الفصل الحادي عشر 11
بقلم خضراء القحطاني
خرج سليم الجندي من شقة شهد وهو حاسس براحة ما حسش بيها من زمان الهواء الصبحاني ضرب وشه وهو نازل على السلم، لكن ما كملش خطوات قليلة إلا ووشه اتقفل تاني واتلبس وش سليم المعروف في القاهرة كلها الرجل اللي اتربى في بيت رشيد الابنودي وصار الذراع اللي بت*ضرب لكل نفوذ العيلة.
ركب سيارته السودا الفارهة فارس كان مستنيه على الكرسي الأمامي أول ما شافه رجع الصوت الخشن لأوامره .
سليم: فين الولاد اللي اتجرأوا علينا في الميناء؟
فارس: اتمسكوا اتنين وباقي واحد هرب بس الناس خايفة تتكلم.
سليم بصّ قدامه بعينه الجامدة اللي ما بترمش وقال ببرود : ما فيش حد يهرب اللي يوقف في وشي لازم يعرف يعني إيه سليم الجندي أنا مش بلعب.
وصلوا لمخزن قديم في أطراف القاهرة أول ما نزل، الناس اتفرقت من قدامه رجاله كانوا عاملين صف على الجنبين كلهم يعرفوا إن ده الوجه التاني لسليم الوجه اللي ما يعرفش رح*مة ولا تفاهم.
دخل المكتب الضخم اللي فيه شاشة كبيرة وخرائط للموانئ وخطوط التهريب جلس على الكرسي الجلدي، مسك سي*جارته وولعها وهو بيقول لفارس: اللي يخ*وننا يت*قطع من جذوره أنت عارف أنا ما بسيبش دَ*مّ على الأرض.
كانت النبرة مختلفة تمامًا عن اللي سمعها فارس من ساعة وهو فوق بيح*ضن أخته التناقض ده هو سر سليم في البيت أخ وأب حنون، وفي الشغل رجل ما يعرفش إلا القوة والهيبة.
فارس هز راسه وقال:فاكر لما كنت دايمًا تقول لي مش هتسيب الشغل ده يا سليم إلا لما تحط كل الناس تح*ت رجلك؟
سليم نفخ دخان سي*جارته وقال بهدوء: وأنا لسه عند كلامي.
كانت الشمس لسه طالعة، والشارع في وسط القاهرة مزدحم بالعربيات والناس سليم كان نازل من العربية الفارهة بتاعته قدام ورشة صغيرة في الحارة اللي اتربّى فيها.
لمّا شاف أبو ياسين الراجل العجوز اللي كان بيقف على باب الورشة قام على طول ابتسم ونزل له:إزيك يا عمّ ياسين؟ أخبار صحتك إيه؟
الراجل ابتسم وقال:الحمد لله يا بني الدنيا صعبة بس ربنا كبير.
مد سليم إيده بحنو، حط في يد الراجل ظرف مقفول:دي بس عشان ما تشيلش هم العلاج أنا جيت أطمّن عليك، وعايزك تخلّي بالك من نفسك.
الراجل بكى من الفرحة وقال له: ربنا يعزك يا سليم أنت ابن أصل.
سليم ابتسم وربّت على كتف الراجل، وساب له رقمه علشان يكلمه لو احتاج أي حاجة.
بعد ساعات، كان سليم في مكتبه الكبير في الشركة قاعد على مكتبه وبصّته حادة قدامه كان واقف شاب لابس بدلة شيك بس باين عليه متوتر.
سليم بصّ له بنظرة باردة:أنا عرفت كل حاجة عن الصفقة اللي حاولت تاخدها من ورا ضهري.
الشاب اتلعثم: يا أستاذ سليم أنا أنا ما قصدتش.
سليم قطعه بصوت منخفض لكن حاد:أنا بحب الناس اللي بتشتغل معايا بضمير، لكن الخ*يانة عندي ليها تمن الصفقة اتسحبت منك رسميًا، والتعاقد اللي بينا انتهى حالًا اعتبر نفسك من اللحظة دي برّه شركتي وبرّه السوق اللي أنا فيه.
الشاب حاول يتكلم لكن سليم رفع إيده بإشارة إنه يخرج فورًا.
الجو بقى بارد، صمت ثقيل سيطر على المكان الموظفين اللي برا المكتب بصّوا لبعض بخوف، الكل عارف إن سليم لو حبّ يكون لطيف بيبقى ملاك، لكن لو غض*ب بيتحوّل لحد تاني.
