رواية سليم والمراهقة الفصل الاول 1بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل الاول 1

بقلم خضراء القحطاني 

لم أكن أتصوّر يومًا أن وجوده في حياتي سيتحوّل إلى عبء على قلبي.

كان خالي لكنّه لم يكن خالًا عاديًا. كان أخي الذي لم تلدْه أمي، صديقي، رفيقي في كل درب كل لحظة من طفولتي ومراهقتي مرّت وفيها هو ضحكاتنا، شقاوتنا، حتى صمتنا كان واحدًا لم أحتج يومًا لصديقة، فما دمت أملكه، كان العالم يكتفي بي وبـه.

كبرنا سويًا، كبر تعلقنا.

إن دلّلني أحدهم، فهو الذي دلّعني إن عاندني الزمان، فهو الذي كان يربّت على كتفي وحين التزمنا، دخلنا الطريق ذاته كأننا مرآتان عقل واحد في جسدين.

لكن كل ذلك تغيّر لحظة سمعْتُ بخطبته.

لم أرهُ بعيني مع تلك الفتاة، فلم أصدّق أمي لم تصرّ على اصطحابي لحفل الخطبة، وكأنها لم تدرِ أنها بذلك تركتني أتعلّق بالوهم:لم يحدث شيء ما زال لي وحدي.

حتى جاء يوم كتب كتابه كنت في السابعة عشرة، وكان يومًا مشحونًا بالابتسامات الزائفة رأيتها لأول مرة؛ فتاة خجولة، ملامحها ساكنة لا تملك بريقه نظرتُ إليها من أعلى لأسفل وابتسمتُ ابتسامة ساخرة:إنتي العروسة؟

آه أنا سلسبيل.

ابتسمتُ أكثر، وأنا أتمتم وكأنها نكتة قاسية:ياااه حتى اسمك على اسمي.

منذ تلك اللحظة شعرت أنني أخوض ح*ربًا غير معلنة لم تكن ح*ربًا على رجل غريب بل على نصف روحي.

جلستُ إلى جواره، هي عن يساره وأنا عن يمينه أناديه باسمه الذي لا يعرفه سواي، أطعمه بيدي قطعة هنا وأمزح هناك، بينما هي تصمت وتصمت، إلى أن غادرت الغرفة بعينين دامعتين. قيل إنها دموع الفرح لكنني، وأنا أتابع ارتجافة كتفيها، كنت أعرف أنها دموع الهزيمة.

كان الفرح في البيت ضجيج وزينة وأصوات زغاريد تتناثر في الأرجاء كل شيء كان يلمع إلا قلبها، كانت تجلس في ركنٍ قصيّ بوجهٍ جامد، بينما أنا أتنقل في الصالة كطائر حر.

كل خمس دقائق كنت أرق*ص معه، أضع يدي في يده، يرفعني كأنني طفلة صغيرة، أضحك بصوت عالٍ لا يعرف الخجل أحت*ضنه أمام الجميع وكأنني أعلن على الملأ أنني الأقرب.

وحين كنت أهدأ، أجلس بجوارها، أحكي لها عن مغامراتنا معًا كيف أخذني ذات يوم في مركب صغير وسط النيل، كيف حملني حين تعبت من المشي، كيف كنت أشاركه أسراره منذ وعيت.

كنت أستعرض ذكرياتي كما لو كانت ميدالياتٍ على صدره وعلى صدري.

هي ابتسمت ابتسامة مشدودة، لكن عينيها كانت تفضحان الغليان في الداخل لم تجرؤ أن تقول شيئًا، فالنسوة من حولها، والرجال يضحكون، وأمي وجدتي تتابعان المشهد بوجوهٍ راضية.

ثم أخرجتُ هاتفي، أريتها صورًا لي وله في الصباح نفسه، قبل أن ترتدي هي فستانها الأبيض قلت لها وأنا أرفع حاجبيّ كمن يتباهى:بصي إحنا اللي فرشنا الشقة كلها قبل ما تيجي.

لم أكن أقصد أن أج*رحها أو ربما كنت أقصد دون وعي.

أمسكتُ يده مرة أخرى، وضعتُ رأسي على كتفه وسط الدائرة، والرق*ص يعلو أما هي، فقد اختفت فجأة لم أرها إلا بعد ساعة، ووجهها منتفخ من كثرة البكاء. قيل:دموع عروسة قلبها رقيق لكني كنت أعلم، في قرارة نفسي، أنها كانت تبكي مني أنا من ظلّي الثقيل على قلبها.

