث، صمتت تمامًا.

عاد ابنها سامي من المدرسة يحمل دفتره الجديد، ركض نحوها بحماس، لكنه توقف حين رآها جالسة على الأريكة، تحدق في الأرض، شاحبة الوجه، عيناها غائرتان.

اقترب منها بخ*وف:ماما إنتِ زعلانة مني؟

هزّت رأسها ببطء وقالت بصوتٍ واهن:لا يا حبيبي ماما بس تعبانة شوية.

احتضنته، لكنه شعر أن حضنها بارد.

لم تعد تضحك مثل قبل.

لم تعد تحكي له القصص قبل النوم.

حتى صوتها صار مبحوحًا كأن الكلام ي*ؤلمها.

في الليل، جلست على الأرض بجانب السرير، وبدأت تكتب رسالة على ورقة صغيرة:إلى نفسي القديمة كنتِ قوية، كنتِ بتحبي الحياة. بس سامر سرق منك حتى ضوءك. الناس صدّقوا الأكاذيب، وإياد اختفى، واللي كنتِ تظنيهم سندك، سابوك.

طوت الورقة ووضعتها داخل درج صغير بجانب سريرها، ثم أغلقت الضوء.

لكن النوم لم يأتِ.

كانت تسمع صوت الأخبار في عقلها، وجه سامر يضحك في الظلام، وصدى ضحكة إياد حين قال لها ذات مرة:مهما حصل، أنا جمبك.

لكن أين هو الآن؟

مرّت الأيام، وليلى تتآكل من الداخل.

لم تعد تأكل إلا القليل.

لم تعد تخرج من البيت.

المكتبة أرسلت لها رسالة تفيد بإنهاء عملها لأسباب تنظيمية، لكنها كانت تعرف السبب الحقيقي.

ذات مساء، نزلت إلى الشارع بلا هدف، تمشي بين الناس الذين لا يعرفونها هنا.

شعرت بدموعها تنهمر بلا توقف.

وقفت أمام محل صغير فيه مرآة على الواجهة، ونظرت إلى نفسها طويلًا.

لم تتعرف على المرأة التي تراها.

كانت تلك مجرد ظلٍ لامرأة كانت يومًا تُحِب وتُحَب، تضحك وتقاوم، أما الآن فهي شبح يمشي باسمٍ لم يعد يعني لها شيئًا.

وفي تلك اللحظة، رن هاتفها.

رقم مجهول.

أجابت دون وعي، فجاءها صوت خافت، مألوف رغم الغياب الطويل:ليلى أنا إياد.

تجمدت في مكانها، اختنق صوتها بين البكاء والدهشة.

إياد؟! بعد كل ده؟ أنت فين كنت؟

كنت بدور عليك. سامر مش هيسكت، ولازم تعرفي الحقيقة كلها قبل فوات الأوان.

لكنها لم ترد.

كانت تبكي فقط، بصمتٍ يوجع القلب.

وصوت إياد على الطرف الآخر يقول:ارجعي لي يا ليلى قبل ما كل حاجة تضيع.

كانت ليلى تسير في الشارع كما لو أنها تسير داخل حلمٍ رمادي لا صوت فيه.

الهواء بارد، والناس يتحركون حولها دون أن تراهم حقًا.

كل ما في ذهنها هو تلك المكالمة الأخيرة صوته، نبرته، الكلمة التي لم تستطع قولها: اشتقت.

لكنها لم تقلها.

أغلقت الهاتف ووضعت رأسها على الوسادة، وقررت ألا ترد على أحد بعد اليوم.

أصبحت أيامها نسخًا متكررة من الأل*م.

صمت، دموع، نظرات زائغة.

حتى سامي، الصغير الذي كان يملأ البيت ضحكًا، صار يراقبها بصمتٍ موج*ع.

في كل مساء، يجلس بجانبها على الأريكة، يحاول أن يُضحكها:ماما شوفي، رسمت لنا بيت فيه شجرة!

لكنها لا ترد.

تبتسم بخفة شاحبة، ثم تغيب بعينيها في فراغ بعيد.

وفي الليل، يسمع بكاءها وهي تظن أنه نائم.

ذات صباحٍ باكر، كانت السماء تمطر خفيفًا.

ارتدت ليلى معطفها القديم وقررت الذهاب إلى العمل، رغم أنها لم تعد قادرة على التركيز أو التحمّل.

ودعت سامي بقبلة على رأسه، فابتسم لها ابتسامة صغيرة وقال:ماما لما ترجعي، نلعب سوا، ماشي؟

أومأت بصمت، ومضت بخطواتٍ متعبة نحو الشارع.

الطريق كان مزدحمًا كعادته، وصوت السيارات يملأ الأجواء.

كانت تمشي وهي غارقة في أفكارها لا ترى سوى صورة سامي وهو يبتسم، وصوت إياد يتردد في عقلها.

خطوة واحدة فقط ثم صرخة.

صوت فرامل حاد، وصدى ارتط*امٍ قوي مزّق السكون.

توقفت الحياة للحظة.

