الفصل الثاني 2
بقلم خضراء القحطاني
سليم الجندي
العمر ٢٢ سنة تقريبًا.
طويل القامة، جسده قوي مشدود كأنه معتاد على الع*نف.
شعره أسود قصير، وملامحه حادة، عينان قاتمتان تعكسان ق*سوة وتجارب مرة.
ندبة صغيرة أسفل عينه اليسرى، تذكير بطفولة مليانة ص*راعات.
أناقته صارمة بذلة دايمًا غامقة اللون أسود/رمادي داكن، كأن ملابسه درع يخفي هشاشته.
قاس*ي وعن*يف ما بيترددش يستخدم القوة عشان يفرض سيطرته.
متمرّد يكره القوانين والأعراف اللي قيدته زمان، وعاش عمره يقاوم كل شيء.
ذكي وبارد الأعصاب قراراته محسوبة، صعب حد يخمن نواياه.
غامض قليل الكلام، بس حضوره ثقيل يخلي الناس تسكت أول ما يدخل.
عنده نفوذ علاقات، رجال، واسم يخلي الكل يهابه.
طفولته البائسة سرّ ضعفه الوحيد، بيطارده في أحلامه وأحيانًا بيك*سر قناع القوة اللي لابسه.
قليل الثقة بالناس.
أي علاقة يدخلها، بيبقى فيها مزيج من السيطرة والخوف من الفقد.
عنده دائمًا جدار بينه وبين الآخرين، حتى وهو في قمة القوة.
أنا سليم الجندي.
٢٢ سنة من العمر، لكن الحقيقة؟ أنا ما كبرتش يوم.
لسّه الطفل اللي كان يقعد في ركن أوضة ضلمة، يتدفّى بنفسه، ويسمع ص*راخ أبوه وهو بيك*سر في كل حاجة لسه شايل في ضهري كل ص*فعة، كل مرة حد سابني، كل ضحكة اتسخرت عليّ.
كبرت، آه لكن ما اتغيّرتش.
اللي اتغير بس هو الهدوم اللي لابسها زمان كنت حافي برجلي مش لاقي رغيف عيش، دلوقتي لابس بدلة تمنها يجيب بيت زمان كانوا يدفّ*سوني في الطين، دلوقتي أنا اللي بر*مي غيري في الوحل وأقف أتفرّج.
بيقولوا عني قاس*ي عن*يف متمرّد.
ما يعرفوش إن دي مش اختيارات دي ج*روح، لبستني من يوم اتولدت.
اللي يشوفني دلوقتي، يخاف يشوف النفوذ، الرجال، الفلوس لكن أنا كل ليلة، لما الباب يتقفل، بشوف الطفل اللي جوايا بيعيط ومش لاقي حضن.
أنا اسمي سليم بس الحقيقة؟ أنا الجندي اللي عمري ما خرج من معركة.
والطفولة كانت أول ح*رب خسرتها.
في الطابق الأخير من البناية الزجاجية، جلس سليم الجندي خلف مكتبه الفخم أوراق عقود متناثرة، كوب قهوة لم يلمسه، ورجال يقفون عند الباب في انتظار إشارة منه.
كان الصمت يملأ الغرفة، إلا من صوته الرتيب وهو يوقّع الأوراق كل حركة محسوبة، كل كلمة مقنّنة، حتى أنفاسه بدت وكأنها تخضع لقانون القوة.
خلصوا الصفقة وأنا مش عايز أسمع كلمة تاني.
قالها ببرود وهو لا يرفع عينيه عن الورق، لكن رجاله فهموا أن أي تردد يعني نهاي*تهم.
هو لم يكن مجرد رجل أعمال، ولا زعيم عصابة كان شيئًا بين الاثنين رجل يعرف كيف يشتري القلوب، وكيف يحطّ*مها يعرف متى يستخدم المال، ومتى يترك الد*م يتحدث.
اسمه وحده يكفي ليصمت مجلس كامل.
لكن، في تلك الليلة، وبينما المدينة تتلألأ خلف الزجاج، تسلل صمت آخر إلى رأسه.
كوابيسه.
رأى فجأة صورة الطفل في زاوية الغرفة الرطبة، نفس الطفل اللي كان هو، عيناه غارقتان في الدموع، يرتجف وهو يسمع ص*راخ أبيه شدّ سليم نفسًا عميقًا، أدار وجهه بعيدًا عن الزجاج، وض*رب المكتب بقبضته بقوة كأنما يريد طرد ذلك الطيف.
أنا مش ضعيف خلاص.
همس لنفسه، لكن صوته ارتجف للحظة، قبل أن يستعيد ق*سوته ويضغط على زر بجانبه دخل أحد رجاله بسرعة.
هات العربية عندي حساب لازم يتصفّى الليلة.
ابتسم سليم ابتسامة باردة، تلك الابتسامة التي لا يعرفها إلا من جُ*رح صغيرًا ثم تعلّم أن الق*سوة درعه الوحيد.