في تلك الليلة، ولأول مرة، لم أستطع النوم كنت أضحك كثيرًا أمامهم، لكن حين أغلقت عيني، طاردني سؤال قاسٍ:هل أنا السبب في دموعها أم هي السبب في وج*عي؟

مرّ شهر على زواجهم، وكنتُ قد حاولت أن أقنع نفسي أن الأمور ستعود عادية، أنني سأجد لنفسي حياة خارج ظله لكن الزيارة إلى بيت جدتي قلبت كل شيء من جديد.

دخلتُ كعادتي، لا أقول لها جدتي بل يا حبيبتي، أقبّل يدها ورأسها وأحضنها طويلاً أتحرك في البيت كما لو كان بيتي، أدخل المطبخ، أقدّم الطعام، أضحك مع أمي وأجلس قرب أدهم نتبادل النكات والذكريات.

أما هي فكانت تراقب كل حركة، كل كلمة، كل ضحكة، كأنها س*هام صغيرة تستقر في قلبها.

جلستُ بجوارها على المائدة، لكنني لم ألتفت لها كثيرًا، كنت مشغولة بالحديث مع أدهم عن مغامراتنا القديمة، عن المرات التي سافرنا فيها، عن المواقف التي جمعنا. كان وجهه يضيء وهو يضحك، ووجهها ينطفئ أكثر مع كل ذكرى.

وفجأة، ومن دون أن أنتبه، خرجت مني جملة كالسهم:على فكرة مفيش حد زي أدهم دين، أخلاق، جمال ده حلم حياتي إني أتجوز واحد زيه.

ضحك أدهم، ورد مجاملةً بابتسامة دافئة:وأنا كمان، يا سوسو، كان نفسي ألاقي حد زيك ودورت كتير، لحد ما لقيتها، واسمها كمان زيك من بختي.

كانت جملة عابرة بالنسبة لنا، لكن بالنسبة لها؟ كانت النهاية.

تجمدت في مكانها، ثم فجأة أجهشت بالبكاء دموع حارة انهمرت أمام الجميع، وسط صمت ثقيل خيّم على المائدة رفعت رأسها نحوي وقالت بصوت مك*سور:طب ما كنتِ خدتِه ليه انا؟!

الوقت توقف.

أمي مذهولة، جدتي صامتة، أدهم يحدّق في فراغ، وأنا تظاهرت بالبراءة، رفعت حاجبيّ بدهشة مصطنعة، وقلت لها ببساطة:ده خالو.

في تلك اللحظة، فهمتُ أن اللعبة لم تعد بريئة أنني لم أكن مجرد بنت صغيرة تتعلّق بخالها بل صرتُ ظلًا يخنق أنفاس زوجته، حتى لو لم أقصد.

الليل كان باردًا، والجدران رطبة تتساقط منها قطرات ماء خفية الصغير يجلس في ركن الغرفة، يحتضن ركبتيه ويغرس رأسه بينهما أصوات ص*راخ الأب في الخارج تختلط بأن*ين الأم، والباب المغلق بينهما لا يمنع ارتجافه.

كل ما أراده في تلك اللحظة بطانية دافئة وصوتًا يطمئنه، لكن ما وصله فقط هو صف*عة القدر الأولى.

في الصباح، حين خرج إلى الشارع، كان الأطفال يركضون ويلعبون هو لم يركض، لم يضحك نظر إليهم بعينين متورمتين من البكاء، فاقترب أحدهم ودف*عه على الأرض ضحكوا.

هو لم يبكِ هذه المرة، بل رفع قبضة صغيرة وض*رب بكل ما يملك من غ*ضب كان ذلك أول درس يتعلمه من لا يملك القوة يُده*س.

سنوات مرّت، والطفل الذي عاش في الرطوبة والجوع صار رجلاً تُرهبه العيون.

ملابسه فاخرة، خطواته ثابتة، وعينيه لا تعرفان الرأفة على مكتبه الفخم، يجلس وهو يراقب رجاله ينفذون أوامره بلا نقاش.

لم يعد ذلك الصغير الذي ينتظر الحنان صار هو الذي يُخيف صار هو الذي يقرر صار اسمه يكفي ليهتز المكان.

لكن، في كل مرة ينفرد بنفسه، يعود الصوت القديم ليهمس داخله:أنت لست إلا ذلك الطفل الطفل الذي لم يم*ت.

              الفصل الثاني من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا 

تعليقات



<>