تجمّع الناس حول الجسد الملقى على الإسفلت، المطر يغسل الد*م الذي امتزج بالماء.

امرأة تصرخ:يا ساتر! حد يتصل بالإسعاف!

ورجل يركض نحو الطفل الصغير الذي هرع من نهاية الشارع، وجهه مصفرّ، وصوته يرتجف:مامااااا!

ركض سامي بكل ما يملك من قوة، حاول أن يقترب، لكن أحدهم أمسكه قبل أن يرى المشهد كاملًا.

كان يبكي، يضرب بيديه الصغيرتين في الهواء وهو يصرخ:سيبوها! دي ماما! ماما!

حملها المسعفون بسرعة إلى سيارة الإسعاف، وجهاز الإنذار يشقّ السماء.

كان سامي يركض خلف السيارة حافي القدمين، عينيه لا تفارق جسد والدته الممدد.

صوته الصغير المبحوح يملأ الشارع:ماما قومي وعدتيني نلعب!

في المستشفى، كانت الأجهزة تومض بجانبها، وجهها شاحب، أنفاسها متقطعة.

الأطباء يتحركون بسرعة، وأحدهم يقول بقلق:الن*زيف داخلي الحالة حرجة جدًا.

بينما في غرفة الانتظار، جلس سامي على الكرسي، ملفوفًا ببطانية، عيونه شاخصة نحو الباب المغلق.

كل من حوله يتحرك، يتكلم، يركض إلا هو.

كل ما في رأسه صورة واحدة: أمه وهي لا ترد عليه.

كان الليل ساكنًا حين رفع إياد الهاتف ليتصل بها.

لا يعلم لماذا شعر فجأة بأن شيئًا ما سي*ئًا يحدث كأن قلبه ينتفض من دون سبب.

اتصل مرة مرتين ثلاثًا.

ولا رد.

جلس على المقعد، يحدّق في الشاشة المضيئة باسمها، يتنفس بسرعة، ثم قال لنفسه:مش ممكن تكون لسه زعلانه لازم ترد.

ضغط على زر الاتصال مرة أخرى،وفي الجهة الأخرى، جاءه صوت صغير مبحوح باكٍ.

هلو؟

تجمد إياد للحظة، ثم قال بسرعة:مين؟ مين بيتكلم؟

رد الصوت الصغير وهو ينتحب:أنا سامي ماما مش بترد ماما بتـ بتم*وت!

تجمد الزمن في أذنه.

الهواء اختفى، وصدره انكمش وكأن أحدًا طع*نه.

إيه؟! بتقول إيه يا حبيبي؟ ماما فين؟ إنت فين؟

لكن الطفل كان يبكي بشدة:مش عارف الناس قالوا مستشفى وفيه د*م كتير، وماما مش بتتكلم!

وقف إياد من مكانه بغريزةٍ عنيفة، أمسك المفاتيح بيدٍ ترتجف، وقال بصوتٍ حاد:اسمعني يا سامي، لازم تدي التليفون لأي حد كبير حواليك، حد من الممرضات، بسرعة!

سمع همهمات وصوت خطوات على الطرف الآخر، ثم صوت امرأة:ألو؟ مَن يتحدث؟

قال إياد بانفعال:أنا قريب المصابة، فين المستشفى؟

أجابته بسرعة بعد أن سألَت الممرضة أحد الأطباء:مستشفى النور المركزي، قسم الطوارئ.

رد بإصرار:خليها في العناية لحد ما أوصل أنا جاي حالًا.

ركب سيارته وانطلق بسرعة جنونية،كل لحظة تمر كانت كأنها خنجر في صدره.

طريق السفر بدا أطول من أي وقت مضى، والذكريات تتقافز في رأسه: ضحكتها، خ*وفها، كلماتها الأخيرة التي أغلقَت بعدها الهاتف.

قال بين نفسه بصوتٍ متهدج:كنتِ حاسة بحاجة ليه ما قلتيليش؟ ليه بعدتِ؟

وفي منتصف الطريق، أجرى مكالمة ثانية، هذه المرة إلى الرجل الوحيد الذي يجب أن يعرف: صالح اليوسف.

باشا ليلى في المستشفى.

جاءه الصوت من الطرف الآخر، ثابتًا في البداية، ثم متصدعًا فجأة:إيه اللي بتقوله يا إياد؟!

اتصدمت بعربية، والن*زيف داخلي، حالة ح*رجة جدًا. أنا في طريقي دلوقتي.

ساد صمت طويل على الخط، حتى قال صالح بصوتٍ مبحوح:ابني هو السبب سامر هو السبب. أنا اللي سبت الأمور توصل لكده.

ثم أغلق الخط دون كلمة أخرى، ونهض من مكانه، وجهه شاحب والدموع في عينيه، وهو يأمر سائقه:جهز العربية فورًا بنتي بين الحياة والم*وت.

في المستشفى، كان سامي جالسًا على الكرسي الصغير أمام باب العناية المركزة،

يداه الصغيرتان مضمومتان على صدره، ودموعه لا تتوقف.