في بيت العائلة الكبير كان فيه عزومة بمناسبة نجاح ابن بنت خالته الصغير القاعة مليانة ناس وأصوات ضحك وأطفال بيلعبوا.
سليم واقف وسطهم، لابس بدلة بسيطة بس أنيقة، مبتسم وبيصافح الكل.
أول ما دخلت خالته العجوز اللي مش قادرة تمشي كويس، راح لها على طول، مسك إيدها بحنان:حمد الله على السلامة يا خالتي، اتفضلي هنا، الكرسي ده ليكي.
جابلها طبق من الأكل بنفسه وقال:إحنا من غيرك ما نسواش، ربنا يديكي الصحة.
الست بكت وقالت:ربنا يخليك يا سليم، إنت دايمًا ابن حلال.
بعد شوية، وسط الضحك والجو العائلي، شاف سليم شاب غريب بيقرب من ابنة خاله وهو بيحاول يصورها من غير ما تاخد بالها.
ابتسامته اختفت فجأة.
خطا خطوات سريعة، وصل للشاب قبل ما حد يلحظ، مسك إيده بقوة لكن بصوت هادي:إحنا في بيت عيلة محترمة إنت مين وبتعمل إيه؟
الشاب حاول يتهرّب: ده بس صورة عادية.
سليم شد على إيده أكتر ونظرته بقت باردة:اطلع الصور اللي على موبايلك حالًا، وإلا أتعامل معاك بطريقة تانية.
الشاب ارتبك ومسح الصور بسرعة.
سليم مسكه من كتفه ووجّهه ناحية الباب:أنت مش ضيف عندنا بعد اللي عملته امشي دلوقتي.
الكل سكت من المفاجأة، الجو اللي كان مليان ضحك بقى هدوء متوتر، والناس بصّت لسليم بخ*وف واحترام في نفس الوقت.
رجع سليم بعد ما خرج الشاب، ابتسم تاني لأهله كأن مفيش حاجة حصلت، وبصّ لابنة خاله:متخافيش يا ريم أنا معاكِ.
مرت شهور بعد الحادث اللي وقعت فيه كريمة على السلم وأجهضت البيت بقى ساكت لفترة طويلة، لكن رويدًا رويدًا بدأ يحصل تغيير في القلوب.
حسام، ابنها الكبير، اللي كان مت*مرد واندفاعي، بقى يدخل عليها المطبخ يساعدها من غير ما تقول.
ماما سيبِي الطبق ده أنا اللي هغسله.
تنظر له كريمة بهدوء، عينيها فيها دمعة لكنها تكتمها:خلاص يا حسام أنا قادرة.
لا يا ماما، سيبِيلي أنا كفاية اللي عملته فيكي.
آسر يقف بجوارها يضحك وهو ماسك الكوب:يا ماما أنا بقولك إيه بقى عندك اتنين بيخدموكي.
كريمة تبتسم ابتسامة صغيرة:ربنا يصلح حالكم يا ولادي.
أما محروس، الزوج اللي طول عمره بارد وبخ*يل، بقى يظهر من حين للتاني وهو جايب حاجة بسيطة كيس فاكهة، شوكولاتة، حتى لو حاجة رخيصة.
يدخل البيت يقول لها بصوت متردد:كريمة أنا جبتلك حاجات كنتي محتاجاها.
تنظر له كريمة بثبات، تمسك الكيس وتقول:شكرًا.
ما بقتش تت*خانق ولا تلومه، لكن في نفس الوقت ما نسيتش اللي حصل تعاملاته بقت أهدى شوية، وهي تحاول تفضل متماسكة، تحافظ على وقارها.
في يوم جمعة، وهي بتحضر الغدا، دخل حسام وآسر عليها ومعاهم وردة صغيرة.
حسام قال:دي ليكي يا ماما مننا احنا الاتنين.
الدموع نزلت على خدها من غير ما تحس حضنت الاتنين، قلبها بينبض فرح وخوف في نفس اللحظة.
هي عارفة إن الج*رح اللي حصل جواها مش سهل يطيب، لكن على الأقل بقى فيه بصيص دفء بيرجع للبيت.
ليل هادي في الحارة محروس راجع من الشغل متأخر، شايل همومه على كتفه بيفتح باب الشقة التانية اللي مأجرها لمراته التانية، يلاقي الباب موارب وصوت ضحك جاي من جوه يوقف مكانه لحظة، قلبه يدق بسرعة، يمد إيده يفتح الباب أكتر.