الليل كان ساكن، والمدينة كلها محكومة بالصمت إلا من أصوات بعيدة لسيارات مسرعة على الطريق السريع، في الطابق العاشر من مبنى زجاجي ضخم جلس سليم الجندي على رأس طاولة طويلة تحيط به وجوه رجاله، سي*جارته تشتعل ببطء وعيناه تتنقلان بينهم في صمت قات*ل، لا أحد يجرؤ أن يبدأ الكلام قبله، كلهم يعرفون أن كلمة واحدة منه كفيلة أن ترفع رجل وتك*سر آخر، يرفع عينه فجأة ناحية واحد من رجاله ويقول بصوت منخفض لكن مليء بالقوة الصفقة اللي في الميناء اتأخرت ليه؟، الرجل يتلعثم ويحاول يبرر لكن سليم يقطع كلامه بنظرة حادة تكفي تخليه يبلع ريقه ويسكت، ينهض واقفًا بخطوات هادئة لكنها ثقيلة، يقترب منه ببطء، يسحب الكرسي من تحته ويرميه على الأرض ثم يهمس في أذنه أنا ما بحبش اللي يخليني أبان ضعيف قدام المنافسين لو اتكرر، أنت عارف مصيرك، يرجع لكرسيه كأن شيئًا ما حصلش بينما الرجل ملامحه بيغطيها الرعب، فجأة يُفتح الباب بعنف ويدخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث سليم بيه في ناس بره بيستنونا شكلهم مش جايين بخير، سليم ما يهتزش، يضحك ضحكة قصيرة باردة ويقول أهو اللعب ابتدى، يقوم واقف، يظبط أزرار بدلته، يلمس ساعته الفاخرة ثم يشير برجاله يلا بينا نشوف مين اللي جاي يهدد الزعيم، ينزلوا من المبنى بسرعة، الموكب الأسود يتقدم في الشوارع المظلمة، أصوات المحركات تقطع السكون، يصلوا للمكان المتفق عليه، مستودع قديم على أطراف الميناء، الأبواب تتفتح ويبان رجال مسل*حين في كل اتجاه، سليم ينزل من السيارة بخطوات ثابتة، عينه تلمع وهي بتتحدى اللي قدامه، يقف في مواجهة زعيم العصابة المنافسة، تبادل نظرات صامتة تتحول لشرارة، الزعيم يحاول يستفزه بكلمة لكن سليم يرفع يده فجأة فيسكت الكل، صوته يخرج هادئ لكنه ح*اد كالن*صل اللي فاكر إنه يقدر يمد إيده على شغلي لازم يعرف إنه بيكتب نهاي*ته بإيده، في لحظة يخرج رجاله أسلح*تهم، أصوات الس*لاح بتملأ المكان، التوتر على أشده، ثواني تفصل بين الكلام والد*م، وسليم واقف في النص، مبتسم ابتسامة صغيرة باردة، عارف إنه مهما حصل الليلة هو اللي هيبقى واقف في الآخر.
سلسبيل كانت ماشية في الشارع اللي بيوصل لبيتها بعد يوم طويل في الثانوية، شنطتها متعلقة على كتفها وحذاؤها الرياضي متسخ شوية من المطر اللي وقع الصبح، شعرها مربوط بسرعة لكن خصلة صغيرة سايبة على جنب وشكلها أقرب لبنت لسه خارجة من حصة لعب مش دروس ثانوية الحقيقة إنها مهما كبرت، لسه جواها جزء طفولي ما بيروحش، تحب تشتري فشار من عربية صغيرة جنب محطة الأتوبيس، وتوقف تضحك مع الولد الصغير اللي بيساعد أبوه في البيع.
في البيت، أوضتها مليانة دفاتر ورسومات على الحيطان، صور من أيام المدرسة لسه محتفظة بيها، وجوابات صغيرة كتبوها لها صحابها وهي في الإعدادي بخطوط ملخبطة ومليانة قلوب ورسومات نجوم لما بتقلب فيهم، تفتكر مواقف كتير يوم ما غابت عن امتحان علشان وقعت وتعورت، والبنات في الفصل قعدوا يكتبوا لها نكت على ورق علشان يفرحوها، أو لما اتخانقت مع واحدة منهم لأنها ضحكت على طريقتها في الكلام ورجعت بعد نص ساعة تصالحها وهي باكية.
صحاب الدراسة كانوا عالمها الصغير اللي بتفزع له من ضغوط البيت لسه على تواصل مع مي اللي دايمًا بتقول لها إنها متأخرة في التفكير زي الأطفال، ومع سارة اللي بقت شبه أختها، تعرف كل أسرارها وبتلومها كتير على تهورها. وفي كل مرة بيكلموها في ذكريات زمان، إسراء تضحك نفس الضحكة القديمة صوت عالي ومليان عفوية، يخلي الناس يفتكروا إنها لسه بنت صغيرة مش بنت 17.
رغم إن شكلها الخارجي أنيق، بملابس عصرية وهدوء ظاهر، جواها طفلة بتخاف من الظلمة، بتحب تقف على الشباك تراقب المطر، وبتكتب لنفسها يوميات بخط ملون في أجندة وردية عليها استيكرات.
يمكن العالم شايفها بنت ناضجة، لكن هي من جواها عارفة إنها لسه بتحمل براءة المدرسة وضحكات الطفولة حتى لما دخلت حياة الكبار، لسه بتحلم بنفس البساطة اللي كانت بتحلم بيها زمان صحاب حقيقيين، وبيت مليان دفء، وحد يحبها من غير ما يغيرها.