كل ما يردده بصوتٍ خافت:ماما ما تم*وتيش أنا كنت بلعب، ماما سامحيني.

وحين وصلت سيارة سوداء مسرعة أمام البوابة، ترجل منها رجلان.

إياد أولًا، وجهه شاحب، خطواته سريعة، ثم تبعه صالح اليوسف بخطواتٍ متوترة وعينين دامعتين.

ركع إياد أمام الطفل وسأله بهدوء رغم ارتجاف صوته:إنت تعرفني يا سامي؟ أنا إياد، صاحب ماما هي جوه، بس هتقوم، ما تخافش، ماشي؟

رفع الصغير نظره إليه، وجهه مبلل بالدموع، وقال بصوتٍ مك*سور:قالوا إنها نايمة بس ماما لما تنام، بتسمعني، صح؟

أجابه إياد وهو يبتسم بح*زنٍ عميق، والدموع في عينيه:أكيد يا حبيبي أكيد بتسمعك.

لم يكن سامر اليوسف يعرف لماذا قاده الطريق إلى المستشفى.

ربما بدافع الفضول، أو ليرى بأم عينه نهاية من كان يعتبرها سبب فشله.

أو ربما وإن لم يعترف لنفسه بدافعٍ خفي لم يكن يعرف له اسمًا.

دخل بهدوء، مرتديًا نظارته الداكنة ومعطفه الأسود،

مشى بخطواتٍ مترددة بين الممرات البيضاء الباردة،

حتى وصل إلى قسم العناية المركزة.

كان المكان يعجّ بالهمس والقلق، وأضواء الأجهزة تومض كأنها أنفاس متقطعة للحياة نفسها.

اقترب، فرأى صالح اليوسف جالسًا في صمتٍ لم يعتده أبدًا.

رجل كان يومًا صلبًا كالجبل، الآن منحنٍ على كرسي بلا حراك، رأسه بين يديه، ملامحه منهارة.

وبجانبه طفل صغير سامي عيناه محمرتان، صوته مبحوح من كثرة البكاء،

يضم دميته الصغيرة إلى صدره وهو يهمس:ماما، قومي عشان نرجع البيت وعدتيني.

توقف سامر في مكانه.

تجمّد.

شعر أن الهواء حوله صار أثقل من أن يُستنشق.

رفع الصغير رأسه ورآه، لم يعرف من هو، لكنه نظر إليه ببراءةٍ تمزق القلب.

تلك النظرة وحدها كانت كافية لتهز كيانه كله.

شيء ما في داخله انك*سر.

تذكّر نفسه صغيرًا، يوم كان يجلس أمام باب مكتب والده، ينتظر كلمة حب لم تأتِ،

يوم كان يبكي بصمتٍ لأن أمه رحلت ولم يعد هناك من يحتضنه.

كان مثل سامي تمامًا طفلًا يبحث عن صدرٍ آمن، عن حضن لا يخذله.

لكن سامر اختار طريقًا آخر طريق القوة، والانت*قام، والك*راهية.

والآن، وهو يرى ذلك الطفل يبكي على أمه التي تصارع الم*وت،

أدرك أنه لم يكن المن*تقم بل الجاني.

سمع صوت الطبيب يخرج من غرفة العناية، وجهه متعب، نظراته حزينة.

اقترب منه صالح بسرعة وسأله:قولّي يا دكتور بنتي حالتها إيه؟

تنهد الطبيب وقال بصوتٍ منخفض:هي دلوقتي في غيبوبة الن*زيف اتوقف، لكن عندها ك*سور متعددة، وحالتها غير مستقرة.

هنعمل المستحيل، بس لسه بدري عشان نعرف إذا كانت هتنجو.

ساد الصمت.

حتى الأجهزة بدت وكأنها توقفت عن الأنين للحظة.

أما سامر، فوقف متيبسًا في مكانه، لا يجرؤ على التقدم ولا على المغادرة.

نظر إلى والده، فوجد في وجهه شيئًا لم يره من قبل ضعفًا حقيقيًا، مك*سورًا ومليئًا بالندم.

في تلك اللحظة، لم يعد يرى خصمه القديم، بل أباه رجلًا عجوزًا فقد كل شيء.

اقترب بخطواتٍ بطيئة،لكن صالح رفع رأسه فجأة،وحين التقت عيناهما، كان في نظرة الأب ما يكفي ليح*رق روح الابن.

لم يقل شيئًا فقط نظر إليه طويلاً، نظرة خالية من الغ*ضب،لكنها محمّلة بكل الخذلان في العالم.

تراجع سامر للخلف، أحس بأن الأرض تميد تحت قدميه.

خرج من المستشفى بخطواتٍ مضطربة، والدموع التي لم يعرفها من قبل تملأ عينيه.

ركب سيارته، أدار المحرك، لكنه لم يتحرك.

أغمض عينيه بقوة، وانه*ارت الكلمات من شفتيه همسًا مرتجفًا:أنا السبب يا رب سامحني.

                  الفصل التاسع من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>