يلمح منظر ما كانش يتوقعه أبدًا الخ*يانة قدامه واضحة، من غير حتى كلام.
يسيب المكان وهو مش قادر يتنفس، يركب عربيته ويمشي في الشوارع من غير ما يعرف رايح فين دموعه نازلة من غير ما يحس، كل الكلام اللي كان بيقوله لكريمة زمان بيلف في دماغه.
يرجع البيت عند كريمة من غير ما يدري بنفسه، يلاقيها قاعدة في الصالة مع ولادها، آسر وحسام ومنى هي وقورة زي ما هي، ملامحها فيها تع*ب لكن فيها هدوء.
يقول لها بصوت مك*سور لأول مرة:كريمة أنا أنا غلطت فيكي كتير.
ترفع عينيها عليه بهدوء:إيه يا محروس؟ مالك؟
ما تسألينيش بس أنا كنت أع*مى، كنت فاكر إني بعيش صح بس طلعت خاس*ر كل حاجة.
الولاد ينظروا لبعض في صمت كريمة تقف ببطء وتقول له:لو عايز تراجع نفسك، راجعها بعيد عني وعن ولادي.
محروس يهز راسه:أنا هراجع نفسي، وهعوضكم إنتي والولاد بس اديني فرصة.
بعد أيام قليلة بدأ يظهر التغيير بقى يقعد مع آسر وحسام ومنى،يحكي معاهم، يسيب فلوس للبيت، يروح السوبرماركت بنفسه يجيب الطلبات يقف مع كريمة في المطبخ، حتى لو بس واقف ساكت، كأنه بيقول لها: أنا هنا.
كريمة من جوه قلبها لسه مج*روحة، ولسه مش مستعدة تسامح بسهولة، لكنها حست لأول مرة من سنين إنه بيحاول فعلاً، مش بس كلام.
الشمس كانت لسه طالعة في وسط القاهرة، الشارع زحمة بس سلسبيل كانت ماشية بسرعة وهي ماسكة شنطتها الصغيرة لابسة يونيفورم بسيط لونه أبيض مع مريلة سودة قلبها يدق بسرعة من التوتر، ده أول يوم شغل ليها بعد كل اللي حصل.
الكوفي شوب اللي هتشتغل فيه في وسط البلد، شكله شيك بس مش غالي فيه ناس داخلة طالعة، روائح القهوة والمخبوزات مليّا المكان.
المدير نادى عليها:يا سلسبيل تعالى يا بنتي ده مكانك، هتستلمي الترابيزة دي والترابيزة دي.
حاضر يا أستاذ قالتها بصوت واطي.
بدأت تمسح الطاولات وتاخد الطلبات رغم التع*ب اللي في عينيها، كانت بتحاول تبتسم للزبائن أول ما سمعت كلمة شكرًا من واحدة قاعدة على الطاولة، حسّت بحاجة صغيرة بتحييها من جوه، كأنها بتثبت لنفسها إنها قادرة تقف على رجليها من تاني.
في البريك، قعدت على الكرسي جوه المطبخ الصغير تشرب شاي سمعت زميلتها تقول لها:واضح إنك شاطرة يا سلسبيل دي أول مرة تشتغلي نادلة؟
أيوه بس لازم أتعلم بسرعة.
ولا يهمك، هتمشي زي الفل.
خرجت بعد البريك، لقت زحمة أكتر صوت الماكينة، ضحك الناس، كأن الحياة كلها ماشية من حواليها وهي بتحاول تمشي معاها.
ولأول مرة من مدة طويلة، وهي ماشية بين الطاولات، حسّت إنها بتعمل حاجة لنفسها، مش بس هاربة من اللي حصل حتى لو الشغل بسيط، حتى لو الأجر قليل، بس فيه إحساس بالكرامة والاستقلالية.
الكوفي شوب كان زحمة بعد الظهر، سلسبيل لابسة اليونيفورم وتمشي بين الترابيزات بسرعة وهي شايلة صينية عليها طلبات فجأة وهي ماشية عند الباب حسّت بإيد تمسكها من وراها بطريقة متح*رشة اتسمرت في مكانها، قلبها وق*ع من الخضة.
الزبون، شاب لع*وب، قال بنبرة مستفزة:يا قمر ماشيين علينا كده من غير ما تدينا ابتسامة؟!
حاولت تشيل إيده من عليها:سيبني حالاً!
لكن هو قرب منها تاني وضحك ضحكة وح*شة.
في اللحظة دي الباب اتفتح بع*نف سليم كان واقف برا، لابس بدلة غامقة ونظارة شمس، كان جاي يقابل حد عينه وقعت على المشهد كل حاجة اتغيرت في ثواني؛ ملامحه اللي كانت هادية اتحولت لصقر جايب صيد.
مش سمع غير أنفاسه وهو بيه*جم على الشاب م*سكه من ياقة قميصه وشده لحد الحيطة صوته خرج زي الرعد:إيدك دي تت*قطع قبل ما تمدها على واحدة تاني! فاهم!
الناس اللي في الكوفي وقفوا مذهولين الشاب حاول يتكلم بس سليم زقه بقوة وقع على الأرض.
سلسبيل كانت واقفة مرع*وبة، إيديها بترتعش صاحبتها اللي في الكوفي، لبنى، جريت عليها تمسكها:اهدَي يا سلسبيل خلاص، هو مش هيتعرضلك تاني.
سلسبيل دموعها نزلت من الخضة، مافيش صوت بيطلع من حلقها.
سليم رجع يبص عليها، عينه فيها ن*ار بس صوته بقى واطي وهو بيقول للبنت اللي معاها:سيبيها لي.
قبل ما حد يلحق يفكر، سليم مد إيده شال سلسبيل من وسط الناس، حطاها في حض*نه كأنه شايل طفلة وخرج بيها من الكوفي أصوات الناس وراهم اتلخبطت ما بين شهقات وتعليقات، لكن سليم ما بصلش لحد.
الهواء برا كان سخن، بس هي حسّت ببرودة في جسمها كله كانت من*هارة بين إيديه، مش قادرة تتحرك كل اللي سمعته دقات قلبها ودقات خطواته السريعة لحد ما وصل للعربية السودا الفارهة وفتح الباب الخلفي بلطف وحطها جوه.
هو دخل من الناحية التانية وقفل الباب العربية اتحركت وهي لسه ماسكة نفسها بالعافية، ولبنى وقفت قدام باب الكوفي مش فاهمة اللي حصل غير إن سلسبيل اختفت في لحظة.
كانت العربية ماشية بهدوء وسط زحمة الشارع، أضواء المحلات والشوارع تعدي زي الشريط قدام عين سلسبيل جسْمها كله بي*رتعش ولسانها عاجز عن النطق، دموعها لسه على خدودها سليم قاعد جنبها، جسمه الضخم واخد مساحة كبيرة في الكرسي، لابس بدلة غامقة وريحتها غالية.
مد إيده بهدوء من غير ما يتكلم، سح*بها شوية ناحيته لحد ما رأسها استقرت على صدره قلبه بيدق جامد بس ملامحه ما بتتحركش لأول مرة من مدة طويلة، كانت فيه حاجة في عينيه غير الق*سوة اللي الناس عارفينها عنه.
هي ما سألتش هو مين ولا ليه بيعمل كده، بس كل اللي حسّت بيه إنه المكان ده رغم غُربته مأمون ريحته، صوته وهو بيقول كلمة هادية:اهدي يا سلسبيل خلاص أنا معاكي.
خلت دمعها يزيد بس جسمها يهدا شوية شوية.
أصابعها كانت ماسكة في جاكيت البدلة من غير ما تحس عينيها بقت تقفل وتفتح، الرع*ب والإرهاق عملوا في جسمها اللي عملوه سليم فضل ساكت، بيمسح بإيده على شعرها بحركة بسيطة جداً كأنه بيهدي طفل.
الدنيا برا كانت دوشة، بس جوه العربية فيه هدوء غريب. ومع آخر نفس مرتعش خرج من صدرها، سلسبيل نامت فعلاً وهي متشبثة فيه، كأن جسمها سلّم نفسه للنوم والأمان اللي حسّت بيه للحظة.
سليم بصلها بنظرة طويلة، على وشه ابتسامة صغيرة مش معتادة عليه، حاجة بين الشفقة والغض*ب حط إيده على الباب وهو بيوجه السواق:على القصر.
والعربية كملت طريقها وسط القاهرة، وهي نايمة على صدره مش حاسة باللي حواليها ولا حتى بالمكان اللي هيوصلها ليه.
